المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الرابع
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَيْسَ فِيمَا دُونَ ثَلَاثِينَ شَيْءٌ ; فَإِذَا بَلَغَتْ الْبَقَرُ ثَلَاثِينَ فَفِيهَا تَبِيعٌ ، ثُمَّ لَا شَيْءَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا بَقَرَةٌ ، ثُمَّ لَا شَيْءَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسِينَ فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا بَقَرَةٌ وَرُبْعٌ ، ثُمَّ لَا شَيْءَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ سَبْعِينَ ; فَإِذَا بَلَغَتْ سَبْعِينَ فَفِيهَا تَبِيعٌ وَمُسِنَّةٌ - : وَرُوِّينَا هَذَا مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ فَذَكَرَهُ كَمَا أَوْرَدْنَا ; وَهِيَ رِوَايَةٌ غَيْرُ مَشْهُورَةٍ أَيْضًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ؟ وَيُمْكِنُ أَنْ يُمَوِّهَ هَؤُلَاءِ بِالْخَبَرِ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ آنِفًا مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ عَنْ مُعَاذٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فِيمَا بَيْنَ الْأَرْبَعِينَ وَالْخَمْسِينَ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ يَعْنِي مِنْ الْبَقَرِ } وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَيْسَ فِيمَا دُونَ الثَّلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ شَيْءٌ ، فَإِذَا بَلَغَتْ ثَلَاثِينَ فَفِيهَا تَبِيعٌ ، ثُمَّ لَا شَيْءَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ ; فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا بَقَرَةٌ مُسِنَّةٌ ، فَإِنْ زَادَتْ وَاحِدَةٌ فَفِيهَا بَقَرَةٌ وَجُزْءٌ مِنْ أَرْبَعِينَ مِنْ بَقَرَةٍ ; وَهَكَذَا فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ تَزِيدُ فَفِيهَا جُزْءٌ آخَرُ 96 زَائِدٌ مِنْ أَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ بَقَرَةٍ ; هَكَذَا إلَى السِّتِّينَ ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا تَبِيعَانِ ; ثُمَّ لَا شَيْءَ فِيهَا إلَّا فِي كُلِّ عَشْرَةٍ زَائِدَةٍ كَمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ ; وَهِيَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ قَالَ : سَأَلْت حَمَّادًا هُوَ ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ - فَقُلْت إنْ كَانَتْ خَمْسِينَ بَقَرَةً ؟ فَقَالَ : بِحِسَابِ ذَلِكَ .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ : ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ الْحَجَّاجِ هُوَ ابْنُ أَرْطَاةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ : يُحَاسَبُ صَاحِبُ الْبَقَرِ بِمَا فَوْقَ الْفَرِيضَةِ .
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ : ثنا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ الْعُكْلِيُّ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّهُ قَالَ فِي صَدَقَةِ الْبَقَرِ : مَا زَادَ فَبِالْحِسَابِ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَذَا عُمُومُ إبْرَاهِيمَ ، وَحَمَّادٍ ، وَمَكْحُولٍ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ كُلَّ مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِينَ إلَى الْأَرْبَعِينَ وَعَلَى الْأَرْبَعِينَ إلَى السِّتِّينَ فَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ زَائِدَةٌ جُزْءٌ مِنْ بَقَرَةٍ .
وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ أَنَّ بَعْضَ شُيُوخٍ كَانُوا قَدْ صَدَّقُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا : فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بَقَرَةً بَقَرَةٌ ، مُخَالِفِينَ لِمَنْ جَعَلَ فِي أَقَلَّ مِنْ الْأَرْبَعِينَ شَيْئًا .
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا دُونَ الْخَمْسِينَ وَلَا مَا فَوْقَهَا شَيْءٌ ; وَأَنَّ صَدَقَةَ الْبَقَرِ إنَّمَا هِيَ فِي كُلِّ خَمْسِينَ بَقَرَةً بَقَرَةٌ فَقَطْ هَكَذَا أَبَدًا كَمَا حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ : كَانَ عُمَّالُ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَابْنِ عَوْفٍ وَعُمَّالِهِ ، يَأْخُذُونَ مِنْ كُلِّ خَمْسِينَ بَقَرَةً بَقَرَةً ; وَمِنْ كُلِّ مِائَةٍ بَقَرَتَيْنِ ، فَإِذَا كَثُرَتْ فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ بَقَرَةً بَقَرَةٌ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَذَا كُلُّ مَا حَضَرْنَا ذِكْرُهُ مِمَّا رُوِّينَاهُ مِنْ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي زَكَاةِ الْبَقَرِ ، وَكُلُّ أَثَرٍ رُوِّينَاهُ فِيهَا وَوَجَبَ النَّظَرُ لِلْمَرْءِ لِنَفْسِهِ فِيمَا يَدِينُ بِهِ رَبَّهُ تَعَالَى فِي دِينِهِ - : فَأَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّ الزَّكَاةَ فَرْضٌ وَاجِبٌ فِي الْبَقَرِ - : 97 كَمَا حَدَّثَنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنِ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا وَكِيعٌ ثنا الْأَعْمَشُ عَنْ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ " انْتَهَيْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ { مَا مِنْ صَاحِبِ إبِلٍ وَلَا بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا إلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا كَانَتْ وَأَسْمَنَهُ ; تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا ، وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا ، كُلَّمَا نَفِدَتْ أُخْرَاهَا عَادَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ ؟ } حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { مَا مِنْ صَاحِبِ إبِلٍ لَا يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا إلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ قَطُّ ، وَأُقْعِدَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ تَسِيرُ عَلَيْهِ بِقَوَائِمِهَا وَأَخْفَافِهَا ; وَلَا صَاحِبِ بَقَرٍ لَا يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا إلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ ، وَأُقْعِدَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِقَوَائِمِهَا } وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَوَجَبَ فَرْضًا طَلَبُ ذَلِكَ الْحَدِّ الَّذِي حَدَّهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا ، حَتَّى لَا يَتَعَدَّى قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : { وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } .
فَنَظَرْنَا الْقَوْلَ الْأَوَّلَ فَوَجَدْنَا الْآثَارَ الْوَارِدَةَ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْقَطِعَةٌ وَالْحُجَّةُ لَا تَجِبُ إلَّا بِمُتَّصِلٍ ، إلَّا أَنَّهُ يَلْزَمُ الْقَائِلِينَ بِالْمُرْسَلِ وَالْمُنْقَطِعِ - مِنْ الْحَنَفِيِّينَ ، وَالْمَالِكِيِّينَ - أَنْ يَقُولُوا : بِهَا ، وَإِلَّا فَقَدْ تَنَاقَضُوا فِي أُصُولِهِمْ وَتَحَكَّمُوا بِالْبَاطِلِ ; لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِ . 98
الزُّهْرِيِّ : إنَّ هَذِهِ الْأَخْبَارَ بِهَا نَسْخُ إيجَابِ التَّبِيعِ ، وَالْمُسِنَّةِ : فِي الثَّلَاثِينَ وَالْأَرْبَعِينَ ; فَلَوْ قُبِلَ مُرْسَلُ أَحَدٍ لَكَانَ الزُّهْرِيُّ أَحَقَّ بِذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِالْحَدِيثِ ; وَلِأَنَّهُ قَدْ أَدْرَكَ طَائِفَةً مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .
وَلَمْ يَحْكِ الْقَوْلَ فِي الثَّلَاثِينَ بِالتَّبِيعِ ، وَفِي الْأَرْبَعِينَ بِالْمُسِنَّةِ إلَّا عَنْ أَهْلِ الشَّامِ ، لَا عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَوَافَقَ الزُّهْرِيَّ عَلَى ذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَغَيْرُهُ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ ; فَهَذَا كُلُّهُ يُوجِبُ عَلَى الْمَالِكِيِّينَ الْقَوْلَ بِهَذَا أَوْ إفْسَادَ أُصُولِهِمْ ، وَأَمَّا نَحْنُ فَلَوْ صَحَّ - وَأُسْنِدَ - مَا خَالَفْنَاهُ أَصْلًا - وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِعُمُومِ الْخَبَرِ { مَا مِنْ صَاحِبِ بَقَرٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا وَلَا يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا } وَقَوْلَهُمْ : إنَّ هَذَا عُمُومٌ لِكُلِّ بَقَرٍ - : فَإِنَّ هَذَا لَازِمٌ لِلْحَنَفِيِّينَ ، وَالْمَالِكِيِّينَ ، الْمُحْتَجِّينَ بِإِيجَابِ الزَّكَاةِ فِي الْعُرُوضِ بِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً } الْآيَةُ وَالْمُحْتَجِّينَ بِهَذَا فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْعَسَلِ وَسَائِرِ مَا احْتَجُّوا فِيهِ بِمِثْلِ هَذَا ، لَا مُخَلِّصَ لَهُمْ مِنْهُ أَصْلًا ؟ وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا حُجَّةَ عَلَيْنَا بِهَذَا ; لِأَنَّنَا - وَإِنْ كُنَّا لَا يَحِلُّ عِنْدَنَا مُفَارِقَةُ الْعُمُومِ إلَّا لِنَصٍّ آخَرَ - فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ شَرْعُ شَرِيعَةٍ إلَّا بِنَصٍّ صَحِيحٍ ، وَنَحْنُ نُقِرُّ وَنَشْهَدُ أَنَّ فِي الْبَقَرِ زَكَاةً مَفْرُوضَةً يُعَذِّبُ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ لَمْ يُؤَدِّهَا الْعَذَابَ الشَّدِيدَ ، مَا لَمْ يَغْفِرْ لَهُ بِرُجُوحِ حَسَنَاتِهِ أَوْ مُسَاوَاتِهَا لِسَيِّئَاتِهِ ، إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ بَيَانُ الْمِقْدَارِ الْوَاجِبِ فِي الزَّكَاةِ مِنْهَا ، وَلَا بَيَانَ الْعَدَدِ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْهَا ، وَلَا مَتَى تُؤَدَّى ; وَلَيْسَ الْبَيَانُ لِلدِّيَانَةِ مَوْكُولًا إلَى الْآرَاءِ وَالْأَهْوَاءِ ; بَلْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي قَالَ لَهُ رَبُّهُ وَبَاعِثُهُ { لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ } .
وَلَمْ يَصِحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَوْجَبُوهُ فِي الْخَمْسِ فَصَاعِدًا مِنْ الْبَقَرِ ، وَقَدْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ الْمُتَيَقَّنُ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كُلِّ عَدَدٍ مِنْ الْبَقَرِ زَكَاةٌ ; فَوَجَبَ التَّوَقُّفُ عَنْ إيجَابِ فَرْضِ ذَلِكَ فِي عَدَدٍ دُونَ عَدَدٍ بِغَيْرِ نَصٍّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَسَقَطَ تَعَلُّقُهُمْ بِالْعُمُومِ هَاهُنَا ، وَلَوْ كَانَ عُمُومًا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُهُ لَمَا خَالَفْنَاهُ ؟ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّ مَنْ زَكَّى الْبَقَرَ - كَمَا قَالُوا - فَهُوَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّهُ قَدْ أَدَّى فَرْضَهُ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ وَمَنْ لَمْ يُزَكِّهَا - كَمَا قَالُوا - فَلَيْسَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ ; وَأَنَّ مَا صَحَّ 99 بِيَقِينٍ وُجُوبُهُ لَمْ يَسْقُطْ إلَّا بِيَقِينٍ آخَرَ - : فَهَذَا لَازِمٌ لِمَنْ قَالَ : إنَّ مَنْ تَدَلَّكَ فِي الْغُسْلِ فَهُوَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّهُ قَدْ أَدَّى فَرْضَهُ ; وَالْغُسْلُ وَاجِبٌ بِيَقِينٍ ; فَلَا يَسْقُطُ إلَّا بِيَقِينٍ مِثْلِهِ ; وَلِمَنْ أَوْجَبَ مَسْحَ جَمِيعِ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ بِهَذِهِ الْحُجَّةِ نَفْسِهَا ; وَمِثْلُ هَذَا لَهُمْ كَثِيرٌ جِدًّا وَأَمَّا نَحْنُ فَإِنَّ هَذَا لَا يَلْزَمُ عِنْدَنَا ; لِأَنَّ الْفَرَائِضَ لَا تَجِبُ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ .
وَمَنْ سَلَكَ هَذِهِ الطَّرِيقَ فِي الِاسْتِدْلَالِ فَإِنَّهُ يُرِيدُ إيجَابَ الْفَرَائِضِ وَشَرْعِ الشَّرَائِعِ بِاخْتِلَافٍ ; لَا نَصَّ فِيهِ ، وَهَذَا بَاطِلٌ ; وَلَمْ يَتَّفِقْ قَطُّ عَلَى وُجُوبِ إيعَابِ جَمِيعِ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ وَلَا عَلَى التَّدَلُّكِ فِي الْغُسْلِ ; وَلَا عَلَى إيجَابِ الزَّكَاةِ فِي خَمْسِ مِنْ الْبَقَرِ فَصَاعِدًا إلَى الْخَمْسِينَ وَإِنَّمَا كَانَ يَكُونُ اسْتِدْلَالُهُمْ هَذَا صَحِيحًا لَوْ وَافَقْنَاهُمْ عَلَى وُجُوبِ كُلِّ ذَلِكَ ثُمَّ أَسْقَطْنَا وُجُوبَهُ بِلَا بُرْهَانٍ ; وَنَحْنُ لَنْ نُوَافِقَهُمْ قَطُّ عَلَى وُجُوبِ غُسْلٍ فِيهِ تَدَلُّكٌ ; وَلَا عَلَى إيجَابِ مَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ ، وَلَا عَلَى إيجَابِ زَكَاةٍ فِي خَمْسٍ مِنْ الْبَقَرِ فَصَاعِدًا ; وَإِنَّمَا وَافَقْنَاهُمْ عَلَى إيجَابِ الْغُسْلِ دُون تَدَلُّكٍ ، وَعَلَى إيجَابِ مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ لَا كُلِّهِ ; وَعَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي عَدَدٍ مَا مِنْ الْبَقَرِ لَا فِي كُلِّ عَدَدٍ مِنْهَا ; فَزَادُوا هُمْ - بِغَيْرِ نَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ - إيجَابَ التَّدَلُّكِ ، وَمَسْحَ جَمِيعِ الرَّأْسِ ، وَالزَّكَاةَ فِي خَمْسٍ مِنْ الْبَقَرِ فَصَاعِدًا ; وَهَذَا شَرْعٌ بِلَا نَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ ; فَهَذَا يَلْزَمُ ضَبْطُهُ ; لِئَلَّا يُمَوِّهَ فِيهِ أَهْلُ التَّمْوِيهِ بِالْبَاطِلِ ، فَيَدَّعُوا إجْمَاعًا حَيْثُ لَا إجْمَاعَ ، وَيُشَرِّعُوا الشَّرَائِعَ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ ، وَيُخَالِفُوا الْإِجْمَاعَ الْمُتَيَقَّنَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِقِيَاسِ الْبَقَرِ عَلَى الْإِبِلِ فِي الزَّكَاةِ فَلَازِمٌ لِأَصْحَابِ الْقِيَاسِ لُزُومًا لَا انْفِكَاكَ لَهُ ; فَلَوْ صَحَّ شَيْءٌ مِنْ الْقِيَاسِ لَكَانَ هَذَا مِنْهُ صَحِيحًا وَمَا نَعْلَمُ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ الْإِبِلِ ، وَالْبَقَرِ فَرْقًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ .
وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ مَنْ يَقِيسُ مَا يَسْتَحِلُّ بِهِ فَرْجَ الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ فِي النِّكَاحِ مِنْ الصَّدَاقِ عَلَى مَا تُقْطَعُ فِيهِ يَدُ السَّارِقِ ، وَمَنْ يَقِيسُ حَدَّ الشَّارِبِ عَلَى حَدِّ الْقَاذِفِ ، وَمَنْ يَقِيسُ السَّقَمُونْيَا عَلَى الْقَمْحِ وَالتَّمْرِ ، وَيَقِيسُ الْحَدِيدَ ، وَالرَّصَاصَ وَالصُّفْرَ : عَلَى الذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ ; وَيَقِيسُ الْجِصَّ عَلَى الْبُرِّ وَالتَّمْرِ ، فِي الرِّبَا ، وَيَقِيسُ الْجَوْزَ عَلَى الْقَمْحِ فِي الرِّبَا ; وَسَائِرِ تِلْكَ الْمَقَايِيسِ السَّخِيفَةِ وَتِلْكَ الْعِلَلِ الْمُفْتَرَاةِ الْغَثَّةِ - : أَنْ يَقِيسَ الْبَقَرَ عَلَى الْإِبِلِ فِي الزَّكَاةِ ; وَإِلَّا فَقَدْ 100 تَحَكَّمُوا بِالْبَاطِلِ ; وَأَمَّا نَحْنُ فَالْقِيَاسُ كُلُّهُ عِنْدَنَا بَاطِلٌ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : لَمْ نَجِدْ فِي الْأُصُولِ مَا يَكُونُ وَقْصُهُ ثَلَاثِينَ ، فَإِنَّهُ عِنْدَنَا تَخْلِيطٌ وَهَوَسٌ لَكِنَّهُ لَازِمٌ أَصَحُّ لُزُومٍ لِمَنْ قَالَ - مُحْتَجًّا لِبَاطِلٍ قَوْلَهُ فِي إيجَابِ الزَّكَاةِ مَا بَيْنَ الْأَرْبَعِينَ وَالسِّتِّينَ مِنْ الْبَقَرِ - : إنَّنَا لَمْ نَجِدْ فِي الْأُصُولِ مَا يَكُونُ وَقْصُهُ تِسْعَةَ عَشَرَ ، وَلَكِنَّ الْقَوْمَ مُتَحَكِّمُونَ ؟ فَسَقَطَ كُلُّ مَا احْتَجُّوا بِهِ عَنَّا ، وَظَهَرَ لُزُومُهُ لِلْحَنَفِيِّينَ ، وَالْمَالِكِيِّينَ ، وَالشَّافِعِيِّينَ ، لَا سِيَّمَا لِمَنْ قَالَ : بِالْقَوْلِ الْمَشْهُورِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي زَكَاةِ الْبَقَرِ ، الَّذِي لَمْ يَتَعَلَّقْ فِيهِ بِشَيْءٍ أَصْلًا ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ أَوْجَبَ فِي الثَّلَاثِينَ تَبِيعًا ، وَفِي الْأَرْبَعِينَ مُسِنَّةً ، وَلَمْ يُوجِبْ بَيْنَ ذَلِكَ وَلَا بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ إلَى السِّتِّينَ شَيْئًا - : فَوَجَدْنَا الْآثَارَ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا عَنْ مُعَاذٍ وَغَيْرِهِ مُرْسَلَةً كُلَّهَا ، إلَّا حَدِيثَ بَقِيَّةَ ; لِأَنَّ مَسْرُوقًا لَمْ يَلْقَ مُعَاذًا ; وَبَقِيَّةَ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِنَقْلِهِ ، أَسْقَطَهُ وَكِيعٌ وَغَيْرُهُ ، وَالْحُجَّةُ لَا تَجِبُ إلَّا بِالْمُسْنَدِ مِنْ نَقْلِ الثِّقَاتِ .
فَإِنْ قِيلَ : إنَّ مَسْرُوقًا وَإِنْ كَانَ لَمْ يَلْقَ مُعَاذًا فَقَدْ كَانَ بِالْيَمَنِ رَجُلًا أَيَّامَ كَوْنِ مُعَاذٍ هُنَالِكَ ; وَشَاهَدَ أَحْكَامَهُ ، فَهَذَا عِنْدَهُ عَنْ مُعَاذٍ بِنَقْلِ الْكَافَّةِ .
قُلْنَا : لَوْ أَنَّ مَسْرُوقًا ذَكَرَ أَنَّ الْكَافَّةَ أَخْبَرَتْهُ بِذَلِكَ عَنْ مُعَاذٍ لَقَامَتْ الْحُجَّةُ بِذَلِكَ ; فَمَسْرُوقٌ هُوَ الثِّقَةُ الْإِمَامُ غَيْرُ الْمُتَّهَمِ : لَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ قَطُّ هَذَا ; وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُقَوَّلَ مَسْرُوقٌ رَحِمَهُ اللَّهُ مَا لَمْ يَقُلْ فَيُكْذَبُ عَلَيْهِ ; وَلَكِنْ لَمَّا أَمْكَنَ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ مَسْرُوقٍ هَذَا الْخَبَرُ عَنْ تَوَاتُرٍ ، أَوْ عَنْ ثِقَةٍ ; أَوْ عَمَّنْ لَا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ عَنْهُ - : لَمْ يَجُزْ الْقَطْعُ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالظَّنِّ الَّذِي هُوَ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ ، وَنَحْنُ نَقْطَعُ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ لَوْ كَانَ عِنْدَ مَسْرُوقٍ عَنْ ثِقَةٍ لَمَا كَتَمَهُ ، وَلَوْ كَانَ صَحِيحًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا طَمَسَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْمُتَكَفِّلُ بِحِفْظِ الذِّكْرِ الْمُنَزَّلِ عَلَى نَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمُتِمِّ لِدِينِهِ - : لَنَا هَذَا الطَّمْسُ حَتَّى لَا يَأْتِيَ إلَّا مِنْ طَرِيقٍ وَاهِيَةٍ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَيْضًا : فَإِنْ زَمُّوا أَيْدِيَهُمْ وَقَالُوا : هُوَ حُجَّةٌ ، وَالْمُرْسَلُ هَاهُنَا وَالْمُسْنَدُ سَوَاءٌ . 101
قُلْنَا لَهُمْ : فَلَا عَلَيْكُمْ ; خُذُوا مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ بِعَيْنِهَا مَا حَدَّثَنَاهُ حُمَامُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ : ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيَّ ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثنا عُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِشْوَرُ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْحُذَافِيِّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرُ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ هُوَ أَبُو وَائِلٍ - عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ قَالَ { بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إلَى الْيَمَنِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ وَحَالِمَةٍ دِينَارًا أَوْ قِيمَتَهُ مِنْ الْمَعَافِرِيِّ } .
وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ قَالَ : سَأَلْت حَمَّادًا هُوَ ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ - فَقُلْت إنْ كَانَتْ خَمْسِينَ بَقَرَةً ؟ فَقَالَ : بِحِسَابِ ذَلِكَ .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ : ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ الْحَجَّاجِ هُوَ ابْنُ أَرْطَاةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ : يُحَاسَبُ صَاحِبُ الْبَقَرِ بِمَا فَوْقَ الْفَرِيضَةِ .
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ : ثنا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ الْعُكْلِيُّ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّهُ قَالَ فِي صَدَقَةِ الْبَقَرِ : مَا زَادَ فَبِالْحِسَابِ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَذَا عُمُومُ إبْرَاهِيمَ ، وَحَمَّادٍ ، وَمَكْحُولٍ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ كُلَّ مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِينَ إلَى الْأَرْبَعِينَ وَعَلَى الْأَرْبَعِينَ إلَى السِّتِّينَ فَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ زَائِدَةٌ جُزْءٌ مِنْ بَقَرَةٍ .
وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ أَنَّ بَعْضَ شُيُوخٍ كَانُوا قَدْ صَدَّقُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا : فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بَقَرَةً بَقَرَةٌ ، مُخَالِفِينَ لِمَنْ جَعَلَ فِي أَقَلَّ مِنْ الْأَرْبَعِينَ شَيْئًا .
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا دُونَ الْخَمْسِينَ وَلَا مَا فَوْقَهَا شَيْءٌ ; وَأَنَّ صَدَقَةَ الْبَقَرِ إنَّمَا هِيَ فِي كُلِّ خَمْسِينَ بَقَرَةً بَقَرَةٌ فَقَطْ هَكَذَا أَبَدًا كَمَا حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ : كَانَ عُمَّالُ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَابْنِ عَوْفٍ وَعُمَّالِهِ ، يَأْخُذُونَ مِنْ كُلِّ خَمْسِينَ بَقَرَةً بَقَرَةً ; وَمِنْ كُلِّ مِائَةٍ بَقَرَتَيْنِ ، فَإِذَا كَثُرَتْ فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ بَقَرَةً بَقَرَةٌ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَذَا كُلُّ مَا حَضَرْنَا ذِكْرُهُ مِمَّا رُوِّينَاهُ مِنْ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي زَكَاةِ الْبَقَرِ ، وَكُلُّ أَثَرٍ رُوِّينَاهُ فِيهَا وَوَجَبَ النَّظَرُ لِلْمَرْءِ لِنَفْسِهِ فِيمَا يَدِينُ بِهِ رَبَّهُ تَعَالَى فِي دِينِهِ - : فَأَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّ الزَّكَاةَ فَرْضٌ وَاجِبٌ فِي الْبَقَرِ - : 97 كَمَا حَدَّثَنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنِ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا وَكِيعٌ ثنا الْأَعْمَشُ عَنْ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ " انْتَهَيْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ { مَا مِنْ صَاحِبِ إبِلٍ وَلَا بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا إلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا كَانَتْ وَأَسْمَنَهُ ; تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا ، وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا ، كُلَّمَا نَفِدَتْ أُخْرَاهَا عَادَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ ؟ } حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { مَا مِنْ صَاحِبِ إبِلٍ لَا يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا إلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ قَطُّ ، وَأُقْعِدَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ تَسِيرُ عَلَيْهِ بِقَوَائِمِهَا وَأَخْفَافِهَا ; وَلَا صَاحِبِ بَقَرٍ لَا يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا إلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ ، وَأُقْعِدَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِقَوَائِمِهَا } وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَوَجَبَ فَرْضًا طَلَبُ ذَلِكَ الْحَدِّ الَّذِي حَدَّهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا ، حَتَّى لَا يَتَعَدَّى قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : { وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } .
فَنَظَرْنَا الْقَوْلَ الْأَوَّلَ فَوَجَدْنَا الْآثَارَ الْوَارِدَةَ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْقَطِعَةٌ وَالْحُجَّةُ لَا تَجِبُ إلَّا بِمُتَّصِلٍ ، إلَّا أَنَّهُ يَلْزَمُ الْقَائِلِينَ بِالْمُرْسَلِ وَالْمُنْقَطِعِ - مِنْ الْحَنَفِيِّينَ ، وَالْمَالِكِيِّينَ - أَنْ يَقُولُوا : بِهَا ، وَإِلَّا فَقَدْ تَنَاقَضُوا فِي أُصُولِهِمْ وَتَحَكَّمُوا بِالْبَاطِلِ ; لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِ . 98
الزُّهْرِيِّ : إنَّ هَذِهِ الْأَخْبَارَ بِهَا نَسْخُ إيجَابِ التَّبِيعِ ، وَالْمُسِنَّةِ : فِي الثَّلَاثِينَ وَالْأَرْبَعِينَ ; فَلَوْ قُبِلَ مُرْسَلُ أَحَدٍ لَكَانَ الزُّهْرِيُّ أَحَقَّ بِذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِالْحَدِيثِ ; وَلِأَنَّهُ قَدْ أَدْرَكَ طَائِفَةً مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .
وَلَمْ يَحْكِ الْقَوْلَ فِي الثَّلَاثِينَ بِالتَّبِيعِ ، وَفِي الْأَرْبَعِينَ بِالْمُسِنَّةِ إلَّا عَنْ أَهْلِ الشَّامِ ، لَا عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَوَافَقَ الزُّهْرِيَّ عَلَى ذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَغَيْرُهُ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ ; فَهَذَا كُلُّهُ يُوجِبُ عَلَى الْمَالِكِيِّينَ الْقَوْلَ بِهَذَا أَوْ إفْسَادَ أُصُولِهِمْ ، وَأَمَّا نَحْنُ فَلَوْ صَحَّ - وَأُسْنِدَ - مَا خَالَفْنَاهُ أَصْلًا - وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِعُمُومِ الْخَبَرِ { مَا مِنْ صَاحِبِ بَقَرٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا وَلَا يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا } وَقَوْلَهُمْ : إنَّ هَذَا عُمُومٌ لِكُلِّ بَقَرٍ - : فَإِنَّ هَذَا لَازِمٌ لِلْحَنَفِيِّينَ ، وَالْمَالِكِيِّينَ ، الْمُحْتَجِّينَ بِإِيجَابِ الزَّكَاةِ فِي الْعُرُوضِ بِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً } الْآيَةُ وَالْمُحْتَجِّينَ بِهَذَا فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْعَسَلِ وَسَائِرِ مَا احْتَجُّوا فِيهِ بِمِثْلِ هَذَا ، لَا مُخَلِّصَ لَهُمْ مِنْهُ أَصْلًا ؟ وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا حُجَّةَ عَلَيْنَا بِهَذَا ; لِأَنَّنَا - وَإِنْ كُنَّا لَا يَحِلُّ عِنْدَنَا مُفَارِقَةُ الْعُمُومِ إلَّا لِنَصٍّ آخَرَ - فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ شَرْعُ شَرِيعَةٍ إلَّا بِنَصٍّ صَحِيحٍ ، وَنَحْنُ نُقِرُّ وَنَشْهَدُ أَنَّ فِي الْبَقَرِ زَكَاةً مَفْرُوضَةً يُعَذِّبُ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ لَمْ يُؤَدِّهَا الْعَذَابَ الشَّدِيدَ ، مَا لَمْ يَغْفِرْ لَهُ بِرُجُوحِ حَسَنَاتِهِ أَوْ مُسَاوَاتِهَا لِسَيِّئَاتِهِ ، إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ بَيَانُ الْمِقْدَارِ الْوَاجِبِ فِي الزَّكَاةِ مِنْهَا ، وَلَا بَيَانَ الْعَدَدِ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْهَا ، وَلَا مَتَى تُؤَدَّى ; وَلَيْسَ الْبَيَانُ لِلدِّيَانَةِ مَوْكُولًا إلَى الْآرَاءِ وَالْأَهْوَاءِ ; بَلْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي قَالَ لَهُ رَبُّهُ وَبَاعِثُهُ { لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ } .
وَلَمْ يَصِحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَوْجَبُوهُ فِي الْخَمْسِ فَصَاعِدًا مِنْ الْبَقَرِ ، وَقَدْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ الْمُتَيَقَّنُ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كُلِّ عَدَدٍ مِنْ الْبَقَرِ زَكَاةٌ ; فَوَجَبَ التَّوَقُّفُ عَنْ إيجَابِ فَرْضِ ذَلِكَ فِي عَدَدٍ دُونَ عَدَدٍ بِغَيْرِ نَصٍّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَسَقَطَ تَعَلُّقُهُمْ بِالْعُمُومِ هَاهُنَا ، وَلَوْ كَانَ عُمُومًا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُهُ لَمَا خَالَفْنَاهُ ؟ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّ مَنْ زَكَّى الْبَقَرَ - كَمَا قَالُوا - فَهُوَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّهُ قَدْ أَدَّى فَرْضَهُ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ وَمَنْ لَمْ يُزَكِّهَا - كَمَا قَالُوا - فَلَيْسَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ ; وَأَنَّ مَا صَحَّ 99 بِيَقِينٍ وُجُوبُهُ لَمْ يَسْقُطْ إلَّا بِيَقِينٍ آخَرَ - : فَهَذَا لَازِمٌ لِمَنْ قَالَ : إنَّ مَنْ تَدَلَّكَ فِي الْغُسْلِ فَهُوَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّهُ قَدْ أَدَّى فَرْضَهُ ; وَالْغُسْلُ وَاجِبٌ بِيَقِينٍ ; فَلَا يَسْقُطُ إلَّا بِيَقِينٍ مِثْلِهِ ; وَلِمَنْ أَوْجَبَ مَسْحَ جَمِيعِ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ بِهَذِهِ الْحُجَّةِ نَفْسِهَا ; وَمِثْلُ هَذَا لَهُمْ كَثِيرٌ جِدًّا وَأَمَّا نَحْنُ فَإِنَّ هَذَا لَا يَلْزَمُ عِنْدَنَا ; لِأَنَّ الْفَرَائِضَ لَا تَجِبُ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ .
وَمَنْ سَلَكَ هَذِهِ الطَّرِيقَ فِي الِاسْتِدْلَالِ فَإِنَّهُ يُرِيدُ إيجَابَ الْفَرَائِضِ وَشَرْعِ الشَّرَائِعِ بِاخْتِلَافٍ ; لَا نَصَّ فِيهِ ، وَهَذَا بَاطِلٌ ; وَلَمْ يَتَّفِقْ قَطُّ عَلَى وُجُوبِ إيعَابِ جَمِيعِ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ وَلَا عَلَى التَّدَلُّكِ فِي الْغُسْلِ ; وَلَا عَلَى إيجَابِ الزَّكَاةِ فِي خَمْسِ مِنْ الْبَقَرِ فَصَاعِدًا إلَى الْخَمْسِينَ وَإِنَّمَا كَانَ يَكُونُ اسْتِدْلَالُهُمْ هَذَا صَحِيحًا لَوْ وَافَقْنَاهُمْ عَلَى وُجُوبِ كُلِّ ذَلِكَ ثُمَّ أَسْقَطْنَا وُجُوبَهُ بِلَا بُرْهَانٍ ; وَنَحْنُ لَنْ نُوَافِقَهُمْ قَطُّ عَلَى وُجُوبِ غُسْلٍ فِيهِ تَدَلُّكٌ ; وَلَا عَلَى إيجَابِ مَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ ، وَلَا عَلَى إيجَابِ زَكَاةٍ فِي خَمْسٍ مِنْ الْبَقَرِ فَصَاعِدًا ; وَإِنَّمَا وَافَقْنَاهُمْ عَلَى إيجَابِ الْغُسْلِ دُون تَدَلُّكٍ ، وَعَلَى إيجَابِ مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ لَا كُلِّهِ ; وَعَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي عَدَدٍ مَا مِنْ الْبَقَرِ لَا فِي كُلِّ عَدَدٍ مِنْهَا ; فَزَادُوا هُمْ - بِغَيْرِ نَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ - إيجَابَ التَّدَلُّكِ ، وَمَسْحَ جَمِيعِ الرَّأْسِ ، وَالزَّكَاةَ فِي خَمْسٍ مِنْ الْبَقَرِ فَصَاعِدًا ; وَهَذَا شَرْعٌ بِلَا نَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ ; فَهَذَا يَلْزَمُ ضَبْطُهُ ; لِئَلَّا يُمَوِّهَ فِيهِ أَهْلُ التَّمْوِيهِ بِالْبَاطِلِ ، فَيَدَّعُوا إجْمَاعًا حَيْثُ لَا إجْمَاعَ ، وَيُشَرِّعُوا الشَّرَائِعَ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ ، وَيُخَالِفُوا الْإِجْمَاعَ الْمُتَيَقَّنَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِقِيَاسِ الْبَقَرِ عَلَى الْإِبِلِ فِي الزَّكَاةِ فَلَازِمٌ لِأَصْحَابِ الْقِيَاسِ لُزُومًا لَا انْفِكَاكَ لَهُ ; فَلَوْ صَحَّ شَيْءٌ مِنْ الْقِيَاسِ لَكَانَ هَذَا مِنْهُ صَحِيحًا وَمَا نَعْلَمُ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ الْإِبِلِ ، وَالْبَقَرِ فَرْقًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ .
وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ مَنْ يَقِيسُ مَا يَسْتَحِلُّ بِهِ فَرْجَ الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ فِي النِّكَاحِ مِنْ الصَّدَاقِ عَلَى مَا تُقْطَعُ فِيهِ يَدُ السَّارِقِ ، وَمَنْ يَقِيسُ حَدَّ الشَّارِبِ عَلَى حَدِّ الْقَاذِفِ ، وَمَنْ يَقِيسُ السَّقَمُونْيَا عَلَى الْقَمْحِ وَالتَّمْرِ ، وَيَقِيسُ الْحَدِيدَ ، وَالرَّصَاصَ وَالصُّفْرَ : عَلَى الذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ ; وَيَقِيسُ الْجِصَّ عَلَى الْبُرِّ وَالتَّمْرِ ، فِي الرِّبَا ، وَيَقِيسُ الْجَوْزَ عَلَى الْقَمْحِ فِي الرِّبَا ; وَسَائِرِ تِلْكَ الْمَقَايِيسِ السَّخِيفَةِ وَتِلْكَ الْعِلَلِ الْمُفْتَرَاةِ الْغَثَّةِ - : أَنْ يَقِيسَ الْبَقَرَ عَلَى الْإِبِلِ فِي الزَّكَاةِ ; وَإِلَّا فَقَدْ 100 تَحَكَّمُوا بِالْبَاطِلِ ; وَأَمَّا نَحْنُ فَالْقِيَاسُ كُلُّهُ عِنْدَنَا بَاطِلٌ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : لَمْ نَجِدْ فِي الْأُصُولِ مَا يَكُونُ وَقْصُهُ ثَلَاثِينَ ، فَإِنَّهُ عِنْدَنَا تَخْلِيطٌ وَهَوَسٌ لَكِنَّهُ لَازِمٌ أَصَحُّ لُزُومٍ لِمَنْ قَالَ - مُحْتَجًّا لِبَاطِلٍ قَوْلَهُ فِي إيجَابِ الزَّكَاةِ مَا بَيْنَ الْأَرْبَعِينَ وَالسِّتِّينَ مِنْ الْبَقَرِ - : إنَّنَا لَمْ نَجِدْ فِي الْأُصُولِ مَا يَكُونُ وَقْصُهُ تِسْعَةَ عَشَرَ ، وَلَكِنَّ الْقَوْمَ مُتَحَكِّمُونَ ؟ فَسَقَطَ كُلُّ مَا احْتَجُّوا بِهِ عَنَّا ، وَظَهَرَ لُزُومُهُ لِلْحَنَفِيِّينَ ، وَالْمَالِكِيِّينَ ، وَالشَّافِعِيِّينَ ، لَا سِيَّمَا لِمَنْ قَالَ : بِالْقَوْلِ الْمَشْهُورِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي زَكَاةِ الْبَقَرِ ، الَّذِي لَمْ يَتَعَلَّقْ فِيهِ بِشَيْءٍ أَصْلًا ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ أَوْجَبَ فِي الثَّلَاثِينَ تَبِيعًا ، وَفِي الْأَرْبَعِينَ مُسِنَّةً ، وَلَمْ يُوجِبْ بَيْنَ ذَلِكَ وَلَا بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ إلَى السِّتِّينَ شَيْئًا - : فَوَجَدْنَا الْآثَارَ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا عَنْ مُعَاذٍ وَغَيْرِهِ مُرْسَلَةً كُلَّهَا ، إلَّا حَدِيثَ بَقِيَّةَ ; لِأَنَّ مَسْرُوقًا لَمْ يَلْقَ مُعَاذًا ; وَبَقِيَّةَ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِنَقْلِهِ ، أَسْقَطَهُ وَكِيعٌ وَغَيْرُهُ ، وَالْحُجَّةُ لَا تَجِبُ إلَّا بِالْمُسْنَدِ مِنْ نَقْلِ الثِّقَاتِ .
فَإِنْ قِيلَ : إنَّ مَسْرُوقًا وَإِنْ كَانَ لَمْ يَلْقَ مُعَاذًا فَقَدْ كَانَ بِالْيَمَنِ رَجُلًا أَيَّامَ كَوْنِ مُعَاذٍ هُنَالِكَ ; وَشَاهَدَ أَحْكَامَهُ ، فَهَذَا عِنْدَهُ عَنْ مُعَاذٍ بِنَقْلِ الْكَافَّةِ .
قُلْنَا : لَوْ أَنَّ مَسْرُوقًا ذَكَرَ أَنَّ الْكَافَّةَ أَخْبَرَتْهُ بِذَلِكَ عَنْ مُعَاذٍ لَقَامَتْ الْحُجَّةُ بِذَلِكَ ; فَمَسْرُوقٌ هُوَ الثِّقَةُ الْإِمَامُ غَيْرُ الْمُتَّهَمِ : لَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ قَطُّ هَذَا ; وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُقَوَّلَ مَسْرُوقٌ رَحِمَهُ اللَّهُ مَا لَمْ يَقُلْ فَيُكْذَبُ عَلَيْهِ ; وَلَكِنْ لَمَّا أَمْكَنَ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ مَسْرُوقٍ هَذَا الْخَبَرُ عَنْ تَوَاتُرٍ ، أَوْ عَنْ ثِقَةٍ ; أَوْ عَمَّنْ لَا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ عَنْهُ - : لَمْ يَجُزْ الْقَطْعُ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالظَّنِّ الَّذِي هُوَ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ ، وَنَحْنُ نَقْطَعُ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ لَوْ كَانَ عِنْدَ مَسْرُوقٍ عَنْ ثِقَةٍ لَمَا كَتَمَهُ ، وَلَوْ كَانَ صَحِيحًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا طَمَسَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْمُتَكَفِّلُ بِحِفْظِ الذِّكْرِ الْمُنَزَّلِ عَلَى نَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمُتِمِّ لِدِينِهِ - : لَنَا هَذَا الطَّمْسُ حَتَّى لَا يَأْتِيَ إلَّا مِنْ طَرِيقٍ وَاهِيَةٍ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَيْضًا : فَإِنْ زَمُّوا أَيْدِيَهُمْ وَقَالُوا : هُوَ حُجَّةٌ ، وَالْمُرْسَلُ هَاهُنَا وَالْمُسْنَدُ سَوَاءٌ . 101
قُلْنَا لَهُمْ : فَلَا عَلَيْكُمْ ; خُذُوا مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ بِعَيْنِهَا مَا حَدَّثَنَاهُ حُمَامُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ : ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيَّ ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثنا عُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِشْوَرُ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْحُذَافِيِّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرُ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ هُوَ أَبُو وَائِلٍ - عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ قَالَ { بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إلَى الْيَمَنِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ وَحَالِمَةٍ دِينَارًا أَوْ قِيمَتَهُ مِنْ الْمَعَافِرِيِّ } .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث