المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء السادس
1261 - مَسْأَلَةٌ :
وَمَنْ كَسَرَ لِآخَرَ شَيْئًا ، أَوْ جَرَحَ لَهُ عَبْدًا ، أَوْ حَيَوَانًا ، أَوْ خَرَقَ لَهُ ثَوْبًا ، قُوِّمَ كُلُّ ذَلِكَ صَحِيحًا مِمَّا جَنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قُوِّمَ كَمَا هُوَ السَّاعَةُ ، وَكُلِّفَ الْجَانِي أَنْ يُعْطِيَ صَاحِبَ الشَّيْءِ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ وَلَا بُدَّ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ الشَّيْءَ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ لِلْجَانِي لِمَا ذَكَرْنَا آنِفًا وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَدِي عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى فَقَطْ ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْجِنَايَةُ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً لَا يَحِلُّ هَذَا .
وَلِلْحَنَفِيِّينَ هَاهُنَا اضْطِرَابٌ وَتَخْلِيطٌ كَثِيرٌ ، كَقَوْلِهِمْ : مَنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَإِنَّهُ يَرُدُّ إلَى صَاحِبِهِ فَإِنْ وُجِدَ وَقَدْ قَطَعَهُ الْغَاصِبُ فَصَاحِبُ الثَّوْبِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِهِ كَمَا هُوَ وَمَا نَقَصَهُ الْقَطْعُ وَبَيْنَ أَنْ يُعْطِيَهُ لِلْغَاصِبِ وَيُضَمِّنَهُ قِيمَةَ الثَّوْبِ ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا وَقَدْ خَاطَهُ قَمِيصًا : فَهُوَ لِلْغَاصِبِ بِلَا تَخْيِيرٍ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا قِيمَةُ الثَّوْبِ .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي الْحِنْطَةِ تُغْصَبُ فَتُطْحَنُ ، وَالدَّقِيقُ يُغْصَبُ فَيُعْجَنُ ، وَاللَّحْمُ يُغْصَبُ فَيُطْبَخُ ، أَوْ يُشْوَى .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : مَا فِي الْمُجَاهَرَةِ بِكَيْدِ الدِّينِ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا ، وَلَا فِي تَعْلِيمِ الظَّلَمَةِ أَكْلَ أَمْوَالِ النَّاسِ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا ، فَيُقَالُ لِكُلِّ فَاسِقٍ : إذَا أَرَدْت أَخْذَ قَمْحِ يَتِيمٍ ، أَوْ جَارِك ، وَأَكْلَ غَنَمِهِ ، وَاسْتِحْلَالَ ثِيَابِهِ ، وَقَدْ امْتَنَعَ مِنْ أَنْ يَبِيعَك شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَاغْصِبْهَا ، وَاقْطَعْهَا ثِيَابًا عَلَى رَغْمِهِ ، وَاذْبَحْ غَنَمَهُ وَأَطْبُخْهَا ، وَاغْصِبْهُ حِنْطَتَهُ وَاطْحَنْهَا ، وَكُلْ كُلَّ ذَلِكَ حَلَالًا طَيِّبًا ، وَلَيْسَ عَلَيْك إلَّا قِيمَةُ مَا أَخَذْت ، وَهَذَا خِلَافُ الْقُرْآنِ فِي نَهْيِهِ تَعَالَى أَنْ نَأْكُلَ أَمْوَالَنَا بِالْبَاطِلِ ، وَخِلَافُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ : { إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ } و { مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ } . 440 وَمَا يَشُكُّ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي أَنَّ كُلَّ ثَوْبٍ قُطِعَ مِنْ شُقَّةٍ فَإِنَّهُ لِصَاحِبِ الشُّقَّةِ ، وَكُلَّ دَقِيقٍ طُحِنَ مِنْ حِنْطَةِ إنْسَانٍ فَهُوَ لِصَاحِبِ الْحِنْطَةِ ، وَكُلَّ لَحْمٍ شُوِيَ فَهُوَ لِصَاحِبِ اللَّحْمِ - وَهُمْ يُقِرُّونَ بِهَذَا ثُمَّ لَا يُبَالُونَ بِأَنْ يَقُولُوا : الْغَصْبُ ، وَالظُّلْمُ ، وَالتَّعَدِّي يُحِلُّ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ لِلْغُصَّابِ .
وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِأَمْرِ الْقَصْعَةِ الْمَكْسُورَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا قَبْلُ وَهُمْ أَوَّلُ مُخَالِفٍ لِذَلِكَ الْخَبَرِ فَخَالَفُوهُ فِيمَا فِيهِ ، وَاحْتَجُّوا لَهُ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ مِنْهُ شَيْءٌ .
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِخَبَرِ { الْمَرْأَةِ الَّتِي دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى طَعَامٍ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا أَرَادَتْ ابْتِيَاعَ شَاةٍ فَلَمْ تَجِدْهَا فَأَرْسَلَتْ إلَى جَارَةٍ لَهَا : ابْعَثِي إلَيَّ الشَّاةَ الَّتِي لِزَوْجِكِ فَبَعَثَتْ بِهَا إلَيْهَا فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشَّاةِ أَنْ تُطْعَمَ الْأَسَارَى } قَالَ هَذَا الْجَاهِلُ الْمُفْتَرِي : فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَقَّ صَاحِبِ الشَّاةِ قَدْ سَقَطَ عَنْهَا إذْ شُوِيَتْ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا الْخَبَرُ لَا يَصِحُّ ، لَوْ صَحَّ لَكَانَ أَعْظَمَ حُجَّةٍ عَلَيْهِمْ ، لِأَنَّهُ خِلَافٌ لِقَوْلِهِمْ ، إذْ فِيهِ : أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يُبْقِ ذَلِكَ اللَّحْمُ فِي مِلْكِ الَّتِي أَخَذَتْهَا بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهَا ، وَهُمْ يَقُولُونَ : إنَّهُ لِلْغَاصِبِ حَلَالٌ - وَهَذَا الْخَبَرُ فِيهِ : أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ رَأْيَهَا فِي ذَلِكَ - فَصَحَّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا ، فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ .
قَالَ عَلِيٌّ : وَالْمَحْفُوظُ عَنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ خِلَافُ هَذَا - : كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلُوا بِأَهْلِ مَاءٍ وَفِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، فَانْطَلَقَ النُّعْمَانُ فَجَعَلَ يَقُولُ لَهُمْ : يَكُونُ كَذَا وَكَذَا - وَهُمْ يَأْتُونَهُ بِالطَّعَامِ وَاللَّبَنِ ، وَيُرْسِلُ هُوَ بِذَلِكَ إلَى أَصْحَابِهِ - فَأَخْبَرَ أَبُو بَكْرٍ بِذَلِكَ فَقَالَ : أَرَانِي آكِلُ كِهَانَةَ النُّعْمَانِ مُنْذُ الْيَوْمِ ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَده فِي حَلْقِهِ فَاسْتَقَاءَهُ .
وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق فِي مَغَازِيهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ : كُنْت فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ فَذَكَرَ قِسْمَتُهُ الْجَزُورَ بَيْنَ الْقَوْمِ وَأَنَّهُمْ أَعْطَوْهُ مِنْهَا ، فَأَتَى بِهِ إلَى أَصْحَابِهِ فَطَبَخُوهُ فَأَكَلُوهُ ، ثُمَّ سَأَلَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ عَنْهُ ؟ فَأَخْبَرَهُمَا ، فَقَالَا لَهُ : وَاَللَّهِ مَا أَحْسَنْت حِينَ أَطْعَمْتنَا هَذَا ثُمَّ قَامَا يَتَقَيَّآنِ مَا فِي بُطُونِهِمَا .
وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ : شَرِبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَبَنًا فَأَعْجَبَهُ فَسَأَلَ عَنْهُ فَأُخْبِرَ أَنَّهُ حُلِبَ لَهُ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ فَأَدْخَلَ عُمَرُ أُصْبُعَهُ فَاسْتَقَاءَهُ . 441 وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ قَالُوا لَهُ : قَدْ شَرِبَ عَلِيٌّ نَبِيذَ الْجَرِّ ؟ قَالَ سُلَيْمَانُ : فَقُلْت لَهُمْ : هَذَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ يُحَدِّثُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَ أَنَّهُ نَبِيذَ جَرِّ تَقَيَّأَهُ .
نا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ الْعُذُرِيُّ نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّقَطِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ شَيْبَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُوَيْهٍ قَالَ : سَمِعْت عَبْدَ الرَّزَّاقِ يَقُولُ : دَخَلَ مَعْمَرٌ عَلَى أَهْلِهِ فَإِذَا عِنْدَهَا فَاكِهَةٌ فَأَكَلَ مِنْهَا ، ثُمَّ سَأَلَ عَنْهَا فَقَالَتْ لَهُ : أَهْدَتْهَا إلَيْنَا فُلَانَةُ النَّائِحَةُ ، فَقَامَ مَعْمَرٌ فَتَقَيَّأَ مَا أَكَلَ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَهَذَا أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ وَعِلْمِهِمْ لَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ لَا يَرَوْنَ الطَّعَامَ الْمَأْخُوذَ بِغَيْرِ حَقٍّ مِلْكًا لِآخِذِهِ ، وَإِنْ أَكَلَهُ ، بَلْ يَرَوْنَ عَلَيْهِ إخْرَاجَهُ ، وَأَنْ لَا يُبْقِيَهُ فِي جِسْمِهِ مَا دَامَ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ ، فَبِأَيِّ شَيْءٍ تَعَلَّقَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ فِي إبَاحَةِ الْحَرَامِ جِهَارًا ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَبِهَذَا نَقُولُ ، فَمَا دَامَ الْمَرْءُ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَتَقَيَّأَهُ ، فَفَرْضٌ عَلَيْهِ ذَلِكَ ، وَلَا يَحِلُّ إمْسَاكُ الْحَرَامِ أَصْلًا فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا ، وَهَذَا مِمَّا خَالَفُوا فِيهِ الْقُرْآنَ ، وَالسُّنَنَ بِآرَائِهِمْ الْفَاسِدَةِ ، وَتَقْلِيدًا لِبَعْضِ التَّابِعِينَ فِي خَطَأٍ أَخْطَأَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
وَقَالُوا أَيْضًا : قِسْنَا هَذَا عَلَى الْعَبْدِ يَمُوتُ فَتُضْمَنَ قِيمَتُهُ .
قَالَ عَلِيٌّ : وَهَذَا عَلَيْهِمْ ، لَا لَهُمْ ، لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَتَمَلَّكُهُ الْغَاصِبُ .
وَمَنْ كَسَرَ لِآخَرَ شَيْئًا ، أَوْ جَرَحَ لَهُ عَبْدًا ، أَوْ حَيَوَانًا ، أَوْ خَرَقَ لَهُ ثَوْبًا ، قُوِّمَ كُلُّ ذَلِكَ صَحِيحًا مِمَّا جَنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قُوِّمَ كَمَا هُوَ السَّاعَةُ ، وَكُلِّفَ الْجَانِي أَنْ يُعْطِيَ صَاحِبَ الشَّيْءِ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ وَلَا بُدَّ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ الشَّيْءَ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ لِلْجَانِي لِمَا ذَكَرْنَا آنِفًا وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَدِي عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى فَقَطْ ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْجِنَايَةُ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً لَا يَحِلُّ هَذَا .
وَلِلْحَنَفِيِّينَ هَاهُنَا اضْطِرَابٌ وَتَخْلِيطٌ كَثِيرٌ ، كَقَوْلِهِمْ : مَنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَإِنَّهُ يَرُدُّ إلَى صَاحِبِهِ فَإِنْ وُجِدَ وَقَدْ قَطَعَهُ الْغَاصِبُ فَصَاحِبُ الثَّوْبِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِهِ كَمَا هُوَ وَمَا نَقَصَهُ الْقَطْعُ وَبَيْنَ أَنْ يُعْطِيَهُ لِلْغَاصِبِ وَيُضَمِّنَهُ قِيمَةَ الثَّوْبِ ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا وَقَدْ خَاطَهُ قَمِيصًا : فَهُوَ لِلْغَاصِبِ بِلَا تَخْيِيرٍ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا قِيمَةُ الثَّوْبِ .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي الْحِنْطَةِ تُغْصَبُ فَتُطْحَنُ ، وَالدَّقِيقُ يُغْصَبُ فَيُعْجَنُ ، وَاللَّحْمُ يُغْصَبُ فَيُطْبَخُ ، أَوْ يُشْوَى .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : مَا فِي الْمُجَاهَرَةِ بِكَيْدِ الدِّينِ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا ، وَلَا فِي تَعْلِيمِ الظَّلَمَةِ أَكْلَ أَمْوَالِ النَّاسِ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا ، فَيُقَالُ لِكُلِّ فَاسِقٍ : إذَا أَرَدْت أَخْذَ قَمْحِ يَتِيمٍ ، أَوْ جَارِك ، وَأَكْلَ غَنَمِهِ ، وَاسْتِحْلَالَ ثِيَابِهِ ، وَقَدْ امْتَنَعَ مِنْ أَنْ يَبِيعَك شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَاغْصِبْهَا ، وَاقْطَعْهَا ثِيَابًا عَلَى رَغْمِهِ ، وَاذْبَحْ غَنَمَهُ وَأَطْبُخْهَا ، وَاغْصِبْهُ حِنْطَتَهُ وَاطْحَنْهَا ، وَكُلْ كُلَّ ذَلِكَ حَلَالًا طَيِّبًا ، وَلَيْسَ عَلَيْك إلَّا قِيمَةُ مَا أَخَذْت ، وَهَذَا خِلَافُ الْقُرْآنِ فِي نَهْيِهِ تَعَالَى أَنْ نَأْكُلَ أَمْوَالَنَا بِالْبَاطِلِ ، وَخِلَافُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ : { إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ } و { مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ } . 440 وَمَا يَشُكُّ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي أَنَّ كُلَّ ثَوْبٍ قُطِعَ مِنْ شُقَّةٍ فَإِنَّهُ لِصَاحِبِ الشُّقَّةِ ، وَكُلَّ دَقِيقٍ طُحِنَ مِنْ حِنْطَةِ إنْسَانٍ فَهُوَ لِصَاحِبِ الْحِنْطَةِ ، وَكُلَّ لَحْمٍ شُوِيَ فَهُوَ لِصَاحِبِ اللَّحْمِ - وَهُمْ يُقِرُّونَ بِهَذَا ثُمَّ لَا يُبَالُونَ بِأَنْ يَقُولُوا : الْغَصْبُ ، وَالظُّلْمُ ، وَالتَّعَدِّي يُحِلُّ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ لِلْغُصَّابِ .
وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِأَمْرِ الْقَصْعَةِ الْمَكْسُورَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا قَبْلُ وَهُمْ أَوَّلُ مُخَالِفٍ لِذَلِكَ الْخَبَرِ فَخَالَفُوهُ فِيمَا فِيهِ ، وَاحْتَجُّوا لَهُ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ مِنْهُ شَيْءٌ .
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِخَبَرِ { الْمَرْأَةِ الَّتِي دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى طَعَامٍ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا أَرَادَتْ ابْتِيَاعَ شَاةٍ فَلَمْ تَجِدْهَا فَأَرْسَلَتْ إلَى جَارَةٍ لَهَا : ابْعَثِي إلَيَّ الشَّاةَ الَّتِي لِزَوْجِكِ فَبَعَثَتْ بِهَا إلَيْهَا فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشَّاةِ أَنْ تُطْعَمَ الْأَسَارَى } قَالَ هَذَا الْجَاهِلُ الْمُفْتَرِي : فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَقَّ صَاحِبِ الشَّاةِ قَدْ سَقَطَ عَنْهَا إذْ شُوِيَتْ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا الْخَبَرُ لَا يَصِحُّ ، لَوْ صَحَّ لَكَانَ أَعْظَمَ حُجَّةٍ عَلَيْهِمْ ، لِأَنَّهُ خِلَافٌ لِقَوْلِهِمْ ، إذْ فِيهِ : أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يُبْقِ ذَلِكَ اللَّحْمُ فِي مِلْكِ الَّتِي أَخَذَتْهَا بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهَا ، وَهُمْ يَقُولُونَ : إنَّهُ لِلْغَاصِبِ حَلَالٌ - وَهَذَا الْخَبَرُ فِيهِ : أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ رَأْيَهَا فِي ذَلِكَ - فَصَحَّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا ، فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ .
قَالَ عَلِيٌّ : وَالْمَحْفُوظُ عَنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ خِلَافُ هَذَا - : كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلُوا بِأَهْلِ مَاءٍ وَفِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، فَانْطَلَقَ النُّعْمَانُ فَجَعَلَ يَقُولُ لَهُمْ : يَكُونُ كَذَا وَكَذَا - وَهُمْ يَأْتُونَهُ بِالطَّعَامِ وَاللَّبَنِ ، وَيُرْسِلُ هُوَ بِذَلِكَ إلَى أَصْحَابِهِ - فَأَخْبَرَ أَبُو بَكْرٍ بِذَلِكَ فَقَالَ : أَرَانِي آكِلُ كِهَانَةَ النُّعْمَانِ مُنْذُ الْيَوْمِ ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَده فِي حَلْقِهِ فَاسْتَقَاءَهُ .
وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق فِي مَغَازِيهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ : كُنْت فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ فَذَكَرَ قِسْمَتُهُ الْجَزُورَ بَيْنَ الْقَوْمِ وَأَنَّهُمْ أَعْطَوْهُ مِنْهَا ، فَأَتَى بِهِ إلَى أَصْحَابِهِ فَطَبَخُوهُ فَأَكَلُوهُ ، ثُمَّ سَأَلَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ عَنْهُ ؟ فَأَخْبَرَهُمَا ، فَقَالَا لَهُ : وَاَللَّهِ مَا أَحْسَنْت حِينَ أَطْعَمْتنَا هَذَا ثُمَّ قَامَا يَتَقَيَّآنِ مَا فِي بُطُونِهِمَا .
وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ : شَرِبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَبَنًا فَأَعْجَبَهُ فَسَأَلَ عَنْهُ فَأُخْبِرَ أَنَّهُ حُلِبَ لَهُ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ فَأَدْخَلَ عُمَرُ أُصْبُعَهُ فَاسْتَقَاءَهُ . 441 وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ قَالُوا لَهُ : قَدْ شَرِبَ عَلِيٌّ نَبِيذَ الْجَرِّ ؟ قَالَ سُلَيْمَانُ : فَقُلْت لَهُمْ : هَذَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ يُحَدِّثُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَ أَنَّهُ نَبِيذَ جَرِّ تَقَيَّأَهُ .
نا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ الْعُذُرِيُّ نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّقَطِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ شَيْبَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُوَيْهٍ قَالَ : سَمِعْت عَبْدَ الرَّزَّاقِ يَقُولُ : دَخَلَ مَعْمَرٌ عَلَى أَهْلِهِ فَإِذَا عِنْدَهَا فَاكِهَةٌ فَأَكَلَ مِنْهَا ، ثُمَّ سَأَلَ عَنْهَا فَقَالَتْ لَهُ : أَهْدَتْهَا إلَيْنَا فُلَانَةُ النَّائِحَةُ ، فَقَامَ مَعْمَرٌ فَتَقَيَّأَ مَا أَكَلَ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَهَذَا أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ وَعِلْمِهِمْ لَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ لَا يَرَوْنَ الطَّعَامَ الْمَأْخُوذَ بِغَيْرِ حَقٍّ مِلْكًا لِآخِذِهِ ، وَإِنْ أَكَلَهُ ، بَلْ يَرَوْنَ عَلَيْهِ إخْرَاجَهُ ، وَأَنْ لَا يُبْقِيَهُ فِي جِسْمِهِ مَا دَامَ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ ، فَبِأَيِّ شَيْءٍ تَعَلَّقَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ فِي إبَاحَةِ الْحَرَامِ جِهَارًا ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَبِهَذَا نَقُولُ ، فَمَا دَامَ الْمَرْءُ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَتَقَيَّأَهُ ، فَفَرْضٌ عَلَيْهِ ذَلِكَ ، وَلَا يَحِلُّ إمْسَاكُ الْحَرَامِ أَصْلًا فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا ، وَهَذَا مِمَّا خَالَفُوا فِيهِ الْقُرْآنَ ، وَالسُّنَنَ بِآرَائِهِمْ الْفَاسِدَةِ ، وَتَقْلِيدًا لِبَعْضِ التَّابِعِينَ فِي خَطَأٍ أَخْطَأَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
وَقَالُوا أَيْضًا : قِسْنَا هَذَا عَلَى الْعَبْدِ يَمُوتُ فَتُضْمَنَ قِيمَتُهُ .
قَالَ عَلِيٌّ : وَهَذَا عَلَيْهِمْ ، لَا لَهُمْ ، لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَتَمَلَّكُهُ الْغَاصِبُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث