المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الثاني عشر
page 2265 · printed p. 24
2172 - مَسْأَلَةٌ : السِّجْنُ فِي التُّهْمَةِ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَالَ قَوْمٌ : بِالسِّجْنِ فِي التُّهْمَةِ ؟ وَاحْتَجُّوا : بِمَا ثنا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ثنا أَبِي قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَاسِمٍ ثنا جَدِّي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْعَوَّامِ ثنا أَحْمَدُ بْنُ حَاتِمٍ الطَّوِيلُ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ خُثَيْمِ بْنِ عِرَاكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : { ۝ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَبَسَ فِي تُهْمَةٍ احْتِيَاطًا ، أَوْ قَالَ : اسْتِظْهَارًا : يَوْمًا وَلَيْلَةً } .
وَبِهِ - إلَى قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ نا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ { ۝ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ حَبَسَ فِي تُهْمَةٍ ، ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ } .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ قَالَ { ۝ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاسًا مِنْ قَوْمِهِ فِي تُهْمَةٍ فَحَبَسَهُمْ ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِي إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَخْطُبُ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، عَلَى مَا تَحْبِسُ جِيرَتِي ؟ فَصَمَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنَّ نَاسًا يَقُولُونَ : إنَّكَ لَتَنْهَى عَنْ الشَّيْءِ وَتَسْتَخْلِي بِهِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا 24 يَقُولُ ؟ فَجَعَلْتُ أَعْرِضُ بَيْنَهُمَا بِكَلَامٍ مَخَافَةَ أَنْ يَسْمَعَهَا فَيَدْعُوَ عَلَى قَوْمِي دَعْوَةً لَا يُفْلِحُونَ بَعْدَهُ ، قَالَ : فَلَمْ يَزَلْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى فَهِمَهَا ؟ قَالَ : قَدْ قَالُوهَا ؟ وَقَالَ قَائِلُهَا مِنْهُمْ : وَاَللَّهِ لَوْ فَعَلْتُهَا لَكَانَ عَلَيَّ وَمَا كَانَ عَلَيْهِمْ ، خَلُّوا لَهُ عَنْ جِيرَانِهِ } .
وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : { ۝ أَقْبَلَ رَجُلَانِ مِنْ بَنِي غِفَارٍ حَتَّى نَزَلَا مَنْزِلًا بِضَجِنَانَ مِنْ مِيَاهِ الْمَدِينَةِ ، وَعِنْدَهَا نَاسٌ مِنْ غَطَفَانَ مَعَهُمْ ظَهْرٌ لَهُمْ ، فَأَصْبَحَ الْغَطَفَانِيُّونَ قَدْ أَضَلُّوا بَعِيرَيْنِ مِنْ إبِلِهِمْ فَاتَّهَمُوا بِهِمَا الْغِفَارِيِّينَ ، فَأَقْبَلُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرُوا أَمْرَهُمْ ، فَحَبَسَ أَحَدَ الْغِفَارِيِّينَ ، وَقَالَ لِلْآخَرِ : اذْهَبْ فَالْتَمِسْ ؟ فَلَمْ يَكُنْ إلَّا يَسِيرًا حَتَّى جَاءَ بِهِمَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَحَدِ الْغِفَارِيِّينَ - حَسِبْتُ أَنَّهُ الْمَحْبُوسُ - اسْتَغْفِرْ لِي ؟ فَقَالَ : غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : وَلَكَ وَقَتَلَكَ فِي سَبِيلِهِ ، قَالَ : فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ } .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَذَهَبَ إلَى هَذَا قَوْمٌ ، كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ كِتَابًا قَرَأْته : إذَا وُجِدَ الْمَتَاعُ مَعَ الرَّجُلِ الْمُتَّهَمِ فَقَالَ : ابْتَعْته فَاشْدُدْهُ فِي السِّجْنِ وَثَاقًا ، وَلَا تَحُلُّهُ بِكِتَابِ أَحَدٍ حَتَّى يَأْتِيَهُ فِيهِ أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : فَذَكَرْت ذَلِكَ لِعَطَاءٍ فَأَنْكَرَهُ .
وَذَهَبَ آخَرُونَ - إلَى الْمَنْعِ مِنْ الْحَبْسِ بِالتُّهْمَةِ ، كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عَامِرٍ قَالَ : انْطَلَقْت فِي رَكْبٍ حَتَّى إذَا جِئْنَا ذَا الْمَرْوَةِ سُرِقَتْ عَيْبَةٌ لِي ، وَمَعَنَا رَجُلٌ مُتَّهَمٌ ، فَقَالَ أَصْحَابِي : يَا فُلَانُ اُرْدُدْ عَلَيْهِ عَيْبَتَهُ ؟ فَقَالَ : مَا أَخَذْتهَا : فَرَجَعْت إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَأَخْبَرْته ، فَقَالَ : مَنْ أَنْتُمْ ؟ فَعَدَدْتهمْ ، فَقَالَ : أَظُنُّهَا صَاحِبُهَا لِلَّذِي أَتَّهِمُ ؟ فَقُلْت : لَقَدْ أَرَدْت يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ مُصَفَّدًا ، فَقَالَ عُمَرُ : أَتَأْتِي بِهِ مَصْفُودًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ، لَا أَكْتُبُ لَك فِيهَا ، وَلَا أَسْأَلُك عَنْهَا ، وَغَضِبَ وَمَا كَتَبَ لِي فِيهَا ، وَلَا سَأَلَ عَنْهَا ، فَأَنْكَرَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنْ يُصَفَّدَ أَحَدٌ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا الْأَحَادِيثَ الْمَذْكُورَةَ لَا حُجَّةَ 25 فِي شَيْءٍ مِنْهَا ، لِأَنَّ إبْرَاهِيمَ بْنَ خُثَيْمٍ ضَعِيفٌ ، وَبَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَحَدِيثَ عِرَاكٍ مُرْسَلٌ ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ فِيهِ الدَّلِيلُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ الْحَبْسِ لِاسْتِغْفَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ .
فَإِنْ ذَكَرُوا حَدِيثَ { ۝ الْمَرْأَةِ الْغَامِدِيَّةِ الَّتِي قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَهِّرْنِي ، قَالَ : وَيْحَكِ ، ارْجِعِي فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إلَيْهِ ، قَالَتْ : لَعَلَّك تَرُدُّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ ، قَالَتْ : إنِّي حُبْلَى مِنْ الزِّنَى ، قَالَ : أَثَيِّبٌ أَنْتِ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، قَالَ : فَلَا نَرْجُمَنَّكِ حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِكِ ، قَالَ : فَكَفَلَهَا رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ حَتَّى وَضَعَتْ ، فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : قَدْ وَضَعَتْ الْغَامِدِيَّةِ قَالَ : إذًا لَا نَرْجُمُهَا وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ : إلَيَّ رَضَاعُهُ ، فَرَجَمَهَا } .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : فَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْجِنْهَا وَلَا أَمَرَ بِذَلِكَ ، لَكِنْ فِيهِ : أَنَّ الْأَنْصَارِيَّ تَوَلَّى أَمْرَهَا وَحِيَاطَتَهَا فَقَطْ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : فَإِنْ ذَكَرُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى { فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا } فَإِنَّ هَذَا حُكْمٌ مَنْسُوخٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ .
قَالَ عَلِيٌّ رَحِمَهُ اللَّهُ : فَإِذْ لَمْ يَبْقَ لِمَنْ رَأَى السِّجْنَ حُجَّةٌ ، فَالْوَاجِبُ طَلَبُ الْبُرْهَانِ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ الْآخَرِ ، فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا مَنْ قَالَ بِسَجْنِهِ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ : إمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَّهَمًا لَمْ يَصِحَّ قَبْلَهُ شَيْءٌ ، أَوْ يَكُونَ قَدْ صَحَّ قَبْلَهُ شَيْءٌ مِنْ الشَّرِّ ، فَإِنْ كَانَ مُتَّهَمًا بِقَتْلٍ ، أَوْ زِنًا ، أَوْ سَرِقَةٍ ، أَوْ شُرْبٍ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ : فَلَا يَحِلُّ سَجْنُهُ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ { إنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا } .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ } وَقَدْ كَانَ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُتَّهَمُونَ بِالْكُفْرِ - وَهُمْ الْمُنَافِقُونَ - فَمَا حَبَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ أَحَدًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith