المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الثاني عشر
page 2268 · printed p. 36
2175 - مَسْأَلَةٌ : الِاسْتِتَابَةُ فِي الْحُدُودِ وَتَرْكُ سَجْنِهِ ؟ حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : حَضَرْت عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ جَلَدَ إنْسَانًا الْحَدَّ فِي فِرْيَةٍ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعَةَ : إنَّ مِنْ الْأَمْرِ أَنْ يُسْتَتَابَ عِنْدَ ذَلِكَ ، فَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ لِلْمَجْلُودِ : تُبْ ، فَحَسِبْته أَنَّهُ قَالَ : أَتُوبُ إلَى اللَّهِ .
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّهُ يُسْتَتَابُ كُلُّ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ ، أَوْ زَنَى ، أَوْ افْتَرَى ، أَوْ شَرِبَ ، أَوْ سَرَقَ ، أَوْ حَارَبَ ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : وَأَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ : سُنَّةُ الْحَدِّ أَنْ يُسْتَتَابَ صَاحِبُهُ إذَا فَرَغَ مِنْ جَلْدِهِ ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ : إنْ قَالَ : قَدْ تُبْت - وَهُوَ غَيْرُ رَضِيٍّ - لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَبِهَذَا نَقُولُ ، لِأَنَّ التَّوْبَةَ فَرْضٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ 36 مُذْنِبٍ ، وَلِأَنَّ الدُّعَاءَ إلَى التَّوْبَةِ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ } الْآيَةَ .
وَإِذَا كَانَ هَذَا الْإِصْرَارُ عَلَى الذَّنْبِ حَرَامًا بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ كُلِّهَا الْمُتَيَقَّنِ : فَالتَّوْبَةُ وَالْإِقْلَاعُ فَرْضٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ كُلِّهَا ، لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { اُدْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ } .
وَقَالَ تَعَالَى { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ } الْآيَةَ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : فَلَمَّا كَانَتْ التَّوْبَةُ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُفْتَرَضُ سُلُوكُهَا وَكَانَتْ مِنْ الْخَيْرِ وَالْمَعْرُوفِ : كَانَ فَرْضًا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَدْعُوَ إلَيْهَا بِالنُّصُوصِ الَّتِي ذَكَرْنَا ، وَاسْتِتَابَةُ الْمُذْنِبِ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ وَاجِبَةٌ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { وَسَارِعُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ } فَالْمُسَارَعَةُ إلَى الْفَرْضِ فَرْضٌ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَتِبْهُ الْإِمَامُ ، أَوْ مَنْ حَضَرَهُ إلَّا حَتَّى أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، فَوَاجِبٌ أَنْ يُسْتَتَابَ بَعْدَ الْحَدِّ - عَلَى مَا ذَكَرْنَا - فَإِنْ لَمْ يَتُبْ فَأُقِيمَ عَلَيْهِ اُسْتُتِيبَ ، فَإِنْ تَابَ أُطْلِقَ ، وَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِ بِحَبْسٍ أَصْلًا ، لِأَنَّهُ قَدْ أُخِذَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى مِنْهُ الَّذِي لَا حَقَّ لَهُ قَبْلَهُ سِوَاهُ ، فَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ تَعَدٍّ لِحُدُودِ اللَّه تَعَالَى ، وَهَذَا حَرَامٌ . 2176 - مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : فَإِنْ قَالَ : لَا أَتُوبُ ، فَقَدْ أَتَى مُنْكَرًا ، فَوَاجِبٌ أَنْ يُعَزَّرَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فِي " كِتَابِ التَّعْزِيرِ " إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ 37 صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ إنْ اسْتَطَاعَ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ } فَيَجِبُ أَنْ يُضْرَبَ أَبَدًا حَتَّى يَتُوبَ ، هَذَا إنْ صَرَّحَ بِأَنْ لَا يَتُوبَ ، فَإِذَا أَدَّى ذَلِكَ إلَى مَنِيَّتِهِ ، فَذَلِكَ عَقِيرَةُ اللَّهِ ، وَقَتِيلُ الْحَقِّ ، لَا شَيْءَ عَلَى مُتَوَلِّي ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ أَحْسَنُ فِيمَا فَعَلَ بِهِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ } فَإِنْ سَكَتَ وَلَمْ يَقُلْ : أَتُوبُ ، وَلَا : لَا أَتُوبُ ، فَوَاجِبٌ حَبْسُهُ وَإِعَادَةُ الِاسْتِتَابَةِ عَلَيْهِ أَبَدًا حَتَّى يَنْطِقَ بِالتَّوْبَةِ ، فَيُطْلَقَ . 38
بُرْهَانُ ذَلِكَ : أَنَّهُ قَدْ صَحَّ مِنْهُ الذَّنْبُ ، وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ ، وَلَا تُعْرَفُ تَوْبَتُهُ إلَّا بِنُطْقِهِ بِهَا ، فَهُوَ مَا لَمْ يَنْطِقْ بِهَا وَبِالْإِصْرَارِ : فَمُمْكِنٌ أَنْ يَتُوبَ فِي نَفْسِهِ ، وَمُمْكِنٌ أَنْ لَا يَتُوبَ ، فَلَمَّا كَانَ كِلَا الْأَمْرَيْنِ مُمْكِنًا لَمْ يَحِلَّ ضَرْبُهُ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِمُنْكَرٍ تَيَقَّنَ أَنَّهُ أَتَى بِهِ ، وَلَمْ يَجُزْ تَسْرِيحُهُ ، لِأَنَّ فَرْضًا عَلَيْهِ دُعَاؤُهُ إلَى التَّوْبَةِ حَتَّى يَتُوبَ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى إمْسَاكِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ وَهَكَذَا أَبَدًا مَتَى تَابَ ثُمَّ وَاقَعَ الذَّنْبَ أَوْ غَيْرَهُ ، فَقَدْ جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرَانِ مُرْسَلَانِ فِي أَنَّهُ اسْتَتَابَ السَّارِقَ بَعْدَ قَطْعِ يَدِهِ : كَمَا حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَمَعْمَرٌ ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَسُفْيَانُ ، كِلَاهُمَا : عَنْ أَبِي خَصْفَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ ثَوْبَانَ ، وَقَالَ مَعْمَرٌ : عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ ، قَالَ أَيُّوبُ ، وَابْنُ ثَوْبَانَ : { ۝ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ سَرَقَ شَمْلَةً فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا سَرَقَ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مَا إخَالُهُ ، أَسَرَقْتَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَاذْهَبُوا فَاقْطَعُوا يَدَهُ ، ثُمَّ احْسِمُوهَا ، ثُمَّ ائْتُونِي بِهِ ، فَأَتَوْهُ بِهِ ، فَقَالَ : إنِّي أَتُوبُ إلَى اللَّهِ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ } .
وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { ۝ قَطَعَ رَجُلًا ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَحُسِمَ قَالَ لَهُ تُبْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ؟ فَقَالَ : أَتُوبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إنَّ السَّارِقَ إذَا قُطِعَتْ يَدُهُ وَقَعَتْ فِي النَّارِ ، فَإِنْ عَادَ تَبِعَهَا ، وَإِنْ تَابَ اسْتَشَالَهَا } .
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ يَقُولُ اسْتَشَالَهَا اسْتَرْجَعَهَا .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : هَذَانِ مُرْسَلَانِ وَلَا حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ ، وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ فِيمَا أَوْرَدْنَا مِنْ النُّصُوصِ قَبْلُ ، وَإِنَّمَا أَوْرَدْنَاهُمَا لِئَلَّا يُمَوِّه مُمَوِّهٌ بِمَا فِيهِمَا مِنْ الِاسْتِتَابَةِ بَعْدَ الْقَطْعِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith