المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الأول
189 - مَسْأَلَةٌ : - وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَدَلَّكَ : وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَدَاوُد وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ مَالِكٌ بِوُجُوبِ التَّدَلُّكِ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : بُرْهَانُ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا 277 عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ ، كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : { قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ : إنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي ، أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ ؟ فَقَالَ : لَا إنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِيَ عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِي عَلَيْكِ فَتَطْهُرِينَ } .
وَبِهَذَا جَاءَتْ الْآثَارُ كُلُّهَا فِي صِفَةِ غُسْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لَا ذِكْرَ لِلتَّدَلُّكِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ .
وَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ فِي الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ : فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اغْسِلْ رَأْسَكَ ثَلَاثًا ثُمَّ أَفْضِ الْمَاءَ عَلَى جِلْدِكَ .
وَعَنْ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَسَنِ فِي الْجُنُبِ يَنْغَمِسُ فِي الْمَاءِ إنَّهُ يَجْزِيهِ مِنْ الْغُسْلِ .
وَاحْتَجَّ مِنْ رَأَى التَّدَلُّكَ فَرْضًا بِأَنْ قَالَ : قَدْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ إذَا تَدَلَّكَ فِيهِ فَإِنَّهُ قَدْ تَمَّ ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ إذَا لَمْ يَتَدَلَّكْ ، فَالْوَاجِبُ أَنْ لَا يُجْزِئَ زَوَالُ الْجَنَابَةِ إلَّا بِالْإِجْمَاعِ . وَذَكَرُوا حَدِيثًا فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ { صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَ عَائِشَةَ الْغُسْلَ مِنْ الْجَنَابَةِ فَقَالَ لَهَا عَلَيْهِ السَّلَامُ : يَا عَائِشَةُ اغْسِلِي يَدَيْكِ ثُمَّ قَالَ لَهَا تَمَضْمَضِي ثُمَّ اسْتَنْشِقِي وَانْتَثِرِي ثُمَّ اغْسِلِي وَجْهَكِ ثُمَّ قَالَ : اغْسِلِي يَدَيْكِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثُمَّ قَالَ : أَفْرِغِي عَلَى رَأْسَكِ ثُمَّ قَالَ : أَفْرِغِي عَلَى جِلْدِكِ ثُمَّ أَمَرَهَا تَدْلُكُ وَتَتَّبِعُ بِيَدِهَا كُلَّ شَيْءٍ لَمْ يَمَسَّهُ الْمَاءُ مِنْ جَسَدِهَا ثُمَّ قَالَ : يَا عَائِشَةُ أَفْرِغِي عَلَى رَأْسِكِ الَّذِي بَقِيَ ثُمَّ اُدْلُكِي جِلْدَكِ وَتَتَّبِعِي } .
وَبِحَدِيثٍ آخَرَ فِيهِ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ { إنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَ } .
وَبِحَدِيثٍ آخَرَ فِيهِ : { خَلِّلْ أُصُولَ الشَّعْرِ وَأَنْقِ الْبَشَرَ } وَبِحَدِيثٍ آخَرَ فِيهِ : { أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ . فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : تَأْخُذُ إحْدَاكُنَّ مَاءَهَا فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ أَوْ تَبْلُغُ فِي الطَّهُورِ ثُمَّ تَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُ حَتَّى يَبْلُغَ شُئُونَ رَأْسِهَا ثُمَّ تُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهَا } وَقَالَ بَعْضُهُمْ : قِسْنَا ذَلِكَ عَلَى غَسْلِ النَّجَاسَةِ لَا يُجْزِئُ إلَّا بِعَرْكٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ : قَوْله تَعَالَى : { فَاطَّهَّرُوا } دَلِيلٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَذَا كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ ، وَكُلُّهُ إيهَامٌ وَبَاطِلٌ .
278 أَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّ الْغُسْلَ إذَا كَانَ بِتَدَلُّكٍ فَقَدْ أُجْمِعَ عَلَى تَمَامِهِ وَلَمْ يُجْمَعْ عَلَى تَمَامِهِ دُونَ تَدَلُّكٍ فَقَوْلٌ فَاسِدٌ ، أَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَجِبُ أَنْ يُرَاعَى فِي الدِّينِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ الْإِجْمَاعِ فِيمَا صَحَّ وُجُوبُهُ مِنْ طَرِيقِ الْإِجْمَاعِ أَوْ صَحَّ تَحْرِيمُهُ مِنْ طَرِيقِ الْإِجْمَاعِ أَوْ صَحَّ تَحْلِيلُهُ مِنْ طَرِيقِ الْإِجْمَاعِ ، فَهَذَا هُوَ الْحَقُّ : وَأَمَّا الْعَمَلُ الَّذِي ذَكَرُوا فَإِنَّمَا هُوَ إيجَابُ اتِّبَاعِ الِاخْتِلَافِ لَا وُجُوبُ اتِّبَاعِ الْإِجْمَاعِ .
وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ التَّدَلُّكَ لَمْ يُتَّفَقْ عَلَى وُجُوبِهِ وَلَا جَاءَ بِهِ نَصٌّ . وَفِي الْعَمَلِ الَّذِي ذَكَرُوا إيجَابُ الْقَوْلِ بِمَا لَا نَصَّ فِيهِ وَلَا إجْمَاعَ ، وَهَذَا بَاطِلٌ ، ثُمَّ هُمْ أَوَّلُ مَنْ نَقَضَ هَذَا الْأَصْلَ ، وَإِنْ اتَّبَعُوهُ بَطَلَ عَلَيْهِمْ أَكْثَرُ مِنْ تِسْعَةِ أَعْشَارِ مَذَاهِبِهِمْ ، أَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُقَالُ لَهُمْ إنْ اغْتَسَلَ وَلَمْ يُمَضْمِضْ وَلَا اسْتَنْشَقَ فَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ لَا غُسْلَ لَهُ وَلَا تَحِلُّ لَهُ الصَّلَاةُ بِهَذَا الِاغْتِسَالِ ، فَيُقَالُ لَهُمْ : فَيَلْزَمُكُمْ إيجَابُ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي الْغُسْلِ فَرْضًا لِأَنَّهُمَا إنْ أَتَى بِهِمَا الْمُغْتَسِلُ فَقَدْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ اغْتَسَلَ ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِمَا فَلَمْ يَصِحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ اغْتَسَلَ ، فَالْوَاجِبُ أَنْ لَا يَزُولَ حُكْمُ الْجَنَابَةِ إلَّا بِالْإِجْمَاعِ . وَهَكَذَا فِيمَنْ اغْتَسَلَ بِمَاءٍ مِنْ بِئْرٍ قَدْ بَالَتْ فِيهِ شَاةٌ فَلَمْ يَظْهَرْ فِيهَا لِلْبَوْلِ أَثَرٌ ، وَهَكَذَا فِيمَنْ نَكَسَ وُضُوءَهُ ، وَهَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَرَ ، بَلْ هُوَ دَاخِلٌ فِي أَكْثَرِ مَسَائِلِهِمْ ، وَمَا يَكَادُ يَخْلُصُ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ مَسْأَلَةٌ مِنْ هَذَا الْإِلْزَامِ ، وَيَكْفِي مِنْ هَذَا أَنَّهُ حُكْمٌ فَاسِدٌ لَمْ يُوجِبْهُ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْنَا بِالرَّدِّ عِنْدَ التَّنَازُعِ إلَّا إلَى الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فَقَطْ ، وَحُكْمُ التَّدَلُّكِ مَكَانُ تَنَازُعٍ فَلَا يُرَاعَى فِيهِ الْإِجْمَاعُ أَصْلًا .
وَأَمَّا خَبَرُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَسَاقِطٌ لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّ عَائِشَةَ ، وَعِكْرِمَةُ سَاقِطٌ ، وَقَدْ وَجَدْنَا عَنْهُ حَدِيثًا مَوْضُوعًا فِي نِكَاحِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّ حَبِيبَةَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ ، ثُمَّ هُوَ مُرْسَلٌ ; لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ لَمْ يُدْرِكْ عَائِشَةَ ، وَأَبْعَدَ ذِكْرَهُ رِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ أَيَّامَ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، فَسَقَطَ هَذَا الْخَبَرُ .
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ ، لِأَنَّهُ جَاءَ فِيهِ الْأَمْرُ بِالتَّدَلُّكِ ، كَمَا جَاءَ فِيهِ بِالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْثَارِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَلَا فَرْقَ ، وَهُمْ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَرْضًا ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَرَى كُلَّ ذَلِكَ فَرْضًا ، وَلَا يَرَى التَّدَلُّكَ فَرْضًا ، فَكُلُّهُمْ إنْ احْتَجَّ بِهَذَا الْخَبَرِ فَقَدْ خَالَفُوا حُجَّتَهُمْ وَأَسْقَطُوهَا ، وَعَصَوْا مَا أَقَرُّوا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ عِصْيَانُهُ ، وَلَيْسَ لِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ مِنْ أَنْ تَحْمِلَ مَا وَافَقَهَا عَلَى الْفَرْضِ وَمَا خَالَفَهَا عَلَى النَّدْبِ ، إلَّا مِثْلَ مَا لِلْأُخْرَى مِنْ ذَلِكَ ، وَأَمَّا نَحْنُ فَإِنَّهُ لَوْ صَحَّ لَقُلْنَا بِكُلِّ مَا فِيهِ ، فَإِذْ لَمْ يَصِحَّ فَكُلُّهُ مَتْرُوكٌ .
279 وَأَمَّا الْخَبَرُ { إنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَ } فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ الْحَارِسِ بْنِ وَجِيهٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا غَسْلُ الشَّعْرِ وَإِنْقَاءُ الْبَشَرِ ، وَهَذَا صَحِيحٌ وَلَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالتَّدَلُّكِ ، بَلْ هُوَ تَامٌّ دُونَ تَدَلُّكٍ .
وَأَمَّا الْخَبَرُ الَّذِي فِيهِ { خَلِّلْ أُصُولَ الشَّعْرِ وَأَنْقِ الْبَشَرَ } فَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ عَنْبَسَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ ، وَيَحْيَى بْنِ عَنْبَسَةَ مَشْهُورٌ بِرِوَايَةِ الْكَذِبِ ، فَسَقَطَ ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ فِيهِ إلَّا إيجَابُ التَّخْلِيلِ فَقَطْ لَا التَّدَلُّكِ وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِهِمْ ، لِأَنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيمَنْ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَمَعَكَ بِيَدَيْهِ دُونَ أَنْ يُخَلِّلَهُ أَنْ يُجْزِيَهُ ، فَسَقَطَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ .
280 وَأَمَّا حَدِيثُ { تَأْخُذُ إحْدَاكُنَّ مَاءَهَا } فَإِنَّهُ مِنْ طَرِيقِ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ صَفِيَّةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَإِبْرَاهِيمُ هَذَا ضَعِيفٌ ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ إلَّا عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا دَلْكُ شُئُونِ رَأْسِهَا فَقَطْ ، وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِهِمْ ، فَسَقَطَ كُلُّ مَا تَعَلَّقُوا بِهِ مِنْ الْأَخْبَارِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ قِسْنَا ذَلِكَ عَلَى غَسْلِ النَّجَاسَةِ ، فَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنُ الْبَاطِلِ ; لِأَنَّ حُكْمَ النَّجَاسَةِ يَخْتَلِفُ ، فَمِنْهَا مَا يُزَالُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ دُونَ مَاءٍ .
وَمِنْهَا مَا يُزَالُ بِصَبِّ الْمَاءِ فَقَطْ دُونَ عَرْكٍ .
وَمِنْهَا مَا لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ وَإِزَالَةِ عَيْنِهِ فَمَا الَّذِي جَعَلَ غُسْلَ الْجَنَابَةِ أَنْ يُقَاسَ عَلَى بَعْضِ ذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ ؟ فَكَيْفَ وَهُوَ فَاسِدٌ عَلَى أُصُولِ أَصْحَابِ الْقِيَاسِ ، لِأَنَّ النَّجَاسَةَ عَيْنٌ تَجِبُ إزَالَتُهَا ، وَلَيْسَ فِي جِلْدِ الْجُنُبِ عَيْنٌ تَجِبُ إزَالَتُهَا ، فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ جُمْلَةً ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
وَأَيْضًا فَإِنَّ عَيْنَ النَّجَاسَةِ إذَا زَالَ بِصَبِّ الْمَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى عَرْكٍ وَلَا دَلْكٍ ، بَلْ يُجْزِئُ الصَّبُّ ، فَهَلَّا قَاسُوا غُسْلَ الْجَنَابَةِ عَلَى هَذَا النَّوْعِ مِنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ فَهُوَ أَشْبَهُ بِهِ ؟ إذْ كِلَاهُمَا لَا عَيْنَ هُنَاكَ تُزَالُ . وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّ قَوْله تَعَالَى : ( فَاطَّهَّرُوا ) دَلِيلٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ ، فَتَخْلِيطٌ لَا يُعْقَلُ ، وَلَا نَدْرِي فِي أَيِّ شَرِيعَةٍ وَجَدُوا هَذَا ، أَوْ فِي أَيِّ لُغَةٍ ؟ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي التَّيَمُّمِ { وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ } وَهُوَ مَسْحٌ خَفِيفٌ بِإِجْمَاعٍ مِنَّا وَمِنْهُمْ ، فَسَقَطَ كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ ، وَوَضَحَ أَنَّ التَّدَلُّكَ لَا مَعْنَى لَهُ فِي الْغُسْلِ ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ . وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ سَلَفًا مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي الْقَوْلِ بِذَلِكَ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : بُرْهَانُ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا 277 عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ ، كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : { قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ : إنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي ، أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ ؟ فَقَالَ : لَا إنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِيَ عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِي عَلَيْكِ فَتَطْهُرِينَ } .
وَبِهَذَا جَاءَتْ الْآثَارُ كُلُّهَا فِي صِفَةِ غُسْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لَا ذِكْرَ لِلتَّدَلُّكِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ .
وَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ فِي الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ : فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اغْسِلْ رَأْسَكَ ثَلَاثًا ثُمَّ أَفْضِ الْمَاءَ عَلَى جِلْدِكَ .
وَعَنْ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَسَنِ فِي الْجُنُبِ يَنْغَمِسُ فِي الْمَاءِ إنَّهُ يَجْزِيهِ مِنْ الْغُسْلِ .
وَاحْتَجَّ مِنْ رَأَى التَّدَلُّكَ فَرْضًا بِأَنْ قَالَ : قَدْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ إذَا تَدَلَّكَ فِيهِ فَإِنَّهُ قَدْ تَمَّ ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ إذَا لَمْ يَتَدَلَّكْ ، فَالْوَاجِبُ أَنْ لَا يُجْزِئَ زَوَالُ الْجَنَابَةِ إلَّا بِالْإِجْمَاعِ . وَذَكَرُوا حَدِيثًا فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ { صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَ عَائِشَةَ الْغُسْلَ مِنْ الْجَنَابَةِ فَقَالَ لَهَا عَلَيْهِ السَّلَامُ : يَا عَائِشَةُ اغْسِلِي يَدَيْكِ ثُمَّ قَالَ لَهَا تَمَضْمَضِي ثُمَّ اسْتَنْشِقِي وَانْتَثِرِي ثُمَّ اغْسِلِي وَجْهَكِ ثُمَّ قَالَ : اغْسِلِي يَدَيْكِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثُمَّ قَالَ : أَفْرِغِي عَلَى رَأْسَكِ ثُمَّ قَالَ : أَفْرِغِي عَلَى جِلْدِكِ ثُمَّ أَمَرَهَا تَدْلُكُ وَتَتَّبِعُ بِيَدِهَا كُلَّ شَيْءٍ لَمْ يَمَسَّهُ الْمَاءُ مِنْ جَسَدِهَا ثُمَّ قَالَ : يَا عَائِشَةُ أَفْرِغِي عَلَى رَأْسِكِ الَّذِي بَقِيَ ثُمَّ اُدْلُكِي جِلْدَكِ وَتَتَّبِعِي } .
وَبِحَدِيثٍ آخَرَ فِيهِ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ { إنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَ } .
وَبِحَدِيثٍ آخَرَ فِيهِ : { خَلِّلْ أُصُولَ الشَّعْرِ وَأَنْقِ الْبَشَرَ } وَبِحَدِيثٍ آخَرَ فِيهِ : { أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ . فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : تَأْخُذُ إحْدَاكُنَّ مَاءَهَا فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ أَوْ تَبْلُغُ فِي الطَّهُورِ ثُمَّ تَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُ حَتَّى يَبْلُغَ شُئُونَ رَأْسِهَا ثُمَّ تُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهَا } وَقَالَ بَعْضُهُمْ : قِسْنَا ذَلِكَ عَلَى غَسْلِ النَّجَاسَةِ لَا يُجْزِئُ إلَّا بِعَرْكٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ : قَوْله تَعَالَى : { فَاطَّهَّرُوا } دَلِيلٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَذَا كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ ، وَكُلُّهُ إيهَامٌ وَبَاطِلٌ .
278 أَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّ الْغُسْلَ إذَا كَانَ بِتَدَلُّكٍ فَقَدْ أُجْمِعَ عَلَى تَمَامِهِ وَلَمْ يُجْمَعْ عَلَى تَمَامِهِ دُونَ تَدَلُّكٍ فَقَوْلٌ فَاسِدٌ ، أَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَجِبُ أَنْ يُرَاعَى فِي الدِّينِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ الْإِجْمَاعِ فِيمَا صَحَّ وُجُوبُهُ مِنْ طَرِيقِ الْإِجْمَاعِ أَوْ صَحَّ تَحْرِيمُهُ مِنْ طَرِيقِ الْإِجْمَاعِ أَوْ صَحَّ تَحْلِيلُهُ مِنْ طَرِيقِ الْإِجْمَاعِ ، فَهَذَا هُوَ الْحَقُّ : وَأَمَّا الْعَمَلُ الَّذِي ذَكَرُوا فَإِنَّمَا هُوَ إيجَابُ اتِّبَاعِ الِاخْتِلَافِ لَا وُجُوبُ اتِّبَاعِ الْإِجْمَاعِ .
وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ التَّدَلُّكَ لَمْ يُتَّفَقْ عَلَى وُجُوبِهِ وَلَا جَاءَ بِهِ نَصٌّ . وَفِي الْعَمَلِ الَّذِي ذَكَرُوا إيجَابُ الْقَوْلِ بِمَا لَا نَصَّ فِيهِ وَلَا إجْمَاعَ ، وَهَذَا بَاطِلٌ ، ثُمَّ هُمْ أَوَّلُ مَنْ نَقَضَ هَذَا الْأَصْلَ ، وَإِنْ اتَّبَعُوهُ بَطَلَ عَلَيْهِمْ أَكْثَرُ مِنْ تِسْعَةِ أَعْشَارِ مَذَاهِبِهِمْ ، أَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُقَالُ لَهُمْ إنْ اغْتَسَلَ وَلَمْ يُمَضْمِضْ وَلَا اسْتَنْشَقَ فَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ لَا غُسْلَ لَهُ وَلَا تَحِلُّ لَهُ الصَّلَاةُ بِهَذَا الِاغْتِسَالِ ، فَيُقَالُ لَهُمْ : فَيَلْزَمُكُمْ إيجَابُ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي الْغُسْلِ فَرْضًا لِأَنَّهُمَا إنْ أَتَى بِهِمَا الْمُغْتَسِلُ فَقَدْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ اغْتَسَلَ ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِمَا فَلَمْ يَصِحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ اغْتَسَلَ ، فَالْوَاجِبُ أَنْ لَا يَزُولَ حُكْمُ الْجَنَابَةِ إلَّا بِالْإِجْمَاعِ . وَهَكَذَا فِيمَنْ اغْتَسَلَ بِمَاءٍ مِنْ بِئْرٍ قَدْ بَالَتْ فِيهِ شَاةٌ فَلَمْ يَظْهَرْ فِيهَا لِلْبَوْلِ أَثَرٌ ، وَهَكَذَا فِيمَنْ نَكَسَ وُضُوءَهُ ، وَهَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَرَ ، بَلْ هُوَ دَاخِلٌ فِي أَكْثَرِ مَسَائِلِهِمْ ، وَمَا يَكَادُ يَخْلُصُ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ مَسْأَلَةٌ مِنْ هَذَا الْإِلْزَامِ ، وَيَكْفِي مِنْ هَذَا أَنَّهُ حُكْمٌ فَاسِدٌ لَمْ يُوجِبْهُ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْنَا بِالرَّدِّ عِنْدَ التَّنَازُعِ إلَّا إلَى الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فَقَطْ ، وَحُكْمُ التَّدَلُّكِ مَكَانُ تَنَازُعٍ فَلَا يُرَاعَى فِيهِ الْإِجْمَاعُ أَصْلًا .
وَأَمَّا خَبَرُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَسَاقِطٌ لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّ عَائِشَةَ ، وَعِكْرِمَةُ سَاقِطٌ ، وَقَدْ وَجَدْنَا عَنْهُ حَدِيثًا مَوْضُوعًا فِي نِكَاحِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّ حَبِيبَةَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ ، ثُمَّ هُوَ مُرْسَلٌ ; لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ لَمْ يُدْرِكْ عَائِشَةَ ، وَأَبْعَدَ ذِكْرَهُ رِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ أَيَّامَ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، فَسَقَطَ هَذَا الْخَبَرُ .
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ ، لِأَنَّهُ جَاءَ فِيهِ الْأَمْرُ بِالتَّدَلُّكِ ، كَمَا جَاءَ فِيهِ بِالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْثَارِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَلَا فَرْقَ ، وَهُمْ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَرْضًا ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَرَى كُلَّ ذَلِكَ فَرْضًا ، وَلَا يَرَى التَّدَلُّكَ فَرْضًا ، فَكُلُّهُمْ إنْ احْتَجَّ بِهَذَا الْخَبَرِ فَقَدْ خَالَفُوا حُجَّتَهُمْ وَأَسْقَطُوهَا ، وَعَصَوْا مَا أَقَرُّوا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ عِصْيَانُهُ ، وَلَيْسَ لِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ مِنْ أَنْ تَحْمِلَ مَا وَافَقَهَا عَلَى الْفَرْضِ وَمَا خَالَفَهَا عَلَى النَّدْبِ ، إلَّا مِثْلَ مَا لِلْأُخْرَى مِنْ ذَلِكَ ، وَأَمَّا نَحْنُ فَإِنَّهُ لَوْ صَحَّ لَقُلْنَا بِكُلِّ مَا فِيهِ ، فَإِذْ لَمْ يَصِحَّ فَكُلُّهُ مَتْرُوكٌ .
279 وَأَمَّا الْخَبَرُ { إنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَ } فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ الْحَارِسِ بْنِ وَجِيهٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا غَسْلُ الشَّعْرِ وَإِنْقَاءُ الْبَشَرِ ، وَهَذَا صَحِيحٌ وَلَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالتَّدَلُّكِ ، بَلْ هُوَ تَامٌّ دُونَ تَدَلُّكٍ .
وَأَمَّا الْخَبَرُ الَّذِي فِيهِ { خَلِّلْ أُصُولَ الشَّعْرِ وَأَنْقِ الْبَشَرَ } فَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ عَنْبَسَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ ، وَيَحْيَى بْنِ عَنْبَسَةَ مَشْهُورٌ بِرِوَايَةِ الْكَذِبِ ، فَسَقَطَ ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ فِيهِ إلَّا إيجَابُ التَّخْلِيلِ فَقَطْ لَا التَّدَلُّكِ وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِهِمْ ، لِأَنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيمَنْ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَمَعَكَ بِيَدَيْهِ دُونَ أَنْ يُخَلِّلَهُ أَنْ يُجْزِيَهُ ، فَسَقَطَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ .
280 وَأَمَّا حَدِيثُ { تَأْخُذُ إحْدَاكُنَّ مَاءَهَا } فَإِنَّهُ مِنْ طَرِيقِ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ صَفِيَّةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَإِبْرَاهِيمُ هَذَا ضَعِيفٌ ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ إلَّا عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا دَلْكُ شُئُونِ رَأْسِهَا فَقَطْ ، وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِهِمْ ، فَسَقَطَ كُلُّ مَا تَعَلَّقُوا بِهِ مِنْ الْأَخْبَارِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ قِسْنَا ذَلِكَ عَلَى غَسْلِ النَّجَاسَةِ ، فَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنُ الْبَاطِلِ ; لِأَنَّ حُكْمَ النَّجَاسَةِ يَخْتَلِفُ ، فَمِنْهَا مَا يُزَالُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ دُونَ مَاءٍ .
وَمِنْهَا مَا يُزَالُ بِصَبِّ الْمَاءِ فَقَطْ دُونَ عَرْكٍ .
وَمِنْهَا مَا لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ وَإِزَالَةِ عَيْنِهِ فَمَا الَّذِي جَعَلَ غُسْلَ الْجَنَابَةِ أَنْ يُقَاسَ عَلَى بَعْضِ ذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ ؟ فَكَيْفَ وَهُوَ فَاسِدٌ عَلَى أُصُولِ أَصْحَابِ الْقِيَاسِ ، لِأَنَّ النَّجَاسَةَ عَيْنٌ تَجِبُ إزَالَتُهَا ، وَلَيْسَ فِي جِلْدِ الْجُنُبِ عَيْنٌ تَجِبُ إزَالَتُهَا ، فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ جُمْلَةً ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
وَأَيْضًا فَإِنَّ عَيْنَ النَّجَاسَةِ إذَا زَالَ بِصَبِّ الْمَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى عَرْكٍ وَلَا دَلْكٍ ، بَلْ يُجْزِئُ الصَّبُّ ، فَهَلَّا قَاسُوا غُسْلَ الْجَنَابَةِ عَلَى هَذَا النَّوْعِ مِنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ فَهُوَ أَشْبَهُ بِهِ ؟ إذْ كِلَاهُمَا لَا عَيْنَ هُنَاكَ تُزَالُ . وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّ قَوْله تَعَالَى : ( فَاطَّهَّرُوا ) دَلِيلٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ ، فَتَخْلِيطٌ لَا يُعْقَلُ ، وَلَا نَدْرِي فِي أَيِّ شَرِيعَةٍ وَجَدُوا هَذَا ، أَوْ فِي أَيِّ لُغَةٍ ؟ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي التَّيَمُّمِ { وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ } وَهُوَ مَسْحٌ خَفِيفٌ بِإِجْمَاعٍ مِنَّا وَمِنْهُمْ ، فَسَقَطَ كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ ، وَوَضَحَ أَنَّ التَّدَلُّكَ لَا مَعْنَى لَهُ فِي الْغُسْلِ ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ . وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ سَلَفًا مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي الْقَوْلِ بِذَلِكَ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith