المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الثاني عشر
2199 - مَسْأَلَةُ : الْمُرْتَدِّينَ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : كُلُّ مَنْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا مُتَبَرِّئًا مِنْ كُلِّ دِينٍ - حَاشَ دِينِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ ، وَخَرَجَ إلَى دِينٍ كِتَابِيٍّ ، أَوْ غَيْرِ كِتَابِيٍّ ، أَوْ إلَى غَيْرِ دِينٍ ، فَإِنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهِ ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يُسْتَتَابُ - وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : يُسْتَتَابُ ، وَفَرَّقَتْ طَائِفَةٌ بَيْنَ مَنْ أَسَرَّ رِدَّتَهُ وَبَيْنَ مَنْ أَعْلَنَهَا - وَفَرَّقَتْ طَائِفَةٌ بَيْنَ مَنْ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ ثُمَّ ارْتَدَّ ، وَبَيْنَ مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ كُفْرِهِ ثُمَّ ارْتَدَّ .
وَنَحْنُ ذَاكِرُونَ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - مَا يَسَّرَ اللَّهُ تَعَالَى لِذِكْرِهِ : فَأَمَّا مَنْ قَالَ : لَا يُسْتَتَابُونَ ، فَانْقَسَمُوا قِسْمَيْنِ : 109 فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : يُقْتَلُ الْمُرْتَدُّ ، تَابَ أَوْ لَمْ يَتُبْ ، رَاجَعَ الْإِسْلَامَ أَوْ لَمْ يُرَاجِعْ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : إنْ بَادَرَ فَتَابَ قُبِلَتْ مِنْهُ تَوْبَتُهُ ، وَسَقَطَ عَنْهُ الْقَتْلُ ، وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ تَوْبَتُهُ أُنْفِذَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : يُسْتَتَابُ ، فَإِنَّهُمْ انْقَسَمُوا أَقْسَامًا : فَطَائِفَةٌ قَالَتْ : نَسْتَتِيبُهُ مَرَّةً فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قَتَلْنَاهُ .
وَطَائِفَةٌ قَالَتْ : نَسْتَتِيبُهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَإِنْ تَابَ ، وَإِلَّا قَتَلْنَاهُ .
وَطَائِفَةٌ قَالَتْ : نَسْتَتِيبُهُ شَهْرًا ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قَتَلْنَاهُ .
وَطَائِفَةٌ قَالَتْ : نَسْتَتِيبُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قَتَلْنَاهُ .
وَطَائِفَةٌ قَالَتْ : نَسْتَتِيبُهُ مِائَةَ مَرَّةٍ ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قَتَلْنَاهُ .
وَطَائِفَةٌ قَالَتْ : يُسْتَتَابُ أَبَدًا ، وَلَا يُقْتَلُ .
فَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُسِرِّ وَالْمُعْلِنِ : فَإِنَّ طَائِفَةً قَالَتْ : مَنْ أَسَرَّ رِدَّتَهُ قَتَلْنَاهُ دُونَ اسْتِتَابَةٍ ، وَلَمْ نَقْبَلْ تَوْبَتَهُ ، وَمَنْ أَعْلَنَهَا قَبِلْنَا تَوْبَتَهُ .
وَطَائِفَةٌ قَالَتْ : إنْ أَقَرَّ الْمُسِرُّ وَصَدَقَ النِّيَّةَ قَبِلْنَا تَوْبَتَهُ ، وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ وَلَا صَدَقَ النِّيَّةَ قَتَلْنَاهُ وَلَمْ نَقْبَلْ تَوْبَتَهُ - قَالَ هَؤُلَاءِ : وَأَمَّا الْمُعْلِنُ فَتُقْبَلُ تَوْبَتُهُ .
وَطَائِفَةٌ قَالَتْ : لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسِرِّ وَالْمُعْلِنِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ : فَطَائِفَةٌ قَبِلَتْ تَوْبَتَهُمَا مَعًا - أَقَرَّ الْمُسِرُّ أَوْ لَمْ يُقِرَّ .
وَطَائِفَةٌ : لَمْ تَقْبَلْ تَوْبَةَ مُسِرٍّ وَلَا مُعْلِنٍ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الْكَافِرِ الذِّمِّيِّ ، أَوْ الْحَرْبِيِّ يَخْرُجَانِ مِنْ كُفْرٍ إلَى كُفْرٍ : فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : يُتْرَكَانِ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَا يُمْنَعَانِ مِنْهُ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يُتْرَكَانِ عَلَى ذَلِكَ أَصْلًا .
ثُمَّ افْتَرَقَ هَؤُلَاءِ فِرْقَتَيْنِ : 110 فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : إنْ رَجَعَ الذِّمِّيُّ إلَى دِينِهِ الَّذِي خَرَجَ عَنْهُ تُرِكَ ، وَإِلَّا قُتِلَ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يُقْبَلُ مِنْهُ شَيْءٌ غَيْرُ الْإِسْلَامِ وَحْدَهُ ، وَإِلَّا قُتِلَ ، وَلَا يُتْرَكُ عَلَى الدِّينِ الَّذِي خَرَجَ إلَيْهِ ، وَلَا يُتْرَكُ أَيْضًا أَنْ يَرْجِعَ إلَى الَّذِي خَرَجَ عَنْهُ ، لَكِنْ إنْ أَسْلَمَ تُرِكَ ، وَإِنْ أَبَى قُتِلَ وَلَا بُدَّ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ني حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ نا قُرَّةُ - هُوَ ابْنُ خَالِدٍ - عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ ثُمَّ أَرْسَلَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْكُمْ ، فَأَلْقَى لَهُ أَبُو مُوسَى وِسَادَةً لِيَجْلِسَ عَلَيْهَا ، فَأُتِيَ بِرَجُلٍ كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ كَفَرَ ، فَقَالَ مُعَاذٌ : لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ : قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - فَلَمَّا قُتِلَ قَعَدَ . }
وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ أَخْبَرَنِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ { اذْهَبْ أَنْتَ يَا أَبَا مُوسَى ، أَوْ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ إلَى الْيَمَنِ ثُمَّ أَتْبَعَهُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَلْقَى لَهُ وِسَادَةً ، قَالَ : وَإِذَا رَجُلٌ مُوثَقٌ ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ قَالَ : كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ ، قَالَ : لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ : قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ } فِي حَدِيثٍ .
وَعَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : أُتِيَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِزَنَادِقَةٍ فَأَحْرَقَهُمْ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ : لَوْ كُنْت أَنَا لَمْ أُحْرِقْهُمْ ، لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ } وَلَقَتَلْتهمْ ، وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ .
وَعَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي عِجْلٍ تَنَصَّرَ ، فَكَتَبَ بِذَلِكَ عُيَيْنَةَ بْنُ فَرْقَدٍ السُّلَمِيُّ إلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، فَكَتَبَ عَلِيٌّ : أَنْ يُؤْتَى بِهِ ، فَجِيءَ بِهِ حَتَّى طُرِحَ بَيْنَ يَدَيْهِ رَجُلٌ - أَشْعَرُ عَلَيْهِ ثِيَابُ صُوفٍ - مَوْثُوقٌ فِي الْحَدِيدِ ، فَكَلَّمَهُ عَلِيٌّ فَأَطَالَ كَلَامَهُ 111 وَهُوَ سَاكِتٌ - فَقَالَ : لَا أَدْرِي مَا تَقُولُ ؟ غَيْرَ أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ عِيسَى ابْنُ اللَّهِ ، فَلَمَّا قَالَهَا قَامَ إلَيْهِ عَلِيٌّ فَوَطِئَهُ ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ : أَنَّ عَلِيًّا قَدْ وَطِئَهُ قَامُوا فَوَطِئُوهُ ، فَقَالَ عَلِيٌّ : أَمْسِكُوا ، فَأَمْسَكُوا حَتَّى قَتَلُوهُ ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ عَلِيٌّ فَأُحْرِقَ بِالنَّارِ .
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : بَعَثَنِي أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ بِفَتْحِ تُسْتَرَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَسَأَلَنِي عُمَرُ - وَكَانَ نَفَرٌ سِتَّةٌ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ قَدْ ارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَامِ وَلَحِقُوا بِالْمُشْرِكِينَ - فَقَالَ : مَا فَعَلَ النَّفَرُ مِنْ بَكْرٍ ؟ قَالَ : فَأَخَذْت فِي حَدِيثٍ آخَرَ لِأَشْغَلَهُ عَنْهُمْ ، فَقَالَ : مَا فَعَلَ النَّفَرُ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ ؟ قُلْت : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَوْمٌ ارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَامِ ، وَلَحِقُوا بِالْمُشْرِكِينَ ، مَا سَبِيلُهُمْ إلَّا الْقَتْلُ ؟ فَقَالَ عُمَرُ : لَأَنْ أَكُونَ أَخَذْتهمْ سِلْمًا أَحَبُّ إلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ مِنْ صَفْرَاءَ أَوْ بَيْضَاءَ - وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : يُسْتَتَابُ مَرَّةً ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ : لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَخَذَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَوْمًا ارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ ، فَكَتَبَ فِيهِمْ إلَى عُثْمَانَ ، فَرَدَّ إلَيْهِ عُثْمَانُ : أَنْ اعْرِضْ عَلَيْهِمْ دِينَ الْحَقِّ ، وَشَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، فَإِنْ قَبِلُوهَا ، فَخَلِّ عَنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يَقْبَلُوهَا ، فَاقْتُلْهُمْ - فَقَبِلَهَا بَعْضُهُمْ فَتَرَكَهُ ، وَلَمْ يَقْبَلْهَا بَعْضُهُمْ فَقَتَلَهُ .
وَعَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ قَالَ : أُتِيَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِشَيْخٍ كَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ ، ثُمَّ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ ؟ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : لَعَلَّك إنَّمَا ارْتَدَدْت لَأَنْ تُصِيبَ مِيرَاثًا ثُمَّ تَرْجِعَ إلَى الْإِسْلَامِ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَلَعَلَّك خَطَبْت امْرَأَةً فَأَبَوْا أَنْ يُزَوِّجُوكَهَا فَأَرَدْت أَنْ تَزَوَّجَهَا ثُمَّ تَعُودَ إلَى الْإِسْلَامِ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَارْجِعْ إلَى الْإِسْلَامِ ؟ قَالَ : لَا ، حَتَّى أَلْقَى الْمَسِيحَ ، قَالَ : فَأَمَرَ بِهِ عَلِيٌّ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ ، وَدَفَعَ مِيرَاثَهُ إلَى وُلْدِهِ الْمُسْلِمِينَ .
وَعَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ : أَنَّ الْمِسْوَرَ الْعِجْلِيّ تَنَصَّرَ بَعْدَ إسْلَامِهِ فَبَعَثَ بِهِ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ إلَى عَلِيٍّ فَاسْتَتَابَهُ فَلَمْ يَتُبْ ، فَقَتَلَهُ ، فَسَأَلَهُ النَّصَارَى جِيفَتَهُ بِثَلَاثِينَ أَلْفًا ، فَأَبَى عَلِيٌّ وَأَحْرَقَهُ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : يُسْتَتَابُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ : فَلِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى أَنَّهُ 112 بَلَغَهُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ : أَنَّهُ كَفَرَ إنْسَانٌ بَعْدَ إيمَانِهِ ، فَدَعَاهُ إلَى الْإِسْلَامِ - ثَلَاثًا - فَأَبَى ، فَقَتَلَهُ .
وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي حَيَّانُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ : أَنَّهُ قَالَ : إذَا أَشْرَكَ الْمُسْلِمُ دُعِيَ إلَى الْإِسْلَامِ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - فَإِنْ أَبَى ضُرِبَتْ عُنُقُهُ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : يُسْتَتَابُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ ، فَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : يُسْتَتَابُ مَرَّةً فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ : فَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : يُسْتَتَابُ شَهْرًا فَكَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَا عُثْمَانُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ : أَنَّ عَلِيًّا اسْتَتَابَ رَجُلًا كَفَرَ بَعْدَ إسْلَامِهِ شَهْرًا ؟ فَأَبَى ، فَقَتَلَهُ .
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْ مَالِكٍ ، وَعَنْ بَعْضِ أَهْلِ مَذْهَبِهِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : يُسْتَتَابُ شَهْرَيْنِ : فَكَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ { : قَدِمَ عَلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ مِنْ الْيَمَنِ وَإِذَا بِرَجُلٍ عِنْدَهُ ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ فَقَالَ رَجُلٌ كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ ، ثُمَّ تَهَوَّدَ وَنَحْنُ نُرِيدُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ ، مُنْذُ - أَحْسِبُهُ قَالَ - شَهْرَيْنِ ، قَالَ مُعَاذٌ : وَاَللَّهِ لَا أَقْعُدُ حَتَّى تَضْرِبُوا عُنُقَهُ ، فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ ، ثُمَّ قَالَ مُعَاذٌ : قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ . }
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ - هُوَ ابْنُ عَطَاءٍ الْخَفَّافُ - أَنَا سَعِيدٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ { أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَدِمَ عَلَى أَبِي مُوسَى الْيَمَنَ فَوَجَدَ عِنْدَهُ رَجُلًا قَدْ تَهَوَّدَ وَعَرَضَ عَلَيْهِ أَبُو مُوسَى الْإِسْلَامَ شَهْرَيْنِ ، فَقَالَ مُعَاذٌ : وَاَللَّهِ لَا أَجْلِسُ حَتَّى أَقْتُلَهُ ; قَضَاءَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ . }
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : يُسْتَتَابُ أَبَدًا دُونَ قَتْلٍ : فَلِمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ أَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ أَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَنَا دَاوُد - هُوَ ابْنُ أَبِي هِنْدٍ - عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ 113 أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ قَتَلَ جُحَيْنَةَ الْكَذَّابَ ، وَأَصْحَابَهُ ، قَالَ أَنَسٌ : فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ : مَا فَعَلَ جُحَيْنَةُ ، وَأَصْحَابُهُ ؟ قَالَ : فَتَغَافَلْت عَنْهُ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَقُلْت : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَهَلْ كَانَ سَبِيلٌ إلَّا الْقَتْلُ ؟ فَقَالَ عُمَرُ : لَوْ أَتَيْت بِهِمْ لَعَرَضْت عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامَ ، فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا اسْتَوْدَعْتهمْ السِّجْنَ .
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيّ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَدِمَ مَجْزَأَةُ بْنُ ثَوْرٍ ، أَوْ شَقِيقُ بْنُ ثَوْرٍ عَلَى عُمَرَ يُبَشِّرُهُ بِفَتْحِ تُسْتَرَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : هَلْ كَانَتْ مُغْرِبَةٌ يُخْبِرُنَا بِهَا ؟ قَالَ : لَا إلَّا أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْعَرَبِ ارْتَدَّ فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ ، قَالَ عُمَرُ : وَيْحَكُمْ ، فَهَلَّا طَيَّنْتُمْ عَلَيْهِ بَابًا ، وَفَتَحْتُمْ لَهُ كُوَّةً فَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْهَا رَغِيفًا ، وَسَقَيْتُمُوهُ كُوزًا مِنْ مَاءٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، ثُمَّ عَرَضْتُمْ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ فِي الثَّالِثَةِ ، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَرْجِعَ ، اللَّهُمَّ لَمْ أَحْضُرْ ، وَلَمْ آمُرْ ، وَلَمْ أَعْلَمْ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : أَرْبَعِينَ يَوْمًا : فَلِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَضَّاحٍ أَنَا سَحْنُونٌ أَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ رَجُلًا يَهُودِيًّا أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ ، فَحَبَسَهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يَدْعُوهُ إلَى الْإِسْلَامِ ، فَأَتَاهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَرَآهُ عِنْدَهُ فَقَالَ : لَا أَنْزِلُ حَتَّى تَضْرِبَ عُنُقَهُ ؟ فَلَمْ يَنْزِلْ حَتَّى ضُرِبَتْ عُنُقُهُ .
وَأَمَّا مَنْ ارْتَدَّ مِنْ كُفْرٍ إلَى كُفْرٍ ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ، وَمَالِكًا قَالَا جَمِيعًا : يُقَرُّ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ ، وَأَصْحَابُهُمَا : لَا يُقَرُّ عَلَى ذَلِكَ .
ثُمَّ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ : فَمَرَّةً قَالَ : إنْ رَجَعَ إلَى الْكُفْرِ الَّذِي تَذَمَّمَ عَلَيْهِ ، وَإِلَّا قُتِلَ ، وَإِلَّا أَنْ يُسْلِمَ - وَمَرَّةً قَالَ : لَا يُقْبَلُ مِنْهُ الرُّجُوعُ إلَى الدِّينِ الَّذِي خَرَجَ عَنْهُ ، لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْإِسْلَامِ أَوْ السَّيْفِ - وَبِهَذَا يَقُولُ أَصْحَابُنَا ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : فَنَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ : إنَّهُ يُسْتَتَابُ مَرَّةً ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ ؟ فَوَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { اُدْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } .
وَقَالَ تَعَالَى { وَافْعَلُوا الْخَيْرَ } . 114
وَقَالَ تَعَالَى : { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ } الْآيَةَ .
فَكَانَتْ الِاسْتِتَابَةُ فِعْلَ خَيْرٍ وَدُعَاءً إلَى سَبِيلِ رَبِّنَا بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ، وَدُعَاءً إلَى الْخَيْرِ ، وَأَمْرًا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيًا عَنْ الْمُنْكَرِ ، فَكَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا ، وَكَانَ فَاعِلُهُ مُصْلِحًا .
وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ { لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِهُدَاكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ } .
قَالُوا : فَهَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُزْهَدَ فِيهِ .
قَالُوا : وَقَدْ فَعَلَهُ عَلِيٌّ ، وَعُثْمَانُ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ - وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : لَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً غَيْرَ هَذَا أَصْلًا ، فَعَارَضَهُمْ مَنْ قَالَ : لَا أَسْتَتِيبُهُ بِأَنْ قَالُوا : بِأَنَّ الدُّعَاءَ إلَى سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَجِبَ مَرَّةً ، أَوْ عَدَدًا مَحْدُودًا ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ ، أَوْ أَبَدًا مَا امْتَدَّ الْعُمْرُ بِلَا نِهَايَةٍ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى قِسْمٍ رَابِعٍ .
قَالَ : فَإِنْ قُلْتُمْ : إنَّهُ يَجِبُ أَبَدًا مَا امْتَدَّ بِهِ الْعُمْرُ بِلَا نِهَايَةٍ : تَرَكْتُمْ قَوْلَكُمْ وَصِرْتُمْ إلَى قَوْلِ مَنْ رَأَى أَنْ يُسْتَتَابَ الْمُرْتَدُّ أَبَدًا ، وَلَا يُقْتَلَ - وَهَذَا لَيْسَ هُوَ قَوْلَكُمْ ، وَلَوْ كَانَ لَكُنَّا قَدْ أَبْطَلْنَاهُ آنِفًا ، وَلَوْ كَانَ هَذَا أَيْضًا لَبَطَلَ الْجِهَادُ جُمْلَةً ، لِأَنَّ الدُّعَاءَ كَانَ يَلْزَمُ أَبَدًا مُكَرَّرًا بِلَا نِهَايَةٍ ، وَهَذَا قَوْلٌ لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ أَصْلًا ، وَلَيْسَ دُعَاءُ الْمُرْتَدِّ - وَهُوَ أَحَدُ الْكُفَّارِ - بِأَوْجَبَ مِنْ دُعَاءِ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ الْحَرْبِيِّينَ - فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
وَإِنْ قُلْتُمْ : إنَّهُ يَجِبُ عَدَدًا مُحَدَّدًا أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ : كُنْتُمْ قَائِلِينَ بِلَا دَلِيلٍ ، وَهَذَا بَاطِلٌ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } .
وَلَيْسَ قَوْلُ مَنْ قَالَ : يُسْتَتَابُ مَرَّتَيْنِ بِأَوْلَى مِمَّنْ قَالَ : ثَلَاثَةً ، وَلَا مِمَّنْ قَالَ : أَرْبَعًا ، أَوْ خَمْسًا ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ . 115
وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِلَا بُرْهَانٍ ، فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ بِلَا شَكٍّ .
فَلَمْ يَبْقَ إلَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : يُدْعَى مَرَّةً ؟ فَيُقَالُ لَهُ : إنَّ مَنْ أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ : قَدْ تَقَدَّمَ دُعَاؤُهُ إلَى الْإِسْلَامِ حِينَ أَسْلَمَ بِلَا شَكٍّ ، إنْ كَانَ دَخِيلًا فِي الْإِسْلَامِ ، أَوْ حِينَ بَلَغَ ، وَعَلِمَ شَرَائِعَ الدِّينِ ، هَذَا مَا لَا شَكَّ فِيهِ .
وَقَدْ قُلْنَا : إنَّ التَّكْرَارَ لَا يَلْزَمُ ، فَالْوَاجِبُ إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِ ، إذْ قَدْ اتَّفَقْنَا - نَحْنُ وَأَنْتُمْ - عَلَى وُجُوبِ قَتْلِهِ إنْ لَمْ يُرَاجِعْ الْإِسْلَامَ ، فَالِاشْتِغَالُ عَنْ ذَلِكَ وَتَأْخِيرُهُ بِاسْتِتَابَةٍ ، وَدُعَاءٍ : لَا يُلْزِمَانِ تَرْكَ الْإِقَامَةِ عَلَيْهِ - وَهَذَا لَا يَجُوزُ ؟ قَالُوا : وَنَحْنُ لَمْ نَمْنَعْ مِنْ دُعَائِهِ إلَى الْإِسْلَامِ فِي خِلَالِ ذَلِكَ دُونَ تَأْخِيرٍ لِإِقَامَةِ الْحَقِّ عَلَيْهِ ، وَلَا تَضْيِيعٍ لَهُ ، وَإِنَّمَا كَلَامُنَا : هَلْ يَجِبُ دُعَاؤُهُ وَاسْتِتَابَتُهُ فَرْضًا أَمْ لَا ؟ فَهَاهُنَا اخْتَلَفْنَا ، فَأَوْجَبْتُمُوهُ بِلَا بُرْهَانٍ ، وَلَمْ نُوجِبْ نَحْنُ وَلَا مَنَعْنَا ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ : نَدْعُوهُ مَرَّةً بَعْدَ الدُّعَاءِ الْأَوَّلِ السَّالِفِ : لَمْ تَكُونُوا بِأَوْلَى مِمَّنْ قَالَ : بَلْ اُدْعُوهُ مَرَّةً ثَانِيَةً أَيْضًا بَعْدَ هَذِهِ الْمَرَّةِ ؟ أَوْ مِمَّنْ قَالَ : بَلْ الثَّالِثَةُ بَعْدَ الثَّانِيَةِ .
أَوْ مِمَّنْ قَالَ : بَلْ الرَّابِعَةُ بَعْدَ الثَّالِثَةِ - وَهَكَذَا أَبَدًا .
فَبَطَلَ بِلَا شَكٍّ مَا أَوْجَبْتُمْ فَرْضًا مِنْ اسْتِتَابَتِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَأَكْثَرَ .
قَالَ : وَأَمَّا قَوْلُكُمْ : فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَصَحَّ عَنْ عُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَلَا حُجَّةَ لَكُمْ فِي هَذَا : أَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ - فَلَا تَصِحُّ ، لِأَنَّ الطَّرِيقَ فِي كِلْتَيْ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ وَهُوَ سَاقِطٌ .
وَأَمَّا الْحُكْمُ فِي أَهْلِ الرِّدَّةِ : فَهُوَ أَمْرٌ مَشْهُورٌ ، نَقْلُ الْكَوَافِّ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى إنْكَارِهِ ، إلَّا أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَكُمْ فِيهِ ، لِأَنَّ أَهْلَ الرِّدَّةِ كَانُوا قِسْمَيْنِ : قِسْمًا لَمْ يُؤْمِنْ قَطُّ كَأَصْحَابِ مُسَيْلِمَةَ ، وَسَجَاحَ ، فَهَؤُلَاءِ حَرْبِيُّونَ لَمْ يُسْلِمُوا قَطُّ ، لَا يَخْتَلِفُ أَحَدٌ فِي أَنَّهُمْ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمْ وَإِسْلَامُهُمْ . 116
وَالْقِسْمُ الثَّانِي : قَوْمٌ أَسْلَمُوا وَلَمْ يَكْفُرُوا بَعْدَ إسْلَامِهِمْ ، لَكِنْ مَنَعُوا الزَّكَاةَ مِنْ أَنْ يَدْفَعُوهَا إلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَعَلَى هَذَا قُوتِلُوا .
وَلَا يَخْتَلِفُ الْحَنَفِيُّونَ ، وَلَا الشَّافِعِيُّونَ : فِي أَنَّ هَؤُلَاءِ لَيْسَ لَهُمْ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ أَصْلًا ، وَهُمْ قَدْ خَالَفُوا فِعْلَ أَبِي بَكْرٍ فِيهِمْ ، وَلَا يُسَمِّيهِمْ أَهْلَ رِدَّةٍ .
وَدَلِيلُ مَا قُلْنَا : شِعْرُ الْحُطَيْئَةِ الْمَشْهُورُ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ : ﴿﴾ أَطَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ بَيْنَنَا ﴿﴾ ﴿﴾ فَيَا لَهْفَنَا مَا بَالُ دِينِ أَبِي بَكْرِ ﴿﴾ ﴿﴾ أَيُورِثُهَا بَكْرًا إذْ مَاتَ بَعْدَهُ ﴿﴾ ﴿﴾ فَتِلْكَ لَعَمْرُ اللَّهِ قَاصِمَةُ الظَّهْرِ ﴿﴾ ﴿﴾ وَإِنَّ الَّتِي طَالَبْتُمْ فَمُنِعْتُمْ ﴿﴾ ﴿﴾ لَكَالتَّمْرِ أَوْ أَحْلَى لَدَيَّ مِنْ التَّمْرِ ﴿﴾ ﴿﴾ فِدًا لِبَنِي بَكْرِ بْنِ ذُودَانَ رَحْلِي وَنَا ﴿﴾ ﴿﴾ قَتِي عَشِيَّةَ يَحْدِي بِالرِّمَاحِ أَبُو بَكْرِ ﴿﴾ فَهُوَ مُقِرٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا تَرَى ، فَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْأَشْعَثُ مِنْ هَؤُلَاءِ وَغَيْرُهُ وَمَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ قَوْمٌ ارْتَدُّوا جُمْلَةً ، كَمَنْ آمَنَ بِطُلَيْحَةَ ، وَنَحْوِ هَؤُلَاءِ ، إلَّا أَنَّ هَذَا لَا يَنْسَنِدُ ؟ فَلَوْ صَحَّ لَمَا كَانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ ، لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ مَوْجُودٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .
وَنَحْنُ ذَاكِرُونَ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - مَا يَسَّرَ اللَّهُ تَعَالَى لِذِكْرِهِ : فَأَمَّا مَنْ قَالَ : لَا يُسْتَتَابُونَ ، فَانْقَسَمُوا قِسْمَيْنِ : 109 فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : يُقْتَلُ الْمُرْتَدُّ ، تَابَ أَوْ لَمْ يَتُبْ ، رَاجَعَ الْإِسْلَامَ أَوْ لَمْ يُرَاجِعْ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : إنْ بَادَرَ فَتَابَ قُبِلَتْ مِنْهُ تَوْبَتُهُ ، وَسَقَطَ عَنْهُ الْقَتْلُ ، وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ تَوْبَتُهُ أُنْفِذَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : يُسْتَتَابُ ، فَإِنَّهُمْ انْقَسَمُوا أَقْسَامًا : فَطَائِفَةٌ قَالَتْ : نَسْتَتِيبُهُ مَرَّةً فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قَتَلْنَاهُ .
وَطَائِفَةٌ قَالَتْ : نَسْتَتِيبُهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَإِنْ تَابَ ، وَإِلَّا قَتَلْنَاهُ .
وَطَائِفَةٌ قَالَتْ : نَسْتَتِيبُهُ شَهْرًا ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قَتَلْنَاهُ .
وَطَائِفَةٌ قَالَتْ : نَسْتَتِيبُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قَتَلْنَاهُ .
وَطَائِفَةٌ قَالَتْ : نَسْتَتِيبُهُ مِائَةَ مَرَّةٍ ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قَتَلْنَاهُ .
وَطَائِفَةٌ قَالَتْ : يُسْتَتَابُ أَبَدًا ، وَلَا يُقْتَلُ .
فَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُسِرِّ وَالْمُعْلِنِ : فَإِنَّ طَائِفَةً قَالَتْ : مَنْ أَسَرَّ رِدَّتَهُ قَتَلْنَاهُ دُونَ اسْتِتَابَةٍ ، وَلَمْ نَقْبَلْ تَوْبَتَهُ ، وَمَنْ أَعْلَنَهَا قَبِلْنَا تَوْبَتَهُ .
وَطَائِفَةٌ قَالَتْ : إنْ أَقَرَّ الْمُسِرُّ وَصَدَقَ النِّيَّةَ قَبِلْنَا تَوْبَتَهُ ، وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ وَلَا صَدَقَ النِّيَّةَ قَتَلْنَاهُ وَلَمْ نَقْبَلْ تَوْبَتَهُ - قَالَ هَؤُلَاءِ : وَأَمَّا الْمُعْلِنُ فَتُقْبَلُ تَوْبَتُهُ .
وَطَائِفَةٌ قَالَتْ : لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسِرِّ وَالْمُعْلِنِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ : فَطَائِفَةٌ قَبِلَتْ تَوْبَتَهُمَا مَعًا - أَقَرَّ الْمُسِرُّ أَوْ لَمْ يُقِرَّ .
وَطَائِفَةٌ : لَمْ تَقْبَلْ تَوْبَةَ مُسِرٍّ وَلَا مُعْلِنٍ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الْكَافِرِ الذِّمِّيِّ ، أَوْ الْحَرْبِيِّ يَخْرُجَانِ مِنْ كُفْرٍ إلَى كُفْرٍ : فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : يُتْرَكَانِ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَا يُمْنَعَانِ مِنْهُ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يُتْرَكَانِ عَلَى ذَلِكَ أَصْلًا .
ثُمَّ افْتَرَقَ هَؤُلَاءِ فِرْقَتَيْنِ : 110 فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : إنْ رَجَعَ الذِّمِّيُّ إلَى دِينِهِ الَّذِي خَرَجَ عَنْهُ تُرِكَ ، وَإِلَّا قُتِلَ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يُقْبَلُ مِنْهُ شَيْءٌ غَيْرُ الْإِسْلَامِ وَحْدَهُ ، وَإِلَّا قُتِلَ ، وَلَا يُتْرَكُ عَلَى الدِّينِ الَّذِي خَرَجَ إلَيْهِ ، وَلَا يُتْرَكُ أَيْضًا أَنْ يَرْجِعَ إلَى الَّذِي خَرَجَ عَنْهُ ، لَكِنْ إنْ أَسْلَمَ تُرِكَ ، وَإِنْ أَبَى قُتِلَ وَلَا بُدَّ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ني حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ نا قُرَّةُ - هُوَ ابْنُ خَالِدٍ - عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ ثُمَّ أَرْسَلَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْكُمْ ، فَأَلْقَى لَهُ أَبُو مُوسَى وِسَادَةً لِيَجْلِسَ عَلَيْهَا ، فَأُتِيَ بِرَجُلٍ كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ كَفَرَ ، فَقَالَ مُعَاذٌ : لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ : قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - فَلَمَّا قُتِلَ قَعَدَ . }
وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ أَخْبَرَنِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ { اذْهَبْ أَنْتَ يَا أَبَا مُوسَى ، أَوْ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ إلَى الْيَمَنِ ثُمَّ أَتْبَعَهُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَلْقَى لَهُ وِسَادَةً ، قَالَ : وَإِذَا رَجُلٌ مُوثَقٌ ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ قَالَ : كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ ، قَالَ : لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ : قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ } فِي حَدِيثٍ .
وَعَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : أُتِيَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِزَنَادِقَةٍ فَأَحْرَقَهُمْ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ : لَوْ كُنْت أَنَا لَمْ أُحْرِقْهُمْ ، لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ } وَلَقَتَلْتهمْ ، وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ .
وَعَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي عِجْلٍ تَنَصَّرَ ، فَكَتَبَ بِذَلِكَ عُيَيْنَةَ بْنُ فَرْقَدٍ السُّلَمِيُّ إلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، فَكَتَبَ عَلِيٌّ : أَنْ يُؤْتَى بِهِ ، فَجِيءَ بِهِ حَتَّى طُرِحَ بَيْنَ يَدَيْهِ رَجُلٌ - أَشْعَرُ عَلَيْهِ ثِيَابُ صُوفٍ - مَوْثُوقٌ فِي الْحَدِيدِ ، فَكَلَّمَهُ عَلِيٌّ فَأَطَالَ كَلَامَهُ 111 وَهُوَ سَاكِتٌ - فَقَالَ : لَا أَدْرِي مَا تَقُولُ ؟ غَيْرَ أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ عِيسَى ابْنُ اللَّهِ ، فَلَمَّا قَالَهَا قَامَ إلَيْهِ عَلِيٌّ فَوَطِئَهُ ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ : أَنَّ عَلِيًّا قَدْ وَطِئَهُ قَامُوا فَوَطِئُوهُ ، فَقَالَ عَلِيٌّ : أَمْسِكُوا ، فَأَمْسَكُوا حَتَّى قَتَلُوهُ ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ عَلِيٌّ فَأُحْرِقَ بِالنَّارِ .
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : بَعَثَنِي أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ بِفَتْحِ تُسْتَرَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَسَأَلَنِي عُمَرُ - وَكَانَ نَفَرٌ سِتَّةٌ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ قَدْ ارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَامِ وَلَحِقُوا بِالْمُشْرِكِينَ - فَقَالَ : مَا فَعَلَ النَّفَرُ مِنْ بَكْرٍ ؟ قَالَ : فَأَخَذْت فِي حَدِيثٍ آخَرَ لِأَشْغَلَهُ عَنْهُمْ ، فَقَالَ : مَا فَعَلَ النَّفَرُ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ ؟ قُلْت : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَوْمٌ ارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَامِ ، وَلَحِقُوا بِالْمُشْرِكِينَ ، مَا سَبِيلُهُمْ إلَّا الْقَتْلُ ؟ فَقَالَ عُمَرُ : لَأَنْ أَكُونَ أَخَذْتهمْ سِلْمًا أَحَبُّ إلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ مِنْ صَفْرَاءَ أَوْ بَيْضَاءَ - وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : يُسْتَتَابُ مَرَّةً ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ : لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَخَذَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَوْمًا ارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ ، فَكَتَبَ فِيهِمْ إلَى عُثْمَانَ ، فَرَدَّ إلَيْهِ عُثْمَانُ : أَنْ اعْرِضْ عَلَيْهِمْ دِينَ الْحَقِّ ، وَشَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، فَإِنْ قَبِلُوهَا ، فَخَلِّ عَنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يَقْبَلُوهَا ، فَاقْتُلْهُمْ - فَقَبِلَهَا بَعْضُهُمْ فَتَرَكَهُ ، وَلَمْ يَقْبَلْهَا بَعْضُهُمْ فَقَتَلَهُ .
وَعَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ قَالَ : أُتِيَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِشَيْخٍ كَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ ، ثُمَّ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ ؟ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : لَعَلَّك إنَّمَا ارْتَدَدْت لَأَنْ تُصِيبَ مِيرَاثًا ثُمَّ تَرْجِعَ إلَى الْإِسْلَامِ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَلَعَلَّك خَطَبْت امْرَأَةً فَأَبَوْا أَنْ يُزَوِّجُوكَهَا فَأَرَدْت أَنْ تَزَوَّجَهَا ثُمَّ تَعُودَ إلَى الْإِسْلَامِ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَارْجِعْ إلَى الْإِسْلَامِ ؟ قَالَ : لَا ، حَتَّى أَلْقَى الْمَسِيحَ ، قَالَ : فَأَمَرَ بِهِ عَلِيٌّ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ ، وَدَفَعَ مِيرَاثَهُ إلَى وُلْدِهِ الْمُسْلِمِينَ .
وَعَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ : أَنَّ الْمِسْوَرَ الْعِجْلِيّ تَنَصَّرَ بَعْدَ إسْلَامِهِ فَبَعَثَ بِهِ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ إلَى عَلِيٍّ فَاسْتَتَابَهُ فَلَمْ يَتُبْ ، فَقَتَلَهُ ، فَسَأَلَهُ النَّصَارَى جِيفَتَهُ بِثَلَاثِينَ أَلْفًا ، فَأَبَى عَلِيٌّ وَأَحْرَقَهُ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : يُسْتَتَابُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ : فَلِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى أَنَّهُ 112 بَلَغَهُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ : أَنَّهُ كَفَرَ إنْسَانٌ بَعْدَ إيمَانِهِ ، فَدَعَاهُ إلَى الْإِسْلَامِ - ثَلَاثًا - فَأَبَى ، فَقَتَلَهُ .
وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي حَيَّانُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ : أَنَّهُ قَالَ : إذَا أَشْرَكَ الْمُسْلِمُ دُعِيَ إلَى الْإِسْلَامِ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - فَإِنْ أَبَى ضُرِبَتْ عُنُقُهُ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : يُسْتَتَابُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ ، فَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : يُسْتَتَابُ مَرَّةً فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ : فَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : يُسْتَتَابُ شَهْرًا فَكَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَا عُثْمَانُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ : أَنَّ عَلِيًّا اسْتَتَابَ رَجُلًا كَفَرَ بَعْدَ إسْلَامِهِ شَهْرًا ؟ فَأَبَى ، فَقَتَلَهُ .
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْ مَالِكٍ ، وَعَنْ بَعْضِ أَهْلِ مَذْهَبِهِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : يُسْتَتَابُ شَهْرَيْنِ : فَكَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ { : قَدِمَ عَلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ مِنْ الْيَمَنِ وَإِذَا بِرَجُلٍ عِنْدَهُ ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ فَقَالَ رَجُلٌ كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ ، ثُمَّ تَهَوَّدَ وَنَحْنُ نُرِيدُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ ، مُنْذُ - أَحْسِبُهُ قَالَ - شَهْرَيْنِ ، قَالَ مُعَاذٌ : وَاَللَّهِ لَا أَقْعُدُ حَتَّى تَضْرِبُوا عُنُقَهُ ، فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ ، ثُمَّ قَالَ مُعَاذٌ : قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ . }
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ - هُوَ ابْنُ عَطَاءٍ الْخَفَّافُ - أَنَا سَعِيدٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ { أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَدِمَ عَلَى أَبِي مُوسَى الْيَمَنَ فَوَجَدَ عِنْدَهُ رَجُلًا قَدْ تَهَوَّدَ وَعَرَضَ عَلَيْهِ أَبُو مُوسَى الْإِسْلَامَ شَهْرَيْنِ ، فَقَالَ مُعَاذٌ : وَاَللَّهِ لَا أَجْلِسُ حَتَّى أَقْتُلَهُ ; قَضَاءَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ . }
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : يُسْتَتَابُ أَبَدًا دُونَ قَتْلٍ : فَلِمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ أَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ أَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَنَا دَاوُد - هُوَ ابْنُ أَبِي هِنْدٍ - عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ 113 أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ قَتَلَ جُحَيْنَةَ الْكَذَّابَ ، وَأَصْحَابَهُ ، قَالَ أَنَسٌ : فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ : مَا فَعَلَ جُحَيْنَةُ ، وَأَصْحَابُهُ ؟ قَالَ : فَتَغَافَلْت عَنْهُ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَقُلْت : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَهَلْ كَانَ سَبِيلٌ إلَّا الْقَتْلُ ؟ فَقَالَ عُمَرُ : لَوْ أَتَيْت بِهِمْ لَعَرَضْت عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامَ ، فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا اسْتَوْدَعْتهمْ السِّجْنَ .
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيّ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَدِمَ مَجْزَأَةُ بْنُ ثَوْرٍ ، أَوْ شَقِيقُ بْنُ ثَوْرٍ عَلَى عُمَرَ يُبَشِّرُهُ بِفَتْحِ تُسْتَرَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : هَلْ كَانَتْ مُغْرِبَةٌ يُخْبِرُنَا بِهَا ؟ قَالَ : لَا إلَّا أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْعَرَبِ ارْتَدَّ فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ ، قَالَ عُمَرُ : وَيْحَكُمْ ، فَهَلَّا طَيَّنْتُمْ عَلَيْهِ بَابًا ، وَفَتَحْتُمْ لَهُ كُوَّةً فَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْهَا رَغِيفًا ، وَسَقَيْتُمُوهُ كُوزًا مِنْ مَاءٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، ثُمَّ عَرَضْتُمْ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ فِي الثَّالِثَةِ ، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَرْجِعَ ، اللَّهُمَّ لَمْ أَحْضُرْ ، وَلَمْ آمُرْ ، وَلَمْ أَعْلَمْ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : أَرْبَعِينَ يَوْمًا : فَلِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَضَّاحٍ أَنَا سَحْنُونٌ أَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ رَجُلًا يَهُودِيًّا أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ ، فَحَبَسَهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يَدْعُوهُ إلَى الْإِسْلَامِ ، فَأَتَاهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَرَآهُ عِنْدَهُ فَقَالَ : لَا أَنْزِلُ حَتَّى تَضْرِبَ عُنُقَهُ ؟ فَلَمْ يَنْزِلْ حَتَّى ضُرِبَتْ عُنُقُهُ .
وَأَمَّا مَنْ ارْتَدَّ مِنْ كُفْرٍ إلَى كُفْرٍ ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ، وَمَالِكًا قَالَا جَمِيعًا : يُقَرُّ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ ، وَأَصْحَابُهُمَا : لَا يُقَرُّ عَلَى ذَلِكَ .
ثُمَّ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ : فَمَرَّةً قَالَ : إنْ رَجَعَ إلَى الْكُفْرِ الَّذِي تَذَمَّمَ عَلَيْهِ ، وَإِلَّا قُتِلَ ، وَإِلَّا أَنْ يُسْلِمَ - وَمَرَّةً قَالَ : لَا يُقْبَلُ مِنْهُ الرُّجُوعُ إلَى الدِّينِ الَّذِي خَرَجَ عَنْهُ ، لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْإِسْلَامِ أَوْ السَّيْفِ - وَبِهَذَا يَقُولُ أَصْحَابُنَا ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : فَنَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ : إنَّهُ يُسْتَتَابُ مَرَّةً ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ ؟ فَوَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { اُدْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } .
وَقَالَ تَعَالَى { وَافْعَلُوا الْخَيْرَ } . 114
وَقَالَ تَعَالَى : { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ } الْآيَةَ .
فَكَانَتْ الِاسْتِتَابَةُ فِعْلَ خَيْرٍ وَدُعَاءً إلَى سَبِيلِ رَبِّنَا بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ، وَدُعَاءً إلَى الْخَيْرِ ، وَأَمْرًا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيًا عَنْ الْمُنْكَرِ ، فَكَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا ، وَكَانَ فَاعِلُهُ مُصْلِحًا .
وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ { لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِهُدَاكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ } .
قَالُوا : فَهَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُزْهَدَ فِيهِ .
قَالُوا : وَقَدْ فَعَلَهُ عَلِيٌّ ، وَعُثْمَانُ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ - وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : لَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً غَيْرَ هَذَا أَصْلًا ، فَعَارَضَهُمْ مَنْ قَالَ : لَا أَسْتَتِيبُهُ بِأَنْ قَالُوا : بِأَنَّ الدُّعَاءَ إلَى سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَجِبَ مَرَّةً ، أَوْ عَدَدًا مَحْدُودًا ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ ، أَوْ أَبَدًا مَا امْتَدَّ الْعُمْرُ بِلَا نِهَايَةٍ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى قِسْمٍ رَابِعٍ .
قَالَ : فَإِنْ قُلْتُمْ : إنَّهُ يَجِبُ أَبَدًا مَا امْتَدَّ بِهِ الْعُمْرُ بِلَا نِهَايَةٍ : تَرَكْتُمْ قَوْلَكُمْ وَصِرْتُمْ إلَى قَوْلِ مَنْ رَأَى أَنْ يُسْتَتَابَ الْمُرْتَدُّ أَبَدًا ، وَلَا يُقْتَلَ - وَهَذَا لَيْسَ هُوَ قَوْلَكُمْ ، وَلَوْ كَانَ لَكُنَّا قَدْ أَبْطَلْنَاهُ آنِفًا ، وَلَوْ كَانَ هَذَا أَيْضًا لَبَطَلَ الْجِهَادُ جُمْلَةً ، لِأَنَّ الدُّعَاءَ كَانَ يَلْزَمُ أَبَدًا مُكَرَّرًا بِلَا نِهَايَةٍ ، وَهَذَا قَوْلٌ لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ أَصْلًا ، وَلَيْسَ دُعَاءُ الْمُرْتَدِّ - وَهُوَ أَحَدُ الْكُفَّارِ - بِأَوْجَبَ مِنْ دُعَاءِ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ الْحَرْبِيِّينَ - فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
وَإِنْ قُلْتُمْ : إنَّهُ يَجِبُ عَدَدًا مُحَدَّدًا أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ : كُنْتُمْ قَائِلِينَ بِلَا دَلِيلٍ ، وَهَذَا بَاطِلٌ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } .
وَلَيْسَ قَوْلُ مَنْ قَالَ : يُسْتَتَابُ مَرَّتَيْنِ بِأَوْلَى مِمَّنْ قَالَ : ثَلَاثَةً ، وَلَا مِمَّنْ قَالَ : أَرْبَعًا ، أَوْ خَمْسًا ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ . 115
وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِلَا بُرْهَانٍ ، فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ بِلَا شَكٍّ .
فَلَمْ يَبْقَ إلَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : يُدْعَى مَرَّةً ؟ فَيُقَالُ لَهُ : إنَّ مَنْ أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ : قَدْ تَقَدَّمَ دُعَاؤُهُ إلَى الْإِسْلَامِ حِينَ أَسْلَمَ بِلَا شَكٍّ ، إنْ كَانَ دَخِيلًا فِي الْإِسْلَامِ ، أَوْ حِينَ بَلَغَ ، وَعَلِمَ شَرَائِعَ الدِّينِ ، هَذَا مَا لَا شَكَّ فِيهِ .
وَقَدْ قُلْنَا : إنَّ التَّكْرَارَ لَا يَلْزَمُ ، فَالْوَاجِبُ إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِ ، إذْ قَدْ اتَّفَقْنَا - نَحْنُ وَأَنْتُمْ - عَلَى وُجُوبِ قَتْلِهِ إنْ لَمْ يُرَاجِعْ الْإِسْلَامَ ، فَالِاشْتِغَالُ عَنْ ذَلِكَ وَتَأْخِيرُهُ بِاسْتِتَابَةٍ ، وَدُعَاءٍ : لَا يُلْزِمَانِ تَرْكَ الْإِقَامَةِ عَلَيْهِ - وَهَذَا لَا يَجُوزُ ؟ قَالُوا : وَنَحْنُ لَمْ نَمْنَعْ مِنْ دُعَائِهِ إلَى الْإِسْلَامِ فِي خِلَالِ ذَلِكَ دُونَ تَأْخِيرٍ لِإِقَامَةِ الْحَقِّ عَلَيْهِ ، وَلَا تَضْيِيعٍ لَهُ ، وَإِنَّمَا كَلَامُنَا : هَلْ يَجِبُ دُعَاؤُهُ وَاسْتِتَابَتُهُ فَرْضًا أَمْ لَا ؟ فَهَاهُنَا اخْتَلَفْنَا ، فَأَوْجَبْتُمُوهُ بِلَا بُرْهَانٍ ، وَلَمْ نُوجِبْ نَحْنُ وَلَا مَنَعْنَا ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ : نَدْعُوهُ مَرَّةً بَعْدَ الدُّعَاءِ الْأَوَّلِ السَّالِفِ : لَمْ تَكُونُوا بِأَوْلَى مِمَّنْ قَالَ : بَلْ اُدْعُوهُ مَرَّةً ثَانِيَةً أَيْضًا بَعْدَ هَذِهِ الْمَرَّةِ ؟ أَوْ مِمَّنْ قَالَ : بَلْ الثَّالِثَةُ بَعْدَ الثَّانِيَةِ .
أَوْ مِمَّنْ قَالَ : بَلْ الرَّابِعَةُ بَعْدَ الثَّالِثَةِ - وَهَكَذَا أَبَدًا .
فَبَطَلَ بِلَا شَكٍّ مَا أَوْجَبْتُمْ فَرْضًا مِنْ اسْتِتَابَتِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَأَكْثَرَ .
قَالَ : وَأَمَّا قَوْلُكُمْ : فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَصَحَّ عَنْ عُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَلَا حُجَّةَ لَكُمْ فِي هَذَا : أَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ - فَلَا تَصِحُّ ، لِأَنَّ الطَّرِيقَ فِي كِلْتَيْ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ وَهُوَ سَاقِطٌ .
وَأَمَّا الْحُكْمُ فِي أَهْلِ الرِّدَّةِ : فَهُوَ أَمْرٌ مَشْهُورٌ ، نَقْلُ الْكَوَافِّ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى إنْكَارِهِ ، إلَّا أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَكُمْ فِيهِ ، لِأَنَّ أَهْلَ الرِّدَّةِ كَانُوا قِسْمَيْنِ : قِسْمًا لَمْ يُؤْمِنْ قَطُّ كَأَصْحَابِ مُسَيْلِمَةَ ، وَسَجَاحَ ، فَهَؤُلَاءِ حَرْبِيُّونَ لَمْ يُسْلِمُوا قَطُّ ، لَا يَخْتَلِفُ أَحَدٌ فِي أَنَّهُمْ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمْ وَإِسْلَامُهُمْ . 116
وَالْقِسْمُ الثَّانِي : قَوْمٌ أَسْلَمُوا وَلَمْ يَكْفُرُوا بَعْدَ إسْلَامِهِمْ ، لَكِنْ مَنَعُوا الزَّكَاةَ مِنْ أَنْ يَدْفَعُوهَا إلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَعَلَى هَذَا قُوتِلُوا .
وَلَا يَخْتَلِفُ الْحَنَفِيُّونَ ، وَلَا الشَّافِعِيُّونَ : فِي أَنَّ هَؤُلَاءِ لَيْسَ لَهُمْ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ أَصْلًا ، وَهُمْ قَدْ خَالَفُوا فِعْلَ أَبِي بَكْرٍ فِيهِمْ ، وَلَا يُسَمِّيهِمْ أَهْلَ رِدَّةٍ .
وَدَلِيلُ مَا قُلْنَا : شِعْرُ الْحُطَيْئَةِ الْمَشْهُورُ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ : ﴿﴾ أَطَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ بَيْنَنَا ﴿﴾ ﴿﴾ فَيَا لَهْفَنَا مَا بَالُ دِينِ أَبِي بَكْرِ ﴿﴾ ﴿﴾ أَيُورِثُهَا بَكْرًا إذْ مَاتَ بَعْدَهُ ﴿﴾ ﴿﴾ فَتِلْكَ لَعَمْرُ اللَّهِ قَاصِمَةُ الظَّهْرِ ﴿﴾ ﴿﴾ وَإِنَّ الَّتِي طَالَبْتُمْ فَمُنِعْتُمْ ﴿﴾ ﴿﴾ لَكَالتَّمْرِ أَوْ أَحْلَى لَدَيَّ مِنْ التَّمْرِ ﴿﴾ ﴿﴾ فِدًا لِبَنِي بَكْرِ بْنِ ذُودَانَ رَحْلِي وَنَا ﴿﴾ ﴿﴾ قَتِي عَشِيَّةَ يَحْدِي بِالرِّمَاحِ أَبُو بَكْرِ ﴿﴾ فَهُوَ مُقِرٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا تَرَى ، فَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْأَشْعَثُ مِنْ هَؤُلَاءِ وَغَيْرُهُ وَمَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ قَوْمٌ ارْتَدُّوا جُمْلَةً ، كَمَنْ آمَنَ بِطُلَيْحَةَ ، وَنَحْوِ هَؤُلَاءِ ، إلَّا أَنَّ هَذَا لَا يَنْسَنِدُ ؟ فَلَوْ صَحَّ لَمَا كَانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ ، لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ مَوْجُودٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث