المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الثالث
سُجُودُ الْقُرْآنِ 556 - مَسْأَلَةٌ فِي الْقُرْآنِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً - أَوَّلُهَا - : - فِي آخِرِ خَاتِمَةِ سُورَةِ الْأَعْرَافِ - ثُمَّ فِي الرَّعْدِ 323 ثُمَّ فِي النَّحْلِ - ثُمَّ فِي " سُبْحَانَ " - ثُمَّ فِي " كهيعص " - ثُمَّ فِي الْحَجِّ فِي الْأُولَى - وَلَيْسَ قُرْبُ آخِرِهَا - سَجْدَةٌ - ثُمَّ فِي الْفُرْقَانِ - ثُمَّ فِي النَّمْلِ - ثُمَّ فِي " الم تَنْزِيلُ " - ثُمَّ فِي " ص " ثُمَّ فِي " حم " فُصِّلَتْ - ثُمَّ فِي " وَالنَّجْمِ " فِي آخِرِهَا . - ثُمَّ فِي " إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ " عِنْدَ قَوْله تَعَالَى { لَا يَسْجُدُونَ } ثُمَّ فِي " اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ " فِي آخِرِهَا . وَلَيْسَ السُّجُودُ فَرْضًا لَكِنَّهُ فَضْلٌ وَيَسْجُدُ لَهَا فِي الصَّلَاةِ الْفَرِيضَةِ وَالتَّطَوُّعِ ، وَفِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فِي كُلِّ وَقْتٍ ، وَعِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا وَاسْتِوَائِهَا إلَى الْقِبْلَةِ وَإِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ وَعَلَى طَهَارَةٍ وَعَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ .
فَأَمَّا السَّجَدَاتُ الْمُتَّصِلَةُ إلَى " الم تَنْزِيلُ " فَلَا خِلَافَ فِيهَا ، وَلَا فِي مَوَاضِعِ السُّجُودِ مِنْهَا ، إلَّا فِي سُورَةِ النَّمْلِ ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ قَالُوا : مَوْضِعُ السَّجْدَةِ فِيهَا عِنْدَ تَمَامِ قِرَاءَتِك { رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ } .
وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ ، بَلْ فِي تَمَامِ قِرَاءَتِك { وَمَا تُعْلِنُونَ }
وَبِهَذَا نَقُولُ ، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى مَوْضِعِ ذِكْرِ السُّجُودِ وَالْأَمْرِ بِهِ ، وَالْمُبَادَرَةُ إلَى فِعْلِ الْخَيْرِ أَوْلَى .
قَالَ تَعَالَى : { سَارِعُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ } .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : فِي الْحَجِّ سَجْدَةٌ ثَانِيَةٌ قُرْبَ آخِرِهَا ، عِنْدَ قَوْله تَعَالَى : { وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } وَلَا نَقُولُ بِهَذَا فِي الصَّلَاةِ أَلْبَتَّةَ ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُزَادَ فِي الصَّلَاةِ سُجُودٌ لَمْ يَصِحَّ بِهِ نَصٌّ ، وَالصَّلَاةُ تَبْطُلُ بِذَلِكَ ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَهُوَ حَسَنٌ ، لِأَنَّهُ فِعْلُ خَيْرٍ ؟ 324 وَإِنَّمَا لَمْ نُجِزْهُ فِي الصَّلَاةِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ فِيهَا سُنَّةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَجْمَعَ عَلَيْهَا ، وَإِنَّمَا جَاءَ فِيهَا أَثَرٌ مُرْسَلٌ .
وَصَحَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ : السُّجُودُ فِيهَا - وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - : رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ : ثنا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثَعْلَبَةَ يَقُولُ : صَلَّيْت خَلْفَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَسَجَدَ فِي الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ .
وَعَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ : رَأَيْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ سَجَدَ فِي الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ .
وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ وَأَبَاهُ عُمَرَ كَانَا يَسْجُدَانِ فِي الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ . وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَوْ سَجَدْت فِيهَا وَاحِدَةً لَكَانَتْ السَّجْدَةُ فِي الْآخِرَةِ أَحَبَّ إلَيَّ ؟ وَقَالَ عُمَرُ : إنَّهَا فُضِّلَتْ بِسَجْدَتَيْنِ .
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ سَجَدَ فِي الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ .
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَأَبِي مُوسَى ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : أَيْنَ الْمُهَوِّلُونَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ بِتَعْظِيمِ خِلَافِ الصَّاحِبِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ؟
وَقَدْ خَالَفُوا هَهُنَا فِعْلَ عُمَرَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ لَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ ، وَمَعَهُ طَوَائِفُ مِمَّنْ ذَكَرْنَا ، وَمَعَهُمْ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ بِمِثْلِ ذَلِكَ ، وَطَوَائِفُ مِنْ التَّابِعِينَ وَمِنْ 325 بَعْدِهِمْ ؟ وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ .
وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا حُجَّةَ عِنْدَنَا إلَّا فِيمَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ قَالُوا : قَدْ جَاءَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا خِلَافٌ ؟ قُلْنَا : لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ ، إنَّمَا جَاءَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : السُّجُودُ عَشْرٌ ، وَقَدْ جَاءَ عَنْهُ : لَيْسَ فِي " ص " سَجْدَةٌ فَبَطَلَ أَنْ يَصِحَّ عَنْهُ خِلَافٌ فِي هَذَا .
بَلْ قَدْ صَحَّ عَنْهُ السُّجُودُ فِي الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ - : كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : فُضِّلَتْ سُورَةُ الْحَجِّ عَلَى الْقُرْآنِ بِسَجْدَتَيْنِ ؟ وَاخْتُلِفَ : أَفِي " ص " سَجْدَةٌ أَمْ لَا ؟ وَإِنَّمَا قُلْنَا : بِالسُّجُودِ فِيهَا ; لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السُّجُودُ فِيهَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلَ هَذَا فِي سُجُودِ الْخَطِيبِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَقْرَأُ السَّجْدَةَ .
وَاخْتُلِفَ فِي السُّجُودِ فِي " حم " .
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : السَّجْدَةُ عِنْدَ تَمَامِ قَوْله تَعَالَى : { إنْ كُنْتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ } وَبِهِ نَأْخُذُ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : بَلْ عِنْدَ قَوْلِهِ : { وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ }
وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا مَا اخْتَرْنَا لِوَجْهَيْنِ - : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي يَسْجُدُ عِنْدَهَا قَبْلَ الْأُخْرَى ، وَالْمُسَارَعَةُ إلَى الطَّاعَةِ أَفْضَلُ ، وَالثَّانِي : أَنَّهُ أُمِرَ بِالسُّجُودِ وَاتِّبَاعُ الْأَمْرِ أَوْلَى ؟ وَقَالَ بَعْضُ مَنْ لَمْ يُوَفَّقْ لِلصَّوَابِ : وَجَدْنَا السُّجُودَ فِي الْقُرْآنِ إنَّمَا هُوَ فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ لَا فِي مَوْضِعِ الْأَمْرِ ؟ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا هُوَ أَوَّلُ مَنْ خَالَفَهُ 326 لِأَنَّهُ وَسَائِرَ الْمُسْلِمِينَ يَسْجُدُونَ فِي الْفُرْقَانِ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اُسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا } وَهَذَا أَمْرٌ لَا خَبَرٌ ؟ وَفِي قِرَاءَةِ الْكِسَائِيّ وَهِيَ إحْدَى الْقِرَاءَاتِ الثَّابِتَةِ : { أَلَا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } إلَى آخِرِ الْآيَةِ ، بِتَخْفِيفِ " أَلَّا " بِمَعْنَى : أَلَا يَا قَوْمُ اُسْجُدُوا ، وَهَذَا أَمْرٌ ؟
وَفِي النَّحْلِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى : { وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } .
وَقَدْ وَجَدْنَا ذِكْرَ السُّجُودِ بِالْخَيْرِ لَا سُجُودَ فِيهِ عِنْدَ أَحَدٍ . وَهُوَ قَوْله تَعَالَى فِي آلِ عِمْرَانَ { لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ } .
وَفِي قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا }
فَصَحَّ أَنَّ الْقَوْمَ فِي تَخْلِيطٍ لَا يُحَصِّلُونَ مَا يَقُولُونَ - : وَرُوِّينَا عَنْ وَكِيعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ : كَانَ أَصْحَابُ ابْنِ مَسْعُودٍ يَسْجُدُونَ بِالْأُولَى مِنْ الْآيَتَيْنِ .
وَكَذَلِكَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ .
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ ؟ وَصَحَّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَلِيٍّ : أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ عَزَائِمَ السُّجُودِ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ إلَّا " الم " وَ " حم " وَكَانَا يَرَيَانِهِمَا أَوْكَدُ مِنْ سِوَاهُمَا ؟ وَقَالَ مَالِكٌ : لَا سُجُودَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمُفَصَّلِ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - : وَخَالَفَهُمَا آخَرُونَ مِنْ الصَّحَابَةِ ، كَمَا نَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، بَعْدَ أَنْ نَقُولَ : صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السُّجُودُ فِيهَا ، وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَهُ وَلَا مَعَهُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ 327 ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ثنا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ قَالَ سَمِعْت الْأَسْوَدَ بْنَ زَيْدٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ : وَالنَّجْمِ فَسَجَدَ فِيهَا } .
حَدَّثَنَا حُمَامُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبِرْتِيُّ الْقَاضِي ثنا مُسَدَّدٌ ثنا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءٍ عَنْ { أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي : وَالنَّجْمِ وَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ } .
وَبِهِ يَأْخُذُ جُمْهُورُ السَّلَفِ ؟ وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَرَأَ لَهُمْ " وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى " فَسَجَدَ فِيهَا ، ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ بِسُورَةٍ أُخْرَى ، وَأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ بِالْمُسْلِمِينَ ؟
وَعَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ : أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَرَأَ فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ بِ " وَالنَّجْمِ " فَسَجَدَ فِي آخِرِهَا ، ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ بِ " وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ " فَرَكَعَ وَسَجَدَ ، فَقَرَأَ سُورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ .
وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : الْعَزَائِمُ أَرْبَعٌ - : " الم تَنْزِيلُ " " و حم السَّجْدَةُ " " وَالنَّجْمُ " " وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ "
وَعَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : عَزَائِمُ السُّجُودِ أَرْبَعٌ : ( الم تَنْزِيلُ ) " وَحُمَّ " " وَالنَّجْمُ " " وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ "
وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى ، وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ قَالَ : إنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا قَرَأَ بِ ( النَّجْمِ ) سَجَدَ .
وَعَنْ { الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ قَالَ : سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّجْمِ وَلَمْ أَسْجُدْ - وَكَانَ مُشْرِكًا حِينَئِذٍ - . 328 قَالَ : فَلَنْ أَدَعَ السُّجُودَ فِيهَا أَبَدًا } أَسْلَمَ الْمُطَّلِبُ يَوْمَ الْفَتْحِ .
فَهَذَا عُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَهُمْ يُشَنِّعُونَ أَقَلَّ مِنْ هَذَا .
وَبِالسُّجُودِ فِيهَا يَقُولُ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَسُفْيَانُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَدَاوُد ، وَغَيْرُهُمْ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَاحْتَجَّ الْمُقَلِّدُونَ لِمَالِكٍ بِخَبَرٍ - : رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ { زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّجْمِ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا } .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي هَذَا ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا سُجُودَ فِيهَا ، وَإِنَّمَا فِي هَذَا الْخَبَرِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ قَالَ : إنَّ السُّجُودَ فَرْضٌ فَقَطْ .
وَهَكَذَا نَقُولُ : إنَّ السُّجُودَ لَيْسَ فَرْضًا ، لَكِنْ إنْ سَجَدَ فَهُوَ أَفْضَلُ ، وَإِنْ تَرَكَ فَلَا حَرَجَ ، مَا لَمْ يَرْغَبْ عَنْ السُّنَّةِ ؟ وَأَيْضًا : فَإِنَّ رَاوِيَ هَذَا الْخَبَرِ قَدْ صَحَّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَعْتَمِدُ عَلَى رِوَايَتِهِ - وَهُوَ ابْنُ قُسَيْطٍ - فَالْآنَ صَارَتْ رِوَايَتُهُ حُجَّةً فِي إبْطَالِ السُّنَنِ ؟ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِمَّا يَدَّعُونَهُ ؟ وَمَوَّهُوا أَيْضًا بِخَبَرٍ - : رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ بَكْرٍ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ - أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : { إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْجُدُ بِمَكَّةَ بِالنَّجْمِ فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ رَأَى أَبُو سَعِيدٍ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّهُ يَكْتُبُ سُورَةَ ص ، فَلَمَّا أَتَى عَلَى السَّجْدَةِ : سَجَدَتْ الدَّوَاةُ ، وَالْقَلَمُ ، وَالشَّجَرُ ، وَمَا حَوْلَهُ مِنْ شَيْءٍ . قَالَ : فَأَخْبَرْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَجَدَ فِيهَا ، وَتَرَكَ النَّجْمَ }
فَهَذَا خَبَرٌ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ بَكْرًا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مِمَّنْ سَمِعَهُ ، إلَّا 329 أَنَّهُ قَدْ صَحَّ بُطْلَانُ هَذَا الْخَبَرِ بِلَا شَكٍّ لِمَا رُوِّينَاهُ آنِفًا مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ { إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ بِهِمْ فِي النَّجْمِ } وَأَبُو هُرَيْرَةَ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ ، وَإِنَّمَا أَسْلَمَ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ ، وَفِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ تَرْكَ السُّجُودِ فِيهَا كَانَ إثْرَ قُدُومِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمَدِينَةَ ، وَهَذَا بَاطِلٌ
وَمَوَّهُوا بِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ يَذْكُرُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْجُدْ فِي الْمُفَصَّلِ مُذْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ } .
وَهَذَا بَاطِلٌ بَحْتٌ ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلِمَا نَذْكُرُهُ إثْرَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى : وَعِلَّةُ هَذَا الْخَبَرِ هُوَ أَنَّ مَطَرًا سَيِّئُ الْحِفْظِ .
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ الْمُثْبِتُ أَوْلَى مِنْ النَّافِي ، وَلَا عَمَلَ أَقْوَى مِنْ عَمَلِ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ بِالْمَدِينَةِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
وَذَكَرُوا أَحَادِيثَ مُرْسَلَةً سَاقِطَةً ، لَا وَجْهَ لِلِاشْتِغَالِ بِهَا لِمَا ذَكَرْنَا ؟ وَأَمَّا إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك فَإِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا قَالَ : ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، وَمُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَا : ثنا هِشَامُ الدَّسْتُوَائِيُّ عَنْ يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ - عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ { عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ : رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ سَجَدَ فِي إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ، فَقُلْتُ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ، أَلَمْ أَرَكَ تَسْجُدُ ؟ قَالَ : لَوْ لَمْ أَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ لَمْ أَسْجُدْ بِهَا } .
وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمِثْلِهِ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ عَنْ { أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي : إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ } .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَذَا يُكَذِّبُ رِوَايَةَ مَطَرٍ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا ؟ 330 وَمِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : { سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ }
وَرُوِّينَاهُ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ مُتَوَاتِرَةٍ كَالشَّمْسِ ، اكْتَفَيْنَا مِنْهَا بِهَذَا .
وَبِهَذَا يَأْخُذُ عَامَّةُ السَّلَفِ - : رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ، وَالْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ كُلُّهُمْ قَالَ : ثنا قُرَّةُ هُوَ ابْنُ خَالِدٍ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : " سَجَدَ : أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ فِي : " إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ " وَمَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُمَا " زَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَالْمُعْتَمِرُ " وَ : ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ )
وَهَذَا أَثَرٌ كَالشَّمْسِ صِحَّةً .
وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ آنِفًا : عَزَائِمُ السُّجُودِ - : " الم " " وَحُمَّ " " وَالنَّجْمُ " " وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ " .
وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عَنْ أَبِي رَزِينٍ : قَرَأَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ : " إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ " وَهُوَ يَخْطُبُ ، فَنَزَلَ فَسَجَدَ
وَعَنْ الثِّقَاتِ : أَيُّوبَ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَسْجُدُ فِي : " إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ " ، " وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ " .
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَشُرَيْحٍ ، وَالشَّعْبِيِّ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَمَرَ النَّاسَ بِذَلِكَ وَالشَّعْبِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَدَاوُد ، وَأَصْحَابِهِمْ ، وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ ؟
وَأَمَّا سُجُودُهَا عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ، وَإِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ كَيْفَ مَا يُمْكِنُ ؟ فَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ صَلَاةً ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى } فَمَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فَلَيْسَ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ نَصٌّ بِأَنَّهُ صَلَاةٌ ، كَرَكْعَةِ الْخَوْفِ ، وَالْوِتْرِ ، وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ ، وَلَا نَصَّ فِي 331 أَنَّ سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ : صَلَاةٌ ؟ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ : تُومِئُ الْحَائِضُ بِالسُّجُودِ ؟ قَالَ سَعِيدُ : وَتَقُولُ : رَبِّ لَك سَجَدْت . وَعَنْ الشَّعْبِيِّ : جَوَازُهَا إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ
فَأَمَّا السَّجَدَاتُ الْمُتَّصِلَةُ إلَى " الم تَنْزِيلُ " فَلَا خِلَافَ فِيهَا ، وَلَا فِي مَوَاضِعِ السُّجُودِ مِنْهَا ، إلَّا فِي سُورَةِ النَّمْلِ ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ قَالُوا : مَوْضِعُ السَّجْدَةِ فِيهَا عِنْدَ تَمَامِ قِرَاءَتِك { رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ } .
وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ ، بَلْ فِي تَمَامِ قِرَاءَتِك { وَمَا تُعْلِنُونَ }
وَبِهَذَا نَقُولُ ، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى مَوْضِعِ ذِكْرِ السُّجُودِ وَالْأَمْرِ بِهِ ، وَالْمُبَادَرَةُ إلَى فِعْلِ الْخَيْرِ أَوْلَى .
قَالَ تَعَالَى : { سَارِعُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ } .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : فِي الْحَجِّ سَجْدَةٌ ثَانِيَةٌ قُرْبَ آخِرِهَا ، عِنْدَ قَوْله تَعَالَى : { وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } وَلَا نَقُولُ بِهَذَا فِي الصَّلَاةِ أَلْبَتَّةَ ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُزَادَ فِي الصَّلَاةِ سُجُودٌ لَمْ يَصِحَّ بِهِ نَصٌّ ، وَالصَّلَاةُ تَبْطُلُ بِذَلِكَ ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَهُوَ حَسَنٌ ، لِأَنَّهُ فِعْلُ خَيْرٍ ؟ 324 وَإِنَّمَا لَمْ نُجِزْهُ فِي الصَّلَاةِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ فِيهَا سُنَّةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَجْمَعَ عَلَيْهَا ، وَإِنَّمَا جَاءَ فِيهَا أَثَرٌ مُرْسَلٌ .
وَصَحَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ : السُّجُودُ فِيهَا - وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - : رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ : ثنا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثَعْلَبَةَ يَقُولُ : صَلَّيْت خَلْفَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَسَجَدَ فِي الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ .
وَعَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ : رَأَيْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ سَجَدَ فِي الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ .
وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ وَأَبَاهُ عُمَرَ كَانَا يَسْجُدَانِ فِي الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ . وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَوْ سَجَدْت فِيهَا وَاحِدَةً لَكَانَتْ السَّجْدَةُ فِي الْآخِرَةِ أَحَبَّ إلَيَّ ؟ وَقَالَ عُمَرُ : إنَّهَا فُضِّلَتْ بِسَجْدَتَيْنِ .
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ سَجَدَ فِي الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ .
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَأَبِي مُوسَى ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : أَيْنَ الْمُهَوِّلُونَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ بِتَعْظِيمِ خِلَافِ الصَّاحِبِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ؟
وَقَدْ خَالَفُوا هَهُنَا فِعْلَ عُمَرَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ لَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ ، وَمَعَهُ طَوَائِفُ مِمَّنْ ذَكَرْنَا ، وَمَعَهُمْ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ بِمِثْلِ ذَلِكَ ، وَطَوَائِفُ مِنْ التَّابِعِينَ وَمِنْ 325 بَعْدِهِمْ ؟ وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ .
وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا حُجَّةَ عِنْدَنَا إلَّا فِيمَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ قَالُوا : قَدْ جَاءَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا خِلَافٌ ؟ قُلْنَا : لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ ، إنَّمَا جَاءَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : السُّجُودُ عَشْرٌ ، وَقَدْ جَاءَ عَنْهُ : لَيْسَ فِي " ص " سَجْدَةٌ فَبَطَلَ أَنْ يَصِحَّ عَنْهُ خِلَافٌ فِي هَذَا .
بَلْ قَدْ صَحَّ عَنْهُ السُّجُودُ فِي الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ - : كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : فُضِّلَتْ سُورَةُ الْحَجِّ عَلَى الْقُرْآنِ بِسَجْدَتَيْنِ ؟ وَاخْتُلِفَ : أَفِي " ص " سَجْدَةٌ أَمْ لَا ؟ وَإِنَّمَا قُلْنَا : بِالسُّجُودِ فِيهَا ; لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السُّجُودُ فِيهَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلَ هَذَا فِي سُجُودِ الْخَطِيبِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَقْرَأُ السَّجْدَةَ .
وَاخْتُلِفَ فِي السُّجُودِ فِي " حم " .
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : السَّجْدَةُ عِنْدَ تَمَامِ قَوْله تَعَالَى : { إنْ كُنْتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ } وَبِهِ نَأْخُذُ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : بَلْ عِنْدَ قَوْلِهِ : { وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ }
وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا مَا اخْتَرْنَا لِوَجْهَيْنِ - : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي يَسْجُدُ عِنْدَهَا قَبْلَ الْأُخْرَى ، وَالْمُسَارَعَةُ إلَى الطَّاعَةِ أَفْضَلُ ، وَالثَّانِي : أَنَّهُ أُمِرَ بِالسُّجُودِ وَاتِّبَاعُ الْأَمْرِ أَوْلَى ؟ وَقَالَ بَعْضُ مَنْ لَمْ يُوَفَّقْ لِلصَّوَابِ : وَجَدْنَا السُّجُودَ فِي الْقُرْآنِ إنَّمَا هُوَ فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ لَا فِي مَوْضِعِ الْأَمْرِ ؟ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا هُوَ أَوَّلُ مَنْ خَالَفَهُ 326 لِأَنَّهُ وَسَائِرَ الْمُسْلِمِينَ يَسْجُدُونَ فِي الْفُرْقَانِ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اُسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا } وَهَذَا أَمْرٌ لَا خَبَرٌ ؟ وَفِي قِرَاءَةِ الْكِسَائِيّ وَهِيَ إحْدَى الْقِرَاءَاتِ الثَّابِتَةِ : { أَلَا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } إلَى آخِرِ الْآيَةِ ، بِتَخْفِيفِ " أَلَّا " بِمَعْنَى : أَلَا يَا قَوْمُ اُسْجُدُوا ، وَهَذَا أَمْرٌ ؟
وَفِي النَّحْلِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى : { وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } .
وَقَدْ وَجَدْنَا ذِكْرَ السُّجُودِ بِالْخَيْرِ لَا سُجُودَ فِيهِ عِنْدَ أَحَدٍ . وَهُوَ قَوْله تَعَالَى فِي آلِ عِمْرَانَ { لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ } .
وَفِي قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا }
فَصَحَّ أَنَّ الْقَوْمَ فِي تَخْلِيطٍ لَا يُحَصِّلُونَ مَا يَقُولُونَ - : وَرُوِّينَا عَنْ وَكِيعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ : كَانَ أَصْحَابُ ابْنِ مَسْعُودٍ يَسْجُدُونَ بِالْأُولَى مِنْ الْآيَتَيْنِ .
وَكَذَلِكَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ .
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ ؟ وَصَحَّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَلِيٍّ : أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ عَزَائِمَ السُّجُودِ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ إلَّا " الم " وَ " حم " وَكَانَا يَرَيَانِهِمَا أَوْكَدُ مِنْ سِوَاهُمَا ؟ وَقَالَ مَالِكٌ : لَا سُجُودَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمُفَصَّلِ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - : وَخَالَفَهُمَا آخَرُونَ مِنْ الصَّحَابَةِ ، كَمَا نَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، بَعْدَ أَنْ نَقُولَ : صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السُّجُودُ فِيهَا ، وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَهُ وَلَا مَعَهُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ 327 ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ثنا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ قَالَ سَمِعْت الْأَسْوَدَ بْنَ زَيْدٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ : وَالنَّجْمِ فَسَجَدَ فِيهَا } .
حَدَّثَنَا حُمَامُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبِرْتِيُّ الْقَاضِي ثنا مُسَدَّدٌ ثنا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءٍ عَنْ { أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي : وَالنَّجْمِ وَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ } .
وَبِهِ يَأْخُذُ جُمْهُورُ السَّلَفِ ؟ وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَرَأَ لَهُمْ " وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى " فَسَجَدَ فِيهَا ، ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ بِسُورَةٍ أُخْرَى ، وَأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ بِالْمُسْلِمِينَ ؟
وَعَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ : أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَرَأَ فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ بِ " وَالنَّجْمِ " فَسَجَدَ فِي آخِرِهَا ، ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ بِ " وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ " فَرَكَعَ وَسَجَدَ ، فَقَرَأَ سُورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ .
وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : الْعَزَائِمُ أَرْبَعٌ - : " الم تَنْزِيلُ " " و حم السَّجْدَةُ " " وَالنَّجْمُ " " وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ "
وَعَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : عَزَائِمُ السُّجُودِ أَرْبَعٌ : ( الم تَنْزِيلُ ) " وَحُمَّ " " وَالنَّجْمُ " " وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ "
وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى ، وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ قَالَ : إنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا قَرَأَ بِ ( النَّجْمِ ) سَجَدَ .
وَعَنْ { الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ قَالَ : سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّجْمِ وَلَمْ أَسْجُدْ - وَكَانَ مُشْرِكًا حِينَئِذٍ - . 328 قَالَ : فَلَنْ أَدَعَ السُّجُودَ فِيهَا أَبَدًا } أَسْلَمَ الْمُطَّلِبُ يَوْمَ الْفَتْحِ .
فَهَذَا عُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَهُمْ يُشَنِّعُونَ أَقَلَّ مِنْ هَذَا .
وَبِالسُّجُودِ فِيهَا يَقُولُ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَسُفْيَانُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَدَاوُد ، وَغَيْرُهُمْ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَاحْتَجَّ الْمُقَلِّدُونَ لِمَالِكٍ بِخَبَرٍ - : رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ { زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّجْمِ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا } .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي هَذَا ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا سُجُودَ فِيهَا ، وَإِنَّمَا فِي هَذَا الْخَبَرِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ قَالَ : إنَّ السُّجُودَ فَرْضٌ فَقَطْ .
وَهَكَذَا نَقُولُ : إنَّ السُّجُودَ لَيْسَ فَرْضًا ، لَكِنْ إنْ سَجَدَ فَهُوَ أَفْضَلُ ، وَإِنْ تَرَكَ فَلَا حَرَجَ ، مَا لَمْ يَرْغَبْ عَنْ السُّنَّةِ ؟ وَأَيْضًا : فَإِنَّ رَاوِيَ هَذَا الْخَبَرِ قَدْ صَحَّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَعْتَمِدُ عَلَى رِوَايَتِهِ - وَهُوَ ابْنُ قُسَيْطٍ - فَالْآنَ صَارَتْ رِوَايَتُهُ حُجَّةً فِي إبْطَالِ السُّنَنِ ؟ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِمَّا يَدَّعُونَهُ ؟ وَمَوَّهُوا أَيْضًا بِخَبَرٍ - : رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ بَكْرٍ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ - أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : { إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْجُدُ بِمَكَّةَ بِالنَّجْمِ فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ رَأَى أَبُو سَعِيدٍ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّهُ يَكْتُبُ سُورَةَ ص ، فَلَمَّا أَتَى عَلَى السَّجْدَةِ : سَجَدَتْ الدَّوَاةُ ، وَالْقَلَمُ ، وَالشَّجَرُ ، وَمَا حَوْلَهُ مِنْ شَيْءٍ . قَالَ : فَأَخْبَرْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَجَدَ فِيهَا ، وَتَرَكَ النَّجْمَ }
فَهَذَا خَبَرٌ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ بَكْرًا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مِمَّنْ سَمِعَهُ ، إلَّا 329 أَنَّهُ قَدْ صَحَّ بُطْلَانُ هَذَا الْخَبَرِ بِلَا شَكٍّ لِمَا رُوِّينَاهُ آنِفًا مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ { إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ بِهِمْ فِي النَّجْمِ } وَأَبُو هُرَيْرَةَ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ ، وَإِنَّمَا أَسْلَمَ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ ، وَفِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ تَرْكَ السُّجُودِ فِيهَا كَانَ إثْرَ قُدُومِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمَدِينَةَ ، وَهَذَا بَاطِلٌ
وَمَوَّهُوا بِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ يَذْكُرُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْجُدْ فِي الْمُفَصَّلِ مُذْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ } .
وَهَذَا بَاطِلٌ بَحْتٌ ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلِمَا نَذْكُرُهُ إثْرَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى : وَعِلَّةُ هَذَا الْخَبَرِ هُوَ أَنَّ مَطَرًا سَيِّئُ الْحِفْظِ .
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ الْمُثْبِتُ أَوْلَى مِنْ النَّافِي ، وَلَا عَمَلَ أَقْوَى مِنْ عَمَلِ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ بِالْمَدِينَةِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
وَذَكَرُوا أَحَادِيثَ مُرْسَلَةً سَاقِطَةً ، لَا وَجْهَ لِلِاشْتِغَالِ بِهَا لِمَا ذَكَرْنَا ؟ وَأَمَّا إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك فَإِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا قَالَ : ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، وَمُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَا : ثنا هِشَامُ الدَّسْتُوَائِيُّ عَنْ يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ - عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ { عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ : رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ سَجَدَ فِي إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ، فَقُلْتُ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ، أَلَمْ أَرَكَ تَسْجُدُ ؟ قَالَ : لَوْ لَمْ أَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ لَمْ أَسْجُدْ بِهَا } .
وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمِثْلِهِ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ عَنْ { أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي : إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ } .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَذَا يُكَذِّبُ رِوَايَةَ مَطَرٍ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا ؟ 330 وَمِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : { سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ }
وَرُوِّينَاهُ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ مُتَوَاتِرَةٍ كَالشَّمْسِ ، اكْتَفَيْنَا مِنْهَا بِهَذَا .
وَبِهَذَا يَأْخُذُ عَامَّةُ السَّلَفِ - : رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ، وَالْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ كُلُّهُمْ قَالَ : ثنا قُرَّةُ هُوَ ابْنُ خَالِدٍ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : " سَجَدَ : أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ فِي : " إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ " وَمَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُمَا " زَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَالْمُعْتَمِرُ " وَ : ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ )
وَهَذَا أَثَرٌ كَالشَّمْسِ صِحَّةً .
وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ آنِفًا : عَزَائِمُ السُّجُودِ - : " الم " " وَحُمَّ " " وَالنَّجْمُ " " وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ " .
وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عَنْ أَبِي رَزِينٍ : قَرَأَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ : " إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ " وَهُوَ يَخْطُبُ ، فَنَزَلَ فَسَجَدَ
وَعَنْ الثِّقَاتِ : أَيُّوبَ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَسْجُدُ فِي : " إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ " ، " وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ " .
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَشُرَيْحٍ ، وَالشَّعْبِيِّ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَمَرَ النَّاسَ بِذَلِكَ وَالشَّعْبِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَدَاوُد ، وَأَصْحَابِهِمْ ، وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ ؟
وَأَمَّا سُجُودُهَا عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ، وَإِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ كَيْفَ مَا يُمْكِنُ ؟ فَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ صَلَاةً ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى } فَمَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فَلَيْسَ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ نَصٌّ بِأَنَّهُ صَلَاةٌ ، كَرَكْعَةِ الْخَوْفِ ، وَالْوِتْرِ ، وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ ، وَلَا نَصَّ فِي 331 أَنَّ سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ : صَلَاةٌ ؟ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ : تُومِئُ الْحَائِضُ بِالسُّجُودِ ؟ قَالَ سَعِيدُ : وَتَقُولُ : رَبِّ لَك سَجَدْت . وَعَنْ الشَّعْبِيِّ : جَوَازُهَا إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith