المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء السادس
page 1144 · printed p. 254
وَمِمَّا ذَكَرْنَا مَسَائِلُ فِيهَا خِلَافٌ قَدِيمٌ ، وَهِيَ - : مَنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِجَمِيعِ مَالِهِ ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ نَفْسَهُ ، وَمَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ ، أَوْ مَسْجِدِ إيلْيَاءَ ، أَوْ الرُّكُوبَ ، أَوْ النُّهُوضَ إلَى مَكَّةَ ، أَوْ إلَى مَوْضِعٍ سَمَّاهُ مِنْ الْحَرَمِ ، وَمَنْ نَذَرَ عِتْقَ عَبْدِهِ إنْ بَاعَهُ ، أَوْ عِتْقَ عَبْدِ فُلَانٍ إنْ مَلَكَهُ . 254 فَأَمَّا الصَّدَقَةُ بِجَمِيعِ الْمَالِ فَقَدْ ذَكَرْنَا مَنْ قَالَ : لَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْيَمِينِ - وَهُوَ قَوْلُنَا .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : مَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ فِي الْمَسَاكِينِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ كُلَّهُ ، صَحَّ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ جَعَلْت مَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
وَرُوِّينَا عَنْ سَالِمٍ ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، أَنَّهُمَا قَالَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى بَعْضِ بَنَاتِهِ .
وَصَحَّ عَنْ الشَّافِعِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، أَنَّهُمَا كَانَا يُلْزِمَانِهِ مَا جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ - وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَالطَّحَاوِيِّ ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ ، قَالَ هَؤُلَاءِ : فَإِنْ أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الْيَمِينِ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إلَّا أَبَا سُلَيْمَانَ فَقَالَ : لَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : يَتَصَدَّقُ بِجَمِيعِهِ حَاشَا قُوتِ شَهْرٍ فَإِذَا أَفَادَ شَيْئًا تَصَدَّقَ بِمَا كَانَ أَبْقَى لِنَفْسِهِ - وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ بْنِ الْهُذَيْلِ ، وَرَأَى فِيهِ إذَا أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الْيَمِينِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : يَتَصَدَّقُ بِثُلُثِ مَالِهِ وَيَجْزِيهِ - : رُوِّينَا ذَلِكَ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ - وَصَحَّ نَحْوُهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ - وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ - : رُوِّينَا ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ عِكْرِمَةَ ، وَالْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ .
وَرُوِّينَا ذَلِكَ قَبْلُ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَعُمَرُ ، وَجَابِرٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ - وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ - كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ جَعَلَ مَالَهُ هَدْيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ؟ فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُرِدْ أَنْ يَغْتَصِبَ أَحَدًا مَالَهُ ، فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَلْيُهْدِ خُمُسَهُ وَإِنْ كَانَ وَسَطًا فَسُبُعَهُ ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فَعُشُرُهُ .
قَالَ قَتَادَةُ : الْكَثِيرُ أَلْفَانِ ، وَالْوَسَطُ أَلْفٌ ، وَالْقَلِيلُ خَمْسُمِائَةٍ . 255 وَقَالَتْ طَائِفَةٌ - مَا رُوِّينَا بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى قَتَادَةَ ، قَالَ : يَتَصَدَّقُ بِخُمُسِهِ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : يَتَصَدَّقُ بِرُبْعِ الْعُشْرِ - كَمَا رُوِّينَا ذَلِكَ آنِفًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ ، وَسَوَّى بَيْنَ مَنْ حَلَفَ بِصَدَقَةِ جَمِيعِ مَالِهِ أَوْ بِصَدَقَةِ جُزْءٍ مِنْهُ سَمَّاهُ وَإِنَّمَا رُوِّينَا ذَلِكَ عَنْهُمْ فِي الْيَمِينِ بِذَلِكَ .
وَرُوِّينَا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ اسْتَحْسَنَ قَوْلَ رَبِيعَةَ هَذَا .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ - كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَعُمَرَ بْنِ ذَرٍّ ، كِلَاهُمَا عَنْ عَطَاءٍ فِيمَنْ قَالَ : إبِلِي نَذْرٌ ، أَوْ هَدْيٌ ، أَنَّهُ يُجْزِيه بَعِيرٌ مِنْهَا .
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْهُ : لَعَلَّهُ يُجْزِيه إنْ كَانَتْ إبِلُهُ كَثِيرَةً .
وَقَالَ ابْنُ ذَرٍّ عَنْهُ : يُهْدِي جَزُورًا ثَمِينًا ، وَيُمْسِكُ بَقِيَّةَ إبِلِهِ .
وَأَمَّا الْمُتَأَخِّرُونَ فَلَهُمْ أَقْوَالٌ غَيْرُ هَذَا كُلِّهِ - :
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : مَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ نَذْرًا ، أَوْ عَلَى سَبِيلِ الْيَمِينِ ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ مِنْ مَالِهِ بِكُلِّ نَوْعٍ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَقَطْ ، كَالْمَوَاشِي ، وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ مِنْ ذَلِكَ نِصَابٌ تَجِبُ فِي مِثْلِهِ الزَّكَاةُ ، أَوْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ النِّصَابِ - وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي سَائِرِ أَمْوَالِهِ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَلَا نَدْرِي مَا قَوْلُهُمْ فِي الْحُبُوبِ وَمَا يُزْرَعُ ، وَالثِّمَارُ ، وَالْعَسَلُ ؟ فَإِنَّ الزَّكَاةَ فِي كُلِّ هَذَا عِنْدَهُ نَعَمْ ، وَفِي كُلِّ عَرَضٍ إذَا كَانَ لِلتِّجَارَةِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ - وَهَذَا قَوْلٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ وَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا مُتَعَلَّقَ لَهُ بِقُرْآنٍ وَلَا بِسُنَّةٍ ، وَلَا رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ ، وَلَا قَوْلِ سَلَفٍ ، وَلَا قِيَاسٍ ، وَمَوَّهَ بَعْضُهُمْ بِأَنْ قَالَ : الْمَالُ هُوَ الَّذِي فِيهِ الزَّكَاةُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً } .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : الصَّدَقَةُ الْمَأْخُوذَةُ إنَّمَا هِيَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَمْلِكُ الْمَرْءُ ، وَمَا اخْتَلَفَ قَطُّ عَرَبِيٌّ ، وَلَا لُغَوِيٌّ ، وَلَا فَقِيهٌ ، أَنَّ الْحَوَائِطَ ، وَالدُّورَ تُسَمَّى : مَالًا ، وَأَمْوَالًا - وَأَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ وَلَهُ حَمِيرٌ ، وَدُورٌ ، وَضِيَاعٌ ، فَإِنَّهُ حَانِثٌ عِنْدَهُمْ ، وَعِنْدَ غَيْرِهِمْ - : وَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ أَمْوَالِي إلَيَّ بَيْرُحَاءُ { ۝ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ ؟ فَقَالَ : إنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ } . 256 وَيَلْزَمُ عَلَى قَوْلِهِمْ الْفَاسِدِ أَنْ لَا تُجْزِئَ صَدَقَةٌ أَصْلًا إلَّا بِمَالٍ فِيهِ زَكَاةٌ أَوْ بِمِقْدَارِ الزَّكَاةِ فَقَطْ .
وَقَالَ مَالِكٌ : سَوَاءٌ نَذَرَ ذَلِكَ أَوْ أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الْيَمِينِ إنْ قَالَ : مَالِي كُلُّهُ صَدَقَةٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ أَجْزَأَهُ ثُلُثُهُ ، فَإِنْ قَالَ : دُورِي كُلُّهَا صَدَقَةٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَضِيَاعِي كُلُّهَا صَدَقَةٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ ، وَثِيَابِي كُلُّهَا صَدَقَةٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ ، وَرَقِيقِي كُلُّهُمْ صَدَقَةٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ ، فَلَمْ يَزَلْ هَكَذَا حَتَّى سَمَّى نَوْعًا نَوْعًا حَتَّى أَتَى عَلَى كُلِّ مَا يَمْلِكُ - : لَزِمَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِكُلِّ ذَلِكَ أَوَّلُهُ عَنْ آخِرِهِ ، لَا يُجْزِيه مِنْهُ الثُّلُثُ إلَّا أَنَّهُ يُؤْمَرُ وَلَا يُجْبَرُ .
فَلَوْ قَالَ مَكَانَ الْمَسَاكِينِ عَلَى إنْسَانٍ بِعَيْنِهِ - : لَزِمَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِكُلِّ ذَلِكَ وَيُجْبَرَ عَلَى ذَلِكَ .
وَقَالُوا : فَلَوْ نَذَرَ ، أَوْ حَلَفَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ ، إلَّا دِينَارًا أَنَّهُ تَلْزَمُهُ الصَّدَقَةُ بِجَمِيعِهِ إلَّا دِينَارًا - : وَهَذَا قَوْلٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ ، لِأَنَّهُ لَا قُرْآنَ يُعَضِّدُهُ ، وَلَا سُنَّةَ ، وَلَا رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ ، وَلَا قَوْلٌ نَعْلَمُهُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ وَلَا قِيَاسٌ ، وَلَا رَأْيٌ لَهُ وَجْهٌ ; بَلْ هُوَ مُخَالِفٌ لِكُلِّ ذَلِكَ .
وَنَسْأَلُهُمْ عَمَّنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ إلَّا نِصْفَ دِينَارٍ ، أَوْ دِرْهَمًا حَتَّى نَبْلُغَهُمْ إلَى الْفَلْسِ ، وَحَبَّةِ الْخَرْدَلَةِ ؟ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : إنْ كَانَ مَالُهُ كَثِيرًا تَصَدَّقَ بِثُلُثِهِ ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا فَرُبْعُ عُشْرِهِ ، وَإِنْ كَانَ عَلَقَةً قَلِيلَةً ، فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ - وَهَذَا أَيْضًا قَوْلٌ لَا وَجْهَ لَهُ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ لَيْسَ لِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُتَعَلَّقٌ يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ إلَّا قَوْلَ مَنْ قَالَ مَنْ قَالَ : يَتَصَدَّقُ بِجَمِيعِهِ ; وَقَوْلَ مَنْ قَالَ : يَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ ، وَقَوْلَ مَنْ قَالَ : كَفَّارَةُ يَمِينٍ فَقَطْ .
فَأَمَّا مَنْ قَالَ : كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا بِالْخَبَرِ الثَّابِتِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ { ۝ كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ } .
قَالَ عَلِيٌّ : وَهَذَا خَبَرٌ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { ۝ : مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ } ; فَلَا يَخْلُو النَّذْرُ بِصَدَقَةِ الْمَالِ كُلِّهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ طَاعَةً لِلَّهِ تَعَالَى فَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ ، أَوْ يَكُونَ مَعْصِيَةً فَلَا يَلْزَمُهُ أَصْلًا إلَّا أَنْ يَأْتِيَ نَصٌّ صَحِيحٌ 257 فِي ذَلِكَ بِحُكْمٍ مَا فَيُوقَفُ عِنْدَهُ ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { ۝ : كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ } - وَلِهَذَا الْخَبَرِ وَجْهٌ ظَاهِرٌ نَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : يَتَصَدَّقُ بِجَمِيعِهِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا : هُوَ نَذْرُ طَاعَةٍ فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا ، بَلْ لَيْسَ هُوَ نَذْرَ طَاعَةٍ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ؟ وَأَمَّا مَنْ قَالَ : يُجْزِيه الثُّلُثُ ، فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا بِخَبَرٍ : رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى نا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ نا ابْنُ إدْرِيسَ قَالَ : قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ { ۝ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ جَدِّهِ فِي قِصَّتِهِ إذْ تَخَلَّفَ عَنْ تَبُوكَ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ مِنْ تَوْبَتِي إلَى اللَّهِ أَنْ أُخْرِجَ مِنْ مَالِي كُلِّهِ إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ صَدَقَةً قَالَ : لَا ، قُلْتُ : فَنِصْفَهُ ، قَالَ : لَا ، قُلْتُ : فَثُلُثَهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي مِنْ خَيْبَرَ } .
وَبِخَبَرٍ : رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ : أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ السَّائِبِ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ أَخْبَرَهُ { ۝ أَنَّ أَبَا لُبَابَةَ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ مِنْ تَوْبَتِي إلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - أَنْ أَهْجُرَ دَارَ قَوْمِي ، وَأُسَاكِنَكَ ، وَأَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ؟ قَالَ : يُجْزِي عَنْكَ الثُّلُثُ } .
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ - : أَخْبَرَنِي بَعْضُ بَنِي السَّائِبِ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ عَنْ أَبِي لُبَابَةَ بِمِثْلِهِ .
وَمِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُسَيِّبِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ { ۝ أَنَّ أَبَا لُبَابَةَ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَأَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ؟ قَالَ : يُجْزِي عَنْكَ الثُّلُثُ } .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَذَا كُلُّ مَا احْتَجُّوا بِهِ ، وَكُلُّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ; لِأَنَّهَا كُلَّهَا مَرَاسِيلُ ، وَالْأَوَّلُ مُنْقَطِعٌ ; لِأَنَّ ابْنَ إدْرِيسَ يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ ابْنِ إِسْحَاقَ .
وَأَمَّا تَمْوِيهُ الْمَالِكِيِّينَ بِالِاحْتِجَاجِ بِهَذَا الْخَبَرِ فَعَارٌ عَظِيمٌ عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّهُمْ مُخَالِفُونَ لَهُ كُلِّهِ بِتِلْكَ التَّقَاسِيمِ الْفَاسِدَةِ ، وَبِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ عَلَيْهِ الْوَفَاءَ بِصَدَقَةِ نِصْفِ مَالِهِ إذَا نَذَرَهُ - وَفِي هَذَا الْخَبَرِ خِلَافُ ذَلِكَ ، وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَ النَّذْرِ بِصَدَقَةِ جَمِيعِهِ ، وَصَدَقَةِ نِصْفِهِ - فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ لِهَذَا الْقَوْلِ مُتَعَلَّقٌ .
258 قَالَ عَلِيٌّ : فَإِذَا بَطَلَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ إلَّا قَوْلَ مَنْ قَالَ : يَتَصَدَّقُ بِجَمِيعِهِ ; لِأَنَّهُ طَاعَةٌ مَنْذُورَةٌ - فَهَهُنَا نَتَكَلَّمُ مَعَهُمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، فَنَقُولُ - : قَالَ اللَّه تَعَالَى { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا } .
وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا } .
وَقَالَ تَعَالَى : { وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } فَلَامَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَمْ يُحِبَّ مَنْ تَصَدَّقَ بِكُلِّ مَا يَمْلِكُ .
وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ نا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : سَمِعْتُ { ۝ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ - فَذَكَرَ حَدِيثَ تَخَلُّفِهِ عَنْ تَبُوكَ - وَأَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ : إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ } .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ بِإِسْنَادِهِ مِثْلُهُ ، وَزَادَ فِيهِ فَقُلْتُ : إنْ أُمْسِكَ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ أَنَّ خَيْرَ الصَّدَقَةِ مَا تَرَكَ غِنًى ، أَوْ تَصَدَّقَ عَنْ غِنًى ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ } .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِكَ ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ ، فَهَكَذَا وَهَكَذَا } .
وَالْأَحَادِيثُ هَهُنَا كَثِيرَةٌ جِدًّا . وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ الظَّفَرِيِّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : { ۝ كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ جَاءَهُ رَجُلٌ بِمِثْلِ بَيْضَةٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَبْتُ هَذِهِ مِنْ 259 مَعْدِنٍ فَخُذْهَا فَهِيَ صَدَقَةٌ ، مَا أَمْلِكُ غَيْرَهَا ؟ فَأَعْرَضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ مِرَارًا - وَهُوَ يُرَدِّدُ كَلَامَهُ هَذَا - ثُمَّ أَخَذَهَا عَلَيْهِ السَّلَامُ فَحَذَفَهُ بِهَا ، فَلَوْ أَنَّهَا أَصَابَتْهُ لَأَوْجَعَتْهُ أَوْ لَعَقَرَتْهُ وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : يَأْتِي أَحَدُكُمْ بِمَا يَمْلِكُ فَيَقُولُ : هَذِهِ صَدَقَةٌ ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَتَكَفَّفُ النَّاسَ خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى } .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بِإِسْنَادِهِ نَحْوُهُ ، وَفِي آخِرِهِ : أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : { ۝ خُذْ عَنَّا مَالَكَ ، لَا حَاجَةَ لَنَا بِهِ } .
وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يَقُولُ : { ۝ دَخَلَ رَجُلٌ الْمَسْجِدَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ أَنْ يَطْرَحُوا ثِيَابًا فَطَرَحُوا فَأَمَرَ لَهُ مِنْهَا بِثَوْبَيْنِ ، ثُمَّ حَثَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى الصَّدَقَةِ فَطَرَحَ الرَّجُلُ أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ فَصَاحَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ خُذْ ثَوْبَكَ } .
وَمِنْ طَرِيقِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : { ۝ أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى } .
فَهَذِهِ آثَارٌ مُتَوَاتِرَةٌ مُتَظَاهِرَةٌ بِإِبْطَالِ الصَّدَقَةِ بِمَا زَادَ عَلَى مَا يُبْقِي غِنًى ، وَإِذَا كَانَ الصَّدَقَةُ بِمَا أَبْقَى غِنًى خَيْرًا وَأَفْضَلَ مِنْ الصَّدَقَةِ بِمَا لَا يُبْقِي غِنًى ; فَبِالضَّرُورَةِ يَدْرِي كُلُّ أَحَدٍ أَنَّ صَدَقَتَهُ بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ لَا أَجْرَ لَهُ فِيهَا ، بَلْ حَطَّتْ مِنْ أَجْرِهِ فَهِيَ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ ، وَمَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ يَحُطُّ مِنْ الْأَجْرِ ، أَوْ لَا أَجْرَ فِيهِ مِنْ إعْطَاءِ الْمَالِ فَلَا يَحِلُّ إعْطَاؤُهُ فِيهِ ; لِأَنَّهُ إفْسَادٌ لِلْمَالِ وَإِضَاعَةٌ لَهُ وَسَرَفٌ حَرَامٌ ، فَكَيْفَ وَرَدُّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ الصَّدَقَةَ بِذَلِكَ بَيَانٌ كَافٍ ؟ فَإِنْ ذَكَرُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى { : وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } .
وَقَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إذْ سُئِلَ { ۝ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ ؟ فَقَالَ : جَهْدُ الْمُقِلِّ } .
وَقَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { ۝ سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفٍ كَانَ لِرَجُلٍ دِرْهَمَانِ تَصَدَّقَ بِأَجْوَدِهِمَا } .
وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى { : وَاَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ } . 260 وَبِحَدِيثِي أَبِي مَسْعُودٍ { ۝ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا بِالصَّدَقَةِ ; فَيَنْطَلِقُ أَحَدُنَا فَيَتَحَامَلُ فَيَجِيءُ بِالْمُدِّ ، وَصَدَقَةِ أَبِي عَقِيلٍ بِصَاعِ تَمْرٍ } فَهَذَا كُلُّهُ صَحِيحٌ وَحُجَّةٌ لَنَا لَا لَهُمْ .
وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُمْ لَمْ يُبْقُوا لِأَنْفُسِهِمْ مَعَاشًا ، إنَّمَا فِيهِ أَنَّهُمْ كَانُوا مُقِلِّينَ ، وَيُؤْثِرُونَ مِنْ بَعْضِ قُوتِهِمْ .
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إلَّا جُهْدَهُمْ } فَمِثْلُ هَذَا أَيْضًا .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ " جَهْدُ الْمُقِلِّ " فَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذِهِ اللَّفْظَةُ الْمَوْصُولَةُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { ۝ : وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ } فَبَيَّنَ هَذَا الْقَوْلُ أَنَّهُ جَهْدُهُ بَعْدَ كَفَافِ مَنْ تَعُولُ .
وَكَذَلِكَ حَدِيثَا أَبِي مَسْعُودٍ أَيْضًا ، وَإِنَّمَا كَانَ لِرَجُلٍ دِرْهَمَانِ فَتَصَدَّقَ بِأَجْوَدِهِمَا ، فَكَذَلِكَ أَيْضًا ، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ ضَيْعَةٌ أَوْ لَهُ غَلَّةٌ تَقُومُ بِهِ فَتَصَدَّقَ بِأَحَدِ دِرْهَمَيْنِ كَانَا لَهُ وَلَمْ يَقُلْ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهُمَا ؟ فَإِنْ ذَكَرُوا صَدَقَةَ أَبِي بَكْرٍ بِمَا يَمْلِكُهُ ؟ قُلْنَا : هَذَا لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْتُ { ۝ عُمَرَ يَقُولُ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِالصَّدَقَةِ ، فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِي فَقُلْتُ : الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا قَالَ : فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ ؟ قُلْتُ : مِثْلَهُ ، وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : مَا أَبْقَيْت لِأَهْلِكَ ؟ قَالَ : أَبْقَيْتُ لَهُمْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ ; لِأَنَّهُ بِلَا شَكٍّ كَانَتْ لَهُ دَارٌ بِالْمَدِينَةِ مَعْرُوفَةٌ وَدَارٌ بِمَكَّةَ - وَأَيْضًا : فَإِنَّ مِثْلَ أَبِي بَكْرٍ لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لِيُضَيِّعَهُ فَكَانَ فِي غِنًى .
فَصَحَّ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ مُجْمَلًا ، أَوْ مُنَوَّعًا عَلَى سَبِيلِ الْقُرْبَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ مِنْهُ إلَّا بِمَا أَبْقَى لِنَفْسِهِ ، وَلِأَهْلِهِ غِنًى ، كَمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ وَغَيْرَهُ . 261 فَإِنْ ذَكَرُوا حَدِيثَ سَعْدٍ فِي الْوَصِيَّةِ ؟ قُلْنَا : هُوَ عَلَيْكُمْ ; لِأَنَّ أَمْرَ الْوَصِيَّةِ غَيْرُ أَمْرِ الصَّدَقَةِ الْمُنَفَّذَةِ فِي الْحَيَاةِ بِاتِّفَاقٍ مِنَّا وَمِنْكُمْ - وَأَيْضًا فَقَدْ مَنَعَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ الصَّدَقَةِ بِنِصْفِهِ ، وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ هَذَا ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُوصِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ ; وَلَوْ تَرَكَ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ أَوْ أَكْثَرَ - وَيُرَدُّ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ ، وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ : بِرَدِّ مَا نَفَذَ مِنْ الصَّدَقَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ فِي حَيَاتِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith