المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء التاسع
وَقَوْلٌ عَاشِرٌ - رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي رِجَالٌ - مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ - أَنَّ رَبِيعَةَ قَالَ فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا فِي الْمَرَضِ : تَرِثُهُ وَإِنْ نَكَحَتْ بَعْدَهُ عَشْرَةَ أَزْوَاجٍ .
وَبِهَذَا يَقُولُ مَالِكٌ وَمَنْ قَلَّدَهُ - وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ .
وَقَالَ مَالِكٌ : إنْ طَلَّقَهَا مَرِيضًا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا ؟ فَلَهَا الْمِيرَاثُ ، وَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا - وَقَالَ : إنْ خَيَّرَهَا - وَهُوَ مَرِيضٌ - فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَطَلُقَتْ ثَلَاثًا ، أَوْ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ - وَهُوَ مَرِيضٌ ثُمَّ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ - فَإِنَّهَا تَرِثُهُ .
قَالَ : وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ بِطَلَاقِهَا ثَلَاثًا إنْ دَخَلْت دَارَ فُلَانٍ ، وَهُوَ صَحِيحٌ فَمَرِضَ فَتَعَمَّدَتْ دُخُولَ تِلْكَ الدَّارِ فَطَلُقَتْ ثَلَاثًا ، أَوْ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ ، فَإِنَّهَا تَرِثُهُ .
قَالَ : وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ وَهُوَ صَحِيحٌ : إذَا قَدِمَ أَبِي فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ؟ فَقَدِمَ أَبُوهُ - وَهُوَ مَرِيضٌ - فَطَلُقَتْ ثَلَاثًا ثُمَّ مَاتَ هُوَ ؟ فَإِنَّهَا تَرِثُهُ .
قَالَ : وَمَنْ قَاتَلَ فِي الزَّحْفِ ، أَوْ حُبِسَ لِلْقَتْلِ ، فَطَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ، فَإِنَّهَا تَرِثُهُ .
قَالَ : وَالْمَحْصُورُ - إنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا لَمْ تَرِثْهُ .
قَالَ : فَلَوْ ارْتَدَّ وَهُوَ مَرِيضٌ لَمْ تَرِثْهُ .
وَقَوْلٌ حَادِيَ عَشَرَ - : كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : طَلَّقَ غَيْلَانُ بْنُ سَلَمَةَ الثَّقَفِيُّ نِسَاءَهُ ، وَقَسَّمَ مَالَهُ 493 بَيْنَ بَنِيهِ ، وَذَلِكَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : طَلَّقْت نِسَاءَك ، وَقَسَّمْت مَالَك بَيْنَ بَنِيك ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ لَهُ عُمَرُ : وَاَللَّهِ لَأَرَى الشَّيْطَانَ فِيمَا يَسْتَرِقُ مِنْ السَّمْعِ سَمِعَ بِمَوْتِك ، فَأَلْقَاهُ فِي نَفْسِك ؟ فَلَعَلَّك أَنْ لَا تَمْكُثَ إلَّا قَلِيلًا ، وَأَيْمُ اللَّهِ لَئِنْ لَمْ تُرَاجِعْ نِسَاءَك ، وَتَرْجِعْ فِي مَالِك لِأُوَرِّثَنهُنَّ مِنْك إذَا مِتَّ ، ثُمَّ لَآمُرَن بِقَبْرِك فَلْيُرْجَمَن كَمَا يُرْجَمُ قَبْرُ أَبِي رِغَالَ ؟ قَالَ فَرَاجَعَ نِسَاءَهُ وَمَالَهُ ، قَالَ نَافِعٌ : فَمَا لَبِثَ إلَّا سَبْعًا حَتَّى مَاتَ .
وَأَمَّا الْمَحْصُورُ - فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : نا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ أُمَّ الْبَنِينَ بِنْتَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ كَانَتْ تَحْتَ عُثْمَانَ ، فَلَمَّا حُوصِرَ طَلَّقَهَا ، وَكَانَ قَدْ أَرْسَلَ إلَيْهَا يَشْتَرِي مِنْهَا ثَمَنَهَا ، فَأَبَتْ ، فَلَمَّا قُتِلَ أَتَتْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ : تَرَكَهَا حَتَّى إذَا أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ طَلَّقَهَا ، فَوَرَّثَهَا .
وَقَوْلٌ ثَانِيَ عَشَرَ - وَهُوَ مَنْ لَمْ يُوَرِّثْ الْمَبْتُوتَةَ فِي الْمَرَضِ - : رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ : أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ عَنْ الْمَبْتُوتَةِ - : يَعْنِي فِي الْمَرَضِ ؟ قَالَ : فَقَالَ لِي ابْنُ الزُّبَيْرِ : طَلَّقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِنْتَ الْأَصْبَغِ الْكَلْبِيَّةَ ثَلَاثًا ثُمَّ مَاتَ وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا فَوَرَّثَهَا عُثْمَانُ . قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ : فَأَمَّا أَنَا فَلَا أَرَى أَنْ تَرِثَ الْمَبْتُوتَةُ .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ نا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ : سَأَلْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ عَمَّنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا وَهُوَ مَرِيضٌ ؟ فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ : أَمَّا عُثْمَانُ فَوَرَّثَ ابْنَةَ الْأَصْبَغِ الْكَلْبِيَّةَ ، وَأَمَّا أَنَا فَلَا أَرَى أَنْ تَرِثَ مَبْتُوتَةٌ .
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ ، وَالْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ ، قَالَا جَمِيعًا : نا أَبُو عَوَانَةَ نا عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ ، فَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِيهِ ، وَأَنَّ امْرَأَتَهُ تُمَاضِرَ بِنْتَ الْأَصْبَغِ بْنِ زِيَادِ بْنِ الْحُصَيْنِ أَرْسَلَتْ إلَيْهِ تَسْأَلُهُ الطَّلَاقَ ؟ فَقَالَ : إذَا طَهُرَتْ - : يَعْنِي مِنْ حَيْضِهَا فَلْتُؤْذِنِّي ؟ فَطَهُرَتْ ، فَأَرْسَلَتْ إلَيْهِ وَهُوَ مَرِيضٌ ، فَغَضِبَ وَقَالَ : هِيَ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ ، وَلَا رَجْعَةَ لَهَا ، فَلَمْ يَلْبَثْ إلَّا يَسِيرًا حَتَّى مَاتَ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْفٍ : لَا أُوَرِّثُ تُمَاضِرَ شَيْئًا - هَذَا لَفْظُ الْحَجَّاجِ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي رِوَايَتِهِ : فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : لَا أُوَرِّثُ تُمَاضِرَ شَيْئًا ، ثُمَّ اتَّفَقَا ، فَارْتَفَعُوا إلَى عُثْمَانَ فَوَرَّثَهَا ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْعِدَّةِ .
494 وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ نا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ لَيْثٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الَّذِي يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي مَرَضِهِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا ؟ قَالَ : لَيْسَ لَهَا مِيرَاثٌ ، وَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ .
وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ : أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : لَا تَرِثُ الْمَبْتُوتَةُ .
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ ، قَالَ : مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ طَلْقَتَيْنِ فِي صِحَّتِهِ فَطَلَّقَهَا الثَّالِثَةَ لِلْعِدَّةِ فِي مَرَضِهِ لَمْ تَرِثْهُ ، لِأَنَّهُ لَمْ تَعْتَدَّ - وَبِأَنْ لَا تَرِثَ الْمُطَلَّقَةُ الْمَبْتُوتَةُ فِي الْمَرَضِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ ، وَأَصْحَابُهُمَا .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : احْتَجَّ مَنْ رَأَى تَوْرِيثَ الْمَبْتُوتَةِ فِي الْمَرَضِ بِأَنْ قَالُوا : فَرَّ بِذَلِكَ عَمَّا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا فِي كِتَابِهِ فِي الْمِيرَاثِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْضَى عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ لَا يُتَّهَمُ بِذَلِكَ ، لِئَلَّا يَكُونَ ذَرِيعَةً إلَى مَنْعِ الْحُقُوقِ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ - مَا فَرَّ قَطُّ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى بَلْ أَخَذَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَاتَّبَعَهُ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ الطَّلَاقَ ، وَقَطَعَ بِالثَّلَاثِ ، وَبِالطَّلَاقِ قَبْلَ الْوَطْءِ : جَمِيعَ حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ : مِنْ النَّفَقَةِ ، وَإِبَاحَةِ الْوَطْءِ ، وَالتَّوَارُثِ ، فَأَيْنَ هَاهُنَا الْفِرَارُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ؟ إنَّمَا كَانَ يَفِرُّ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى لَوْ قَالَ : لَا تَرِثُ مِنِّي شَيْئًا دُونَ أَنْ يُطَلِّقَهَا ، بَلْ الْفِرَارُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى : هُوَ تَوْرِيثُ مَنْ لَيْسَتْ زَوْجَةً ، وَلَا أُمًّا ، وَلَا جَدَّةً ، وَلَا ابْنَةً ، وَلَا ابْنَةَ ابْنٍ ، وَلَا أُخْتًا ، وَلَا مُعْتِقَةً ، وَلَكِنْ أَجْنَبِيَّةً لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ لَهَا مِيرَاثًا .
وَكَيْف يَجُوزُ أَنْ تُوَرَّثَ بِالزَّوْجِيَّةِ مَنْ إنْ وَطِئَهَا رُجِمَ ؟ أَوْ مَنْ قَدْ حَلَّ لَهَا زَوَاجُ غَيْرِهِ : أَوْ مَنْ هِيَ زَوْجَةٌ لِغَيْرِهِ ؟ هَذَا هُوَ خِلَافُ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى حَقًّا ، بِلَا شَكٍّ .
وَأَيْضًا - فَإِنْ كَانَتْ تَرِثُهُ بِالزَّوْجِيَّةِ فَوَاجِبٌ أَنْ يَرِثَهَا بِالزَّوْجِيَّةِ - كَمَا يَقُولُ الْحَسَنُ - إذْ مِنْ الْبَاطِلِ الْمُحَالِ الْمُمْتَنِعِ أَنْ تَكُونَ هِيَ امْرَأَتَهُ ، وَلَا يَكُونُ هُوَ زَوْجَهَا ؟ فَإِنْ قَالُوا : لَيْسَتْ امْرَأَتَهُ . ؟ قُلْنَا : فَلِمَ وَرَّثْتُمُوهَا مِيرَاثَ زَوْجَةٍ ، وَهَذَا عَجَبٌ جِدًّا ؟ وَهَذَا أَكْلُ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ ، بِلَا شَكٍّ . 495
وَمِنْ الْعَجَبِ ؟ قَوْلُهُمْ : فَرَّ بِمِيرَاثِهَا ، وَأَيُّ مِيرَاثٍ لَهَا مِنْ صَحِيحٍ لَعَلَّهَا هِيَ تَمُوتُ قَبْلَهُ - وَرُبَّ صَحِيحٍ يَمُوتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْمَرِيضِ ، وَقَدْ يَبْرَأُ مِنْ مَرَضِهِ ، فَمَا وَجَبَ بِهَا قَطُّ - إذْ طَلَّقَهَا - مِيرَاثٌ يَفِرُّ بِهِ عَنْهَا .
ثُمَّ مِنْ الْعَجَبِ تَوْرِيثُ الْحَنَفِيِّينَ الْمَبْتُوتَةَ مِمَّنْ حُبِسَ لِلْقَتْلِ ، أَوْ بَارَزَ فِي حَرْبٍ وَلَيْسَ مَرِيضًا ، وَمَنْعُهُمْ الْمِيرَاثَ لِلَّتِي أَكْرَهَهَا أَبُو زَوْجِهَا عَلَى أَنْ وَطِئَهَا فِي مَرَضِ زَوْجِهَا ، وَلَيْسَ لِزَوْجِهَا فِي ذَلِكَ عَمَلٌ أَصْلًا ، وَلَا طَلَّقَهَا مُخْتَارًا قَطُّ ؟ وَتَوْرِيثُ الْمَالِكِيِّينَ الْمُخْتَلِعَةَ ، وَالْمُخْتَارَةَ نَفْسَهَا ، وَالْقَاصِدَةَ إلَى تَحْنِيثِهِ فِي مَرَضِهِ فِي يَمِينِهِ ، وَهُوَ صَحِيحٌ بِالطَّلَاقِ ، وَهُوَ كَارِهٌ لِمُفَارَقَتِهَا وَهِيَ مُسَارِعَةٌ إلَيْهِ ، مُكْرِهَةٌ لَهُ عَلَى ذَلِكَ .
وَمَا فِي الْعَجَبِ أَكْثَرُ مِنْ مَنْعِهِمْ الْمُتَزَوِّجَةَ فِي الْمَرَضِ مِنْ الْمِيرَاثِ الَّذِي أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا يَقِينًا بِالزَّوْجِيَّةِ الصَّحِيحَةِ ، وَتَوْرِيثِهِمْ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا فِي الْمَرَضِ ، فَوَرَّثُوا بِالزَّوْجِيَّةِ مَنْ لَيْسَتْ زَوْجَةً ، وَمَنَعُوا مِيرَاثَ الزَّوْجَةِ مَنْ هِيَ زَوْجَتُهُ - وَحَسْبُنَا اللَّهُ ، وَنِعْمَ الْوَكِيلُ .
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي مَالِكٌ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَمَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ ، وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، قَالَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ وَعَمْرُ وَكُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ - وَقَالَ مَخْرَمَةُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ " وَقَالَ يُونُسُ - وَاللَّفْظُ لَهُ - : نا الزُّهْرِيُّ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ : لَهُ : حِبَّانُ بْنُ مُنْقِذٍ كَانَتْ تَحْتَهُ هِنْدُ بِنْتُ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَامْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَطَلَّقَ الْأَنْصَارِيَّةَ - وَهِيَ تُرْضِعُ ابْنَهُ وَهُوَ صَحِيحٌ - فَمَكَثَتْ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ لَا تَحِيضُ ، ثُمَّ مَرِضَ حِبَّانُ فَقِيلَ لَهُ : إنَّهَا تَرِثُك إنْ مِتّ ؟ قَالَ : احْمِلُونِي إلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ فَحُمِلَ إلَيْهِ فَذَكَرَ لَهُ شَأْنَ امْرَأَتِهِ - وَعِنْدَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ؟ فَقَالَ لَهُمَا عُثْمَانُ : مَا تَرَيَانِ ؟ قَالَا جَمِيعًا : نَرَى أَنَّهَا تَرِثُهُ إنْ مَاتَ ، وَيَرِثُهَا إنْ مَاتَتْ ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْقَوَاعِدِ اللَّاتِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ ، وَلَيْسَتْ مِنْ اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ، فَهِيَ عِنْدَهُ عَلَى حَيْضِهَا مَا كَانَتْ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْهَا مِنْ أَنْ تَحِيضَ إلَّا الرَّضَاعُ ؟ فَرَجَعَ حِبَّانُ فَانْتَزَعَ ابْنَهُ مِنْهَا ، فَلَمَّا فَقَدَتْ الرَّضَاعَ حَاضَتْ حَيْضَةً ، ثُمَّ حَاضَتْ أُخْرَى فِي الْهِلَالِ ، ثُمَّ تُوُفِّيَ حِبَّانُ عَلَى رَأْسِ السَّنَةِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا ؟ فَشَرَّكَ عُثْمَانُ 496 بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ فِي الْمِيرَاثِ ، وَأَمَرَ الْأَنْصَارِيَّةَ أَنْ تَعْتَدَّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ - وَقَالَ لِلْهَاشِمِيَّةِ هَذَا رَأْيُ ابْنِ عَمِّك ، هُوَ أَشَارَ عَلَيْنَا بِهِ - يَعْنِي عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : نا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : إنَّ عُثْمَانَ قَضَى أَنْ نَخْتَلِجَ مِنْهَا وَلَدَهَا حَتَّى تَحِيضَ أَقْرَاءَهَا .
وَبِهَذَا يَقُولُ مَالِكٌ وَمَنْ قَلَّدَهُ - وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ .
وَقَالَ مَالِكٌ : إنْ طَلَّقَهَا مَرِيضًا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا ؟ فَلَهَا الْمِيرَاثُ ، وَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا - وَقَالَ : إنْ خَيَّرَهَا - وَهُوَ مَرِيضٌ - فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَطَلُقَتْ ثَلَاثًا ، أَوْ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ - وَهُوَ مَرِيضٌ ثُمَّ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ - فَإِنَّهَا تَرِثُهُ .
قَالَ : وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ بِطَلَاقِهَا ثَلَاثًا إنْ دَخَلْت دَارَ فُلَانٍ ، وَهُوَ صَحِيحٌ فَمَرِضَ فَتَعَمَّدَتْ دُخُولَ تِلْكَ الدَّارِ فَطَلُقَتْ ثَلَاثًا ، أَوْ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ ، فَإِنَّهَا تَرِثُهُ .
قَالَ : وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ وَهُوَ صَحِيحٌ : إذَا قَدِمَ أَبِي فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ؟ فَقَدِمَ أَبُوهُ - وَهُوَ مَرِيضٌ - فَطَلُقَتْ ثَلَاثًا ثُمَّ مَاتَ هُوَ ؟ فَإِنَّهَا تَرِثُهُ .
قَالَ : وَمَنْ قَاتَلَ فِي الزَّحْفِ ، أَوْ حُبِسَ لِلْقَتْلِ ، فَطَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ، فَإِنَّهَا تَرِثُهُ .
قَالَ : وَالْمَحْصُورُ - إنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا لَمْ تَرِثْهُ .
قَالَ : فَلَوْ ارْتَدَّ وَهُوَ مَرِيضٌ لَمْ تَرِثْهُ .
وَقَوْلٌ حَادِيَ عَشَرَ - : كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : طَلَّقَ غَيْلَانُ بْنُ سَلَمَةَ الثَّقَفِيُّ نِسَاءَهُ ، وَقَسَّمَ مَالَهُ 493 بَيْنَ بَنِيهِ ، وَذَلِكَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : طَلَّقْت نِسَاءَك ، وَقَسَّمْت مَالَك بَيْنَ بَنِيك ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ لَهُ عُمَرُ : وَاَللَّهِ لَأَرَى الشَّيْطَانَ فِيمَا يَسْتَرِقُ مِنْ السَّمْعِ سَمِعَ بِمَوْتِك ، فَأَلْقَاهُ فِي نَفْسِك ؟ فَلَعَلَّك أَنْ لَا تَمْكُثَ إلَّا قَلِيلًا ، وَأَيْمُ اللَّهِ لَئِنْ لَمْ تُرَاجِعْ نِسَاءَك ، وَتَرْجِعْ فِي مَالِك لِأُوَرِّثَنهُنَّ مِنْك إذَا مِتَّ ، ثُمَّ لَآمُرَن بِقَبْرِك فَلْيُرْجَمَن كَمَا يُرْجَمُ قَبْرُ أَبِي رِغَالَ ؟ قَالَ فَرَاجَعَ نِسَاءَهُ وَمَالَهُ ، قَالَ نَافِعٌ : فَمَا لَبِثَ إلَّا سَبْعًا حَتَّى مَاتَ .
وَأَمَّا الْمَحْصُورُ - فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : نا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ أُمَّ الْبَنِينَ بِنْتَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ كَانَتْ تَحْتَ عُثْمَانَ ، فَلَمَّا حُوصِرَ طَلَّقَهَا ، وَكَانَ قَدْ أَرْسَلَ إلَيْهَا يَشْتَرِي مِنْهَا ثَمَنَهَا ، فَأَبَتْ ، فَلَمَّا قُتِلَ أَتَتْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ : تَرَكَهَا حَتَّى إذَا أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ طَلَّقَهَا ، فَوَرَّثَهَا .
وَقَوْلٌ ثَانِيَ عَشَرَ - وَهُوَ مَنْ لَمْ يُوَرِّثْ الْمَبْتُوتَةَ فِي الْمَرَضِ - : رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ : أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ عَنْ الْمَبْتُوتَةِ - : يَعْنِي فِي الْمَرَضِ ؟ قَالَ : فَقَالَ لِي ابْنُ الزُّبَيْرِ : طَلَّقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِنْتَ الْأَصْبَغِ الْكَلْبِيَّةَ ثَلَاثًا ثُمَّ مَاتَ وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا فَوَرَّثَهَا عُثْمَانُ . قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ : فَأَمَّا أَنَا فَلَا أَرَى أَنْ تَرِثَ الْمَبْتُوتَةُ .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ نا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ : سَأَلْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ عَمَّنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا وَهُوَ مَرِيضٌ ؟ فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ : أَمَّا عُثْمَانُ فَوَرَّثَ ابْنَةَ الْأَصْبَغِ الْكَلْبِيَّةَ ، وَأَمَّا أَنَا فَلَا أَرَى أَنْ تَرِثَ مَبْتُوتَةٌ .
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ ، وَالْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ ، قَالَا جَمِيعًا : نا أَبُو عَوَانَةَ نا عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ ، فَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِيهِ ، وَأَنَّ امْرَأَتَهُ تُمَاضِرَ بِنْتَ الْأَصْبَغِ بْنِ زِيَادِ بْنِ الْحُصَيْنِ أَرْسَلَتْ إلَيْهِ تَسْأَلُهُ الطَّلَاقَ ؟ فَقَالَ : إذَا طَهُرَتْ - : يَعْنِي مِنْ حَيْضِهَا فَلْتُؤْذِنِّي ؟ فَطَهُرَتْ ، فَأَرْسَلَتْ إلَيْهِ وَهُوَ مَرِيضٌ ، فَغَضِبَ وَقَالَ : هِيَ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ ، وَلَا رَجْعَةَ لَهَا ، فَلَمْ يَلْبَثْ إلَّا يَسِيرًا حَتَّى مَاتَ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْفٍ : لَا أُوَرِّثُ تُمَاضِرَ شَيْئًا - هَذَا لَفْظُ الْحَجَّاجِ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي رِوَايَتِهِ : فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : لَا أُوَرِّثُ تُمَاضِرَ شَيْئًا ، ثُمَّ اتَّفَقَا ، فَارْتَفَعُوا إلَى عُثْمَانَ فَوَرَّثَهَا ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْعِدَّةِ .
494 وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ نا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ لَيْثٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الَّذِي يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي مَرَضِهِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا ؟ قَالَ : لَيْسَ لَهَا مِيرَاثٌ ، وَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ .
وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ : أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : لَا تَرِثُ الْمَبْتُوتَةُ .
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ ، قَالَ : مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ طَلْقَتَيْنِ فِي صِحَّتِهِ فَطَلَّقَهَا الثَّالِثَةَ لِلْعِدَّةِ فِي مَرَضِهِ لَمْ تَرِثْهُ ، لِأَنَّهُ لَمْ تَعْتَدَّ - وَبِأَنْ لَا تَرِثَ الْمُطَلَّقَةُ الْمَبْتُوتَةُ فِي الْمَرَضِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ ، وَأَصْحَابُهُمَا .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : احْتَجَّ مَنْ رَأَى تَوْرِيثَ الْمَبْتُوتَةِ فِي الْمَرَضِ بِأَنْ قَالُوا : فَرَّ بِذَلِكَ عَمَّا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا فِي كِتَابِهِ فِي الْمِيرَاثِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْضَى عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ لَا يُتَّهَمُ بِذَلِكَ ، لِئَلَّا يَكُونَ ذَرِيعَةً إلَى مَنْعِ الْحُقُوقِ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ - مَا فَرَّ قَطُّ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى بَلْ أَخَذَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَاتَّبَعَهُ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ الطَّلَاقَ ، وَقَطَعَ بِالثَّلَاثِ ، وَبِالطَّلَاقِ قَبْلَ الْوَطْءِ : جَمِيعَ حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ : مِنْ النَّفَقَةِ ، وَإِبَاحَةِ الْوَطْءِ ، وَالتَّوَارُثِ ، فَأَيْنَ هَاهُنَا الْفِرَارُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ؟ إنَّمَا كَانَ يَفِرُّ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى لَوْ قَالَ : لَا تَرِثُ مِنِّي شَيْئًا دُونَ أَنْ يُطَلِّقَهَا ، بَلْ الْفِرَارُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى : هُوَ تَوْرِيثُ مَنْ لَيْسَتْ زَوْجَةً ، وَلَا أُمًّا ، وَلَا جَدَّةً ، وَلَا ابْنَةً ، وَلَا ابْنَةَ ابْنٍ ، وَلَا أُخْتًا ، وَلَا مُعْتِقَةً ، وَلَكِنْ أَجْنَبِيَّةً لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ لَهَا مِيرَاثًا .
وَكَيْف يَجُوزُ أَنْ تُوَرَّثَ بِالزَّوْجِيَّةِ مَنْ إنْ وَطِئَهَا رُجِمَ ؟ أَوْ مَنْ قَدْ حَلَّ لَهَا زَوَاجُ غَيْرِهِ : أَوْ مَنْ هِيَ زَوْجَةٌ لِغَيْرِهِ ؟ هَذَا هُوَ خِلَافُ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى حَقًّا ، بِلَا شَكٍّ .
وَأَيْضًا - فَإِنْ كَانَتْ تَرِثُهُ بِالزَّوْجِيَّةِ فَوَاجِبٌ أَنْ يَرِثَهَا بِالزَّوْجِيَّةِ - كَمَا يَقُولُ الْحَسَنُ - إذْ مِنْ الْبَاطِلِ الْمُحَالِ الْمُمْتَنِعِ أَنْ تَكُونَ هِيَ امْرَأَتَهُ ، وَلَا يَكُونُ هُوَ زَوْجَهَا ؟ فَإِنْ قَالُوا : لَيْسَتْ امْرَأَتَهُ . ؟ قُلْنَا : فَلِمَ وَرَّثْتُمُوهَا مِيرَاثَ زَوْجَةٍ ، وَهَذَا عَجَبٌ جِدًّا ؟ وَهَذَا أَكْلُ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ ، بِلَا شَكٍّ . 495
وَمِنْ الْعَجَبِ ؟ قَوْلُهُمْ : فَرَّ بِمِيرَاثِهَا ، وَأَيُّ مِيرَاثٍ لَهَا مِنْ صَحِيحٍ لَعَلَّهَا هِيَ تَمُوتُ قَبْلَهُ - وَرُبَّ صَحِيحٍ يَمُوتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْمَرِيضِ ، وَقَدْ يَبْرَأُ مِنْ مَرَضِهِ ، فَمَا وَجَبَ بِهَا قَطُّ - إذْ طَلَّقَهَا - مِيرَاثٌ يَفِرُّ بِهِ عَنْهَا .
ثُمَّ مِنْ الْعَجَبِ تَوْرِيثُ الْحَنَفِيِّينَ الْمَبْتُوتَةَ مِمَّنْ حُبِسَ لِلْقَتْلِ ، أَوْ بَارَزَ فِي حَرْبٍ وَلَيْسَ مَرِيضًا ، وَمَنْعُهُمْ الْمِيرَاثَ لِلَّتِي أَكْرَهَهَا أَبُو زَوْجِهَا عَلَى أَنْ وَطِئَهَا فِي مَرَضِ زَوْجِهَا ، وَلَيْسَ لِزَوْجِهَا فِي ذَلِكَ عَمَلٌ أَصْلًا ، وَلَا طَلَّقَهَا مُخْتَارًا قَطُّ ؟ وَتَوْرِيثُ الْمَالِكِيِّينَ الْمُخْتَلِعَةَ ، وَالْمُخْتَارَةَ نَفْسَهَا ، وَالْقَاصِدَةَ إلَى تَحْنِيثِهِ فِي مَرَضِهِ فِي يَمِينِهِ ، وَهُوَ صَحِيحٌ بِالطَّلَاقِ ، وَهُوَ كَارِهٌ لِمُفَارَقَتِهَا وَهِيَ مُسَارِعَةٌ إلَيْهِ ، مُكْرِهَةٌ لَهُ عَلَى ذَلِكَ .
وَمَا فِي الْعَجَبِ أَكْثَرُ مِنْ مَنْعِهِمْ الْمُتَزَوِّجَةَ فِي الْمَرَضِ مِنْ الْمِيرَاثِ الَّذِي أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا يَقِينًا بِالزَّوْجِيَّةِ الصَّحِيحَةِ ، وَتَوْرِيثِهِمْ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا فِي الْمَرَضِ ، فَوَرَّثُوا بِالزَّوْجِيَّةِ مَنْ لَيْسَتْ زَوْجَةً ، وَمَنَعُوا مِيرَاثَ الزَّوْجَةِ مَنْ هِيَ زَوْجَتُهُ - وَحَسْبُنَا اللَّهُ ، وَنِعْمَ الْوَكِيلُ .
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي مَالِكٌ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَمَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ ، وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، قَالَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ وَعَمْرُ وَكُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ - وَقَالَ مَخْرَمَةُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ " وَقَالَ يُونُسُ - وَاللَّفْظُ لَهُ - : نا الزُّهْرِيُّ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ : لَهُ : حِبَّانُ بْنُ مُنْقِذٍ كَانَتْ تَحْتَهُ هِنْدُ بِنْتُ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَامْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَطَلَّقَ الْأَنْصَارِيَّةَ - وَهِيَ تُرْضِعُ ابْنَهُ وَهُوَ صَحِيحٌ - فَمَكَثَتْ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ لَا تَحِيضُ ، ثُمَّ مَرِضَ حِبَّانُ فَقِيلَ لَهُ : إنَّهَا تَرِثُك إنْ مِتّ ؟ قَالَ : احْمِلُونِي إلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ فَحُمِلَ إلَيْهِ فَذَكَرَ لَهُ شَأْنَ امْرَأَتِهِ - وَعِنْدَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ؟ فَقَالَ لَهُمَا عُثْمَانُ : مَا تَرَيَانِ ؟ قَالَا جَمِيعًا : نَرَى أَنَّهَا تَرِثُهُ إنْ مَاتَ ، وَيَرِثُهَا إنْ مَاتَتْ ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْقَوَاعِدِ اللَّاتِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ ، وَلَيْسَتْ مِنْ اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ، فَهِيَ عِنْدَهُ عَلَى حَيْضِهَا مَا كَانَتْ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْهَا مِنْ أَنْ تَحِيضَ إلَّا الرَّضَاعُ ؟ فَرَجَعَ حِبَّانُ فَانْتَزَعَ ابْنَهُ مِنْهَا ، فَلَمَّا فَقَدَتْ الرَّضَاعَ حَاضَتْ حَيْضَةً ، ثُمَّ حَاضَتْ أُخْرَى فِي الْهِلَالِ ، ثُمَّ تُوُفِّيَ حِبَّانُ عَلَى رَأْسِ السَّنَةِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا ؟ فَشَرَّكَ عُثْمَانُ 496 بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ فِي الْمِيرَاثِ ، وَأَمَرَ الْأَنْصَارِيَّةَ أَنْ تَعْتَدَّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ - وَقَالَ لِلْهَاشِمِيَّةِ هَذَا رَأْيُ ابْنِ عَمِّك ، هُوَ أَشَارَ عَلَيْنَا بِهِ - يَعْنِي عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : نا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : إنَّ عُثْمَانَ قَضَى أَنْ نَخْتَلِجَ مِنْهَا وَلَدَهَا حَتَّى تَحِيضَ أَقْرَاءَهَا .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith