المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الخامس
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : مَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ شَيْءٌ وَإِنْ قَلَّ فَأَهَلَّ هِلَالُ شَوَّالٍ ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ أَوْ رَجَعَ إلَى أُفُقٍ دُونَ أُفُقِهِ فِي الْبُعْدِ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ ، فَإِنْ أَتَمَّ عُمْرَتَهُ فِي رَمَضَانَ فَلَيْسَ مُتَمَتِّعًا - وَكَذَلِكَ الَّذِي يَعْتَمِرُ فِي شَهْرٍ مِنْ شُهُورِ الْحَجِّ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى أُفُقِهِ أَوْ أُفُقٍ مِثْلِ أُفُقِهِ فِي الْبُعْدِ فَلَيْسَ مُتَمَتِّعًا ، وَإِنْ حَجَّ مِنْ عَامِهِ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : مَنْ اعْتَمَرَ أَكْثَرَ عُمْرَتِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ، ثُمَّ أَقَامَ أَوْ خَرَجَ إلَى مَا دُونَ مِيقَاتٍ مِنْ الْمَوَاقِيتِ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ إذَا حَجَّ مِنْ عَامِهِ ; فَإِنْ خَرَجَ إلَى مِيقَاتٍ مِنْ الْمَوَاقِيتِ أَوْ اعْتَمَرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَلَيْسَ مُتَمَتِّعًا - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - : قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : أَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي تَقْسِيمِهِ بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْوَاطِ وَالْأَقَلِّ فِيمَا يَكُونُ بِهِ مُتَمَتِّعًا ، فَقَوْلٌ لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ لَا مِنْ قُرْآنٍ ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ 166 صَحِيحَةٍ ، وَلَا رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ ، وَلَا تَابِعٍ ; وَلَا قِيَاسٍ .
وَاحْتَجَّ لَهُ بَعْضُ مُقَلِّدِيهِ بِأَنَّهُ عَوَّلَ عَلَى قَوْلِ عَطَاءٍ فِي الْمَرْأَةِ تَحِيضُ بَعْدَ أَنْ طَافَتْ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ - : قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ غَيْرُ الْمُتْعَةِ ، وَقَوْلُ عَطَاءٍ أَيْضًا فِيهَا خَطَأٌ ; لِأَنَّهُ خِلَافُ { أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْحَائِضَ أَنْ لَا تَطُوفَ بِالْبَيْتِ } وَلِأَنَّهُ تَقْسِيمٌ بِلَا دَلِيلٍ أَصْلًا وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ : إنَّ الْمُعْتَمِرَ - الَّذِي مَعَهُ الْهَدْيُ - الْمُرِيدَ الْحَجَّ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْ حَجِّهِ فَإِنَّهُ بَنَى عَلَى الْآثَارِ الْوَارِدَةِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَمْرِهِ مَنْ مَعَهُ الْهَدْيُ بِالْبَقَاءِ عَلَى إحْرَامِهِ ، وَمَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ بِالْإِحْلَالِ ; وَالِاحْتِجَاجُ بِهَذِهِ الْآثَارِ لِقَوْلٍ أَبِي حَنِيفَةَ جَهْلٌ مُظْلِمٌ وَقَوْلٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، أَوْ تَعَمُّدٌ - مِمَّنْ يَعْلَمُ الْكَذِبَ - عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكِلَاهُمَا بَلِيَّةٌ ; لِأَنَّ جَمِيعَ تِلْكَ الْآثَارِ إنَّمَا وَرَدَتْ بِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَ مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ مِنْ الْمُفْرِدِينَ لِلْحَجِّ وَالْقَارِنِينَ بِالْإِحْلَالِ ، وَأَمَرَ مَنْ مَعَهُ الْهَدْيُ بِأَنْ يَقْرِنَ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ ; وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَ مُعْتَمِرًا لَمْ يُقْرِنْ بِالْبَقَاءِ عَلَى إحْرَامِهِ ; وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي ذِكْرِنَا عَمَلَ الْحَجِّ مِنْ دِيوَانِنَا هَذَا .
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي تَفْرِيقِهِ بَيْنَ بَقَاءِ شَيْءٍ مِنْ السَّعْيِ لِعُمْرَتِهِ حَتَّى يَهُلَّ هِلَالُ شَوَّالٍ فَلَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ ، وَلَا لَهُ أَيْضًا مُتَعَلَّقٌ فِي ذَلِكَ لَا بِقُرْآنٍ ، وَلَا بِسُنَّةٍ ، وَلَا بِرِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ ، وَلَا سَقِيمَةٍ ، وَلَا بِقَوْلِ صَاحِبٍ ، وَلَا تَابِعٍ وَلَا قِيَاسٍ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا : لَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ أَصْلًا ، وَإِنَّمَا هِيَ آرَاءٌ مَحْضَةٌ فَوَجَبَ النَّظَرُ فِي سَائِرِ الْأَقْوَالِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ - : أَحَدُهَا : مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ ، وَالثَّانِي : مَنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى حَجَّ أَوْ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ أَوْ أَبْعَدَ مِنْ بَلَدِهِ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ; وَالثَّالِثُ : مَنْ اعْتَمَرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثُمَّ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ; وَالرَّابِعُ : هَلْ الْمُتَمَتِّعُ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ كَمَا قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَمْ لَيْسَ هَذَا مُتَمَتِّعًا ؟ - : فَنَظَرْنَا فِي قَوْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ هَذَا فَوَجَدْنَا غَيْرَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ] قَدْ خَالَفُوهُ ; وَوَجَدْنَاهُ قَوْلًا بِلَا دَلِيلٍ ; بَلْ الدَّلِيلُ قَائِمٌ عَلَى خَطَئِهِ ; لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - سَمَّى مَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إدْرَاكِ الْحَجِّ حَتَّى فَاتَ وَقْتُهُ : مُحْصَرًا ، وَلَمْ يُسَمِّهِ : مُتَمَتِّعًا - وَفَرَّقَ بَيْنَ حُكْمِهِ 167 وَبَيْنَ حُكْمِ الْمُتَمَتِّعِ ، قَالَ - تَعَالَى - : { فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ } وَقَالَ - تَعَالَى - : { فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } فَفَرَّقَ - تَعَالَى - بَيْنَ اسْمَيْهِمَا وَبَيْنَ حُكْمَيْهِمَا ; فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ : هُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ .
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ طَاوُسٍ : إنَّ مَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ ، وَإِنْ لَمْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ ، فَوَجَدْنَاهُ خَطَأً ; لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَقُولُ : { فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ } فَصَحَّ بِنَصِّ الْقُرْآنِ أَنَّهُ لَيْسَ مُتَمَتِّعًا إلَّا مَنْ حَجَّ بَعْدَ عُمْرَتِهِ لِوُجُوبِ الصِّيَامِ عَلَيْهِ فِي الْحَجِّ إنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا .
ثُمَّ نَظَرْنَا فِيمَنْ اعْتَمَرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ ، أَوْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ، أَوْ اعْتَمَرَ بَعْضَ عُمْرَتِهِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَقَلَّهَا أَوْ أَكْثَرَهَا ، وَبَعْضَهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَقَلَّهَا أَوْ أَكْثَرَهَا ، وَفِيمَنْ أَقَامَ مِنْ هَؤُلَاءِ بِمَكَّةَ حَتَّى حَجَّ مِنْ عَامِهِ أَوْ لَمْ يُقِمْ لَكِنْ خَرَجَ إلَى مَسَافَةٍ تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ أَوْ لَا تُقْصَرُ ، أَوْ إلَى مِيقَاتٍ أَوْ وَرَاءَ مِيقَاتٍ إلَى بَلَدِهِ أَوْ مِثْلِ بَلَدِهِ أَوْ أَبْعَدَ مِنْ بَلَدِهِ ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَكَانَ كُلُّ هَؤُلَاءِ مُمْكِنًا فِي اللُّغَةِ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ : مُتَمَتِّعٌ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ ، وَمُمْكِنًا أَنْ لَا يَقَعَ عَلَيْهِ أَيْضًا اسْمُ : مُتَمَتِّعٌ - فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُوقِعَ عَلَى أَحَدٍ إيجَابُ غَرَامَةِ هَدْيٍ أَوْ إيجَابُ صَوْمٍ بِالظَّنِّ إلَّا بِبَيَانٍ جَلِيٍّ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَلْزَمَهُ ذَلِكَ ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى بَيَانِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ - : فَوَجَدْنَا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ نَا اللَّيْثُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ { تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ ، وَأَهْدَى وَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ ، فَكَانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى ، فَسَاقَ الْهَدْيَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ : مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حُرِمَ مِنْهُ 168 حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَيَقْصُرْ وَيَحِلَّ ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ } وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ ; فَكَانَ فِي هَذَا الْخَبَرِ بَيَانُ مَنْ هُوَ الْمُتَمَتِّعُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ أَوْ الصَّوْمُ الْمَذْكُورُ ؟ وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا أَمَرَ بِهَذَا أَصْحَابَهُ الْمُتَمَتِّعِينَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ ، وَهُمْ قَوْمٌ ابْتَدَءُوا الْإِحْرَامَ لِعُمْرَتِهِمْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَجُّوا فِي تِلْكَ الْأَشْهُرِ - فَخَرَجَ بِهَذَا الْخَبَرِ الثَّابِتِ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُتَمَتِّعًا بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ كُلُّ مَنْ عَمِلَ شَيْئًا مِنْ عُمْرَتِهِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ كُلِّهَا أَوْ أَكْثَرِهَا أَوْ أَقَلِّهَا ; لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يُخَاطِبْ بِهَذَا الْحُكْمِ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الصِّفَاتِ بِلَا شَكٍّ وَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ فِي أَمْرِ هَؤُلَاءِ بِيَقِينٍ .
وَأَيْضًا فَيُقَالُ لِمَنْ قَالَ : إنْ عَمِلَ الْأَكْثَرَ مِنْ عُمْرَتِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ : مِنْ أَيْنَ لَك هَذَا ؟ دُونَ أَنْ يَقُولَ : إنَّ مَنْ عَمِلَ مِنْهَا شَيْئًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ ; وَلَا سَبِيلَ إلَى دَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ ؟ وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا : مِنْ أَيْنَ لَكَ أَنَّ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ مِنْ طَوَافِ الْعُمْرَةِ هُوَ الْأَكْثَرُ ؟ بَلْ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَقَلِّ ; لِأَنَّ الْعُمْرَةَ عِنْدَك وَعِنْدَنَا إحْرَامُ مُدَّةٍ ثُمَّ سَبْعَةِ أَشْوَاطٍ ، ثُمَّ سَبْعَةِ أَطَوَافً بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ; فَالْبَاقِي بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْوَاطِ قَدْ يَكُونُ أَكْثَرَ مِمَّا مَضَى لَهُ مِنْ عَمَلِ الْعُمْرَةِ .
وَيُقَالُ لِمَنْ قَالَ : إنْ عَمِلَ مِنْ عُمْرَتِهِ شَيْئًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ : مِنْ أَيْنَ قُلْتَ هَذَا ؟ دُونَ أَنْ تَقُولَ : إنْ عَمِلَ الْأَكْثَرَ مِنْهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ ; وَلَا سَبِيلَ إلَى دَلِيلٍ أَصْلًا ; وَكِلْتَا الدَّعْوَتَيْنِ تُعَارِضُ الْأُخْرَى ، وَكِلْتَاهُمَا لَا شَيْءَ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ .
وَبَقِيَ أَمْرُ مَنْ خَرَجَ بَعْدَ اعْتِمَارِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ إلَى بَلَدِهِ أَوْ إلَى بَلَدٍ فِي الْبُعْدِ مِثْلِ بَلَدِهِ ، أَوْ إلَى وَرَاءِ مِيقَاتٍ مِنْ الْمَوَاقِيتِ ، أَوْ إلَى مِيقَاتٍ مِنْ الْمَوَاقِيتِ ، أَوْ إلَى مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ - : فَوَجَدْنَا هَذَا الْخَبَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُبَيِّنِ عَنْ اللَّهِ - تَعَالَى - مُرَادَهُ لَمْ يَشْتَرِطْ فِيهِ عَلَى مَنْ خَاطَبَهُ بِذَلِكَ الْحُكْمِ إقَامَةً بِمَكَّةَ وَتَرْكَ خُرُوجٍ مِنْهَا أَصْلًا { وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إنْ هُوَ إلَّا وَحْيٌ يُوحَى } { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا } وَلَوْ كَانَ هَذَا 169 مِنْ شَرْطِ التَّمَتُّعِ لَمَا أَغْفَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَانَهُ حَتَّى نَحْتَاجَ فِي ذَلِكَ إلَى بَيَانٍ بِرَأْيٍ فَاسِدٍ ، وَظَنٍّ كَاذِبٍ ، وَتَدَافُعٍ مِنْ الْأَقْوَالِ بِلَا بُرْهَانٍ .
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْخَبَرِ الثَّابِتِ : { وَيَحِلَّ ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ } بَيَانٌ بِإِبَاحَةِ الْمُهْلَةِ بَيْنَ الْإِحْلَالِ وَالْإِهْلَالِ ; وَلَا مَانِعَ لِمَنْ عَرَضَتْ لَهُ مِنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ حَاجَةٌ مِنْ الْخُرُوجِ عَنْ مَكَّةَ لَهَا - فَبَطَلَ أَنْ تَكُونَ الْإِقَامَةُ بِمَكَّةَ حَتَّى يَحُجَّ مِنْ شُرُوطِ التَّمَتُّعِ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ .
وَصَحَّ أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ بِنَصِّ الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ هُوَ مَنْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ فِي تِلْكَ الْأَشْهُرِ فَقَطْ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ .
ثُمَّ يُقَالُ لِمَنْ قَالَ : إنْ خَرَجَ إلَى بَلَدِهِ سَقَطَ عَنْهُ الْهَدْيُ وَالصَّوْمُ اللَّذَانِ افْتَرَضَ اللَّهُ - تَعَالَى - أَحَدَهُمَا عَلَى الْمُتَمَتِّعِ : مِنْ أَيْنَ لَك هَذَا ؟ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ قَالَ : إنْ خَرَجَ إلَى بَلَدٍ مِثْلِ بَلَدِهِ فِي الْبُعْدِ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ ؟ وَهَكَذَا يُقَالُ أَيْضًا لِمَنْ قَالَ : إنْ خَرَجَ إلَى بَلَدٍ فِي الْبُعْدِ مِثْلِ بَلَدِهِ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ مِنْ أَيْنَ قُلْتَ هَذَا ؟ وَهَلَّا خَصَّصَتْ بِسُقُوطِ التَّمَتُّعِ مَنْ خَرَجَ إلَى بَلَدِهِ فَقَطْ ; وَيُقَالُ لَهُمَا جَمِيعًا : هَلَّا قُلْتُمَا مَنْ خَرَجَ إلَى وَرَاءِ مِيقَاتٍ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ ؟ - : قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : لَا مَخْلَصَ لَهُمْ مِنْ هَذَا السُّؤَالِ أَصْلًا إلَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلُهُمْ : كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِالْحَجِّ مِنْ بَلَدِهِ أَوْ مِنْ مِيقَاتٍ مِنْ الْمَوَاقِيتِ ؟ فَنَقُولُ لِمَنْ قَالَ هَذَا : قُلْت الْبَاطِلَ ، وَمَا أَوْجَبَ اللَّهُ - تَعَالَى - قَطُّ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَنْ يَأْتِيَ بِالْحَجِّ مِنْ بَلَدِهِ وَلَا مِنْ مِثْلِ بَلَدِهِ فِي الْبُعْدِ وَلَا مِنْ مِيقَاتٍ وَلَا بُدَّ ; بَلْ أَنْتُمْ مُجْمِعُونَ مَعَنَا عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ فِي أَوَّلِ أَوْقَاتِ الِاسْتِطَاعَةِ لِلْحَجِّ لَوْ خَرَجَ تَاجِرًا أَوْ مُسَافِرًا لِبَعْضِ الْأَمْرِ قَبْلَ مِقْدَارٍ مَا إنْ أَرَادَ الْحَجَّ كَانَتْ لَهُ مُهْلَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَقْتِ الَّذِي إذَا أَهَلَّ [ فِيهِ ] أَدْرَكَ الْحَجَّ عَلَى سَعَةٍ وَمَهْلٍ ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ إلَى مَكَّةَ حِينَئِذٍ أَصْلًا ، وَأَنَّهُ إنْ قَرُبَ مِنْ مَكَّةَ لِحَاجَتِهِ فَقَرُبَ وَقْتُ الْحَجِّ وَهُوَ بِمُسْتَطِيعٍ لَهُ فَحَجَّ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ أَنَّهُ قَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ بِأَتَمِّ مَا يَلْزَمُهُ ، وَأَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَأْتِ لِلْحَجِّ مِنْ بَلَدِهِ أَصْلًا .
وَكَذَلِكَ لَا خِلَافَ فِيمَنْ جَازَ عَلَى مِيقَاتٍ لَا يُرِيدُ حَجًّا ، وَلَا عُمْرَةً ، وَلَا دُخُولَ مَكَّةَ لَكِنْ لِحَاجَةٍ لَهُ فِي رِهَاطٍ أَوْ فِي بُسْتَانِ ابْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِهْلَالُ مِنْ هُنَالِكَ ، وَأَنَّهُ إنْ 170 بَدَا لَهُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، وَقَدْ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ فَإِنَّهُ يُهِلُّ مِنْ مَكَانِهِ ذَلِكَ ، وَحَجُّهُ تَامٌّ وَعُمْرَتُهُ تَامَّةٌ ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُقَصِّرٍ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَلْزَمُهُ .
فَصَحَّ أَنَّ الْقَصْدَ لِلْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ مِنْ بَلَدِ الْإِنْسَانِ ، أَوْ مِنْ مِثْلِ بَلَدِهِ فِي الْبُعْدِ ، أَوْ مِنْ الْمِيقَاتِ لِمَنْ لَمْ يَمُرَّ بِهِ ، وَهُوَ يُرِيدُ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مِنْ شُرُوطِ الْحَجِّ ، وَلَا الْعُمْرَةِ - فَبَطَلَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ الْفَاسِدَةُ جِدًّا ، وَكَانَ تَعَارُضُهَا وَتَوَافُقُهَا بُرْهَانًا فِي فَسَادِ جَمِيعِهَا ، فَإِنْ قَالَ مَنْ قَالَ : إنَّهُ إنْ خَرَجَ إلَى الْمِيقَاتِ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ ; لِأَنَّ أَهْلَ الْمَوَاقِيتِ لَيْسَ لَهُمْ التَّمَتُّعُ ؟ قُلْنَا لَهُ : قَدْ قُلْتَ الْبَاطِلَ ، وَاحْتَجَجْت لِلْخَطَأِ بِالْخَطَأِ ، وَلِدَعْوَى كَاذِبَةٍ ، وَكَفَى بِهَذَا مَقْتًا .
فَإِنْ قَالَ : إنَّ أَهْلَ الْمَوَاقِيتِ فَمَا دُونَهَا إلَى مَكَّةَ لَا هَدْيَ عَلَيْهِمْ وَلَا صَوْمَ فِي التَّمَتُّعِ ؟ قُلْنَا : قُلْت الْبَاطِلَ وَادَّعَيْت مَا لَا يَصِحُّ ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَك لَكَانَ حُجَّةً عَلَيْك ; لِأَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ لَا هَدْيَ عَلَيْهِمْ ، وَلَا صَوْمَ فِي التَّمَتُّعِ وَلَمْ يَكُنْ الْمُقِيمُ بِهَا حَتَّى يَحُجَّ كَذَلِكَ ، بَلْ الْهَدْيُ عَلَيْهِ ، أَوْ الصَّوْمُ ; فَهَلَّا إذْ كَانَ عِنْدَك مَنْ خَرَجَ إلَى مِيقَاتٍ فَمَا دُونَهُ إلَى مَكَّةَ يَصِيرُ فِي حُكْمِ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فِي سُقُوطِ الْهَدْيِ وَالصَّوْمِ عَلَيْهِ ، جَعَلْت أَيْضًا الْمُقِيمَ بِمَكَّةَ حَتَّى يَحُجَّ فِي حُكْمِ أَهْلِ مَكَّةَ فِي سُقُوطِ الْهَدْيِ وَالصَّوْمِ عَنْهُمَا - فَظَهَرَ تَنَاقُضُ هَذَا الْقَوْلِ الْفَاسِدِ أَيْضًا .
ثُمَّ يُقَالُ لِمَنْ قَالَ : إنْ خَرَجَ إلَى مَكَان تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ ، سَقَطَ عَنْهُ الْهَدْيُ وَالصَّوْمُ : مِنْ أَيْنَ قُلْت هَذَا ؟ وَلَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ أَصْلًا .
فَإِنْ قَالَ : لِأَنَّهُ قَدْ سَافَرَ إلَى الْحَجِّ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ فَكَانَ مَاذَا ؟ وَمَا الَّذِي جَعَلَ سَفَرَهُ مُسْقِطًا لِلْهَدْيِ ، وَالصَّوْمِ اللَّذَيْنِ أَوْجَبَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَيْهِ ؟ هَاتُوا شَيْئًا غَيْرَ هَذِهِ الدَّعْوَى وَلَا سَبِيلَ إلَى ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَمِنْ هَذَا الْخَبَرِ الَّذِي ذَكَرْنَا غَلِطَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ فِي إيجَابِهِمْ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ الَّذِي سَاقَ الْهَدْيَ : أَنْ يَبْقَى عَلَى إحْرَامِهِ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ - : قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ; لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَاوِي الْخَبَرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَإِنْ 171 كَانَ قَالَ فِي أَوَّلِهِ : تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي الْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَإِنَّهُ بَيَّنَ إثْرَ هَذَا الْكَلَامِ صِفَةَ { عَمَلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَدَأَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ } فَذَكَرَ صِفَةَ الْقِرَانِ .
وَهَكَذَا صَحَّ فِي سَائِرِ الْأَخْبَارِ مِنْ رِوَايَةِ الْبَرَاءِ ، وَعَائِشَةَ ، وَحَفْصَةَ أُمَّيْ الْمُؤْمِنِينَ ، وَأَنَسٍ ، وَغَيْرِهِمْ : أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ قَارِنًا .
فَصَحَّ أَنَّ الَّذِينَ أَمَرَهُمْ عَلَيْهِ السَّلَامُ إذْ أَهْدَوْا بِأَنْ لَا يَحِلُّوا إنَّمَا كَانُوا قَارِنِينَ - وَهَكَذَا رَوَتْ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَ مَنْ مَعَهُ الْهَدْيُ بِأَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ مَعَ عُمْرَتِهِ } فَعَادَ احْتِجَاجُهُمْ عَلَيْهِمْ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : قَدْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ مَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَابْتَدَأَ عُمْرَتَهُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ; ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ إلَى أَنْ حَجَّ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهَا أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ عَلَيْهِ الْهَدْيُ ، أَوْ الصَّوْمُ - وَاخْتَلَفُوا فِيهِ إذَا أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ ، وَإِذَا خَرَجَ بَيْنَ عُمْرَتِهِ ، وَحَجِّهِ مِنْ مَكَّةَ أَمُتَمَتِّعٌ [ هُوَ ] أَمْ لَا ؟ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ الْهَدْيُ أَوْ الصَّوْمُ إلَّا مَنْ أَجْمَعَ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ حُكْمُ الْمُتَمَتِّعِ ؟ قُلْنَا : هَذَا خَطَأٌ ، وَمَا أَجْمَعَ النَّاسُ قَطُّ عَلَى مَا قُلْتُمْ ; وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ هُوَ الْمُحْصَرُ لَا مَنْ حَجَّ بَعْدَ أَنْ اعْتَمَرَ ، وَلَا مَعْنَى لِمُرَاعَاةِ الْإِجْمَاعِ مَعَ وُرُودِ بَيَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّ فِي الْقَوْلِ بِهَذَا إيجَابَ مُخَالَفَةِ أَوَامِرِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا لَمْ يُجْمِعْ النَّاسُ عَلَيْهَا ; وَهَذَا عَيْنُ الْبَاطِلِ بَلْ إذَا تَنَازَعَ النَّاسُ رَدَدْنَا ذَلِكَ إلَى مَا افْتَرَضَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَيْنَا الرَّدَّ إلَيْهِ مِنْ الْقُرْآنِ ، وَالسُّنَّةِ لَا نُرَاعِي مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مَعَ وُجُودِ بَيَانِ السُّنَّةِ فِي أَحَدِ أَقْوَالِ الْمُتَنَازِعِينَ وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : مَنْ اعْتَمَرَ أَكْثَرَ عُمْرَتِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ، ثُمَّ أَقَامَ أَوْ خَرَجَ إلَى مَا دُونَ مِيقَاتٍ مِنْ الْمَوَاقِيتِ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ إذَا حَجَّ مِنْ عَامِهِ ; فَإِنْ خَرَجَ إلَى مِيقَاتٍ مِنْ الْمَوَاقِيتِ أَوْ اعْتَمَرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَلَيْسَ مُتَمَتِّعًا - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - : قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : أَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي تَقْسِيمِهِ بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْوَاطِ وَالْأَقَلِّ فِيمَا يَكُونُ بِهِ مُتَمَتِّعًا ، فَقَوْلٌ لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ لَا مِنْ قُرْآنٍ ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ 166 صَحِيحَةٍ ، وَلَا رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ ، وَلَا تَابِعٍ ; وَلَا قِيَاسٍ .
وَاحْتَجَّ لَهُ بَعْضُ مُقَلِّدِيهِ بِأَنَّهُ عَوَّلَ عَلَى قَوْلِ عَطَاءٍ فِي الْمَرْأَةِ تَحِيضُ بَعْدَ أَنْ طَافَتْ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ - : قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ غَيْرُ الْمُتْعَةِ ، وَقَوْلُ عَطَاءٍ أَيْضًا فِيهَا خَطَأٌ ; لِأَنَّهُ خِلَافُ { أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْحَائِضَ أَنْ لَا تَطُوفَ بِالْبَيْتِ } وَلِأَنَّهُ تَقْسِيمٌ بِلَا دَلِيلٍ أَصْلًا وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ : إنَّ الْمُعْتَمِرَ - الَّذِي مَعَهُ الْهَدْيُ - الْمُرِيدَ الْحَجَّ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْ حَجِّهِ فَإِنَّهُ بَنَى عَلَى الْآثَارِ الْوَارِدَةِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَمْرِهِ مَنْ مَعَهُ الْهَدْيُ بِالْبَقَاءِ عَلَى إحْرَامِهِ ، وَمَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ بِالْإِحْلَالِ ; وَالِاحْتِجَاجُ بِهَذِهِ الْآثَارِ لِقَوْلٍ أَبِي حَنِيفَةَ جَهْلٌ مُظْلِمٌ وَقَوْلٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، أَوْ تَعَمُّدٌ - مِمَّنْ يَعْلَمُ الْكَذِبَ - عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكِلَاهُمَا بَلِيَّةٌ ; لِأَنَّ جَمِيعَ تِلْكَ الْآثَارِ إنَّمَا وَرَدَتْ بِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَ مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ مِنْ الْمُفْرِدِينَ لِلْحَجِّ وَالْقَارِنِينَ بِالْإِحْلَالِ ، وَأَمَرَ مَنْ مَعَهُ الْهَدْيُ بِأَنْ يَقْرِنَ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ ; وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَ مُعْتَمِرًا لَمْ يُقْرِنْ بِالْبَقَاءِ عَلَى إحْرَامِهِ ; وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي ذِكْرِنَا عَمَلَ الْحَجِّ مِنْ دِيوَانِنَا هَذَا .
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي تَفْرِيقِهِ بَيْنَ بَقَاءِ شَيْءٍ مِنْ السَّعْيِ لِعُمْرَتِهِ حَتَّى يَهُلَّ هِلَالُ شَوَّالٍ فَلَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ ، وَلَا لَهُ أَيْضًا مُتَعَلَّقٌ فِي ذَلِكَ لَا بِقُرْآنٍ ، وَلَا بِسُنَّةٍ ، وَلَا بِرِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ ، وَلَا سَقِيمَةٍ ، وَلَا بِقَوْلِ صَاحِبٍ ، وَلَا تَابِعٍ وَلَا قِيَاسٍ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا : لَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ أَصْلًا ، وَإِنَّمَا هِيَ آرَاءٌ مَحْضَةٌ فَوَجَبَ النَّظَرُ فِي سَائِرِ الْأَقْوَالِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ - : أَحَدُهَا : مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ ، وَالثَّانِي : مَنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى حَجَّ أَوْ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ أَوْ أَبْعَدَ مِنْ بَلَدِهِ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ; وَالثَّالِثُ : مَنْ اعْتَمَرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثُمَّ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ; وَالرَّابِعُ : هَلْ الْمُتَمَتِّعُ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ كَمَا قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَمْ لَيْسَ هَذَا مُتَمَتِّعًا ؟ - : فَنَظَرْنَا فِي قَوْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ هَذَا فَوَجَدْنَا غَيْرَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ] قَدْ خَالَفُوهُ ; وَوَجَدْنَاهُ قَوْلًا بِلَا دَلِيلٍ ; بَلْ الدَّلِيلُ قَائِمٌ عَلَى خَطَئِهِ ; لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - سَمَّى مَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إدْرَاكِ الْحَجِّ حَتَّى فَاتَ وَقْتُهُ : مُحْصَرًا ، وَلَمْ يُسَمِّهِ : مُتَمَتِّعًا - وَفَرَّقَ بَيْنَ حُكْمِهِ 167 وَبَيْنَ حُكْمِ الْمُتَمَتِّعِ ، قَالَ - تَعَالَى - : { فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ } وَقَالَ - تَعَالَى - : { فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } فَفَرَّقَ - تَعَالَى - بَيْنَ اسْمَيْهِمَا وَبَيْنَ حُكْمَيْهِمَا ; فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ : هُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ .
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ طَاوُسٍ : إنَّ مَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ ، وَإِنْ لَمْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ ، فَوَجَدْنَاهُ خَطَأً ; لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَقُولُ : { فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ } فَصَحَّ بِنَصِّ الْقُرْآنِ أَنَّهُ لَيْسَ مُتَمَتِّعًا إلَّا مَنْ حَجَّ بَعْدَ عُمْرَتِهِ لِوُجُوبِ الصِّيَامِ عَلَيْهِ فِي الْحَجِّ إنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا .
ثُمَّ نَظَرْنَا فِيمَنْ اعْتَمَرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ ، أَوْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ، أَوْ اعْتَمَرَ بَعْضَ عُمْرَتِهِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَقَلَّهَا أَوْ أَكْثَرَهَا ، وَبَعْضَهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَقَلَّهَا أَوْ أَكْثَرَهَا ، وَفِيمَنْ أَقَامَ مِنْ هَؤُلَاءِ بِمَكَّةَ حَتَّى حَجَّ مِنْ عَامِهِ أَوْ لَمْ يُقِمْ لَكِنْ خَرَجَ إلَى مَسَافَةٍ تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ أَوْ لَا تُقْصَرُ ، أَوْ إلَى مِيقَاتٍ أَوْ وَرَاءَ مِيقَاتٍ إلَى بَلَدِهِ أَوْ مِثْلِ بَلَدِهِ أَوْ أَبْعَدَ مِنْ بَلَدِهِ ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَكَانَ كُلُّ هَؤُلَاءِ مُمْكِنًا فِي اللُّغَةِ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ : مُتَمَتِّعٌ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ ، وَمُمْكِنًا أَنْ لَا يَقَعَ عَلَيْهِ أَيْضًا اسْمُ : مُتَمَتِّعٌ - فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُوقِعَ عَلَى أَحَدٍ إيجَابُ غَرَامَةِ هَدْيٍ أَوْ إيجَابُ صَوْمٍ بِالظَّنِّ إلَّا بِبَيَانٍ جَلِيٍّ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَلْزَمَهُ ذَلِكَ ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى بَيَانِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ - : فَوَجَدْنَا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ نَا اللَّيْثُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ { تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ ، وَأَهْدَى وَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ ، فَكَانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى ، فَسَاقَ الْهَدْيَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ : مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حُرِمَ مِنْهُ 168 حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَيَقْصُرْ وَيَحِلَّ ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ } وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ ; فَكَانَ فِي هَذَا الْخَبَرِ بَيَانُ مَنْ هُوَ الْمُتَمَتِّعُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ أَوْ الصَّوْمُ الْمَذْكُورُ ؟ وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا أَمَرَ بِهَذَا أَصْحَابَهُ الْمُتَمَتِّعِينَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ ، وَهُمْ قَوْمٌ ابْتَدَءُوا الْإِحْرَامَ لِعُمْرَتِهِمْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَجُّوا فِي تِلْكَ الْأَشْهُرِ - فَخَرَجَ بِهَذَا الْخَبَرِ الثَّابِتِ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُتَمَتِّعًا بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ كُلُّ مَنْ عَمِلَ شَيْئًا مِنْ عُمْرَتِهِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ كُلِّهَا أَوْ أَكْثَرِهَا أَوْ أَقَلِّهَا ; لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يُخَاطِبْ بِهَذَا الْحُكْمِ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الصِّفَاتِ بِلَا شَكٍّ وَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ فِي أَمْرِ هَؤُلَاءِ بِيَقِينٍ .
وَأَيْضًا فَيُقَالُ لِمَنْ قَالَ : إنْ عَمِلَ الْأَكْثَرَ مِنْ عُمْرَتِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ : مِنْ أَيْنَ لَك هَذَا ؟ دُونَ أَنْ يَقُولَ : إنَّ مَنْ عَمِلَ مِنْهَا شَيْئًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ ; وَلَا سَبِيلَ إلَى دَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ ؟ وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا : مِنْ أَيْنَ لَكَ أَنَّ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ مِنْ طَوَافِ الْعُمْرَةِ هُوَ الْأَكْثَرُ ؟ بَلْ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَقَلِّ ; لِأَنَّ الْعُمْرَةَ عِنْدَك وَعِنْدَنَا إحْرَامُ مُدَّةٍ ثُمَّ سَبْعَةِ أَشْوَاطٍ ، ثُمَّ سَبْعَةِ أَطَوَافً بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ; فَالْبَاقِي بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْوَاطِ قَدْ يَكُونُ أَكْثَرَ مِمَّا مَضَى لَهُ مِنْ عَمَلِ الْعُمْرَةِ .
وَيُقَالُ لِمَنْ قَالَ : إنْ عَمِلَ مِنْ عُمْرَتِهِ شَيْئًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ : مِنْ أَيْنَ قُلْتَ هَذَا ؟ دُونَ أَنْ تَقُولَ : إنْ عَمِلَ الْأَكْثَرَ مِنْهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ ; وَلَا سَبِيلَ إلَى دَلِيلٍ أَصْلًا ; وَكِلْتَا الدَّعْوَتَيْنِ تُعَارِضُ الْأُخْرَى ، وَكِلْتَاهُمَا لَا شَيْءَ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ .
وَبَقِيَ أَمْرُ مَنْ خَرَجَ بَعْدَ اعْتِمَارِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ إلَى بَلَدِهِ أَوْ إلَى بَلَدٍ فِي الْبُعْدِ مِثْلِ بَلَدِهِ ، أَوْ إلَى وَرَاءِ مِيقَاتٍ مِنْ الْمَوَاقِيتِ ، أَوْ إلَى مِيقَاتٍ مِنْ الْمَوَاقِيتِ ، أَوْ إلَى مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ - : فَوَجَدْنَا هَذَا الْخَبَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُبَيِّنِ عَنْ اللَّهِ - تَعَالَى - مُرَادَهُ لَمْ يَشْتَرِطْ فِيهِ عَلَى مَنْ خَاطَبَهُ بِذَلِكَ الْحُكْمِ إقَامَةً بِمَكَّةَ وَتَرْكَ خُرُوجٍ مِنْهَا أَصْلًا { وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إنْ هُوَ إلَّا وَحْيٌ يُوحَى } { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا } وَلَوْ كَانَ هَذَا 169 مِنْ شَرْطِ التَّمَتُّعِ لَمَا أَغْفَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَانَهُ حَتَّى نَحْتَاجَ فِي ذَلِكَ إلَى بَيَانٍ بِرَأْيٍ فَاسِدٍ ، وَظَنٍّ كَاذِبٍ ، وَتَدَافُعٍ مِنْ الْأَقْوَالِ بِلَا بُرْهَانٍ .
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْخَبَرِ الثَّابِتِ : { وَيَحِلَّ ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ } بَيَانٌ بِإِبَاحَةِ الْمُهْلَةِ بَيْنَ الْإِحْلَالِ وَالْإِهْلَالِ ; وَلَا مَانِعَ لِمَنْ عَرَضَتْ لَهُ مِنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ حَاجَةٌ مِنْ الْخُرُوجِ عَنْ مَكَّةَ لَهَا - فَبَطَلَ أَنْ تَكُونَ الْإِقَامَةُ بِمَكَّةَ حَتَّى يَحُجَّ مِنْ شُرُوطِ التَّمَتُّعِ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ .
وَصَحَّ أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ بِنَصِّ الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ هُوَ مَنْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ فِي تِلْكَ الْأَشْهُرِ فَقَطْ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ .
ثُمَّ يُقَالُ لِمَنْ قَالَ : إنْ خَرَجَ إلَى بَلَدِهِ سَقَطَ عَنْهُ الْهَدْيُ وَالصَّوْمُ اللَّذَانِ افْتَرَضَ اللَّهُ - تَعَالَى - أَحَدَهُمَا عَلَى الْمُتَمَتِّعِ : مِنْ أَيْنَ لَك هَذَا ؟ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ قَالَ : إنْ خَرَجَ إلَى بَلَدٍ مِثْلِ بَلَدِهِ فِي الْبُعْدِ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ ؟ وَهَكَذَا يُقَالُ أَيْضًا لِمَنْ قَالَ : إنْ خَرَجَ إلَى بَلَدٍ فِي الْبُعْدِ مِثْلِ بَلَدِهِ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ مِنْ أَيْنَ قُلْتَ هَذَا ؟ وَهَلَّا خَصَّصَتْ بِسُقُوطِ التَّمَتُّعِ مَنْ خَرَجَ إلَى بَلَدِهِ فَقَطْ ; وَيُقَالُ لَهُمَا جَمِيعًا : هَلَّا قُلْتُمَا مَنْ خَرَجَ إلَى وَرَاءِ مِيقَاتٍ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ ؟ - : قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : لَا مَخْلَصَ لَهُمْ مِنْ هَذَا السُّؤَالِ أَصْلًا إلَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلُهُمْ : كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِالْحَجِّ مِنْ بَلَدِهِ أَوْ مِنْ مِيقَاتٍ مِنْ الْمَوَاقِيتِ ؟ فَنَقُولُ لِمَنْ قَالَ هَذَا : قُلْت الْبَاطِلَ ، وَمَا أَوْجَبَ اللَّهُ - تَعَالَى - قَطُّ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَنْ يَأْتِيَ بِالْحَجِّ مِنْ بَلَدِهِ وَلَا مِنْ مِثْلِ بَلَدِهِ فِي الْبُعْدِ وَلَا مِنْ مِيقَاتٍ وَلَا بُدَّ ; بَلْ أَنْتُمْ مُجْمِعُونَ مَعَنَا عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ فِي أَوَّلِ أَوْقَاتِ الِاسْتِطَاعَةِ لِلْحَجِّ لَوْ خَرَجَ تَاجِرًا أَوْ مُسَافِرًا لِبَعْضِ الْأَمْرِ قَبْلَ مِقْدَارٍ مَا إنْ أَرَادَ الْحَجَّ كَانَتْ لَهُ مُهْلَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَقْتِ الَّذِي إذَا أَهَلَّ [ فِيهِ ] أَدْرَكَ الْحَجَّ عَلَى سَعَةٍ وَمَهْلٍ ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ إلَى مَكَّةَ حِينَئِذٍ أَصْلًا ، وَأَنَّهُ إنْ قَرُبَ مِنْ مَكَّةَ لِحَاجَتِهِ فَقَرُبَ وَقْتُ الْحَجِّ وَهُوَ بِمُسْتَطِيعٍ لَهُ فَحَجَّ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ أَنَّهُ قَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ بِأَتَمِّ مَا يَلْزَمُهُ ، وَأَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَأْتِ لِلْحَجِّ مِنْ بَلَدِهِ أَصْلًا .
وَكَذَلِكَ لَا خِلَافَ فِيمَنْ جَازَ عَلَى مِيقَاتٍ لَا يُرِيدُ حَجًّا ، وَلَا عُمْرَةً ، وَلَا دُخُولَ مَكَّةَ لَكِنْ لِحَاجَةٍ لَهُ فِي رِهَاطٍ أَوْ فِي بُسْتَانِ ابْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِهْلَالُ مِنْ هُنَالِكَ ، وَأَنَّهُ إنْ 170 بَدَا لَهُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، وَقَدْ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ فَإِنَّهُ يُهِلُّ مِنْ مَكَانِهِ ذَلِكَ ، وَحَجُّهُ تَامٌّ وَعُمْرَتُهُ تَامَّةٌ ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُقَصِّرٍ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَلْزَمُهُ .
فَصَحَّ أَنَّ الْقَصْدَ لِلْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ مِنْ بَلَدِ الْإِنْسَانِ ، أَوْ مِنْ مِثْلِ بَلَدِهِ فِي الْبُعْدِ ، أَوْ مِنْ الْمِيقَاتِ لِمَنْ لَمْ يَمُرَّ بِهِ ، وَهُوَ يُرِيدُ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مِنْ شُرُوطِ الْحَجِّ ، وَلَا الْعُمْرَةِ - فَبَطَلَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ الْفَاسِدَةُ جِدًّا ، وَكَانَ تَعَارُضُهَا وَتَوَافُقُهَا بُرْهَانًا فِي فَسَادِ جَمِيعِهَا ، فَإِنْ قَالَ مَنْ قَالَ : إنَّهُ إنْ خَرَجَ إلَى الْمِيقَاتِ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ ; لِأَنَّ أَهْلَ الْمَوَاقِيتِ لَيْسَ لَهُمْ التَّمَتُّعُ ؟ قُلْنَا لَهُ : قَدْ قُلْتَ الْبَاطِلَ ، وَاحْتَجَجْت لِلْخَطَأِ بِالْخَطَأِ ، وَلِدَعْوَى كَاذِبَةٍ ، وَكَفَى بِهَذَا مَقْتًا .
فَإِنْ قَالَ : إنَّ أَهْلَ الْمَوَاقِيتِ فَمَا دُونَهَا إلَى مَكَّةَ لَا هَدْيَ عَلَيْهِمْ وَلَا صَوْمَ فِي التَّمَتُّعِ ؟ قُلْنَا : قُلْت الْبَاطِلَ وَادَّعَيْت مَا لَا يَصِحُّ ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَك لَكَانَ حُجَّةً عَلَيْك ; لِأَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ لَا هَدْيَ عَلَيْهِمْ ، وَلَا صَوْمَ فِي التَّمَتُّعِ وَلَمْ يَكُنْ الْمُقِيمُ بِهَا حَتَّى يَحُجَّ كَذَلِكَ ، بَلْ الْهَدْيُ عَلَيْهِ ، أَوْ الصَّوْمُ ; فَهَلَّا إذْ كَانَ عِنْدَك مَنْ خَرَجَ إلَى مِيقَاتٍ فَمَا دُونَهُ إلَى مَكَّةَ يَصِيرُ فِي حُكْمِ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فِي سُقُوطِ الْهَدْيِ وَالصَّوْمِ عَلَيْهِ ، جَعَلْت أَيْضًا الْمُقِيمَ بِمَكَّةَ حَتَّى يَحُجَّ فِي حُكْمِ أَهْلِ مَكَّةَ فِي سُقُوطِ الْهَدْيِ وَالصَّوْمِ عَنْهُمَا - فَظَهَرَ تَنَاقُضُ هَذَا الْقَوْلِ الْفَاسِدِ أَيْضًا .
ثُمَّ يُقَالُ لِمَنْ قَالَ : إنْ خَرَجَ إلَى مَكَان تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ ، سَقَطَ عَنْهُ الْهَدْيُ وَالصَّوْمُ : مِنْ أَيْنَ قُلْت هَذَا ؟ وَلَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ أَصْلًا .
فَإِنْ قَالَ : لِأَنَّهُ قَدْ سَافَرَ إلَى الْحَجِّ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ فَكَانَ مَاذَا ؟ وَمَا الَّذِي جَعَلَ سَفَرَهُ مُسْقِطًا لِلْهَدْيِ ، وَالصَّوْمِ اللَّذَيْنِ أَوْجَبَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَيْهِ ؟ هَاتُوا شَيْئًا غَيْرَ هَذِهِ الدَّعْوَى وَلَا سَبِيلَ إلَى ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَمِنْ هَذَا الْخَبَرِ الَّذِي ذَكَرْنَا غَلِطَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ فِي إيجَابِهِمْ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ الَّذِي سَاقَ الْهَدْيَ : أَنْ يَبْقَى عَلَى إحْرَامِهِ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ - : قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ; لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَاوِي الْخَبَرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَإِنْ 171 كَانَ قَالَ فِي أَوَّلِهِ : تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي الْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَإِنَّهُ بَيَّنَ إثْرَ هَذَا الْكَلَامِ صِفَةَ { عَمَلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَدَأَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ } فَذَكَرَ صِفَةَ الْقِرَانِ .
وَهَكَذَا صَحَّ فِي سَائِرِ الْأَخْبَارِ مِنْ رِوَايَةِ الْبَرَاءِ ، وَعَائِشَةَ ، وَحَفْصَةَ أُمَّيْ الْمُؤْمِنِينَ ، وَأَنَسٍ ، وَغَيْرِهِمْ : أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ قَارِنًا .
فَصَحَّ أَنَّ الَّذِينَ أَمَرَهُمْ عَلَيْهِ السَّلَامُ إذْ أَهْدَوْا بِأَنْ لَا يَحِلُّوا إنَّمَا كَانُوا قَارِنِينَ - وَهَكَذَا رَوَتْ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَ مَنْ مَعَهُ الْهَدْيُ بِأَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ مَعَ عُمْرَتِهِ } فَعَادَ احْتِجَاجُهُمْ عَلَيْهِمْ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : قَدْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ مَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَابْتَدَأَ عُمْرَتَهُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ; ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ إلَى أَنْ حَجَّ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهَا أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ عَلَيْهِ الْهَدْيُ ، أَوْ الصَّوْمُ - وَاخْتَلَفُوا فِيهِ إذَا أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ ، وَإِذَا خَرَجَ بَيْنَ عُمْرَتِهِ ، وَحَجِّهِ مِنْ مَكَّةَ أَمُتَمَتِّعٌ [ هُوَ ] أَمْ لَا ؟ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ الْهَدْيُ أَوْ الصَّوْمُ إلَّا مَنْ أَجْمَعَ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ حُكْمُ الْمُتَمَتِّعِ ؟ قُلْنَا : هَذَا خَطَأٌ ، وَمَا أَجْمَعَ النَّاسُ قَطُّ عَلَى مَا قُلْتُمْ ; وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ هُوَ الْمُحْصَرُ لَا مَنْ حَجَّ بَعْدَ أَنْ اعْتَمَرَ ، وَلَا مَعْنَى لِمُرَاعَاةِ الْإِجْمَاعِ مَعَ وُرُودِ بَيَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّ فِي الْقَوْلِ بِهَذَا إيجَابَ مُخَالَفَةِ أَوَامِرِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا لَمْ يُجْمِعْ النَّاسُ عَلَيْهَا ; وَهَذَا عَيْنُ الْبَاطِلِ بَلْ إذَا تَنَازَعَ النَّاسُ رَدَدْنَا ذَلِكَ إلَى مَا افْتَرَضَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَيْنَا الرَّدَّ إلَيْهِ مِنْ الْقُرْآنِ ، وَالسُّنَّةِ لَا نُرَاعِي مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مَعَ وُجُودِ بَيَانِ السُّنَّةِ فِي أَحَدِ أَقْوَالِ الْمُتَنَازِعِينَ وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith