المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء السادس
الصفحة 1124 · ص. المطبوع 197
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ وَحُمَيْدَ كِلَيْهِمَا عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { ۝ أُعْطِيتُ أَرْبَعًا لَمْ يُعْطَهَا نَبِيٌّ قَبْلِي ، أُرْسِلْتُ إلَى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ } وَذَكَرَ بَاقِي الْخَبَرِ . فَصَحَّ بِنَقْلِ التَّوَاتُرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُعِثَ وَحْدَهُ إلَى الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَأَنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ قَبْلَهُ قَطُّ إلَّا إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً . وَقَالَ تَعَالَى : { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ } . وَقَالَ تَعَالَى : { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } . فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهُمْ مُذْ خُلِقُوا مَأْمُورُونَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى . وَصَحَّ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ السُّنَنِ الْقَاطِعَةِ أَنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ إلَيْهِمْ نَبِيٌّ مِنْ الْإِنْسِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَالْجِنُّ لَيْسُوا قَوْمَ أَحَدٍ مِنْ الْإِنْسِ . 197 فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهُمْ بُعِثَ إلَيْهِمْ أَنْبِيَاءُ مِنْهُمْ ، وَبَطَلَ تَخْلِيطُ الطَّحَاوِيِّ بِالْبَاطِلِ الَّذِي رَامَ بِهِ دَفْعَ الْحَقِّ . وَقَالَ أَيْضًا : وَهَذَا مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { ۝ بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ ، فَمَنْ وَفَّى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إلَى اللَّهِ إنْ شَاءَ عَاقَبَهُ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ } قَالَ : وَإِنَّمَا الْكَفَّارَةُ وَالْعَفْوُ فِيمَا دُونَ الشِّرْكِ لَا فِي الشِّرْكِ ، وَقَدْ ذُكِرَ مَعَ سَائِرِ ذَلِكَ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا جَهْلٌ مِنْهُ شَدِيدٌ لِأَنَّ الْكَفَّارَاتِ فِي الْقُرْآنِ ، وَالسُّنَنِ تَنْقَسِمُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ - : أَحَدُهَا : كَفَّارَةُ عِبَادَةٍ بِغَيْرِ ذَنْبٍ أَصْلًا قَالَ تَعَالَى : { ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ } . وَقَدْ يَكُونُ الْحِنْثُ أَفْضَلَ مِنْ التَّمَادِي عَلَى الْيَمِينِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ إنِّي لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْتُ } أَوْ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ [ عَلَى ] أَنَّ الْحِنْثَ وَفِيهِ الْكَفَّارَةُ قَدْ يَكُونُ خَيْرًا مِنْ الْوَفَاءِ بِالْيَمِينِ . وَالثَّانِي : كَفَّارَةٌ بِلَا ذَنْبٍ بَاقٍ لَكِنْ لِذَنْبٍ قَدْ تَقَدَّمَ غُفْرَانُ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ كَالْحَدِّ يُقَامُ عَلَى التَّائِبِ مِنْ الزِّنَى . وَالثَّالِثُ : كَفَّارَةٌ لِذَنْبٍ لَمْ يَتُبْ مِنْهُ صَاحِبُهُ فَتَرْفَعُهُ الْكَفَّارَةُ كَحَدِّ الزَّانِي وَالسَّارِقِ اللَّذَيْنِ لَمْ يَتُوبَا . وَالرَّابِعُ : كَفَّارَةٌ عَلَى ذَنْبٍ لَمْ يَتُبْ مِنْهُ صَاحِبُهُ وَلَا رَفَعَتْهُ الْكَفَّارَةُ وَلَا حَطَّتْهُ كَالْعَائِدِ إلَى قَتْلِ الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ عَمْدًا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ - قَالَ تَعَالَى : { فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ } . 198 فَهَذِهِ نِقْمَةٌ مُتَوَعَّدٌ بِهَا مَعَ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ ، فَالْكَفَّارَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ عَلَى عُمُومِهَا إمَّا مُسْقِطَةٌ لِلذَّنْبِ وَعُقُوبَتُهُ فِي الْآخِرَةِ فِي الزِّنَى وَالْقَتْلِ ، وَالْبُهْتَانِ الْمُفْتَرَى ، وَالْمَعْصِيَةِ فِي الْمَعْرُوفِ ، وَإِمَّا غَيْرُ مُسْقِطَةٍ لِلذَّنْبِ ، وَعُقُوبَتُهُ فِي الْآخِرَةِ ، وَهِيَ قَتْلُ الْمُشْرِكِ عَلَى شِرْكِهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { ۝ وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إلَى اللَّهِ إنْ شَاءَ عَاقَبَهُ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ } فَلَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ خَفِيَ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا عَلَى عُمُومِهِ ؟ وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ وَالرُّسُلَ ، وَالْأَنْبِيَاءَ ، وَالصَّالِحِينَ ، وَالْفُسَّاقَ وَالْكُفَّارَ ، وَإِبْلِيسَ ، وَفِرْعَوْنَ ، وَأَبَا جَهْلٍ ، وَأَبَا لَهَبٍ ، كُلَّهُمْ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى يَفْعَلُ فِيهِمْ مَا يَشَاءُ مِنْ عُقُوبَةٍ أَوْ عَفْوٍ ، إلَّا أَنَّهُ تَعَالَى قَدْ بَيَّنَ أَنَّهُ يُعَاقِبُ الْكُفَّارَ وَلَا بُدَّ ، وَإِبْلِيسَ ، وَأَبَا لَهَبٍ ، وَأَبَا جَهْلٍ ، وَفِرْعَوْنَ ، وَلَا بُدَّ - وَيَرْضَى عَنْ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّسُلِ ، وَالْأَنْبِيَاءِ ، وَالصَّالِحِينَ ، وَلَا بُدَّ ، وَكُلُّهُمْ فِي الْمَشِيئَةِ وَلَا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَنْ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، مَنْ عَاقَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَقَدْ شَاءَ أَنْ يُعَاقِبَهُ ، وَمَنْ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ فَقَدْ شَاءَ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ . أَمَّا عِلْمُ الْجَاهِلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ شَاءَ أَنْ يُعَذِّبَ الْمَلَائِكَةَ ، وَالرُّسُلَ ، وَيُنْعِمَ الْكُفَّارَ لَمَا مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ ، لَكِنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ . أَمَا سَمِعَ قَوْله تَعَالَى { يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ } وقَوْله تَعَالَى : { إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا } ثُمَّ اسْتَثْنَى الشِّرْكَ جُمْلَةً أَبَدِيَّةً ، وَمَنْ رَجَحَتْ كَبَائِرُهُ وَسَيِّئَاتُهُ حَتَّى يَخْرُجُوا بِالشَّفَاعَةِ . أَمَا عَقَلَ أَنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { ۝ إنْ شَاءَ عَاقَبَهُ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ } لَيْسَ فِيهِ إيجَابٌ لِأَحَدِهِمَا وَلَا بُدَّ ، وَأَنَّ ذَلِكَ مَرْدُودٌ إلَى سَائِرِ النُّصُوصِ . فَهَلْ فِي الضَّلَالِ أَشْنَعُ مِمَّنْ جَعَلَ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { ۝ الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ النَّخْلَةِ وَالْعِنَبَةِ } عَلَى غَيْرِ الْحَقِيقَةِ ؟ بَلْ عَلَى التَّدْلِيسِ فِي الدِّينِ وَإِلَّا فَأَيُّ وَجْهٍ لَأَنْ يُرِيدَ أَنْ يُبَيِّنَ عَلَيْنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا مِنْ أَنَّ الْخَمْرَ مِنْ الْعِنَبِ فَقَطْ فَيُقْحِمَ فِي ذَلِكَ النَّخْلَةَ ، وَهِيَ لَا تَكُونُ الْخَمْرُ مِنْهَا ؟ هَلْ هَذَا إلَّا فِعْلُ الْفُسَّاقِ وَالْمُلْغِزِينَ فِي الدِّينِ ، الْعَابِثِينَ فِي كَلَامِهِمْ ؟ فَسُحْقًا 199 فَسُحْقًا لِكُلِّ هَوًى يُحْمَلُ عَلَى أَنْ يُنْسَبَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُ مِمَّا يَتَرَفَّعُ عَنْهُ كُلُّ مُجِدٍّ لَا يَرْضَى بِالْكَذِبِ ، وَسَيُرَدُّونَ وَنُرَدُّ ، وَيَعْلَمُونَ وَنَعْلَمُ ، وَاَللَّهِ لَتَطُولَن النَّدَامَةُ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْعَظَائِمِ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى هُدَاهُ لَنَا كَثِيرًا { وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ } . وَهَلْ بَيَّنَ مَا حَمَلَ عَلَيْهِ الطَّحَاوِيُّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { ۝ الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ النَّخْلَةِ وَالْعِنَبَةِ } مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ الْعِنَبَةَ فَقَطْ لَا النَّخْلَةَ فَذَكَرَ النَّخْلَةَ ؟ لَا نَدْرِي لِمَاذَا فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِ فَاسِقٍ يَقُولُ : الْكَذِبُ مِنْ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ مُحَمَّدٍ وَمُسَيْلِمَةِ ؟ فَتَأَمَّلُوا مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ الطَّحَاوِيُّ ، وَهَذَا الْقَوْلُ تَجِدُوهُ سَوَاءً سَوَاءً فَتَحَكَّمَ الطَّحَاوِيُّ بِالْبَاطِلِ فِي هَذَا الْخَبَرِ كَمَا تَرَوْنَ وَتَحَكَّمَ أَصْحَابُهُ فِيهِ أَيْضًا بِبَاطِلَيْنِ آخَرَيْنِ - : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُمْ قَالُوا : لَيْسَ الْخَمْرُ مِنْ غَيْرِهِمَا ، وَلَيْسَ هَذَا فِي الْخَبَرِ أَصْلًا ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقُلْ : لَيْسَ الْخَمْرُ إلَّا مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ ، إنَّمَا قَالَ { ۝ الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ } فَأَوْجَبَ أَنَّ الْخَمْرَ مِنْهُمَا ، وَلَمْ يَمْنَعْ أَنْ تَكُونَ الْخَمْرُ أَيْضًا مِنْ غَيْرِهِمَا إنْ وَرَدَ بِذَلِكَ نَصٌّ صَحِيحٌ ، بَلْ قَدْ جَاءَ نَصٌّ بِذَلِكَ - : كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمِسْمَعِيُّ نا الْمُعْتَمِرُ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ - [ قَالَ ] قَرَأْت عَلَى الْفُضَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ أَبِي حَرِيزٍ قَالَ : إنَّ الشَّعْبِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ حَدَّثَهُ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { ۝ إنَّ الْخَمْرَ مِنْ الْعَصِيرِ ، وَالزَّبِيبِ ، وَالتَّمْرِ ، وَالْحِنْطَةِ ، وَالشَّعِيرِ ، وَالذُّرَةِ ، وَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ } - : أَبُو حَرِيزٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ - قَاضِي سِجِسْتَانَ رَوَى عَنْ عِكْرِمَةَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَرَوَى عَنْهُ الْفَضْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ وَغَيْرُهُ . فَهَذَا نَصٌّ كَنَصِّهِمْ وَزَائِدٌ عَلَيْهِ مَا لَا يَحِلُّ تَرْكُهُ . وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : { ۝ كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ } . وَالثَّانِي : أَنَّهُمْ قَالُوا : لَيْسَ مَا طُبِخَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَنَبِيذِ ثَمَرِ النَّخْلِ إذَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ خَمْرًا وَإِنْ أَسْكَرَ ، فَتَحَكَّمُوا فِي الْخَبَرِ الَّذِي أَوْهَمُوا أَنَّهُمْ تَعَلَّقُوا بِهِ تَحَكُّمًا ظَاهِرَ الْفَسَادِ بِلَا بُرْهَانٍ ، وَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهِ إذْ خَالَفُوا مَا فِيهِ بِغَيْرِ نَصٍّ آخَرَ ، وَخَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ فِي 200 شَيْءٍ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ أَوْ مِنْ النَّاسِ سَلَفٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
. وَمَوَّهُوا فِي إبَاحَةِ مَا طُبِخَ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ أَسْكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يُسْكِرْ بِرِوَايَاتٍ - : مِنْهَا : مَا رُوِّينَا مِنْ طُرُقٍ ثَابِتَةٍ إلَى إبْرَاهِيمَ عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ قَالَ : كَتَبَ عُمَرُ إلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَرْزُقُوا النَّاسَ الطِّلَاءَ ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ . وَأُخْرَى مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ عَنْ حَيَّانَ الْأَسَدِيِّ أَنَّهُ رَأَى عَمَّارًا قَدْ شَرِبَ مِنْ الْعَصِيرِ مَا طُبِخَ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ وَسَقَاهُ مَنْ حَوْلَهُ . وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ، وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ، كَانَا يَشْرَبَانِ الطِّلَاءَ مَا طُبِخَ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ . وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَأَبِي مُوسَى مِثْلُ ذَلِكَ . وَعَنْ عَلِيٍّ : أَنَّهُ كَانَ يَرْزُقُ النَّاسَ طِلَاءً يَقَعُ فِيهِ الذُّبَابُ فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ . وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ مِثْلُ هَذَا . وَاحْتَجُّوا فِي هَذَا بِخَبَرٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ فِي مُقَاسَمَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ إبْلِيسَ الزَّرْجُونَ : لِإِبْلِيسِ الثُّلُثَانِ ، وَلِنُوحٍ الثُّلُثُ . وَمِنْ طَرِيقِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مِثْلُ هَذَا . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : لَمْ يُدْرِكْ أَنَسٌ ، وَلَا ابْنُ سِيرِينَ نُوحًا بِلَا شَكٍّ ، وَلَا نَدْرِي مِمَّنْ سَمِعَاهُ ، وَلَوْ سَمِعَهُ أَنَسٌ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا اسْتَحَلَّ كِتْمَانَ اسْمِهِ - فَسَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهَذَا . وَلَوْ صَحَّ هَذَا لَكَانَ مَتَى أُهْرِقَ مِنْ الْعَصِيرِ ثُلُثَاهُ حَلَّ بَاقِيهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ ذَهَابِ ثُلُثَيْهِ بِالطَّبْخِ وَبَيْنَ ذَهَابِهِمَا بِالْهَرْقِ وَإِنَّمَا الْمُرَاعَى السُّكْرُ فَقَطْ كَمَا حَدَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ - : أَوَّلُ ذَلِكَ : أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَحُدُّ الْحُدُودَ فِي الدِّيَانَةِ بِالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ أَحَدٌ سِوَاهُ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ قَدْ جَاءَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ غَيْرُ هَذَا كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ : نا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، وَعَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ ، وَوَكِيعٌ ، وَيَحْيَى بْنُ يَمَانٍ ، قَالَ 201 ابْنُ فُضَيْلٍ : عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحِيمِ : عَنْ عُبَيْدَةَ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ : عَنْ أَشْعَثَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبْزَى ، وَقَالَ وَكِيعٌ : عَنْ طَلْحَةَ بْنِ جَبْرٍ ، وَجَرِيرِ بْنِ أَيُّوبَ قَالَ طَلْحَةُ : رَأَيْت أَبَا جُحَيْفَةَ السُّوَائِيَّ ، وَقَالَ جَرِيرٌ : عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ أَنَّ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيَّ ثُمَّ اتَّفَقَ عَنْ الْبَرَاءِ ، وَأَبِي جُحَيْفَةَ ، وَجَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنِ أَبْزَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَشْرَبُونَ الطِّلَاءَ عَلَى النِّصْفِ . وَبِهِ إلَى ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ ابْنِ فُضَيْلٍ ، وَوَكِيعٍ ، وَعَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ ابْنُ فُضَيْلٍ : عَنْ دِينَارٍ الْأَعْرَجِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : أَنَّهُ شَرِبَ الطِّلَاءَ عَلَى النِّصْفِ . وَقَالَ ابْنُ فُضَيْلٍ أَيْضًا : عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ يَحْيَى أَنَّهُ شَرِبَ الطِّلَاءَ عَلَى النِّصْفِ وَقَالَ وَكِيعٌ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ مُنْذِرٍ الثَّوْرِيِّ عَنْ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ : أَنَّهُ كَانَ يَشْرَبُ الطِّلَاءَ عَلَى النِّصْفِ . وَقَالَ الْأَعْمَشُ عَنْ الْحَكَمِ : إنَّ شُرَيْحًا كَانَ يَشْرَبُ الطِّلَاءَ عَلَى النِّصْفِ . وَقَالَ الْأَعْمَشُ : وَكَانَ إبْرَاهِيمُ يَشْرَبُهُ عَلَى النِّصْفِ . وَصَحَّ أَيْضًا عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ - وَرَوَى عَنْ الشَّعْبِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ ; فَالْعَجَبُ لِقِلَّةِ حَيَاءِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ مَا الَّذِي جَعَلَ قَوْلَ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ بَعْضٍ ؟ وَالثَّالِثُ : قَدْ خَالَفُوا عُمَرَ ، وَعَلِيًّا - : رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ : لَأَنْ أَشْرَبَ قُمْقُمًا مُحْمًى أَحْرَقَ مَا أَحْرَقَ وَأَبْقَى مَا أَبْقَى أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَشْرَبَ نَبِيذَ الْجُرِّ . فَإِنْ قَالُوا : لَمْ يُدْرِكْ قَتَادَةُ عُمَرَ ؟ قُلْنَا : وَلَا أَدْرَكَ مُعَاذًا ، وَلَا أَبَا عُبَيْدَةَ . وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ السَّبِيعِيَّ قَالَ : إنَّ عَلِيًّا لَمَّا بَلَغَهُ فِي نَبِيذٍ شَرِبَهُ أَنَّهُ نَبِيذُ جُرٍّ تَقَيَّأَهُ . الرَّابِعُ : أَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّهُ كَانَ مُسْكِرًا بَلْ قَدْ صَحَّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسْكِرًا كَمَا ذَكَرْنَا فِي خَبَرِ عَلِيٍّ أَنَّ الذُّبَابَ كَانَ يَقَعُ فِيهِ فَلَا يَسْتَطِيعُ الْخُرُوجَ مِنْهُ . وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ حُصَيْنٍ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ الشَّعْبِيِّ : أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إلَى 202 عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنِّي أُتِيت بِشَرَابٍ قَدْ طُبِخَ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ فَذَهَبَ مِنْهُ شَيْطَانُهُ وَرِيحُ جُنُونِهِ وَبَقِيَ طِيبُهُ وَحَلَالُهُ فَمُرْ الْمُسْلِمِينَ قِبَلَك فَلْيَتَوَسَّعُوا بِهِ فِي شَرَابِهِمْ ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ فِي إبْطَالِ تَحْرِيمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّمْرَ ، وَالزَّبِيبَ مَخْلُوطَيْنِ فِي النَّبِيذِ بِأَنْ قَالُوا : لَوْ شَرِبَ هَذَا ثُمَّ هَذَا أَكَانَ يَحْرُمُ ذَلِكَ عَلَيْهِ ؟ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ خَلْطِهِمَا قَبْلَ شُرْبِهِمَا وَبَيْنَ خَلْطِهِمَا فِي جَوْفِهِ ؟ فَقُلْنَا : لَا يَحِلُّ أَنْ يُعَارَضَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِ هَذَا ، لَكِنْ تُعَارِضُونَ أَنْتُمْ فِي بِدْعَتِكُمْ هَذِهِ الْمُضِلَّةِ بِأَنْ نَقُولَ لَكُمْ : أَرَأَيْتُمْ الْعَصِيرَ إذَا أَسْكَرَ قَبْلَ أَنْ يُطْبَخَ ، ثُمَّ طُبِخَ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ أَيَحِلُّ عِنْدَكُمْ ؟ فَمِنْ قَوْلِهِمْ : لَا ، فَنَقُولُ لَهُمْ : فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ طَبْخِهِ بَعْدَ أَنْ يُسْكِرَ وَبَيْنَ طَبْخِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْكِرَ ، وَالسُّكْرُ حَاصِلٌ فِيهِ فِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ ؟ فَإِذَا أَبْطَلَ الطَّبْخُ تَحْرِيمَهُ إذَا أَسْكَرَ بَعْدَهُ كَذَلِكَ يَبْطُلُ تَحْرِيمُهُ إذَا أَسْكَرَ قَبْلَهُ وَهَذَا أَصَحُّ فِي الْمُعَارَضَةِ . وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ وَغَيْرِ عُمَرَ أَنَّهُمْ لَمْ يُرَاعُوا ثُلُثَيْنِ وَلَا ثُلُثًا - : كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ قَالَ : قَدِمْنَا الْجَابِيَةَ مَعَ عُمَرَ فَأُتِينَا بِالطِّلَاءِ وَهُوَ مِثْلُ عَقْدِ الرُّبِّ إنَّمَا يُخَاضُ بِالْمَخُوضِ خَوْضًا فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : إنَّ فِي هَذَا لَشَرَابًا مَا انْتَهَى إلَيْهِ . وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا سُوَيْد بْنُ نَصْرٍ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ - عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قِرَاءَةٌ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ قَالَ : سَمِعْت ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : وَاَللَّهِ مَا تُحِلُّ النَّارُ شَيْئًا وَلَا تُحَرِّمُهُ قَالَ : ثُمَّ فَسَّرَ لِي قَوْلَهُ : لَا تُحِلُّ النَّارُ شَيْئًا لِقَوْلِهِمْ فِي الطِّلَاءِ وَلَا تُحَرِّمُهُ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ سِوَاهُ - وَصَحَّ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الطِّلَاءِ ؟ فَقَالَ : أَرَأَيْت الَّذِي مِثْلَ الْعَسَلِ تَأْكُلُهُ بِالْخُبْزِ وَتَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ فَتَشْرَبُهُ ؟ عَلَيْك بِهِ ، وَلَا تَقْرَبْ مَا دُونَهُ وَلَا تَشْتَرِهِ ، وَلَا تَسْقِهِ ، وَلَا تَبِعْهُ ، وَلَا تَسْتَعِنْ بِثَمَنِهِ - فَإِنَّمَا رَاعَى عُمَرَ ، وَعَلِيٌّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ مَا لَا يُسْكِرُ فَأَحَلُّوهُ ، وَمَا يُسْكِرُ فَحَرَّمُوهُ . وَقَدْ صَحَّ عِنْدَنَا أَنَّ بِجِبَالِ رَيَّةَ أَعْنَابًا إذَا طُبِخَ عَصِيرُهَا فَنَقَصَ مِنْهُ الرُّبْعُ صَارَ رُبًّا خَائِرًا لَا يُسْكِرُ بَعْدَهَا كَالْعَسَلِ فَهَذَا حَلَالٌ بِلَا شَكٍّ . وَشَاهَدْنَا بِالْجَزَائِرِ أَعْنَابًا رَمْلِيَّةً تُطْبَخُ حَتَّى تَذْهَبَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا وَهِيَ بَعْدُ خَمْرٌ 203 مُسْكِرَةٌ كَمَا كَانَتْ فَهَذَا حَرَامٌ بِلَا شَكٍّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
. فَإِذْ قَدْ بَطَلَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا بِالْبَرَاهِينِ الَّتِي أَوْرَدْنَا وَخَرَجَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ مُتَعَلِّقٌ بِشَيْءٍ مِنْ النُّصُوصِ وَلَا بِرِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ ، لَا فِي مُسْنَدٍ ، وَلَا فِي مُرْسَلٍ ، وَلَا عَنْ صَاحِبٍ ، وَلَا عَنْ تَابِعٍ ، وَلَا كَانَ لَهُمْ سَلَفٌ مِنْ الْأُمَّةِ يَعْرِفُ أَصْلًا قَبْلَهُمْ فَلْنَأْتِ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْبَرَاهِينِ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِنَا فِي ذَلِكَ - : رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { ۝ : كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ } هَذَا لَفْظُ سُفْيَانَ - وَلَفْظُ مَالِكٍ { ۝ سُئِلَ عَنْ الْبِتْعِ ؟ فَقَالَ : كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ } . وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ { ۝ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْبِتْعِ ؟ فَقَالَ : كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ } وَالْبِتْعُ مِنْ الْعَسَلِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا هَذَا الْخَبَرُ فِي صِحَّةِ إسْنَادِهِ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ إذْ سُئِلَ عَنْ شَرَابِ الْعَسَلِ أَنَّهُ إذَا أَسْكَرَ حَرَامٌ ، وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ هَؤُلَاءِ الْمَحْرُومِينَ إنَّ شَرَابَ الْعَسَلِ الْمُسْكِرِ حَلَالٌ وَالسُّكْرُ مِنْهُ حَلَالٌ - نَعُوذُ بِاَللَّهِ الْعَظِيمِ مِنْ مِثْلِ ضَلَالِهِمْ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث