المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء السادس
الصفحة 1297 · ص. المطبوع 445
1266 - مَسْأَلَةٌ :
وَلَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِ الْبَهِيمَةِ فِيمَا جَنَتْهُ فِي مَالٍ أَوْ دَمٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا لَكِنْ يُؤْمَرُ صَاحِبُهُ بِضَبْطِهِ ، فَإِنْ ضَبَطَهُ فَذَاكَ ، وَإِنْ عَادَ وَلَمْ يَضْبِطْهُ بِيعَ عَلَيْهِ ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ } وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ 445 وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : يَضْمَنُ مَا جَنَتْهُ لَيْلًا وَلَا يَضْمَنُ مَا جَنَتْهُ نَهَارًا وَهُوَ قَضَاءُ شُرَيْحٍ ، وَحُكْمُ الشَّعْبِيِّ .
وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ { ۝ بِحَدِيثِ نَاقَةِ الْبَرَاءِ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْحَوَائِطِ حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ ، وَعَلَى أَهْلِ الْمَاشِيَةِ مَا أَصَابَتْ بِاللَّيْلِ } .
قَالَ عَلِيٌّ : لَوْ صَحَّ هَذَا لَمَا سَبَقُونَا إلَى الْقَوْلِ بِهِ ، وَلَكِنَّهُ خَبَرٌ لَا يَصِحُّ ، لِأَنَّهُ إنَّمَا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةُ عَنْ أَبِيهِ - وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ أَيْضًا عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ ، فَصَحَّ أَنَّهُ مُرْسَلٌ لِأَنَّ حَرَامًا لَيْسَ هُوَ ابْنُ مُحَيِّصَةُ لِصُلْبِهِ إنَّمَا هُوَ ابْنُ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةُ ، وَسَعْدٌ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ الْبَرَاءِ وَلَا أَبُو أُمَامَةَ وَلَا حُجَّةَ فِي مُنْقَطِعٍ - وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ الْحَنَفِيِّينَ الْقَائِلِينَ : إنَّ الْمُرْسَلَ وَالْمُسْنَدَ سَوَاءٌ أَنْ يَقُولُوا بِهِ ، وَلَكِنَّ هَذَا مِمَّا تَنَاقَضُوا فِيهِ .
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَغْرَبَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ - : وَهُوَ مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَمَسْرُوقٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَدَاوُد وَسُلَيْمَانَ إذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا } وَأَنَّ سُلَيْمَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِي ذَلِكَ فِي غَنَمٍ أَفْسَدَتْ حَرْثَ قَوْمٍ بِأَنْ دَفَعَ الْغَنَمَ إلَى أَهْلِ الْحَرْثِ ، لَهُمْ صُوفُهَا وَأَلْبَانُهَا حَتَّى يَعُودَ الْعِنَبُ أَوْ الْحَرْثُ كَمَا كَانَ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا عَجَبٌ مِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا وَاَلَّذِي لَا نَشُكُّ فِيهِ أَنَّ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ وَبَيْنَ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا فِي رِيَاحٍ وَمَهَامِهَ فَيْحَاءَ ، وَلَوْ رَوَوْا لَنَا ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَامَتْ بِهِ حُجَّةٌ لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ .
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ الْمُحْتَجُّونَ بِهِ أَوَّلَ مُخَالِفِينَ لَهُ ، لِأَنَّهُمْ لَا يَحْكُمُونَ بِهَذَا الْحُكْمِ ، فَيَا لِلَّهِ كَيْفَ يَنْطِقُ لِسَانُ مُسْلِمٍ بِأَنْ يَحْتَجَّ عَلَى خَصْمِهِ فِي الدِّينِ بِحُكْمٍ لَا يَحِلُّ عِنْدَهُ أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ ؟ وَحَسْبُنَا اللَّهُ .
وَعَجَبٌ آخَرُ مِنْ الشَّافِعِيِّ : وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَرَى الْقَوْلَ بِالْمُرْسَلِ ثُمَّ أَبَاحَ هَاهُنَا الْأَمْوَالَ بِمُرْسَلٍ لَا يَصِحُّ أَصْلًا .
وَأَمَّا بَيْعُ مَا تَعَدَّى مِنْ الْعَجْمَاءِ فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى } وَمِنْ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى حِفْظُ الزُّرُوعِ ، وَالثِّمَارِ الَّتِي هِيَ أَمْوَالُ النَّاسِ فَلَا يُعَانُ عَلَى 446 فَسَادِهَا ، فَإِبْعَادُ مَا يُفْسِدُهَا فَرْضٌ وَلَا سَبِيلَ إلَى ذَلِكَ إلَّا بِالْبَيْعِ الْمُبَاحِ ، وَهَا هُنَا آثَارٌ عَنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَدْ خَالَفُوهَا .
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَقُولُ : بِرَدِّ الْبَعِيرِ ، وَالْبَقَرَةِ ، وَالْحِمَارِ ، وَالضَّوَارِي ، إلَى أَهْلِهِنَّ ثَلَاثًا إذَا حُظِرَ الْحَائِطُ ثُمَّ يُعْقَرْنَ .
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَسَمِعْت عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَذْكُرُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِالْحَائِطِ أَنْ يُحْظَرَ وَيُسَدَّ الْحَظْرُ مِنْ الضَّارِي الْمُدِلِّ ثُمَّ يُرَدُّ إلَى أَهْلِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ يُعْقَرُ .
وَمِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ نا أَبُو حَيَّانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ التَّيْمِيُّ قَالَ : أَخْبَرَنِي مُكَاتَبٌ لِبَنِي أَسَدٍ أَنَّهُ أَتَى بِنَقَدٍ مِنْ السَّوَادِ إلَى الْكُوفَةِ فَلَمَّا انْتَهَى إلَى جِسْرِ الْكُوفَةِ جَاءَ مَوْلًى لِبَكْرِ بْنِ وَائِلٍ فَتَخَلَّلَ النَّقَدَ عَلَى الْجِسْرِ فَنَفَرَتْ مِنْهَا نَقْدَةٌ فَقَطَرَتْ الرَّجُلَ فِي الْفُرَاتِ فَغَرِقَ فَأَخَذْت فَجَاءَ مَوَالِيهِ إلَى مَوَالِيَّ فَعَرَضَ مَوَالِيَّ عَلَيْهِمْ صُلْحًا أَلْفَيْ دِرْهَمٍ وَلَا يَرْفَعُونَ إلَى عَلِيٍّ فَأَبَوْا فَأَتَيْنَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لَهُمْ : إنْ عَرَفْتُمْ النَّقْدَةَ بِعَيْنِهَا فَخُذُوهَا ، وَإِنْ اخْتَلَطَتْ عَلَيْكُمْ فَشَرْوَاهَا .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : إنَّ فِي الْحَنَفِيِّينَ ، وَالْمَالِكِيِّينَ ، الْعَجَبَ إذْ يَحْتَجُّونَ فِي إبْطَالِ السُّنَنِ الثَّابِتَةِ فِي أَنَّ الْبَيِّعَيْنِ لَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا بِرِوَايَةِ شَيْخٍ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ : الْبَيْعُ عَنْ صَفْقَةٍ أَوْ خِيَارٍ - ثُمَّ يَرُدُّونَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَهَذِهِ الْأُخْرَى عَنْ عَلِيٍّ فَهَلَّا قَالُوا : مِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ ؟ وَلَكِنْ هَذَا حُكْمُ الْقَوْمِ فِي دِينِهِمْ - فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ أَهْلُ السُّنَنِ عَلَى عَظِيمِ نِعْمَتِهِ عِنْدَهُمْ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث