المغني
المغني · الجزء الأول
page 361
( 439 ) فَصْلٌ : وَمِنْ شُرُوطِ جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ ، أَنْ تَكُونَ سَاتِرَةً لِجَمِيعِ الرَّأْسِ ، إلَّا مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِكَشْفِهِ ، كَمُقَدَّمِ الرَّأْسِ وَالْأُذُنَيْنِ ، وَشِبْهِهِمَا مِنْ جَوَانِبِ الرَّأْسِ ، فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ ، بِخِلَافِ الْخَرْقِ الْيَسِيرِ فِي الْخُفِّ ، فَإِنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْهُ ; لِأَنَّ هَذَا الْكَشْفَ جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ عَنْهُ ، وَإِنْ كَانَ تَحْتَ الْعِمَامَةِ قَلَنْسُوَةٌ يَظْهَرُ بَعْضُهَا ، فَالظَّاهِرُ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَيْهِمَا ; لِأَنَّهُمَا صَارَا كَالْعِمَامَةِ الْوَاحِدَةِ .
وَمِنْ شُرُوطِ جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهَا ، أَنْ تَكُونَ عَلَى صِفَةِ عَمَائِمِ الْمُسْلِمِينَ ، بِأَنْ يَكُونَ تَحْتَ الْحَنَكِ مِنْهَا شَيْءٌ ; لِأَنَّ هَذِهِ عَمَائِمُ الْعَرَبِ ، وَهِيَ أَكْثَرُ سَتْرًا مِنْ غَيْرِهَا ، وَيَشُقُّ نَزْعُهَا ، فَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا ، سَوَاءٌ كَانَتْ لَهَا ذُؤَابَةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ . قَالَهُ الْقَاضِي .
وَسَوَاءٌ كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَحْتَ الْحَنَكِ مِنْهَا شَيْءٌ ، وَلَا لَهَا ذُؤَابَةٌ ، لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهَا ; لِأَنَّهَا عَلَى صِفَةِ عَمَائِمِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا يَشُقُّ نَزْعُهَا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ أَنَّهُ أَمَرَ بِالتَّلَحِّي ، وَنَهَى عَنْ الِاقْتِعَاطِ } . رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ ، قَالَ : وَالِاقْتِعَاطُ أَنْ لَا يَكُونَ تَحْتَ الْحَنَكِ مِنْهَا شَيْءٌ . وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَأَى رَجُلًا لَيْسَ تَحْتَ حَنَكِهِ مِنْ عِمَامَتِهِ شَيْءٌ ، فَحَنَّكَهُ بِكَوْرٍ مِنْهَا ، وَقَالَ : مَا هَذِهِ الْفَاسِقِيَّةُ ؟ فَامْتَنَعَ الْمَسْحُ عَلَيْهَا لِلنَّهْيِ عَنْهَا ، وَسُهُولَةِ نَزْعِهَا .
وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ ذُؤَابَةٍ ، وَلَمْ تَكُنْ مُحَنَّكَةً ، فَفِي الْمَسْحِ عَلَيْهَا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، جَوَازُهُ ; لِأَنَّهُ لَا تُشْبِهُ عَمَائِمَ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، إذْ لَيْسَ مِنْ عَادَتِهِمْ الذُّؤَابَةُ . وَالثَّانِي ، لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي عُمُومِ النَّهْيِ ، وَلَا يَشُقُّ نَزْعُهَا .
( 440 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ بَعْضُ الرَّأْسِ مَكْشُوفًا ، مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِكَشْفِهِ ، اُسْتُحِبَّ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ مَعَ الْعِمَامَةِ . نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى عِمَامَتِهِ وَنَاصِيَتِهِ ، فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ . قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ . وَهَلْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَاجِبٌ ؟ وَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْهُ ، فَيُخَرَّجُ فِيهَا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، وُجُوبُهُ ; لِلْخَبَرِ ; وَلِأَنَّ الْعِمَامَةَ نَابَتْ عَمَّا اسْتَتَرَ ، فَبَقِيَ الْبَاقِي عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ ، كَالْجَبِيرَةِ .
وَالثَّانِي ، لَا يَجِبُ ; لِأَنَّ الْعِمَامَةَ نَابَتْ عَنْ الرَّأْسِ ، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهَا ، وَانْتَقَلَ الْفَرْضُ إلَيْهَا ، فَلَمْ يَبْقَ لِمَا ظَهَرَ حُكْمٌ ; وَلِأَنَّ وُجُوبَهُمَا مَعًا يُفْضِي إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ بَدَلٍ وَمُبْدَلٍ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ ، فَلَمْ يَجُزْ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ كَالْخُفِّ . وَعَلَى هَذَا تُخَرَّجُ الْجَبِيرَةُ . وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْأُذُنَيْنِ لَا يَجِبُ مَسْحُهُمَا ; لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ ، وَلَيْسَا مِنْ الرَّأْسِ ، إلَّا عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith