المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الخامس
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبَانَ بْنِ تَغْلِبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ أَوْ عَمِّهِ : أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَآهُمْ بِذَاتِ الشُّقُوقِ فَقَالَ : مَا هَؤُلَاءِ ؟ أَتُجَّارٌ ؟ قَالُوا : لَا ، قَالَ : فَمَا يَحْبِسُهُمْ عَمَّا خَرَجُوا لَهُ ؟ فَمَالُوا إلَى أَدْنَى مَاءٍ فَاغْتَسَلُوا وَأَحْرَمُوا . 57
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : مَا نَعْلَمُ عَنْ الصَّحَابَةِ فِي هَذَا إلَّا مَا أَوْرَدْنَا .
وَرُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ : أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِتَجَاوُزِ الْمِيقَاتِ لِمَنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ .
وَعَنْ الزُّهْرِيِّ نَحْوُ هَذَا لِمَنْ تَوَقَّعَ شَيْئًا - وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حَبِيبٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِيمَنْ دَخَلَ مَكَّةَ لَا حَاجًّا وَلَا مُعْتَمِرًا وَخَشِيَ فَوَاتَ الْحَجِّ إنْ خَرَجَ إلَى الْمِيقَاتِ ، قَالَ : يُهِلُّ مِنْ مَكَانِهِ .
قَالَ حَبِيبٌ : وَلَمْ يَذْكُرْ دَمًا .
وَعَنْ الْحَسَنِ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْمِيقَاتِ .
وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ مَرَّةً : عَلَيْهِ دَمٌ ، وَمَرَّةً قَالَ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، رُوِّينَا ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : لَيْسَ عَلَى مَنْ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ شَيْءٌ .
قَالَ سُفْيَانُ : لَا يُعْجِبُنَا .
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ أَنَا خُصَيْفٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : مَنْ جَاوَزَ الْوَقْتَ الَّذِي وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُحْرِمْ مِنْهُ فَلَنْ يُغْنِي عَنْهُ إنْ أَحْرَمَ شَيْئًا حَتَّى يَرْجِعَ إلَى الْوَقْتِ الَّذِي وَقَّتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُحْرِمُ مِنْهُ إلَّا إنْسَانٌ أَهْلُهُ مِنْ وَرَاءِ الْوَقْتِ فَيُحْرِمُ مِنْ أَهْلِهِ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَأَصَحُّ الرِّوَايَاتِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مُوَافِقَةٌ لِقَوْلِنَا ; وَأَضْعَفُ الرِّوَايَاتِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مُوَافِقَةٌ لِقَوْلِ الْحَاضِرِينَ مِنْ مُخَالِفِينَا وَلَيْسَ بَعْضُ أَقْوَالِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِأَوْلَى مِنْ بَعْضٍ ، الْوَاجِبُ عِنْدَ التَّنَازُعِ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى إذْ يَقُولُ : { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } فَفَعَلْنَا - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى قَدْ وَقَّتَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوَاقِيتَ وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا يَحِلُّ تَعَدِّيهَا { وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ } وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ } فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَحِّحَ عَمَلًا عُمِلَ عَلَى خِلَافِ أَمْرِ 58 رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَنْ يُشَرِّعَ وُجُوبَ دَمٍ لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا } فَيُبِيحُ مِنْ مَالِهِ الْمُحْرِمُ مَا لَمْ يَأْتِ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ بِإِبَاحَتِهِ ، وَمَا نَعْلَمُ لِمَنْ أَوْجَبَ الدَّمَ وَأَجَازَ الْإِحْرَامَ حُجَّةً أَصْلًا .
فَإِنَّ قَالُوا : إنَّ أَشْيَاءَ جَاءَ النَّصُّ فِيهَا بِوُجُوبِ دَمٍ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ ، فَلَا يَجُوزُ تَعَدِّيهَا وَلَيْسَ مِنْكُمْ أَحَدٌ إلَّا وَقَدْ أَوْجَبَ الدَّمَ حَيْثُ لَمْ يُوجِبْهُ صَاحِبُهُ ; وَهَذَا تَحَكُّمٌ لَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
وَمِنْهُ مَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْوَقْتِ فَإِنَّ قَوْمًا اسْتَحَبُّوهُ ، وَقَوْمًا كَرِهُوهُ وَأَلْزَمُوهُ إذَا وَقَعَ .
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُذَيْنَةَ بْنِ مَسْلَمَةَ الْعَبْدِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْت لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : إنِّي رَكِبْت السُّفُنَ ، وَالْخَيْلَ ، وَالْإِبِلَ فَمِنْ أَيْنَ أُحْرِمُ ، فَقَالَ : ائْتِ عَلِيًّا فَاسْأَلْهُ ؟ فَسَأَلَ عَلِيًّا ؟ فَقَالَ لَهُ : مِنْ حَيْثُ أَبْدَأْت أَنْ تُنْشِئَهَا مِنْ بِلَادِك ، فَرَجَعَ إلَى عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : هُوَ كَمَا قَالَ لَك عَلِيٌّ .
وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } فَقَالَ : أَنْ تُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِك .
وَبِهِ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلُهُ .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيِّ عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَلَّامٍ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ : الْعُمْرَةُ تَامَّةٌ مِنْ أَهْلِك .
وَمِنْ طَرِيقِ الْحِمَّانِيُّ عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ تَمَامِ الْحَجِّ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ .
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ أَحْرَمَ مِنْ المنجشانية بِقُرْبِ الْبَصْرَةِ .
وَعَنْ الْحَسَنِ : أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ الْحُصَيْنِ أَحْرَمَ مِنْ الْبَصْرَةِ . 59 وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ .
وَعَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمَّ أَنَّ أَبَا مَسْعُودٍ أَحْرَمَ مِنْ السَّيْلَحِينِ . وَعَنْ رَجُلٍ : أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَحْرَمَ مِنْ الشَّامِ فِي بَرْدٍ شَدِيدٍ - وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ أَنَسٍ إلَى مَكَّةَ ، فَأَحْرَمَ مِنْ الْعَقِيقِ .
وَعَنْ مُعَاذٍ : أَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ الشَّامِ - وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْحُذَافِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَنَا يُوسُفُ بْنُ مَاهَكَ : أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي عَمَّارٍ أَنَّهُ كَانَ مَعَ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، وَكَعْبِ الْخَيْرِ : فَأَحْرَمَا مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِعُمْرَةٍ وَأَحْرَمَ مَعَهُمَا - وَبِهِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ نَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ .
وَعَنْ إبْرَاهِيمَ : كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَوَّلَ مَا يَحُجُّ الرَّجُلُ أَوْ يَعْتَمِرُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَرْضِهِ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ الْكُوفَةِ . وَعَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ ضَرِيَّةَ .
وَعَنْ الْأَسْوَدِ ، وَأَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ : أَنَّهُمْ أَحْرَمُوا مِنْ الْكُوفَةِ - وَعَنْ طَاوُسٍ ، وَعَطَاءٍ نَحْوُ هَذَا .
وَاحْتَجَّ مَنْ رَأَى هَذَا بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ نَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يُحَنَّسَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الْأَخْنَسِيِّ عَنْ جَدَّته حَكِيمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا سَمِعَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَقُولُ : { مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ ، أَوْ عُمْرَةٍ مِنْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ أَوْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ } شَكَّ عَبْدُ اللَّهِ أَيُّهُمَا قَالَ ؟ 60 وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ سُحَيْمٍ عَنْ أُمِّ حَكِيمِ بِنْتِ أُمَيَّةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ غُفِرَ لَهُ } .
قَالَ عَلِيٌّ : أَمَّا هَذَانِ الْأَثَرَانِ فَلَا يَشْتَغِلُ بِهِمَا مَنْ لَهُ أَدْنَى عِلْمٍ بِالْحَدِيثِ لِأَنَّ يَحْيَى بْنَ أَبِي سُفْيَانَ الْأَخْنَسِيَّ ، وَجَدَّتَهُ حَكِيمَةَ ، وَأُمَّ حَكِيمِ بِنْتِ أُمَيَّةَ لَا يُدْرَى مَنْ هُمْ مِنْ النَّاسِ ؟ وَلَا يَجُوزُ مُخَالَفَةُ مَا صَحَّ بِيَقِينٍ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمَجْهُولَاتِ الَّتِي لَمْ تَصِحَّ قَطُّ ، وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ عَلِيًّا ، وَأَبَا مُوسَى : أَحْرَمَا مِنْ الْيَمَنِ فَلَمْ يُنْكِرْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا .
قَالَ : وَكَذَلِكَ كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَلَا نَدْرِي أَيْنَ وَجَدَ هَذَا عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ؟ وَأَمَّا عَلِيٌّ ، وَأَبُو مُوسَى ، فَإِنَّهُمَا قَدِمَا مِنْ الْيَمَنِ مُهِلَّيْنِ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَّمَهُمَا عَلَيْهِ السَّلَامُ كَيْفَ يَعْمَلَانِ ؟ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ أَلْبَتَّةَ ذِكْرٌ لِلْمَكَانِ الَّذِي أَحْرَمَا مِنْهُ ، وَلَا فِيهِ دَلِيلٌ وَلَا نَصٌّ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ تَوْقِيتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمَوَاقِيتَ ، فَإِذْ لَيْسَ ذَلِكَ فِيهِ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ بِهِ أَصْلًا ، وَلَا نُخَالِفُهُمْ فِي أَنَّ قَبْلَ تَوْقِيتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمَوَاقِيتَ كَانَ الْإِحْرَامُ جَائِزًا مِنْ كُلِّ مَكَان .
وَأَمَّا مَنْ قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ( ) فَأَمَّا خَبَرُ ابْنِ أُذَيْنَةَ فَإِنَّنَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ قَالَ : نَا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ هُوَ ابْنُ عُتَيْبَةَ - عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ عَنْ ابْنِ أُذَيْنَةَ قَالَ : أَتَيْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِمَكَّةَ فَقُلْت لَهُ : إنِّي رَكِبْت الْإِبِلَ ، وَالْخَيْلَ حَتَّى أَتَيْتُك فَمِنْ أَيْنَ أَعْتَمِرُ ؟ قَالَ : ائْتِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَسَلْهُ ، فَأَتَيْته فَسَأَلْته ، فَقَالَ لِي عَلِيٌّ : مِنْ حَيْثُ أَبْدَأْت - يَعْنِي مِنْ مِيقَاتِ أَرْضِهِ - قَالَ : فَأَتَيْت عُمَرَ فَذَكَرْت لَهُ ذَلِكَ ، فَقَالَ : مَا أَجِدُ لَك إلَّا مَا قَالَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَكَذَا فِي الْحَدِيثِ نَفْسِهِ يَعْنِي مِنْ مِيقَاتِ أَرْضِهِ ، فَعَادَ حُجَّةً لَنَا 61 عَلَيْهِمْ لَوْ صَحَّ مِنْ أَصْلِهِ - وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ : أَحْرَمَ عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ مِنْ الْبَصْرَةِ فَعَابَ ذَلِكَ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَقَالَ : أَرَدْت أَنْ يَقُولَ النَّاسُ : أَحْرَمَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مِصْرٍ مِنْ الْأَمْصَارِ . قَالَ عَلِيٌّ : وَعُمَرُ لَا يَعِيبُ مُسْتَحَبًّا فِيهِ أَجْرٌ وَقُرْبَةٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ; نَعَمْ ، وَلَا مُبَاحًا ; وَإِنَّمَا يَعِيبُ مَا لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ ; هَذَا مِمَّا لَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِهِ غَيْرُ هَذَا أَصْلًا .
وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ : أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ الْحُصَيْنِ أَحْرَمَ مِنْ الْبَصْرَةِ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَغَضِبَ وَقَالَ : يَتَسَامَعُ النَّاسُ : أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْرَمَ مِنْ مِصْرِهِ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : عُمَرُ لَا يُمْكِنُ أَلْبَتَّةَ أَنْ يَغْضَبَ مِنْ عَمَلٍ مُبَاحٍ عِنْدَهُ - وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ : أَحْرَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ مِنْ حَيْرَبٍ فَقَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَلَامَهُ فَقَالَ لَهُ : غَرَرْت وَهَانَ عَلَيْك نُسُكُك .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَعُثْمَانُ لَا يَعِيبُ عَمَلًا صَالِحًا عِنْدَهُ وَلَا مُبَاحًا وَإِنَّمَا يَعِيبُ مَا لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ لَا سِيَّمَا وَقَدْ بَيَّنَ أَنَّهُ هَوَانٌ بِالنُّسُكِ وَالْهَوَانُ بِالنُّسُكِ لَا يَحِلُّ ، وَقَدْ أَمَرَ تَعَالَى بِتَعْظِيمِ شَعَائِرِ الْحَجِّ .
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ : نَا عُمَارَةُ بْنُ زَاذَانَ قَالَ : قُلْت لِابْنِ عُمَرَ : الرَّجُلُ يُحْرِمُ مِنْ سَمَرْقَنْدَ ، أَوْ مِنْ الْوَقْتِ الَّذِي وُقِّتَ لَهُ ، أَوْ مِنْ الْبَصْرَةِ ، أَوْ مِنْ الْكُوفَةِ ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : قَدْ شَقِينَا إذًا .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : لَا يَحْتَمِلُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ إلَّا أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْإِحْرَامُ مِنْ غَيْرِ الْوَقْتِ مُبَاحًا لَشَقِيَ الْمُحْرِمُونَ مِنْ الْوَقْتِ .
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نَا شُعْبَةُ عَنْ مُسْلِمٍ الْقَرِّيِّ قَالَ : سَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ بِمَكَّةَ مِنْ أَيْنَ أَعْتَمِرُ ؟ قَالَ : مِنْ وَجْهِك الَّذِي جِئْت مِنْهُ ، يَعْنِي مِيقَاتَ أَرْضِهِ . 62 قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَكَذَا فِي الْحَدِيثِ نَصًّا - يَعْنِي مِيقَاتَ أَرْضِهِ .
قَالَ عَلِيٌّ : فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ; وَأَمَّا سَائِرُ الرِّوَايَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَا عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا : أَنَّهُمْ مَرُّوا عَلَى الْمِيقَاتِ ; وَإِذْ لَيْسَ هَذَا فِيهَا فَكَذَلِكَ نَقُولُ : إنَّ مَنْ لَمْ يَمُرَّ عَلَى الْمِيقَاتِ فَلْيُحْرِمْ مِنْ حَيْثُ شَاءَ ، وَبِهَذَا تَتَّفِقُ الْأَخْبَارُ عَنْهُمْ مَعَ مَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتْرَكَ مَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لِظُنُونٍ كَاذِبَةٍ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّةِ تَأْوِيلِهِمْ فِيهَا ، وَهِيَ خَارِجَةٌ أَحْسَنَ خُرُوجٍ عَلَى مُوَافَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي لَا يَحِلُّ أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ غَيْرُهَا .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَمَنْ أَتَى إلَى مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ قَوْلِهِ : إنَّ الْقُبْلَةَ تُفْطِرُ الصَّائِمَ ، فَقَالَ : لَعَلَّهُ أَرَادَ إذَا كَانَ مَعَهَا مَنِيٌّ .
وَإِلَى خَبَرِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : أَنَّهَا كَانَتْ لَا تَدْخُلُ عَلَيْهَا مَنْ أَرْضَعَهُ نِسَاءُ إخْوَتِهَا ، فَقَالَ : لَا نَدْرِي لِمَاذَا وَلَعَلَّهُ لِأَمْرٍ مَا ، وَلَيْسَ لِأَنَّهَا كَانَتْ لَا تَرَى ذَلِكَ الرَّضَاعَ مُحَرِّمًا - : فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْنَا حَمْلَ مَا رُوِيَ عَنْهُمْ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَظَاهِرِهِ ; بَلْ الْمَلَامَةُ كُلُّهَا عَلَى مَنْ أَقْحَمَ فِي هَذِهِ الْآثَارِ مَا لَيْسَ فِيهَا مِنْ أَنَّهُمْ جَازُوا عَلَى الْمَوَاقِيتِ ; بَلْ قَدْ كَذَبَ مَنْ قَالَ هَذَا بِلَا شَكٍّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : أَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ، وَسُفْيَانُ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ فَاسْتَحَبُّوا تَعْجِيلَ الْإِحْرَامِ قَبْلَ الْمِيقَاتِ ; وَأَمَّا مَالِكٌ فَكَرِهَهُ وَأَلْزَمَهُ إذَا وَقَعَ .
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَكَرِهَهُ ; وَأَمَّا أَبُو سُلَيْمَانَ فَلَمْ يُجِزْهُ - وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا .
فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ تَرَكَ الْقِيَاسَ ; إذْ أَجَازَ الْإِحْرَامَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ وَلَمْ يُجِزْ صَلَاةَ مَنْ صَلَّى وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ نَهْرٌ وَلَا فَرَّقَ بَيْنَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْإِحْرَامِ وَبَيْنَ الْإِحْرَامِ بِالصَّلَاةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الصَّلَاةِ .
وَأَمَّا الْمَالِكِيُّونَ فَإِنْ حَمَلُوا هَذِهِ الْآثَارَ عَلَى مَا حَمَلَهَا عَلَيْهِ الْحَنَفِيُّونَ فَقَدْ أَعْظَمُوا الْقَوْلَ عَلَى أُصُولِهِمْ إذْ كَرِهُوا مَا اسْتَحَبَّهُ الصَّحَابَةُ ; وَإِنْ حَمَلُوهَا عَلَى مَا حَمَلْنَاهَا نَحْنُ 63 عَلَيْهِ فَكَيْفَ يُجِيزُونَ خِلَافَ مَا حَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ وَهَذَا مَا لَا مُخَلِّصَ مِنْهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : مَا نَعْلَمُ عَنْ الصَّحَابَةِ فِي هَذَا إلَّا مَا أَوْرَدْنَا .
وَرُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ : أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِتَجَاوُزِ الْمِيقَاتِ لِمَنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ .
وَعَنْ الزُّهْرِيِّ نَحْوُ هَذَا لِمَنْ تَوَقَّعَ شَيْئًا - وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حَبِيبٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِيمَنْ دَخَلَ مَكَّةَ لَا حَاجًّا وَلَا مُعْتَمِرًا وَخَشِيَ فَوَاتَ الْحَجِّ إنْ خَرَجَ إلَى الْمِيقَاتِ ، قَالَ : يُهِلُّ مِنْ مَكَانِهِ .
قَالَ حَبِيبٌ : وَلَمْ يَذْكُرْ دَمًا .
وَعَنْ الْحَسَنِ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْمِيقَاتِ .
وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ مَرَّةً : عَلَيْهِ دَمٌ ، وَمَرَّةً قَالَ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، رُوِّينَا ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : لَيْسَ عَلَى مَنْ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ شَيْءٌ .
قَالَ سُفْيَانُ : لَا يُعْجِبُنَا .
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ أَنَا خُصَيْفٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : مَنْ جَاوَزَ الْوَقْتَ الَّذِي وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُحْرِمْ مِنْهُ فَلَنْ يُغْنِي عَنْهُ إنْ أَحْرَمَ شَيْئًا حَتَّى يَرْجِعَ إلَى الْوَقْتِ الَّذِي وَقَّتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُحْرِمُ مِنْهُ إلَّا إنْسَانٌ أَهْلُهُ مِنْ وَرَاءِ الْوَقْتِ فَيُحْرِمُ مِنْ أَهْلِهِ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَأَصَحُّ الرِّوَايَاتِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مُوَافِقَةٌ لِقَوْلِنَا ; وَأَضْعَفُ الرِّوَايَاتِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مُوَافِقَةٌ لِقَوْلِ الْحَاضِرِينَ مِنْ مُخَالِفِينَا وَلَيْسَ بَعْضُ أَقْوَالِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِأَوْلَى مِنْ بَعْضٍ ، الْوَاجِبُ عِنْدَ التَّنَازُعِ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى إذْ يَقُولُ : { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } فَفَعَلْنَا - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى قَدْ وَقَّتَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوَاقِيتَ وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا يَحِلُّ تَعَدِّيهَا { وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ } وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ } فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَحِّحَ عَمَلًا عُمِلَ عَلَى خِلَافِ أَمْرِ 58 رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَنْ يُشَرِّعَ وُجُوبَ دَمٍ لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا } فَيُبِيحُ مِنْ مَالِهِ الْمُحْرِمُ مَا لَمْ يَأْتِ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ بِإِبَاحَتِهِ ، وَمَا نَعْلَمُ لِمَنْ أَوْجَبَ الدَّمَ وَأَجَازَ الْإِحْرَامَ حُجَّةً أَصْلًا .
فَإِنَّ قَالُوا : إنَّ أَشْيَاءَ جَاءَ النَّصُّ فِيهَا بِوُجُوبِ دَمٍ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ ، فَلَا يَجُوزُ تَعَدِّيهَا وَلَيْسَ مِنْكُمْ أَحَدٌ إلَّا وَقَدْ أَوْجَبَ الدَّمَ حَيْثُ لَمْ يُوجِبْهُ صَاحِبُهُ ; وَهَذَا تَحَكُّمٌ لَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
وَمِنْهُ مَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْوَقْتِ فَإِنَّ قَوْمًا اسْتَحَبُّوهُ ، وَقَوْمًا كَرِهُوهُ وَأَلْزَمُوهُ إذَا وَقَعَ .
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُذَيْنَةَ بْنِ مَسْلَمَةَ الْعَبْدِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْت لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : إنِّي رَكِبْت السُّفُنَ ، وَالْخَيْلَ ، وَالْإِبِلَ فَمِنْ أَيْنَ أُحْرِمُ ، فَقَالَ : ائْتِ عَلِيًّا فَاسْأَلْهُ ؟ فَسَأَلَ عَلِيًّا ؟ فَقَالَ لَهُ : مِنْ حَيْثُ أَبْدَأْت أَنْ تُنْشِئَهَا مِنْ بِلَادِك ، فَرَجَعَ إلَى عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : هُوَ كَمَا قَالَ لَك عَلِيٌّ .
وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } فَقَالَ : أَنْ تُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِك .
وَبِهِ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلُهُ .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيِّ عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَلَّامٍ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ : الْعُمْرَةُ تَامَّةٌ مِنْ أَهْلِك .
وَمِنْ طَرِيقِ الْحِمَّانِيُّ عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ تَمَامِ الْحَجِّ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ .
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ أَحْرَمَ مِنْ المنجشانية بِقُرْبِ الْبَصْرَةِ .
وَعَنْ الْحَسَنِ : أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ الْحُصَيْنِ أَحْرَمَ مِنْ الْبَصْرَةِ . 59 وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ .
وَعَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمَّ أَنَّ أَبَا مَسْعُودٍ أَحْرَمَ مِنْ السَّيْلَحِينِ . وَعَنْ رَجُلٍ : أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَحْرَمَ مِنْ الشَّامِ فِي بَرْدٍ شَدِيدٍ - وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ أَنَسٍ إلَى مَكَّةَ ، فَأَحْرَمَ مِنْ الْعَقِيقِ .
وَعَنْ مُعَاذٍ : أَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ الشَّامِ - وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْحُذَافِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَنَا يُوسُفُ بْنُ مَاهَكَ : أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي عَمَّارٍ أَنَّهُ كَانَ مَعَ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، وَكَعْبِ الْخَيْرِ : فَأَحْرَمَا مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِعُمْرَةٍ وَأَحْرَمَ مَعَهُمَا - وَبِهِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ نَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ .
وَعَنْ إبْرَاهِيمَ : كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَوَّلَ مَا يَحُجُّ الرَّجُلُ أَوْ يَعْتَمِرُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَرْضِهِ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ الْكُوفَةِ . وَعَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ ضَرِيَّةَ .
وَعَنْ الْأَسْوَدِ ، وَأَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ : أَنَّهُمْ أَحْرَمُوا مِنْ الْكُوفَةِ - وَعَنْ طَاوُسٍ ، وَعَطَاءٍ نَحْوُ هَذَا .
وَاحْتَجَّ مَنْ رَأَى هَذَا بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ نَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يُحَنَّسَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الْأَخْنَسِيِّ عَنْ جَدَّته حَكِيمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا سَمِعَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَقُولُ : { مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ ، أَوْ عُمْرَةٍ مِنْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ أَوْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ } شَكَّ عَبْدُ اللَّهِ أَيُّهُمَا قَالَ ؟ 60 وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ سُحَيْمٍ عَنْ أُمِّ حَكِيمِ بِنْتِ أُمَيَّةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ غُفِرَ لَهُ } .
قَالَ عَلِيٌّ : أَمَّا هَذَانِ الْأَثَرَانِ فَلَا يَشْتَغِلُ بِهِمَا مَنْ لَهُ أَدْنَى عِلْمٍ بِالْحَدِيثِ لِأَنَّ يَحْيَى بْنَ أَبِي سُفْيَانَ الْأَخْنَسِيَّ ، وَجَدَّتَهُ حَكِيمَةَ ، وَأُمَّ حَكِيمِ بِنْتِ أُمَيَّةَ لَا يُدْرَى مَنْ هُمْ مِنْ النَّاسِ ؟ وَلَا يَجُوزُ مُخَالَفَةُ مَا صَحَّ بِيَقِينٍ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمَجْهُولَاتِ الَّتِي لَمْ تَصِحَّ قَطُّ ، وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ عَلِيًّا ، وَأَبَا مُوسَى : أَحْرَمَا مِنْ الْيَمَنِ فَلَمْ يُنْكِرْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا .
قَالَ : وَكَذَلِكَ كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَلَا نَدْرِي أَيْنَ وَجَدَ هَذَا عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ؟ وَأَمَّا عَلِيٌّ ، وَأَبُو مُوسَى ، فَإِنَّهُمَا قَدِمَا مِنْ الْيَمَنِ مُهِلَّيْنِ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَّمَهُمَا عَلَيْهِ السَّلَامُ كَيْفَ يَعْمَلَانِ ؟ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ أَلْبَتَّةَ ذِكْرٌ لِلْمَكَانِ الَّذِي أَحْرَمَا مِنْهُ ، وَلَا فِيهِ دَلِيلٌ وَلَا نَصٌّ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ تَوْقِيتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمَوَاقِيتَ ، فَإِذْ لَيْسَ ذَلِكَ فِيهِ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ بِهِ أَصْلًا ، وَلَا نُخَالِفُهُمْ فِي أَنَّ قَبْلَ تَوْقِيتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمَوَاقِيتَ كَانَ الْإِحْرَامُ جَائِزًا مِنْ كُلِّ مَكَان .
وَأَمَّا مَنْ قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ( ) فَأَمَّا خَبَرُ ابْنِ أُذَيْنَةَ فَإِنَّنَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ قَالَ : نَا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ هُوَ ابْنُ عُتَيْبَةَ - عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ عَنْ ابْنِ أُذَيْنَةَ قَالَ : أَتَيْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِمَكَّةَ فَقُلْت لَهُ : إنِّي رَكِبْت الْإِبِلَ ، وَالْخَيْلَ حَتَّى أَتَيْتُك فَمِنْ أَيْنَ أَعْتَمِرُ ؟ قَالَ : ائْتِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَسَلْهُ ، فَأَتَيْته فَسَأَلْته ، فَقَالَ لِي عَلِيٌّ : مِنْ حَيْثُ أَبْدَأْت - يَعْنِي مِنْ مِيقَاتِ أَرْضِهِ - قَالَ : فَأَتَيْت عُمَرَ فَذَكَرْت لَهُ ذَلِكَ ، فَقَالَ : مَا أَجِدُ لَك إلَّا مَا قَالَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَكَذَا فِي الْحَدِيثِ نَفْسِهِ يَعْنِي مِنْ مِيقَاتِ أَرْضِهِ ، فَعَادَ حُجَّةً لَنَا 61 عَلَيْهِمْ لَوْ صَحَّ مِنْ أَصْلِهِ - وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ : أَحْرَمَ عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ مِنْ الْبَصْرَةِ فَعَابَ ذَلِكَ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَقَالَ : أَرَدْت أَنْ يَقُولَ النَّاسُ : أَحْرَمَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مِصْرٍ مِنْ الْأَمْصَارِ . قَالَ عَلِيٌّ : وَعُمَرُ لَا يَعِيبُ مُسْتَحَبًّا فِيهِ أَجْرٌ وَقُرْبَةٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ; نَعَمْ ، وَلَا مُبَاحًا ; وَإِنَّمَا يَعِيبُ مَا لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ ; هَذَا مِمَّا لَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِهِ غَيْرُ هَذَا أَصْلًا .
وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ : أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ الْحُصَيْنِ أَحْرَمَ مِنْ الْبَصْرَةِ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَغَضِبَ وَقَالَ : يَتَسَامَعُ النَّاسُ : أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْرَمَ مِنْ مِصْرِهِ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : عُمَرُ لَا يُمْكِنُ أَلْبَتَّةَ أَنْ يَغْضَبَ مِنْ عَمَلٍ مُبَاحٍ عِنْدَهُ - وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ : أَحْرَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ مِنْ حَيْرَبٍ فَقَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَلَامَهُ فَقَالَ لَهُ : غَرَرْت وَهَانَ عَلَيْك نُسُكُك .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَعُثْمَانُ لَا يَعِيبُ عَمَلًا صَالِحًا عِنْدَهُ وَلَا مُبَاحًا وَإِنَّمَا يَعِيبُ مَا لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ لَا سِيَّمَا وَقَدْ بَيَّنَ أَنَّهُ هَوَانٌ بِالنُّسُكِ وَالْهَوَانُ بِالنُّسُكِ لَا يَحِلُّ ، وَقَدْ أَمَرَ تَعَالَى بِتَعْظِيمِ شَعَائِرِ الْحَجِّ .
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ : نَا عُمَارَةُ بْنُ زَاذَانَ قَالَ : قُلْت لِابْنِ عُمَرَ : الرَّجُلُ يُحْرِمُ مِنْ سَمَرْقَنْدَ ، أَوْ مِنْ الْوَقْتِ الَّذِي وُقِّتَ لَهُ ، أَوْ مِنْ الْبَصْرَةِ ، أَوْ مِنْ الْكُوفَةِ ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : قَدْ شَقِينَا إذًا .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : لَا يَحْتَمِلُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ إلَّا أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْإِحْرَامُ مِنْ غَيْرِ الْوَقْتِ مُبَاحًا لَشَقِيَ الْمُحْرِمُونَ مِنْ الْوَقْتِ .
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نَا شُعْبَةُ عَنْ مُسْلِمٍ الْقَرِّيِّ قَالَ : سَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ بِمَكَّةَ مِنْ أَيْنَ أَعْتَمِرُ ؟ قَالَ : مِنْ وَجْهِك الَّذِي جِئْت مِنْهُ ، يَعْنِي مِيقَاتَ أَرْضِهِ . 62 قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَكَذَا فِي الْحَدِيثِ نَصًّا - يَعْنِي مِيقَاتَ أَرْضِهِ .
قَالَ عَلِيٌّ : فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ; وَأَمَّا سَائِرُ الرِّوَايَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَا عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا : أَنَّهُمْ مَرُّوا عَلَى الْمِيقَاتِ ; وَإِذْ لَيْسَ هَذَا فِيهَا فَكَذَلِكَ نَقُولُ : إنَّ مَنْ لَمْ يَمُرَّ عَلَى الْمِيقَاتِ فَلْيُحْرِمْ مِنْ حَيْثُ شَاءَ ، وَبِهَذَا تَتَّفِقُ الْأَخْبَارُ عَنْهُمْ مَعَ مَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتْرَكَ مَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لِظُنُونٍ كَاذِبَةٍ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّةِ تَأْوِيلِهِمْ فِيهَا ، وَهِيَ خَارِجَةٌ أَحْسَنَ خُرُوجٍ عَلَى مُوَافَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي لَا يَحِلُّ أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ غَيْرُهَا .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَمَنْ أَتَى إلَى مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ قَوْلِهِ : إنَّ الْقُبْلَةَ تُفْطِرُ الصَّائِمَ ، فَقَالَ : لَعَلَّهُ أَرَادَ إذَا كَانَ مَعَهَا مَنِيٌّ .
وَإِلَى خَبَرِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : أَنَّهَا كَانَتْ لَا تَدْخُلُ عَلَيْهَا مَنْ أَرْضَعَهُ نِسَاءُ إخْوَتِهَا ، فَقَالَ : لَا نَدْرِي لِمَاذَا وَلَعَلَّهُ لِأَمْرٍ مَا ، وَلَيْسَ لِأَنَّهَا كَانَتْ لَا تَرَى ذَلِكَ الرَّضَاعَ مُحَرِّمًا - : فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْنَا حَمْلَ مَا رُوِيَ عَنْهُمْ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَظَاهِرِهِ ; بَلْ الْمَلَامَةُ كُلُّهَا عَلَى مَنْ أَقْحَمَ فِي هَذِهِ الْآثَارِ مَا لَيْسَ فِيهَا مِنْ أَنَّهُمْ جَازُوا عَلَى الْمَوَاقِيتِ ; بَلْ قَدْ كَذَبَ مَنْ قَالَ هَذَا بِلَا شَكٍّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : أَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ، وَسُفْيَانُ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ فَاسْتَحَبُّوا تَعْجِيلَ الْإِحْرَامِ قَبْلَ الْمِيقَاتِ ; وَأَمَّا مَالِكٌ فَكَرِهَهُ وَأَلْزَمَهُ إذَا وَقَعَ .
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَكَرِهَهُ ; وَأَمَّا أَبُو سُلَيْمَانَ فَلَمْ يُجِزْهُ - وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا .
فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ تَرَكَ الْقِيَاسَ ; إذْ أَجَازَ الْإِحْرَامَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ وَلَمْ يُجِزْ صَلَاةَ مَنْ صَلَّى وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ نَهْرٌ وَلَا فَرَّقَ بَيْنَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْإِحْرَامِ وَبَيْنَ الْإِحْرَامِ بِالصَّلَاةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الصَّلَاةِ .
وَأَمَّا الْمَالِكِيُّونَ فَإِنْ حَمَلُوا هَذِهِ الْآثَارَ عَلَى مَا حَمَلَهَا عَلَيْهِ الْحَنَفِيُّونَ فَقَدْ أَعْظَمُوا الْقَوْلَ عَلَى أُصُولِهِمْ إذْ كَرِهُوا مَا اسْتَحَبَّهُ الصَّحَابَةُ ; وَإِنْ حَمَلُوهَا عَلَى مَا حَمَلْنَاهَا نَحْنُ 63 عَلَيْهِ فَكَيْفَ يُجِيزُونَ خِلَافَ مَا حَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ وَهَذَا مَا لَا مُخَلِّصَ مِنْهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث