المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الرابع
page 788 · printed p. 418
773 - مَسْأَلَةٌ : وَلِلْمَرْءِ أَنْ يُفْطِرَ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ إنْ شَاءَ ، لَا نَكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ ، إلَّا أَنَّ عَلَيْهِ إنْ أَفْطَرَ عَامِدًا قَضَاءَ يَوْمٍ مَكَانَهُ . بُرْهَانُ ذَلِكَ - : أَنَّ الشَّرِيعَةَ كُلَّهَا فَرْضٌ وَتَطَوُّعٌ ، وَهَذَا مَعْلُومٌ بِنُصُوصِ الْقُرْآنِ ، وَالسُّنَنِ ، وَالْإِجْمَاعِ ، وَضَرُورَةِ الْعَقْلِ ، إذْ لَا يُمْكِنُ قِسْمٌ ثَالِثٌ أَصْلًا ; فَالْفَرْضُ هُوَ الَّذِي يَعْصِي مَنْ تَرَكَهُ ; وَالتَّطَوُّعُ هُوَ الَّذِي لَا يَعْصِي مَنْ تَرَكَهُ وَلَوْ عَصَى لَكَانَ فَرْضًا ، وَالْمُفَرِّطُ فِي التَّطَوُّعِ تَارِكٌ مَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فَرْضًا ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ .
وَقَدْ { ۝ أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَعْرَابِيَّ الَّذِي سَأَلَهُ عَنْ الصَّوْمِ فَأَخْبَرَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِرَمَضَانَ ؟ فَقَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ ؟ قَالَ : لَا إلَّا أَنْ تَتَطَوَّعَ شَيْئًا ؟ فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ : وَاَللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ ; فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَفْلَحَ إنْ صَدَقَ ، دَخَلَ الْجَنَّةَ إنْ صَدَقَ } فَلَمْ يَجْعَلْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَرْكِ التَّطَوُّعِ كَرَاهَةً أَصْلًا . وَهَكَذَا نَقُولُ فِيمَنْ قَطَعَ صَلَاةَ تَطَوُّعٍ ، أَوْ بَدَا لَهُ فِي صَدَقَةِ تَطَوُّعٍ ، أَوْ فَسَخَ عَمْدًا حَجَّ تَطَوُّعٍ ، أَوْ اعْتِكَافَ تَطَوُّعٍ ، وَلَا فَرْقَ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَدَعْوَى لَا بُرْهَانَ عَلَيْهَا ، وَإِيجَابُ مَا لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا إلَّا فِي فِطْرِ التَّطَوُّعِ فَقَطْ لِمَا نَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ؟ فَإِنْ قِيلَ : إنَّكُمْ تُوجِبُونَ فَرْضًا فِي الصَّوْمِ غَيْرَ رَمَضَانَ كَالنَّذْرِ وَصِيَامِ الْكَفَّارَاتِ ؟ قُلْنَا : نُوجِبُ مَا أَوْجَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُضِيفُهُ إلَى فَرْضِ رَمَضَانَ ، وَلَا نُوجِبُ مَا لَمْ يُوجِبْ وَلَا نَتَعَدَّى حُدُودَهُ وَلَا نُعَارِضُهُ بِآرَائِنَا ، وَقَدْ جَاءَتْ فِي ذَلِكَ سُنَّةٌ - : كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْهَيْثَمِ نا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ نا سُفْيَانُ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ 418 مُجَاهِدٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ : { ۝ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَانَا يَوْمًا فَقَالَ : هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ شَيْءٍ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ ، أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ ؟ فَقَالَ : أَمَّا إنِّي أَصْبَحْتُ أُرِيدُ الصَّوْمَ فَأَكَلَ } .
وَقَدْ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ عَلِيٌّ : وَهَذِهِ سُنَّةٌ ثَابِتَةٌ ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ نا الْفَرَبْرِيُّ نا الْبُخَارِيُّ نَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ نا أَبُو الْعُمَيْسِ هُوَ عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : { ۝ آخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ سَلْمَانَ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً فَقَالَ لَهَا : مَا شَأْنُكِ ؟ قَالَتْ : أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا ، فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فَقَالَ : كُلْ قَالَ فَإِنِّي صَائِمٌ ; قَالَ سَلْمَانُ : مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ ؟ فَأَكَلَ } ، وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ . وَفِيهِ : { ۝ أَنَّ سَلْمَانَ قَالَ لَهُ : إنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : صَدَقَ سَلْمَانُ } فَهَذَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ صَوَّبَ قَوْلَ سَلْمَانَ فِي إفْطَارِ الصَّائِمِ الْمُتَطَوِّعِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ : وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي دَاوُد عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ الْحَفْرِيِّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : { ۝ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَعَامٍ وَهُوَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ فَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ اُدْنُوَا فَكُلَا ؟ قَالَا : إنَّا صَائِمَانِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْحَلُوا لِصَاحِبِكُمْ ، اعْمَلُوا لِصَاحِبِكُمْ ، اُدْنُوَا فَكُلَا } . وَهَذِهِ كُلُّهَا آثَارٌ صِحَاحٌ ، وَبِهَذَا يَقُولُ جُمْهُورُ السَّلَفِ . رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سَيْفِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمَكِّيِّ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي عَاصِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ : خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَوْمًا عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ : إنِّي أَصْبَحْت صَائِمًا فَمَرَّتْ بِي جَارِيَةٌ لِي فَوَقَعْت عَلَيْهَا فَمَا تَرَوْنَ ؟ قَالَ : فَلَمْ يَأْلُوا مَا شَكُّوا عَلَيْهِ ، وَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : أَصَبْت حَلَالًا وَتَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ ; قَالَ لَهُ عُمَرُ : أَنْتَ أَحْسَنُهُمْ فُتْيَا .
419 وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ مِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي الَّذِي يَأْكُلُ بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا قَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ نَذْرًا أَوْ قَضَاءً وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ صُبَيْحٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الصِّيَامُ تَطَوُّعًا وَالطَّوَافُ وَالصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ إنْ شَاءَ مَضَى وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ . وَرُوِّينَا أَنَّهُ كَانَ يُصْبِحُ مُتَطَوِّعًا ثُمَّ يُفْطِرُ وَلَا يُبَالِي وَيَأْمُرُ بِقَضَاءِ يَوْمٍ مَكَانَهُ . وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بِإِفْطَارِ التَّطَوُّعِ بَأْسًا . وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى ; وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ ، إلَّا أَنَّهُمَا لَمْ يَرَيَا فِي ذَلِكَ قَضَاءً . وَقَالَ مَالِكٌ : إنْ أَفْطَرَ فِيهِ نَاسِيًا يُتِمُّ صَوْمَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَفْطَرَ فِيهِ عَمْدًا فَقَدْ أَسَاءَ وَيَقْضِي . قَالَ عَلِيٌّ : وَلَا بُرْهَانَ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ مَعَ خِلَافِهِ لِمَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ : أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَغَيْرِهِمْ .
وَأَمَّا إيجَابُنَا الْقَضَاءَ فَلِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَمْرَةَ { ۝ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : أَصْبَحْتُ صَائِمَةً أَنَا وَحَفْصَةُ أُهْدِيَ لَنَا طَعَامٌ فَأَعْجَبَنَا فَأَفْطَرْنَا فَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَدَرَتْنِي حَفْصَةُ فَسَأَلَتْهُ ؟ فَقَالَ : صُومَا يَوْمًا مَكَانَهُ } . قَالَ عَلِيٌّ : لَمْ يَخْفَ عَلَيْنَا قَوْلُ مَنْ قَالَ : إنَّ جَرِيرَ بْنَ حَازِمٍ أَخْطَأَ فِي هَذَا الْخَبَرِ ، إلَّا أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ جَرِيرًا ثِقَةٌ ; وَدَعْوَى الْخَطَأِ بَاطِلٌ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمُدَّعِي لَهُ بُرْهَانًا عَلَى صِحَّةِ دَعْوَاهُ ; وَلَيْسَ انْفِرَادُ جَرِيرٍ بِإِسْنَادِهِ عِلَّةً ، لِأَنَّهُ ثِقَةٌ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : لَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ فِي أَنَّ حُكْمَ مَا أَفْطَرَ بِهِ مِنْ جِمَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ حُكْمٌ وَاحِدٌ ، فَمِنْ مُوجِبٍ لِلْقَضَاءِ فِي كُلِّ ذَلِكَ ، وَمُسْقِطٍ لَهُ فِي كُلِّ ذَلِكَ ; وَقَدْ صَحَّ النَّصُّ 420 بِالْقَضَاءِ فِي الْإِفْطَارِ فَمَا نُبَالِي بِأَيِّ شَيْءٍ أَفْطَرَ ; وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
وَأَمَّا تَفْرِيقُ مَالِكٍ بَيْنَ الْإِفْطَارِ نَاسِيًا فِي صَوْمِ تَطَوُّعٍ أَوْ فَرْضٍ فَخَطَأٌ لَا وَجْهَ لَهُ ، وَلَيْسَ إلَّا صَائِمٌ أَوْ مُفْطِرٌ ، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَالْحُكْمُ وَاحِدٌ فِي الْقَضَاءِ أَوْ تَرْكِهِ ; وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلَا قَضَاءَ عَلَى صَائِمٍ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith