المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الثالث
- : قَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يَجُوزُ اخْتِلَافُ نِيَّةِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ لِمَا رَوَيْتُمُوهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سَخْبَرَ الْجُرْجَانِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ كَاتِبِ اللَّيْثِ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسِ الْقِتْبَانِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الَّتِي أُقِيمَتْ } : قَالَ عَلِيٌّ : وَهَذَا خَبَرٌ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ رَاوِيَهُ أَبُو صَالِحٍ وَهُوَ سَاقِطٌ .
وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ - : فَهُوَ مَا رَوَاهُ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَابْنُ جُرَيْجِ بْنِ سَلَمَةَ وَوَرْقَاءُ بْنُ عَمْرٍو وَزَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ كُلُّهُمْ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ : { إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ } . 148 وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي صَدْرِ كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ دِيوَانِنَا هَذَا .
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَفْظُ صَالِحٍ لَكَانَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ ; لِأَنَّهُمْ مُخَالِفُونَ لَهُ ; لِأَنَّ الْمَالِكِيِّينَ ، وَالْحَنَفِيِّينَ مَعًا مُتَّفِقُونَ - : عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الصُّبْحِ إذَا أُقِيمَتْ فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ أَوْتَرَ ، وَلَا رَكَعَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ - : يُصَلِّيهِمَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الَّتِي أُقِيمَتْ فَسُبْحَانَ مَنْ يَسَّرَهُمْ لِلِاحْتِجَاجِ بِمَا لَا يَصِحُّ مِنْ الْأَخْبَارِ فِي إبْطَالِ مَا صَحَّ مِنْهَا
ثُمَّ لَا مُؤْنَةَ عَلَيْهِمْ مِنْ خِلَافِ مَا احْتَجُّوا بِهِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ ؟ وَأَيْضًا : فَهُمْ مُصَفِّقُونَ عَلَى جَوَازِ التَّنَفُّلِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْفَرِيضَةَ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، فَهُمْ أَوَّلُ مُخَالِفٍ لِمَا صَحَّحُوهُ مِنْ الْبَاطِلِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ ؟ وَأَمَّا نَحْنُ فَلَوْ صَحَّ هَذَا الْخَبَرُ لَقُلْنَا بِهِ ، وَلَاسْتَعْمَلْنَا مَعَهُ مَا قَدْ صَحَّ مِنْ سَائِرِ الْأَخْبَارِ ، مِنْ حَدِيثِ : مُعَاذٍ ، وَجَابِرٍ ، وَأَبِي بَكْرَةَ ، وَأَبِي ذَرٍّ ، وَلَمْ نَتْرُكْ مِنْهَا شَيْئًا لِشَيْءٍ آخَرَ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ خَبَرًا : - رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَالُ لَهُ سُلَيْمٌ { أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّا نَظَلُّ فِي أَعْمَالِنَا فَنَأْتِي حِينَ نُمْسِي فَيَأْتِي مُعَاذٌ فَيُطَوِّلُ عَلَيْنَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا مُعَاذُ لَا تَكُنْ فَتَّانًا ؟ إمَّا أَنْ تُخَفِّفَ لِقَوْمِكَ ، أَوْ تَجْعَلَ صَلَاتَكَ مَعِي } .
فَادَّعَوْا مِنْ هَذَا أَنَّ مُعَاذًا كَانَ يَجْعَلُ الَّتِي يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَافِلَةً ؟ قَالَ عَلِيٌّ : وَهَذَا تَأْوِيلٌ لَا يَحِلُّ الْقَوْلُ بِهِ ، لِوُجُوهٍ سِتَّةٍ - : أَحَدُهَا - أَنَّهُ كَذِبٌ وَدَعْوَى بِلَا دَلِيلٍ ، وَهَذَا لَا يَعْجِزُ عَنْهُ مَنْ لَا يَحْجُزُهُ عَنْهُ تَقْوَى أَوْ حَيَاءٌ ؟ وَالثَّانِي - أَنَّ هَذَا خَبَرٌ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ ; لِأَنَّ مُعَاذَ بْنَ رِفَاعَةَ لَمْ يُدْرِكْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَدْرَكَ هَذَا الَّذِي شَكَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُعَاذٍ ؟ - : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْمَنْكِيُّ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ 149 عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ ثنا أَبُو بَكْرٍ هُوَ عَبْدُ الْكَبِيرِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الْحَنَفِيُّ - عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : سَمِعْت مُعَاذَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُبَيْبٍ قَالَ سَمِعْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كَانَ مُعَاذٌ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ - وَفِيهِ : { أَنَّ سُلَيْمًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنِّي رَجُلٌ أَعْمَلُ نَهَارِي حَتَّى إذَا أَمْسَيْتُ أَمْسَيْتُ نَاعِسًا ، فَيَأْتِينَا مُعَاذٌ وَقَدْ أَبْطَأَ عَلَيْنَا ، فَلَمَّا احْتَبَسَ صَلَّيْتُ } وَذَكَرَ الْحَدِيثَ - وَفِيهِ : أَنَّ سُلَيْمًا صَاحِبَ هَذِهِ الْقِصَّةِ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ ؟ وَالثَّالِثُ - أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ . }
وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : { وَسَارِعُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ }
ثُمَّ يَكُونُ مُعَاذٌ - وَهُوَ مِنْ أَعْلَمِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالدِّينِ - يُضَيِّعُ فَرْضَ صَلَاتِهِ الَّذِي قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ ، فَيَتْرُكُ أَدَاءَهُ ، وَيَشْتَغِلُ بِالتَّنَفُّلِ ، وَصَلَاةُ الْفَرْضِ قَدْ أُقِيمَتْ ، حَتَّى لَا يُدْرِكَ مِنْهَا شَيْئًا ، لَا سِيَّمَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَلَيْتَ شِعْرِي ، إلَى مَنْ كَانَ يُؤَخِّرُ مُعَاذٌ صَلَاةَ فَرْضِهِ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَهُ رَاغِبًا عَنْ أَنْ يُصَلِّيَهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتِّبَاعًا لِرَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ ؟ أَلَّا إنَّ هَذَا هُوَ الضَّلَالُ الْمُبِينُ ، قَدْ نَزَّهَ اللَّهُ تَعَالَى مُعَاذًا عَنْهُ عِنْدَ كُلِّ ذِي مُسْكَةِ عَقْلٍ ؟
وَالرَّابِعُ - أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ السَّخِيفَ الَّذِي لَمْ يَسْتَحْيُوا مِنْ أَنْ يَنْسُبُوهُ إلَى مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَيْضًا ، وَهُوَ أَنْ تَحْضُرَ صَلَاةُ فَرْضٍ فَيَنْوِيَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ صَلَّى بَعْدُ تِلْكَ الصَّلَاةَ - أَنْ يُصَلِّيَهَا مَعَ الْإِمَامِ لَا يَنْوِي بِهَا إلَّا التَّطَوُّعَ فَفِي كُلِّ حَالٍ قَدْ نَسَبُوا إلَى مُعَاذٍ مَا لَا يَحِلُّ عِنْدَهُمْ وَلَا عِنْدَ غَيْرِهِمْ ، وَهَذِهِ فِتْنَةُ سُوءٍ مُذْهِبَةٌ لِلْعَقْلِ وَالدِّينِ ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ ، فَأَيُّ رَاحَةٍ لَهُمْ فِي أَنْ يَنْسُبُوا إلَى مُعَاذٍ مَا لَا يَحِلُّ عِنْدَهُمْ بِلَا مَعْنًى ؟
وَالْخَامِسُ - أَنْ يُقَالَ لَهُمْ : إذْ جَوَّزْتُمْ لِمُعَاذٍ مَا لَا يَجُوزُ عِنْدَكُمْ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ نَافِلَةً خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُعَاذٌ لَمْ يُصَلِّ ذَلِكَ الْفَرْضَ بَعْدُ ، وَهُوَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُصَلِّي فَرْضَهُ - : فَأَيُّ فَرْقٍ فِي شَرِيعَةٍ ، أَوْ فِي مَعْقُولٍ بَيْنَ صَلَاةِ نَافِلَةٍ خَلْفَ مُصَلِّي فَرِيضَةٍ ، وَبَيْنَ مَا مَنَعْتُمْ 150 مِنْهُ مِنْ صَلَاةِ فَرْضٍ خَلْفَ الْمُصَلِّي نَافِلَةً ، وَكِلَاهُمَا اخْتِلَافُ نِيَّةِ الْإِمَامِ مَعَ الْمَأْمُومِ ، وَلَا فَرْقَ ؟ فَهَلَّا قَاسُوا أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ ؟ وَهَلَّا قَاسُوا جَوَازَ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ مِنْ الْأَئِمَّةِ عَلَى جَوَازِ حَجِّ الْفَرِيضَةِ خَلْفَ الْحَاجِّ تَطَوُّعًا مِنْ الْأَئِمَّةِ ، يَقِفُ بِوُقُوفِهِ وَيَدْفَعُ بِدَفْعِهِ وَيَأْتَمُّ بِهِ فِي حَجِّهِ ؟ فَلَوْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ الْقِيَاسِ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْقِيَاسِ وَأَصَحِّهِ ، وَهُمْ أَهْلُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ ، وَلَكِنْ هَذَا مِقْدَارُ عِلْمِهِمْ فِيمَا شَغَلُوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَتَرَكُوا السُّنَنَ ؟ فَكَيْفَ بِمَا لَا يَشْتَغِلُونَ بِهِ مِنْ طَلَبِ السُّنَنِ وَالِاعْتِنَاءِ بِهَا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى عَظِيمِ نِعْمَتِهِ ؟ قَالَ عَلِيٌّ : وَمَوَّهَ بَعْضُهُمْ هُنَا بِكَلَامٍ يُشْبِهُ كَلَامَ الْمَمْرُورِينَ وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا : أَنَّ بَعْضَ سَبَبِ التَّطَوُّعِ سَبَبُ الْفَرِيضَةِ ، وَأَنَّ مَنْ ابْتَدَأَ صَلَاةً لَا يَنْوِي بِهَا شَيْئًا كَانَ دَاخِلًا فِي نَافِلَةٍ ؟ قَالَ عَلِيٌّ : هَذَا كَلَامٌ لَا يَفْهَمُهُ قَائِلُهُ فَكَيْفَ سَامِعُهُ وَحَقُّ قَائِلِهِ سُكْنَى الْمَارَسْتَانِ وَمُعَانَاةُ دِمَاغِهِ وَيُقَالُ لَهُ : اجْعَلْ هَذَا الْكَلَامَ حُجَّةً فِي الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ ؟ وَأَيْضًا : فَقَدْ قَالَ الْبَاطِلَ وَالْكَذِبَ ، بَلْ مَنْ ابْتَدَأَ صَلَاةً لَا يَنْوِي بِهَا شَيْئًا فَلَيْسَ مُصَلِّيًا وَلَا شَيْءَ لَهُ ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى . }
فَنَحْنُ نَدِينُ بِأَنَّ كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ مِنْ كَلَامِ هَذَا الْمُمَخْرِقِ بِالْهَذَيَانِ ؟
ثُمَّ لَوْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرُوهُ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ مُتَعَلَّقٌ أَصْلًا ، لِأَنَّهُ وَاضِحُ الْمَعْنَى ، وَكَانَ يَكُونُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : إمَّا أَنْ تُخَفِّفَ عَنْ قَوْمِكَ أَوْ اجْعَلْ صَلَاتَكَ مَعِي } أَيْ لَا تُصَلِّ بِهِمْ إذَا لَمْ تُخَفِّفْ بِهِمْ ، وَاقْتَصِرْ عَلَى أَنْ تَكُونَ صَلَاتُك مَعِي فَقَطْ ، هَذَا مُقْتَضَى ذَلِكَ اللَّفْظِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ سِوَاهُ ؟ وَمَوَّهَ بَعْضُهُمْ بِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْ عَامِرٍ الْأَحْوَلِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَيْمَنَ الْمَعَافِرِيِّ قَالَ : { وَكَانَ أَهْلُ الْعَوَالِي يُصَلُّونَ فِي مَنَازِلِهِمْ وَيُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعِيدُوا الصَّلَاةَ فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ . } 151
وَخَبَرٍ آخَرَ فِيمَا كَتَبَ بِهِ إلَى أَبُو سُلَيْمَانَ دَاوُد بْنُ شَاذِ بْنُ دَاوُد الْمِصْرِيُّ قَالَ : ثنا عَبْدُ الْغَنِيّ بْنُ سَعِيدِ الْأَزْدِيُّ الْحَافِظُ ثنا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُرَّةَ الرُّعَيْنِيُّ ثنا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ الطَّحَاوِيُّ قَالَ : ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : سَمِعْت يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ يَقُولُ : أَنَا الْحُسَيْنُ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ { سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ : أَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ عَلَى الْبَلَاطِ وَهُمْ يُصَلُّونَ ، فَقُلْتُ : أَلَا تُصَلِّي مَعَهُمْ ؟ قَالَ : قَدْ صَلَّيْتُ فِي رَحْلِي إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ تُصَلَّى فَرِيضَةٌ فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ }
قَالَ : فَكَانَتْ صَلَاةُ مُعَاذٍ إذْ كَانَ مُبَاحًا أَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَاةَ مَرَّتَيْنِ فِي الْيَوْمِ ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ ؟
قَالَ عَلِيٌّ : أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ : فَصَحِيحٌ ، وَأَمَّا حَدِيثُ خَالِدِ بْنِ أَيْمَنَ : فَسَاقِطٌ ; لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ . ثُمَّ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا - : أَوَّلُ ذَلِكَ : أَنَّ قَائِلَ هَذَا قَدْ كَذَبَ ،
وَمَا كَانَ قَطُّ مُبَاحًا أَنْ تُصَلِّيَ صَلَاةً وَاحِدَةً عَلَى أَنَّهَا فَرْضٌ مَرَّتَيْنِ ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَفْرِضْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ إلَّا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فَقَطْ ، حَاشَا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْوِتْرِ فَقَطْ ، وَصَحَّ { أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَخْبَرَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ : هُنَّ خَمْسٌ وَهُنَّ خَمْسُونَ { مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ } }
فَبَطَلَ كُلُّ مَا مَوَّهَ بِهِ هَذَا الْمُمَوِّهُ ؟ وَوَجْهٌ آخَرُ : وَهُوَ أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ وَاحِدٌ ، وَهُوَ حَقٌّ ، وَمَا حَلَّ قَطُّ ، وَلَا قُلْنَا نَحْنُ - وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ : أَنْ تُصَلَّى صَلَاةٌ فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ - : وَإِنَّمَا قُلْنَا : أَنْ تُؤَدَّى الْفَرِيضَةُ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ ، كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَتُصَلَّى النَّافِلَةُ خَلْفَ مُصَلِّي الْفَرْضِ ، كَمَا أَمَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَكَمَا يُجِيزُونَ هُمْ أَيْضًا مَعَنَا .
وَتُؤَدَّى الْفَرِيضَةُ خَلْفَ مُؤَدِّي فَرِيضَةٍ أُخْرَى ، كَمَا أَخْبَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : بِأَنَّ { الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى } ، وَلَمْ يَنْهَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ ذَلِكَ قَطُّ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ، حَتَّى حَدَثَ مَا حَدَثَ
وَإِنَّمَا الْمُجِيزُونَ أَنْ تُصَلَّى صَلَاةٌ فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ : فَالْمَالِكِيُّونَ الْقَائِلُونَ : بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ ، وَبِأَنَّ مَنْ ذَكَرَ صَلَاةً فِي أُخْرَى : صَلَّى الَّتِي هُوَ فِيهَا ثُمَّ الَّتِي ذَكَرَ ، ثُمَّ 152 يُصَلِّي الَّتِي صَلَّى ، وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا ؟ وَالْعَجَبُ مِنْ احْتِجَاجِهِمْ بِابْنِ عُمَرَ ، وَهُمْ يُخَالِفُونَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَفْسِهَا ؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلًا يَجْرِي فِي الْقُبْحِ مَجْرَى مَا تَقَدَّمَ لَهُمْ وَيُرْبِي عَلَيْهِ ، وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ : إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ مُعَاذٍ لِعَدَمِ مَنْ كَانَ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ حِينَئِذٍ ؟ قَالَ عَلِيٌّ : لَوْ اتَّقَى اللَّهَ قَائِلُ هَذَا الْهَوَسِ أَوْ اسْتَحْيَا مِنْ الْكَذِبِ ، لَمْ يَنْصُرْ الْبَاطِلَ بِمَا هُوَ أَبْطَلُ مِنْهُ .
وَلَوْ عَرَفَ قَدْرَ الصَّحَابَةِ وَمَنْزِلَتَهُمْ فِي الْعِلْمِ : لَمْ يَقُلْ هَذَا ; لِأَنَّنَا نَجِدُ ، الزِّنْجِيَّ وَالتُّرْكِيَّ ، وَالصَّقْلَبِيَّ وَالرُّومِيَّ وَالْيَهُودِيَّ : يُسَلِّمُونَ ، فَلَا تَمْضِيَ لَهُمْ جُمُعَةٌ إلَّا وَقَدْ تَعَلَّمَتْ الْمَرْأَةُ مِنْهُمْ ، وَالرَّجُلُ ( أُمَّ الْقُرْآنِ ) وَ ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) وَمَا يُقِيمُونَ بِهِ صَلَاتَهُمْ .
وَلَمْ يَسْتَحِ هَذَا الْجَاهِلُ الْوَقَّاحُ أَنْ يَنْسُبَ إلَى حَيٍّ عَظِيمٍ مِنْ أَحْيَاءِ الْأَنْصَارِ ، وَحَيٍّ آخَرَ صَغِيرٍ مِنْهُمْ ، وَهُمْ بَنُو سَلَمَةَ ، وَبَنُو أَدَى قَدْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ - قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِعَامَيْنِ وَأَشْهُرٍ - ثَلَاثَةُ رِجَالٍ ، وَأَسْلَمَ جُمْهُورُهُمْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِدَهْرٍ - : أَنَّهُمْ بَقُوا الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ الَّتِي ذَكَرْنَا بَعْدَ إسْلَامِهِمْ لَمْ يَهْتَبِلُوا بِصَلَاتِهِمْ ، وَلَا تَعَلَّمُوا سُورَةً يُصَلُّونَ بِهَا ، وَهُمْ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ وَالْبَصَائِرِ فِي الدِّينِ : اللَّهُمَّ الْعَنْ مَنْ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْمُجَاهَرَةِ بِالْبَاطِلِ وَالْكَذِبِ الْمَفْضُوحِ ؟
فَلْيَعْلَمْ أَهْلُ الْجَهْلِ : أَنَّهُ كَانَ فِيمَنْ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ بَنِي سَلَمَةَ الَّذِي كَانَ يَؤُمُّ فِيهِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ - ثَلَاثُونَ عَقَبِيًّا ، وَثَلَاثَةٌ وَأَرْبَعُونَ بَدْرِيًّا سِوَى غَيْرِهِمْ .
أَفَمَا كَانَ فِي جَمِيعِ هَؤُلَاءِ الْفُضَلَاءِ أَحَدٌ يُحْسِنُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا يُصَلِّي بِهِ ؟ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ .
وَكَانَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ : جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَوَالِدُهُ ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ ، وَأَبُو الْيَسْرِ وَالْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ ، وَمُعَاذٌ ، وَمُعَوِّذٌ ، وَخَلَّادٌ بَنُو عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَابِئٍ وَبِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ ، وَجَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ 153
وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ أَصَحِّ طَرِيقٍ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : { مَا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى حَفِظْتُ سُوَرًا مِنْ الْقُرْآنِ } ؟ ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الْكِذْبَةَ الَّتِي قَالَهَا هَذَا الْجَاهِلُ دَعْوَى افْتَرَاهَا لَمْ يَجِدْهَا قَطُّ فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ السَّقِيمَةِ فَكَيْفَ الصَّحِيحَةِ ؟ وَمَا كَانَ هَكَذَا فَلَا وَجْهَ لِلشُّغْلِ بِهَا إلَّا فَضِيحَةُ قَائِلِهَا فَقَطْ ، ثُمَّ تَحْذِيرُ الضُّعَفَاءِ مِنْهُ ، وَالتَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ ؟
وَالثَّالِثُ : أَنْ يُقَالَ لَهُ : هَبْكَ أَنَّ هَذِهِ الْكِذْبَةَ كَمَا ذَكَرْتَ ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَكُمْ ؟ وَهَلْ يَحِلُّ لَدَيْكُمْ أَنْ تُسْلِمَ طَائِفَةٌ فَلَا يَكُونُ فِيهِمْ مَنْ يَقْرَأُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ إلَّا وَاحِدٌ فَيُصَلِّي ذَلِكَ الْوَاحِدُ مَعَ غَيْرِهِمْ ثُمَّ يَؤُمُّهُمْ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ ؟ فَمِنْ قَوْلِهِمْ : لَا ، فَيُقَالُ لَهُمْ : فَأَيُّ رَاحَةٍ لَكُمْ فِي اسْتِنْبَاطِ كَذِبٍ لَا تَنْتَفِعُونَ بِهِ فِي تَرْقِيعِ فَاسِدِ تَقْلِيدِكُمْ ؟ ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ : احْمِلُوهُ عَلَى مَا شِئْتُمْ ، أَلَيْسَ قَدْ عَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقَرَّهُ ؟ فَبِأَيِّ وَجْهٍ تُبْطِلُونَ فِعْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحُكْمَهُ ؟ وَقَدْ تَعَلَّلَ بَعْضُهُمْ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَأَبِي بَكْرَةَ بِنَحْوِ هَذِهِ الْفَضَائِحِ فَقَالَ : لَعَلَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ تُقْصَرَ الصَّلَاةُ ، أَوْ فِي سَفَرٍ لَا تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِي مِثْلِهِ ؟ فَقُلْنَا : هَذَا جَهْلٌ وَكَذِبٌ آخَرُ ، أَبُو بَكْرَةَ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ ، لَمْ يَشْهَدْ بِالْمَدِينَةِ قَطُّ خَوْفًا ، وَلَا صَلَاةَ خَوْفٍ ، وَلَا فِيمَا يَقْرُبُ مِنْهَا ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ - قَالَ جَابِرٌ - : بِنَخْلٍ ، وَبِذَاتِ الرِّقَاعِ ، فَكِلَا الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى أَزْيَدَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ الْمَدِينَةِ .
وَقَدْ صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : أَنَّ الصَّلَاةَ أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ : رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ، فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِمَّتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ ، وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ ؟ فَبَطَلَ كُلُّ عَارٍ أَتَوْا بِهِ فِي إبْطَالِ الْحَقَائِقِ مِنْ السُّنَنِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا ؟ ثُمَّ هُوَ فِعْلُ الصَّحَابَةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ عَمَّارِ الْعَنَزِيِّ : أَنَّ عَامِلًا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَانَ بِكَسْكَرَ فَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُسَلِّمُ ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ثُمَّ يُسَلِّمُ ؟ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرُ ، فَكَتَبَ إلَى عُمَرَ إنِّي رَأَيْتنِي شَاخِصًا عَنْ أَهْلِي وَلَمْ أَرَنِي بِحَضْرَةِ عَدُوٍّ فَرَأَيْت أَنْ أُصَلِّيَ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أُسَلِّمَ ثُمَّ أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أُسَلِّمَ ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : أَنْ قَدْ أَحْسَنْت ؟ 154 وَمِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّامِتِ قَالَ : كُنَّا مَعَ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ - هُوَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جَيْشٍ ، وَهُوَ يُصَلِّي بِنَا صَلَاةَ الصُّبْحِ ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ ، فَمَرَّ حِمَارٌ بَيْنَ يَدَيْ الصُّفُوفِ فَأَعَادَ بِهِمْ الصَّلَاةَ ، وَقَالَ : قَدْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا يَسْتُرُنِي - يَعْنِي الْعَنَزَةَ - وَلَكِنِّي أَعَدْت لِمَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مَا يَسْتُرُهُ - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ : فَهَذَا صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى نَافِلَةً بِمَنْ يُؤَدِّي فَرِيضَةً ؟ وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ : أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ أَتَى مَسْجِدَ دِمَشْقَ وَهُمْ يُصَلُّونَ الْعِشَاءَ وَهُوَ يُرِيدُ الْمَغْرِبَ ، فَصَلَّى مَعَهُمْ فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَةً ، فَجَعَلَ ثَلَاثًا لِلْمَغْرِبِ وَرَكْعَتَيْنِ تَطَوُّعًا .
وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ هَذَا الْخَبَرَ ، وَزَادَ فِيهِ : ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ ؟
وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : فِيمَنْ أَتَى التَّرَاوِيحَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَقَدْ بَقِيَ لِلنَّاسِ رَكْعَتَانِ قَالَ : اجْعَلْهُمَا مِنْ الْعِشَاءِ ؟
وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ : مَنْ صَلَّى مَعَ قَوْمٍ هُوَ يَنْوِي الظُّهْرَ وَهُمْ يُرِيدُونَ الْعَصْرَ ، قَالَ : لَهُ مَا نَوَى ، وَلَهُمْ مَا نَوَوْا ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ .
وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ ؟ وَعَنْ طَاوُسٍ : مِنْ وَجَدَ النَّاسَ يُصَلُّونَ الْقِيَامَ وَهُوَ لَمْ يُصَلِّ الْعِشَاءَ فَلْيُصَلِّهَا مَعَهُمْ ، وَلْيَعْتَدَّهَا الْمَكْتُوبَةَ ؟
وَرَوَى ذَلِكَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ ، وَرَوَاهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الثِّقَاتِ ؟
قَالَ عَلِيٌّ : مَا نَعْلَمُ لِمَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مُخَالِفًا أَصْلًا ، وَهُمْ يُعَظِّمُونَ هَذَا إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ وَقَوْلُنَا هَذَا : هُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ ، وَجُمْهُورِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ - : فَهُوَ مَا رَوَاهُ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَابْنُ جُرَيْجِ بْنِ سَلَمَةَ وَوَرْقَاءُ بْنُ عَمْرٍو وَزَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ كُلُّهُمْ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ : { إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ } . 148 وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي صَدْرِ كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ دِيوَانِنَا هَذَا .
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَفْظُ صَالِحٍ لَكَانَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ ; لِأَنَّهُمْ مُخَالِفُونَ لَهُ ; لِأَنَّ الْمَالِكِيِّينَ ، وَالْحَنَفِيِّينَ مَعًا مُتَّفِقُونَ - : عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الصُّبْحِ إذَا أُقِيمَتْ فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ أَوْتَرَ ، وَلَا رَكَعَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ - : يُصَلِّيهِمَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الَّتِي أُقِيمَتْ فَسُبْحَانَ مَنْ يَسَّرَهُمْ لِلِاحْتِجَاجِ بِمَا لَا يَصِحُّ مِنْ الْأَخْبَارِ فِي إبْطَالِ مَا صَحَّ مِنْهَا
ثُمَّ لَا مُؤْنَةَ عَلَيْهِمْ مِنْ خِلَافِ مَا احْتَجُّوا بِهِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ ؟ وَأَيْضًا : فَهُمْ مُصَفِّقُونَ عَلَى جَوَازِ التَّنَفُّلِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْفَرِيضَةَ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، فَهُمْ أَوَّلُ مُخَالِفٍ لِمَا صَحَّحُوهُ مِنْ الْبَاطِلِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ ؟ وَأَمَّا نَحْنُ فَلَوْ صَحَّ هَذَا الْخَبَرُ لَقُلْنَا بِهِ ، وَلَاسْتَعْمَلْنَا مَعَهُ مَا قَدْ صَحَّ مِنْ سَائِرِ الْأَخْبَارِ ، مِنْ حَدِيثِ : مُعَاذٍ ، وَجَابِرٍ ، وَأَبِي بَكْرَةَ ، وَأَبِي ذَرٍّ ، وَلَمْ نَتْرُكْ مِنْهَا شَيْئًا لِشَيْءٍ آخَرَ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ خَبَرًا : - رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَالُ لَهُ سُلَيْمٌ { أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّا نَظَلُّ فِي أَعْمَالِنَا فَنَأْتِي حِينَ نُمْسِي فَيَأْتِي مُعَاذٌ فَيُطَوِّلُ عَلَيْنَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا مُعَاذُ لَا تَكُنْ فَتَّانًا ؟ إمَّا أَنْ تُخَفِّفَ لِقَوْمِكَ ، أَوْ تَجْعَلَ صَلَاتَكَ مَعِي } .
فَادَّعَوْا مِنْ هَذَا أَنَّ مُعَاذًا كَانَ يَجْعَلُ الَّتِي يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَافِلَةً ؟ قَالَ عَلِيٌّ : وَهَذَا تَأْوِيلٌ لَا يَحِلُّ الْقَوْلُ بِهِ ، لِوُجُوهٍ سِتَّةٍ - : أَحَدُهَا - أَنَّهُ كَذِبٌ وَدَعْوَى بِلَا دَلِيلٍ ، وَهَذَا لَا يَعْجِزُ عَنْهُ مَنْ لَا يَحْجُزُهُ عَنْهُ تَقْوَى أَوْ حَيَاءٌ ؟ وَالثَّانِي - أَنَّ هَذَا خَبَرٌ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ ; لِأَنَّ مُعَاذَ بْنَ رِفَاعَةَ لَمْ يُدْرِكْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَدْرَكَ هَذَا الَّذِي شَكَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُعَاذٍ ؟ - : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْمَنْكِيُّ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ 149 عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ ثنا أَبُو بَكْرٍ هُوَ عَبْدُ الْكَبِيرِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الْحَنَفِيُّ - عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : سَمِعْت مُعَاذَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُبَيْبٍ قَالَ سَمِعْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كَانَ مُعَاذٌ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ - وَفِيهِ : { أَنَّ سُلَيْمًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنِّي رَجُلٌ أَعْمَلُ نَهَارِي حَتَّى إذَا أَمْسَيْتُ أَمْسَيْتُ نَاعِسًا ، فَيَأْتِينَا مُعَاذٌ وَقَدْ أَبْطَأَ عَلَيْنَا ، فَلَمَّا احْتَبَسَ صَلَّيْتُ } وَذَكَرَ الْحَدِيثَ - وَفِيهِ : أَنَّ سُلَيْمًا صَاحِبَ هَذِهِ الْقِصَّةِ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ ؟ وَالثَّالِثُ - أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ . }
وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : { وَسَارِعُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ }
ثُمَّ يَكُونُ مُعَاذٌ - وَهُوَ مِنْ أَعْلَمِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالدِّينِ - يُضَيِّعُ فَرْضَ صَلَاتِهِ الَّذِي قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ ، فَيَتْرُكُ أَدَاءَهُ ، وَيَشْتَغِلُ بِالتَّنَفُّلِ ، وَصَلَاةُ الْفَرْضِ قَدْ أُقِيمَتْ ، حَتَّى لَا يُدْرِكَ مِنْهَا شَيْئًا ، لَا سِيَّمَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَلَيْتَ شِعْرِي ، إلَى مَنْ كَانَ يُؤَخِّرُ مُعَاذٌ صَلَاةَ فَرْضِهِ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَهُ رَاغِبًا عَنْ أَنْ يُصَلِّيَهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتِّبَاعًا لِرَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ ؟ أَلَّا إنَّ هَذَا هُوَ الضَّلَالُ الْمُبِينُ ، قَدْ نَزَّهَ اللَّهُ تَعَالَى مُعَاذًا عَنْهُ عِنْدَ كُلِّ ذِي مُسْكَةِ عَقْلٍ ؟
وَالرَّابِعُ - أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ السَّخِيفَ الَّذِي لَمْ يَسْتَحْيُوا مِنْ أَنْ يَنْسُبُوهُ إلَى مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَيْضًا ، وَهُوَ أَنْ تَحْضُرَ صَلَاةُ فَرْضٍ فَيَنْوِيَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ صَلَّى بَعْدُ تِلْكَ الصَّلَاةَ - أَنْ يُصَلِّيَهَا مَعَ الْإِمَامِ لَا يَنْوِي بِهَا إلَّا التَّطَوُّعَ فَفِي كُلِّ حَالٍ قَدْ نَسَبُوا إلَى مُعَاذٍ مَا لَا يَحِلُّ عِنْدَهُمْ وَلَا عِنْدَ غَيْرِهِمْ ، وَهَذِهِ فِتْنَةُ سُوءٍ مُذْهِبَةٌ لِلْعَقْلِ وَالدِّينِ ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ ، فَأَيُّ رَاحَةٍ لَهُمْ فِي أَنْ يَنْسُبُوا إلَى مُعَاذٍ مَا لَا يَحِلُّ عِنْدَهُمْ بِلَا مَعْنًى ؟
وَالْخَامِسُ - أَنْ يُقَالَ لَهُمْ : إذْ جَوَّزْتُمْ لِمُعَاذٍ مَا لَا يَجُوزُ عِنْدَكُمْ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ نَافِلَةً خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُعَاذٌ لَمْ يُصَلِّ ذَلِكَ الْفَرْضَ بَعْدُ ، وَهُوَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُصَلِّي فَرْضَهُ - : فَأَيُّ فَرْقٍ فِي شَرِيعَةٍ ، أَوْ فِي مَعْقُولٍ بَيْنَ صَلَاةِ نَافِلَةٍ خَلْفَ مُصَلِّي فَرِيضَةٍ ، وَبَيْنَ مَا مَنَعْتُمْ 150 مِنْهُ مِنْ صَلَاةِ فَرْضٍ خَلْفَ الْمُصَلِّي نَافِلَةً ، وَكِلَاهُمَا اخْتِلَافُ نِيَّةِ الْإِمَامِ مَعَ الْمَأْمُومِ ، وَلَا فَرْقَ ؟ فَهَلَّا قَاسُوا أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ ؟ وَهَلَّا قَاسُوا جَوَازَ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ مِنْ الْأَئِمَّةِ عَلَى جَوَازِ حَجِّ الْفَرِيضَةِ خَلْفَ الْحَاجِّ تَطَوُّعًا مِنْ الْأَئِمَّةِ ، يَقِفُ بِوُقُوفِهِ وَيَدْفَعُ بِدَفْعِهِ وَيَأْتَمُّ بِهِ فِي حَجِّهِ ؟ فَلَوْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ الْقِيَاسِ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْقِيَاسِ وَأَصَحِّهِ ، وَهُمْ أَهْلُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ ، وَلَكِنْ هَذَا مِقْدَارُ عِلْمِهِمْ فِيمَا شَغَلُوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَتَرَكُوا السُّنَنَ ؟ فَكَيْفَ بِمَا لَا يَشْتَغِلُونَ بِهِ مِنْ طَلَبِ السُّنَنِ وَالِاعْتِنَاءِ بِهَا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى عَظِيمِ نِعْمَتِهِ ؟ قَالَ عَلِيٌّ : وَمَوَّهَ بَعْضُهُمْ هُنَا بِكَلَامٍ يُشْبِهُ كَلَامَ الْمَمْرُورِينَ وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا : أَنَّ بَعْضَ سَبَبِ التَّطَوُّعِ سَبَبُ الْفَرِيضَةِ ، وَأَنَّ مَنْ ابْتَدَأَ صَلَاةً لَا يَنْوِي بِهَا شَيْئًا كَانَ دَاخِلًا فِي نَافِلَةٍ ؟ قَالَ عَلِيٌّ : هَذَا كَلَامٌ لَا يَفْهَمُهُ قَائِلُهُ فَكَيْفَ سَامِعُهُ وَحَقُّ قَائِلِهِ سُكْنَى الْمَارَسْتَانِ وَمُعَانَاةُ دِمَاغِهِ وَيُقَالُ لَهُ : اجْعَلْ هَذَا الْكَلَامَ حُجَّةً فِي الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ ؟ وَأَيْضًا : فَقَدْ قَالَ الْبَاطِلَ وَالْكَذِبَ ، بَلْ مَنْ ابْتَدَأَ صَلَاةً لَا يَنْوِي بِهَا شَيْئًا فَلَيْسَ مُصَلِّيًا وَلَا شَيْءَ لَهُ ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى . }
فَنَحْنُ نَدِينُ بِأَنَّ كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ مِنْ كَلَامِ هَذَا الْمُمَخْرِقِ بِالْهَذَيَانِ ؟
ثُمَّ لَوْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرُوهُ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ مُتَعَلَّقٌ أَصْلًا ، لِأَنَّهُ وَاضِحُ الْمَعْنَى ، وَكَانَ يَكُونُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : إمَّا أَنْ تُخَفِّفَ عَنْ قَوْمِكَ أَوْ اجْعَلْ صَلَاتَكَ مَعِي } أَيْ لَا تُصَلِّ بِهِمْ إذَا لَمْ تُخَفِّفْ بِهِمْ ، وَاقْتَصِرْ عَلَى أَنْ تَكُونَ صَلَاتُك مَعِي فَقَطْ ، هَذَا مُقْتَضَى ذَلِكَ اللَّفْظِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ سِوَاهُ ؟ وَمَوَّهَ بَعْضُهُمْ بِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْ عَامِرٍ الْأَحْوَلِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَيْمَنَ الْمَعَافِرِيِّ قَالَ : { وَكَانَ أَهْلُ الْعَوَالِي يُصَلُّونَ فِي مَنَازِلِهِمْ وَيُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعِيدُوا الصَّلَاةَ فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ . } 151
وَخَبَرٍ آخَرَ فِيمَا كَتَبَ بِهِ إلَى أَبُو سُلَيْمَانَ دَاوُد بْنُ شَاذِ بْنُ دَاوُد الْمِصْرِيُّ قَالَ : ثنا عَبْدُ الْغَنِيّ بْنُ سَعِيدِ الْأَزْدِيُّ الْحَافِظُ ثنا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُرَّةَ الرُّعَيْنِيُّ ثنا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ الطَّحَاوِيُّ قَالَ : ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : سَمِعْت يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ يَقُولُ : أَنَا الْحُسَيْنُ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ { سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ : أَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ عَلَى الْبَلَاطِ وَهُمْ يُصَلُّونَ ، فَقُلْتُ : أَلَا تُصَلِّي مَعَهُمْ ؟ قَالَ : قَدْ صَلَّيْتُ فِي رَحْلِي إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ تُصَلَّى فَرِيضَةٌ فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ }
قَالَ : فَكَانَتْ صَلَاةُ مُعَاذٍ إذْ كَانَ مُبَاحًا أَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَاةَ مَرَّتَيْنِ فِي الْيَوْمِ ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ ؟
قَالَ عَلِيٌّ : أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ : فَصَحِيحٌ ، وَأَمَّا حَدِيثُ خَالِدِ بْنِ أَيْمَنَ : فَسَاقِطٌ ; لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ . ثُمَّ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا - : أَوَّلُ ذَلِكَ : أَنَّ قَائِلَ هَذَا قَدْ كَذَبَ ،
وَمَا كَانَ قَطُّ مُبَاحًا أَنْ تُصَلِّيَ صَلَاةً وَاحِدَةً عَلَى أَنَّهَا فَرْضٌ مَرَّتَيْنِ ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَفْرِضْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ إلَّا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فَقَطْ ، حَاشَا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْوِتْرِ فَقَطْ ، وَصَحَّ { أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَخْبَرَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ : هُنَّ خَمْسٌ وَهُنَّ خَمْسُونَ { مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ } }
فَبَطَلَ كُلُّ مَا مَوَّهَ بِهِ هَذَا الْمُمَوِّهُ ؟ وَوَجْهٌ آخَرُ : وَهُوَ أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ وَاحِدٌ ، وَهُوَ حَقٌّ ، وَمَا حَلَّ قَطُّ ، وَلَا قُلْنَا نَحْنُ - وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ : أَنْ تُصَلَّى صَلَاةٌ فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ - : وَإِنَّمَا قُلْنَا : أَنْ تُؤَدَّى الْفَرِيضَةُ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ ، كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَتُصَلَّى النَّافِلَةُ خَلْفَ مُصَلِّي الْفَرْضِ ، كَمَا أَمَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَكَمَا يُجِيزُونَ هُمْ أَيْضًا مَعَنَا .
وَتُؤَدَّى الْفَرِيضَةُ خَلْفَ مُؤَدِّي فَرِيضَةٍ أُخْرَى ، كَمَا أَخْبَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : بِأَنَّ { الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى } ، وَلَمْ يَنْهَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ ذَلِكَ قَطُّ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ، حَتَّى حَدَثَ مَا حَدَثَ
وَإِنَّمَا الْمُجِيزُونَ أَنْ تُصَلَّى صَلَاةٌ فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ : فَالْمَالِكِيُّونَ الْقَائِلُونَ : بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ ، وَبِأَنَّ مَنْ ذَكَرَ صَلَاةً فِي أُخْرَى : صَلَّى الَّتِي هُوَ فِيهَا ثُمَّ الَّتِي ذَكَرَ ، ثُمَّ 152 يُصَلِّي الَّتِي صَلَّى ، وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا ؟ وَالْعَجَبُ مِنْ احْتِجَاجِهِمْ بِابْنِ عُمَرَ ، وَهُمْ يُخَالِفُونَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَفْسِهَا ؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلًا يَجْرِي فِي الْقُبْحِ مَجْرَى مَا تَقَدَّمَ لَهُمْ وَيُرْبِي عَلَيْهِ ، وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ : إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ مُعَاذٍ لِعَدَمِ مَنْ كَانَ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ حِينَئِذٍ ؟ قَالَ عَلِيٌّ : لَوْ اتَّقَى اللَّهَ قَائِلُ هَذَا الْهَوَسِ أَوْ اسْتَحْيَا مِنْ الْكَذِبِ ، لَمْ يَنْصُرْ الْبَاطِلَ بِمَا هُوَ أَبْطَلُ مِنْهُ .
وَلَوْ عَرَفَ قَدْرَ الصَّحَابَةِ وَمَنْزِلَتَهُمْ فِي الْعِلْمِ : لَمْ يَقُلْ هَذَا ; لِأَنَّنَا نَجِدُ ، الزِّنْجِيَّ وَالتُّرْكِيَّ ، وَالصَّقْلَبِيَّ وَالرُّومِيَّ وَالْيَهُودِيَّ : يُسَلِّمُونَ ، فَلَا تَمْضِيَ لَهُمْ جُمُعَةٌ إلَّا وَقَدْ تَعَلَّمَتْ الْمَرْأَةُ مِنْهُمْ ، وَالرَّجُلُ ( أُمَّ الْقُرْآنِ ) وَ ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) وَمَا يُقِيمُونَ بِهِ صَلَاتَهُمْ .
وَلَمْ يَسْتَحِ هَذَا الْجَاهِلُ الْوَقَّاحُ أَنْ يَنْسُبَ إلَى حَيٍّ عَظِيمٍ مِنْ أَحْيَاءِ الْأَنْصَارِ ، وَحَيٍّ آخَرَ صَغِيرٍ مِنْهُمْ ، وَهُمْ بَنُو سَلَمَةَ ، وَبَنُو أَدَى قَدْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ - قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِعَامَيْنِ وَأَشْهُرٍ - ثَلَاثَةُ رِجَالٍ ، وَأَسْلَمَ جُمْهُورُهُمْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِدَهْرٍ - : أَنَّهُمْ بَقُوا الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ الَّتِي ذَكَرْنَا بَعْدَ إسْلَامِهِمْ لَمْ يَهْتَبِلُوا بِصَلَاتِهِمْ ، وَلَا تَعَلَّمُوا سُورَةً يُصَلُّونَ بِهَا ، وَهُمْ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ وَالْبَصَائِرِ فِي الدِّينِ : اللَّهُمَّ الْعَنْ مَنْ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْمُجَاهَرَةِ بِالْبَاطِلِ وَالْكَذِبِ الْمَفْضُوحِ ؟
فَلْيَعْلَمْ أَهْلُ الْجَهْلِ : أَنَّهُ كَانَ فِيمَنْ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ بَنِي سَلَمَةَ الَّذِي كَانَ يَؤُمُّ فِيهِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ - ثَلَاثُونَ عَقَبِيًّا ، وَثَلَاثَةٌ وَأَرْبَعُونَ بَدْرِيًّا سِوَى غَيْرِهِمْ .
أَفَمَا كَانَ فِي جَمِيعِ هَؤُلَاءِ الْفُضَلَاءِ أَحَدٌ يُحْسِنُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا يُصَلِّي بِهِ ؟ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ .
وَكَانَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ : جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَوَالِدُهُ ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ ، وَأَبُو الْيَسْرِ وَالْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ ، وَمُعَاذٌ ، وَمُعَوِّذٌ ، وَخَلَّادٌ بَنُو عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَابِئٍ وَبِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ ، وَجَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ 153
وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ أَصَحِّ طَرِيقٍ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : { مَا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى حَفِظْتُ سُوَرًا مِنْ الْقُرْآنِ } ؟ ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الْكِذْبَةَ الَّتِي قَالَهَا هَذَا الْجَاهِلُ دَعْوَى افْتَرَاهَا لَمْ يَجِدْهَا قَطُّ فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ السَّقِيمَةِ فَكَيْفَ الصَّحِيحَةِ ؟ وَمَا كَانَ هَكَذَا فَلَا وَجْهَ لِلشُّغْلِ بِهَا إلَّا فَضِيحَةُ قَائِلِهَا فَقَطْ ، ثُمَّ تَحْذِيرُ الضُّعَفَاءِ مِنْهُ ، وَالتَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ ؟
وَالثَّالِثُ : أَنْ يُقَالَ لَهُ : هَبْكَ أَنَّ هَذِهِ الْكِذْبَةَ كَمَا ذَكَرْتَ ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَكُمْ ؟ وَهَلْ يَحِلُّ لَدَيْكُمْ أَنْ تُسْلِمَ طَائِفَةٌ فَلَا يَكُونُ فِيهِمْ مَنْ يَقْرَأُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ إلَّا وَاحِدٌ فَيُصَلِّي ذَلِكَ الْوَاحِدُ مَعَ غَيْرِهِمْ ثُمَّ يَؤُمُّهُمْ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ ؟ فَمِنْ قَوْلِهِمْ : لَا ، فَيُقَالُ لَهُمْ : فَأَيُّ رَاحَةٍ لَكُمْ فِي اسْتِنْبَاطِ كَذِبٍ لَا تَنْتَفِعُونَ بِهِ فِي تَرْقِيعِ فَاسِدِ تَقْلِيدِكُمْ ؟ ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ : احْمِلُوهُ عَلَى مَا شِئْتُمْ ، أَلَيْسَ قَدْ عَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقَرَّهُ ؟ فَبِأَيِّ وَجْهٍ تُبْطِلُونَ فِعْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحُكْمَهُ ؟ وَقَدْ تَعَلَّلَ بَعْضُهُمْ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَأَبِي بَكْرَةَ بِنَحْوِ هَذِهِ الْفَضَائِحِ فَقَالَ : لَعَلَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ تُقْصَرَ الصَّلَاةُ ، أَوْ فِي سَفَرٍ لَا تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِي مِثْلِهِ ؟ فَقُلْنَا : هَذَا جَهْلٌ وَكَذِبٌ آخَرُ ، أَبُو بَكْرَةَ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ ، لَمْ يَشْهَدْ بِالْمَدِينَةِ قَطُّ خَوْفًا ، وَلَا صَلَاةَ خَوْفٍ ، وَلَا فِيمَا يَقْرُبُ مِنْهَا ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ - قَالَ جَابِرٌ - : بِنَخْلٍ ، وَبِذَاتِ الرِّقَاعِ ، فَكِلَا الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى أَزْيَدَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ الْمَدِينَةِ .
وَقَدْ صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : أَنَّ الصَّلَاةَ أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ : رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ، فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِمَّتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ ، وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ ؟ فَبَطَلَ كُلُّ عَارٍ أَتَوْا بِهِ فِي إبْطَالِ الْحَقَائِقِ مِنْ السُّنَنِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا ؟ ثُمَّ هُوَ فِعْلُ الصَّحَابَةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ عَمَّارِ الْعَنَزِيِّ : أَنَّ عَامِلًا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَانَ بِكَسْكَرَ فَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُسَلِّمُ ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ثُمَّ يُسَلِّمُ ؟ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرُ ، فَكَتَبَ إلَى عُمَرَ إنِّي رَأَيْتنِي شَاخِصًا عَنْ أَهْلِي وَلَمْ أَرَنِي بِحَضْرَةِ عَدُوٍّ فَرَأَيْت أَنْ أُصَلِّيَ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أُسَلِّمَ ثُمَّ أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أُسَلِّمَ ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : أَنْ قَدْ أَحْسَنْت ؟ 154 وَمِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّامِتِ قَالَ : كُنَّا مَعَ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ - هُوَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جَيْشٍ ، وَهُوَ يُصَلِّي بِنَا صَلَاةَ الصُّبْحِ ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ ، فَمَرَّ حِمَارٌ بَيْنَ يَدَيْ الصُّفُوفِ فَأَعَادَ بِهِمْ الصَّلَاةَ ، وَقَالَ : قَدْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا يَسْتُرُنِي - يَعْنِي الْعَنَزَةَ - وَلَكِنِّي أَعَدْت لِمَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مَا يَسْتُرُهُ - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ : فَهَذَا صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى نَافِلَةً بِمَنْ يُؤَدِّي فَرِيضَةً ؟ وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ : أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ أَتَى مَسْجِدَ دِمَشْقَ وَهُمْ يُصَلُّونَ الْعِشَاءَ وَهُوَ يُرِيدُ الْمَغْرِبَ ، فَصَلَّى مَعَهُمْ فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَةً ، فَجَعَلَ ثَلَاثًا لِلْمَغْرِبِ وَرَكْعَتَيْنِ تَطَوُّعًا .
وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ هَذَا الْخَبَرَ ، وَزَادَ فِيهِ : ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ ؟
وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : فِيمَنْ أَتَى التَّرَاوِيحَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَقَدْ بَقِيَ لِلنَّاسِ رَكْعَتَانِ قَالَ : اجْعَلْهُمَا مِنْ الْعِشَاءِ ؟
وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ : مَنْ صَلَّى مَعَ قَوْمٍ هُوَ يَنْوِي الظُّهْرَ وَهُمْ يُرِيدُونَ الْعَصْرَ ، قَالَ : لَهُ مَا نَوَى ، وَلَهُمْ مَا نَوَوْا ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ .
وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ ؟ وَعَنْ طَاوُسٍ : مِنْ وَجَدَ النَّاسَ يُصَلُّونَ الْقِيَامَ وَهُوَ لَمْ يُصَلِّ الْعِشَاءَ فَلْيُصَلِّهَا مَعَهُمْ ، وَلْيَعْتَدَّهَا الْمَكْتُوبَةَ ؟
وَرَوَى ذَلِكَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ ، وَرَوَاهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الثِّقَاتِ ؟
قَالَ عَلِيٌّ : مَا نَعْلَمُ لِمَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مُخَالِفًا أَصْلًا ، وَهُمْ يُعَظِّمُونَ هَذَا إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ وَقَوْلُنَا هَذَا : هُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ ، وَجُمْهُورِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith