المغني
المغني · الجزء الأول
( 822 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ صَلَّى جَالِسًا يُومِئُ إيمَاءً وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ الْعَادِمَ لِلسُّتْرَةِ الْأَوْلَى لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَقَالَ بِهِ عَطَاءٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ . وَيُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ . وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ يُصَلِّي قَائِمًا ، بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { صَلِّ قَائِمًا ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَجَالِسًا } . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . وَلِأَنَّهُ مُسْتَطِيعٌ لِلْقِيَامِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ ، فَلَمْ يَجُزْ تَرْكُهُ لَهُ كَالْقَادِرِ عَلَى السَّتْرِ .
وَلَنَا مَا رَوَى الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، فِي قَوْمٍ انْكَسَرَتْ بِهِمْ مَرَاكِبُهُمْ ، فَخَرَجُوا عُرَاةً ، قَالَ : يُصَلُّونَ جُلُوسًا ، يُومِئُونَ إيمَاءً بِرُءُوسِهِمْ . وَلَمْ يُنْقَلْ خِلَافُهُ ، وَلِأَنَّ السَّتْرَ آكَدُ مِنْ الْقِيَامِ بِدَلِيلِ أَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ يَسْقُطُ مَعَ الْقُدْرَةِ بِحَالٍ ، وَالْقِيَامُ يَسْقُطُ فِي النَّافِلَةِ . وَالثَّانِي أَنَّ الْقِيَامَ يَخْتَصُّ الصَّلَاةَ ، وَالسَّتْرَ يَجِبُ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ تَرْكِ أَحَدِهِمَا ، فَتَرْكُ أَخَفِّهِمَا أَوْلَى مِنْ تَرْكِ آكَدِهِمَا . وَلِأَنَّهُ إذَا اسْتَتَرَ أَتَى بِبَدَلٍ عَنْ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، وَالسَّتْرُ لَا بَدَلَ لَهُ .
وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى حَالٍ لَا تَتَضَمَّنُ تَرْكَ السُّتْرَةِ . فَإِنْ قِيلَ : فَالسَّتْرُ لَا يَحْصُلُ كُلُّهُ ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ بَعْضُهُ ، فَلَا يَفِي بِتَرْكِ الْقِيَامِ . قُلْنَا : إذَا قُلْنَا الْعَوْرَةُ الْفَرْجَانِ . فَقَدْ حَصَلَ السَّتْرُ . وَإِنْ قُلْنَا : الْعَوْرَةُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فَقَدْ حَصَلَ سَتْرُ آكَدِهَا وُجُوبًا فِي السَّتْرِ ، وَأَفْحَشِهَا فِي النَّظَرِ ، فَكَانَ سَتْرُهُ أَوْلَى . وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَلَيْسَ عَلَى مَنْ صَلَّى فِي هَذِهِ الْحَالِ إعَادَةٌ ; لِأَنَّهُ شَرْطٌ مِنْ شَرَائِطِ الصَّلَاةِ عَجَزَ عَنْهُ فَسَقَطَ ، كَمَا لَوْ عَجَزَ 345 عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فَصَلَّى إلَى غَيْرِهَا . وَإِنْ صَلَّى الْعُرْيَانُ قَائِمًا ، وَرَكَعَ وَسَجَدَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ أَيْضًا فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : يَتَخَيَّرُونَ بَيْنَ الصَّلَاةِ قِيَامًا وَقُعُودًا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ قِيَامًا وَقُعُودًا ; فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ فِي الْعُرَاةِ : يَقُومُ إمَامُهُمْ فِي وَسَطِهِمْ . وَرَوَى عَنْهُ الْأَثْرَمُ ، إنْ تَوَارَى بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فَصَلَّوْا قِيَامًا ، فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ . قِيلَ لَهُ : فَيُومِئُونَ أَوْ يَسْجُدُونَ ؟ قَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، السُّجُودُ لَا بُدَّ مِنْهُ .
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُومِئُ بِالسُّجُودِ فِي حَالٍ ، وَأَنَّ الْأَفْضَلَ فِي الْخَلْوَةِ الْقِيَامُ ، إلَّا أَنَّ الْخَلَّالَ قَالَ : هَذَا تَوَهُّمٌ مِنْ الْأَثْرَمِ . قَالَ : وَمَعْنَى قَوْلِ أَحْمَدَ : يَقُومُ وَسَطَهُمْ . أَيْ يَكُونُ وَسَطَهُمْ ، لَمْ يُرِدْ بِهِ حَقِيقَةَ الْقِيَامِ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَيَنْبَغِي لِمَنْ صَلَّى عُرْيَانًا أَنْ يَضُمَّ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ ، وَيَسْتُرَ مَا أَمْكَنَ سَتْرُهُ قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : يَتَرَبَّعُونَ أَوْ يَتَضَامُّونَ ؟ قَالَ : لَا بَلْ يَتَضَامُّونَ . وَإِذَا قُلْنَا : يَسْجُدُونَ بِالْأَرْضِ . فَإِنَّهُمْ يَتَضَامُّونَ أَيْضًا . وَعَنْ أَحْمَدَ : أَنَّهُ يَتَرَبَّعُ مَوْضِعَ الْقِيَامِ . وَالْأَوَّلُ أَوْلَى .
وَلَنَا مَا رَوَى الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، فِي قَوْمٍ انْكَسَرَتْ بِهِمْ مَرَاكِبُهُمْ ، فَخَرَجُوا عُرَاةً ، قَالَ : يُصَلُّونَ جُلُوسًا ، يُومِئُونَ إيمَاءً بِرُءُوسِهِمْ . وَلَمْ يُنْقَلْ خِلَافُهُ ، وَلِأَنَّ السَّتْرَ آكَدُ مِنْ الْقِيَامِ بِدَلِيلِ أَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ يَسْقُطُ مَعَ الْقُدْرَةِ بِحَالٍ ، وَالْقِيَامُ يَسْقُطُ فِي النَّافِلَةِ . وَالثَّانِي أَنَّ الْقِيَامَ يَخْتَصُّ الصَّلَاةَ ، وَالسَّتْرَ يَجِبُ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ تَرْكِ أَحَدِهِمَا ، فَتَرْكُ أَخَفِّهِمَا أَوْلَى مِنْ تَرْكِ آكَدِهِمَا . وَلِأَنَّهُ إذَا اسْتَتَرَ أَتَى بِبَدَلٍ عَنْ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، وَالسَّتْرُ لَا بَدَلَ لَهُ .
وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى حَالٍ لَا تَتَضَمَّنُ تَرْكَ السُّتْرَةِ . فَإِنْ قِيلَ : فَالسَّتْرُ لَا يَحْصُلُ كُلُّهُ ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ بَعْضُهُ ، فَلَا يَفِي بِتَرْكِ الْقِيَامِ . قُلْنَا : إذَا قُلْنَا الْعَوْرَةُ الْفَرْجَانِ . فَقَدْ حَصَلَ السَّتْرُ . وَإِنْ قُلْنَا : الْعَوْرَةُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فَقَدْ حَصَلَ سَتْرُ آكَدِهَا وُجُوبًا فِي السَّتْرِ ، وَأَفْحَشِهَا فِي النَّظَرِ ، فَكَانَ سَتْرُهُ أَوْلَى . وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَلَيْسَ عَلَى مَنْ صَلَّى فِي هَذِهِ الْحَالِ إعَادَةٌ ; لِأَنَّهُ شَرْطٌ مِنْ شَرَائِطِ الصَّلَاةِ عَجَزَ عَنْهُ فَسَقَطَ ، كَمَا لَوْ عَجَزَ 345 عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فَصَلَّى إلَى غَيْرِهَا . وَإِنْ صَلَّى الْعُرْيَانُ قَائِمًا ، وَرَكَعَ وَسَجَدَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ أَيْضًا فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : يَتَخَيَّرُونَ بَيْنَ الصَّلَاةِ قِيَامًا وَقُعُودًا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ قِيَامًا وَقُعُودًا ; فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ فِي الْعُرَاةِ : يَقُومُ إمَامُهُمْ فِي وَسَطِهِمْ . وَرَوَى عَنْهُ الْأَثْرَمُ ، إنْ تَوَارَى بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فَصَلَّوْا قِيَامًا ، فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ . قِيلَ لَهُ : فَيُومِئُونَ أَوْ يَسْجُدُونَ ؟ قَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، السُّجُودُ لَا بُدَّ مِنْهُ .
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُومِئُ بِالسُّجُودِ فِي حَالٍ ، وَأَنَّ الْأَفْضَلَ فِي الْخَلْوَةِ الْقِيَامُ ، إلَّا أَنَّ الْخَلَّالَ قَالَ : هَذَا تَوَهُّمٌ مِنْ الْأَثْرَمِ . قَالَ : وَمَعْنَى قَوْلِ أَحْمَدَ : يَقُومُ وَسَطَهُمْ . أَيْ يَكُونُ وَسَطَهُمْ ، لَمْ يُرِدْ بِهِ حَقِيقَةَ الْقِيَامِ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَيَنْبَغِي لِمَنْ صَلَّى عُرْيَانًا أَنْ يَضُمَّ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ ، وَيَسْتُرَ مَا أَمْكَنَ سَتْرُهُ قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : يَتَرَبَّعُونَ أَوْ يَتَضَامُّونَ ؟ قَالَ : لَا بَلْ يَتَضَامُّونَ . وَإِذَا قُلْنَا : يَسْجُدُونَ بِالْأَرْضِ . فَإِنَّهُمْ يَتَضَامُّونَ أَيْضًا . وَعَنْ أَحْمَدَ : أَنَّهُ يَتَرَبَّعُ مَوْضِعَ الْقِيَامِ . وَالْأَوَّلُ أَوْلَى .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith