المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الخامس
الصفحة 914 · ص. المطبوع 220
873 - مَسْأَلَةٌ :
وَأَمَّا الْإِحْصَارُ فَإِنَّ كُلَّ مَنْ عَرَضَ لَهُ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ إتْمَامِ حَجِّهِ أَوْ عُمْرَتِهِ ، قَارِنًا كَانَ ، أَوْ مُتَمَتِّعًا ، مِنْ عَدُوٍّ ، أَوْ مَرَضٍ ، أَوْ كَسْرٍ ، أَوْ خَطَأِ طَرِيقٍ ، أَوْ خَطَأٍ فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ ، أَوْ سِجْنٍ ، أَوْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ : فَهُوَ مُحْصِرٌ .
فَإِنْ كَانَ اشْتَرَطَ عِنْدَ إحْرَامِهِ كَمَا قَدَّمْنَا أَنَّ مَحَلَّهُ حَيْثُ حَبَسَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَلْيُحِلَّ مِنْ إحْرَامِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، سَوَاءٌ شَرَعَ فِي عَمَلِ الْحَجِّ ، أَوْ الْعُمْرَةِ ، أَوْ لَمْ يَشْرَعْ بَعْدُ ، قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا ، مَضَى لَهُ أَكْثَرُ فَرْضِهِمَا أَوْ أَقَلُّهُ ، كُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ وَلَا هَدْيَ فِي ذَلِكَ وَلَا غَيْرِهِ ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَمْ يَحُجَّ قَطُّ وَلَا اعْتَمَرَ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ وَيَعْتَمِرَ وَلَا بُدَّ .
فَإِنْ كَانَ لَمْ يَشْتَرِطْ كَمَا ذَكَرْنَا فَإِنَّهُ يُحِلُّ أَيْضًا كَمَا ذَكَرْنَا سَوَاءٌ سَوَاءٌ وَلَا فَرْقَ ، وَعَلَيْهِ 220 هَدْيٌ وَلَا بُدَّ ، كَمَا قُلْنَا فِي هَدْيِ الْمُتْعَةِ سَوَاءٌ سَوَاءٌ إلَّا أَنَّهُ لَا يُعَوَّضُ مِنْ هَذَا الْهَدْيِ صَوْمٌ وَلَا غَيْرُهُ ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْهُ فَهُوَ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَتَّى يَجِدَهُ ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إلَّا إنْ كَانَ لَمْ يَحُجَّ قَطُّ وَلَا اعْتَمَرَ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ وَيَعْتَمِرَ .
وَاخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي الْإِحْصَارِ - : فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ : نَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : لَا إحْصَارَ إلَّا مِنْ عَدُوٍّ .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - أَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ نَا زَكَرِيَّا هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ - عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، قَالَ : { ۝ لَمَّا أُحْصِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ الْبَيْتِ صَالَحَهُ أَهْلُ مَكَّةَ عَلَى أَنْ يَدْخُلَهَا فَيَبْقَى بِهَا ثَلَاثًا وَلَا يَدْخُلَهَا إلَّا بِجُلْبَانِ السِّلَاحِ السَّيْفِ وَقِرَابِهِ ، وَلَا يَخْرُجُ بِأَحَدٍ مَعَهُ مِنْ أَهْلِهَا ، وَلَا يَمْنَعُ أَحَدًا يَمْكُثُ بِهَا مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ } فَسَمَّى الْبَرَاءُ مَنْعَ الْعَدُوِّ : إحْصَارًا .
وَرُوِّينَا عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ : الْإِحْصَارُ مِنْ الْخَوْفِ وَالْمَرَضِ ، وَالْكَسْرِ ; وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : الْإِحْصَارُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَحْبِسُهُ .
وَأَمَّا الْحَصْرُ - : فَرُوِّينَا عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : الْحَصْرُ ، وَالْمَرَضُ ، وَالْكَسْرُ ، وَشِبْهُهُ .
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَا حَصْرَ إلَّا مَنْ حَبَسَهُ عَدُوٌّ .
وَعَنْ طَاوُسٍ قَالَ : لَا حَصْرَ الْآنَ ، قَدْ ذَهَبَ الْحَصْرُ .
وَعَنْ عَلْقَمَةَ : الْحَصْرُ الْخَوْفُ وَالْمَرَضُ .
وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : الْحَصْرُ مَا حَبَسَهُ مِنْ حَابِسٍ مِنْ وَجَعٍ ، أَوْ خَوْفٍ ، أَوْ ابْتِغَاءِ ضَالَّةٍ .
وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : الْحَصْرُ مَا مَنَعَهُ مِنْ وَجَعٍ ، أَوْ عَدُوٍّ حَتَّى يَفُوتَهُ الْحَجُّ . 221
وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ الْإِحْصَارِ ، وَالْحَصْرِ - : فَرُوِّينَا عَنْ الْكِسَائِيِّ قَالَ : مَا كَانَ مِنْ الْمَرَضِ فَإِنَّهُ يُقَالُ فِيهِ : أَحُصِرَ ، فَهُوَ مُحْصِرٌ ، وَمَا كَانَ مِنْ حَبْسٍ قِيلَ : حَصْرٌ .
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : مَا كَانَ مِنْ مَرَضٍ ، أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ ، قِيلَ فِيهِ : أُحْصِرَ ، فَهُوَ مُحْصِرٌ ; وَمَا كَانَ مِنْ حَبْسٍ قِيلَ : حَصْرٌ - وَبِهِ يَقُولُ أَبُو عُبَيْدٍ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَذَا لَا مَعْنَى لَهُ ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ الْحُجَّةُ فِي اللُّغَةِ وَالشَّرِيعَةِ قَالَ تَعَالَى : { فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ } وَإِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَمْرِ الْحُدَيْبِيَةِ إذْ مَنَعَ الْكُفَّارُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إتْمَامِ عُمْرَتِهِ ، وَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى مَنْعَ الْعَدُوِّ إحْصَارًا .
وَكَذَلِكَ قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ - وَهُمْ فِي اللُّغَةِ فَوْقَ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَالْكَسَائِيّ .
وَقَالَ تَعَالَى : { لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إلْحَافًا } .
فَهَذَا هُوَ مَنْعُ الْعَدُوِّ بِلَا شَكٍّ ; لِأَنَّ الْمُهَاجِرِينَ إنَّمَا مَنَعَهُمْ مِنْ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ الْكُفَّارُ بِلَا شَكٍّ ; وَبَيَّنَ ذَلِكَ تَعَالَى بِقَوْلِهِ { فِي سَبِيلِ اللَّهِ } .
فَصَحَّ أَنَّ الْإِحْصَارَ ، وَالْحَصْرَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَأَنَّهُمَا اسْمَانِ يَقَعَانِ عَلَى كُلِّ مَانِعٍ مِنْ عَدُوٍّ ، أَوْ مَرَضٍ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، أَيِّ شَيْءٍ كَانَ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ الْمُحْصِرِ الْمَمْنُوعِ مِنْ إتْمَامِ حَجِّهِ ، أَوْ عُمْرَتِهِ . فَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ : أَنَّهُ أَفْتَى فِي مُحْرِمٍ بِحَجٍّ مَرِضَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى النُّهُوضِ : أَنَّهُ يَبْعَثُ بِهَدْيٍ ، فَإِذَا بَلَغَ مَحَلَّهُ حَلَّ ; فَإِنْ اعْتَمَرَ مِنْ وَجْهِهِ ذَلِكَ إذَا بَرَأَ ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ قَابِلٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ هَدْيٌ ، فَإِنْ لَمْ يَزُرْ الْبَيْتَ حَتَّى يَحُجَّ وَيَجْعَلَهُمَا سَفَرًا وَاحِدًا فَعَلَيْهِ هَدْيٌ آخَرُ : سَفَرَانِ وَهَدْيٌ أَوْ هَدَيَانِ وَسَفَرٌ - وَهَذَا عَنْهُ مُنْقَطِعٌ لَا يَصِحُّ .
وَصَحَّ عَنْهُ : أَنَّهُ أَفْتَى فِي مُحْرِمٍ بِعُمْرَةٍ لُدِغَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى النُّفُوذِ : أَنَّهُ يَبْعَثُ بِهَدْيٍ وَيُوَاعِدُ أَصْحَابَهُ ، فَإِذَا بَلَغَ الْهَدْيَ أَحَلَّ . 222
وَصَحَّ عَنْهُ أَيْضًا : أَنَّهُ أَفْتَى فِي مَرِيضٍ مُحْرِمٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى النُّفُوذِ : بِأَنْ يَنْحَرَ عَنْهُ بَدَنَةً ; ثُمَّ لِيُهِلَّ عَامًا قَابِلًا بِمِثْلِ إهْلَالِهِ الَّذِي أَهَلَّ بِهِ .
وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ فِي مُحْرِمٍ بِعُمْرَةٍ مَرِضَ بِوَقْعَةٍ مِنْ رَاحِلَتِهِ ، قَالَا جَمِيعًا : لَيْسَ لَهَا وَقْتٌ كَوَقْتِ الْحَجِّ ، يَكُونُ عَلَى إحْرَامِهِ حَتَّى يُصَلِّ إلَى الْبَيْتِ - وَعَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلُ هَذَا أَيْضًا .
وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَنْ أُحْصِرَ : يَبْعَثُ بِهَدْيِهِ فَإِذَا نَحَرَ فَقَدْ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ .
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَحُجَّ الْعَامَ فَإِنَّا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ بَيْنَ النَّاسِ قِتَالٌ يُحَالُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْبَيْتِ وَذَلِكَ حِينَ نَزَلَ الْحَجَّاجُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : إنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَعَلْت كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا مَعَهُ حِينَ حَالَتْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ : أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْت عُمْرَةً ; ثُمَّ قَالَ : مَا أَمْرُهُمَا إلَّا وَاحِدٌ إنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْعُمْرَةِ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْحَجِّ : أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْت حَجَّةً مَعَ عُمْرَتِي .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَلَمْ يَخْتَلِفْ اثْنَانِ فِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ حَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعُمْرَةِ - وَكَانَ مُهِلًّا بِعُمْرَةٍ هُوَ وَأَصْحَابُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - نَحَرَ وَحَلَّ وَانْصَرَفَ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ .
وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ الْمَخْزُومِيِّ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ، " أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ فَخَرَجَ مَعَهُ مِنْ الْمَدِينَةِ فَمَرُّوا عَلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ وَهُوَ مَرِيضُ بِالسُّقْيَا فَأَقَامَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ حَتَّى إذَا خَافَ الْفَوَاتَ خَرَجَ وَبَعَثَ إلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ وَهُمَا بِالْمَدِينَةِ فَقَدِمَا عَلَيْهِ ، وَأَنَّ حُسَيْنًا أَشَارَ إلَى رَأْسِهِ فَأَمَرَ عَلِيٌّ بِرَأْسِهِ فَحُلِقَ ، ثُمَّ نَسَكَ عَنْهُ بِالسُّقْيَا فَنَحَرَ عَنْهُ بَعِيرًا " .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ : إنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ خَرَجَ 223 مُعْتَمِرًا مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَلَمَّا كَانَ بِالْعَرَجِ مَرِضَ ، فَلَمَّا أَتَى السُّقْيَا بِرَسْمٍ فَكَانَ أَوَّلُ إفَاقَتِهِ أَنْ أَشَارَ إلَى رَأْسِهِ فَحُلِقَ عَلَى رَأْسِهِ وَنَحَرَ عَنْهُ بِهَا جَزُورًا .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : إنَّمَا أَتَيْنَا بِهَذَا الْخَبَرِ لِمَا فِيهِ مِنْ أَنَّهُ كَانَ مُعْتَمِرًا فَهَذَا عَلِيٌّ ، وَالْحُسَيْنُ ، وَأَسْمَاءُ رَأَوْا أَنْ يَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ وَيُهْدِيَ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي كَانَ فِيهِ ، وَهُوَ قَوْلُنَا .
وَعَنْ عَلْقَمَةَ فِي الْمُحْصِرِ قَالَ : يَبْعَثُ بِهَدْيِهِ فَإِذَا ذُبِحَ حَلَّ .
وَرُوِّينَا عَنْ عَلْقَمَةَ أَيْضًا : لَا يُحِلُّهُ إلَّا الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ . وَرُوِّينَا عَنْهُ أَيْضًا إنْ حَلَّ قَبْلَ نَحْرِ هَدْيِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ .
وَرُوِّينَا عَنْ إبْرَاهِيمَ ، وَعَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالشَّعْبِيِّ : لَا يُحِلُّهُ إلَّا الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ .
وَرُوِّينَا عَنْهُمْ أَيْضًا : حَاشَا الشَّعْبِيَّ : إنْ حَلَّ دُونَ الْبَيْتِ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ آخَرُ سِوَى الَّذِي لَزِمَهُ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ ، وَلَا يَحِلُّ إلَّا فِي الْيَوْمِ الَّذِي وَاعَدَهُمْ لِبُلُوغِهِ مَكَّةَ وَنَحْرِهِ .
وَرُوِّينَا عَنْ إبْرَاهِيمَ أَيْضًا فِي الْقَارِنِ يُحْصِرُ قَالَ : عَلَيْهِ هَدْيَانِ .
وَرُوِّينَا عَنْهُ أَيْضًا : وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي الْقَارِنِ يُحْصِرُ قَالَا جَمِيعًا : عَلَيْهِ عُمْرَتَانِ وَحَجَّةٌ - وَعَنْ عَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ لَيْسَ عَلَى الْقَارِنِ إلَّا هَدْيٌ وَاحِدٌ .
وَعَنْ الشَّعْبِيِّ أَيْضًا : إنْ أَحَلَّ الْمُحْصِرُ قَبْلَ نَحْرِ هَدْيِهِ فَعَلَيْهِ فِدْيَةُ الْأَذَى - إطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ ، أَوْ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، أَوْ شَاةٌ .
وَعَنْ مُجَاهِدٍ فِي الْقَارِنِ يُحْصِرُ ؟ قَالَ : يَبْعَثُ بِهَدْيٍ يَحِلُّ بِهِ ، ثُمَّ يُهِلُّ مِنْ قَابِلٍ بِمَا كَانَ أَهَلَّ بِهِ .
وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ فِي الْقَارِنِ يُحْصِرُ : أَنَّهُ يَبْعَثُ بِالْهَدْيِ فَإِذَا بَلَغَ مَحَلَّهُ حَلَّ وَعَلَيْهِ عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ - قَالَ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ : عَلَيْهِ حَجَّةٌ وَثَلَاثُ عُمَرَ .
وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي الْمُحْصِرِ إذَا رَجَعَ لَا يَحِلُّ مِنْهُ إلَّا رَأْسُهُ - وَعَنْ الزُّهْرِيِّ مَنْ أُحْصِرَ بِالْحَرْبِ نَحَرَ حَيْثُ حُبِسَ وَحَلَّ مِنْ النِّسَاءِ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ .
وَعَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَسَالِمٍ ، وَابْنُ سِيرِينَ : يَبْعَثُ هَدْيَهُ فَإِذَا نَحَرَ فَقَدْ حَلَّ مِنْ 224 كُلِّ شَيْءٍ - وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا إذَا حَلَّ الْمُحْصِرُ قَبْلَ نَحْرِ هَدْيِهِ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ آخَرُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِيمَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ فَأُحْصِرَ : عَلَيْهِ أَنْ يَبْعَثَ بِثَمَنِ هَدْيٍ فَيُشْتَرَى لَهُ بِمَكَّةَ فَيُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ النَّحْرِ ، وَيَحِلُّ ، وَعَلَيْهِ عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا أَقَامَ مُحْرِمًا حَتَّى يَجِدَ هَدْيًا وَلَهُ أَنْ يُوَاعِدَهُمْ بِنَحْرِهِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ قَالَ : وَالْمُعْتَمِرُ يَنْحَرُ هَدْيَهُ مَتَى شَاءَ ، وَالْإِحْصَارُ عِنْدَهُ بِالْعَدُوِّ ، وَالْمَرَضِ ، وَبِكُلِّ مَانِعٍ سِوَاهُمَا سَوَاءٌ سَوَاءٌ ، فَإِنْ تَمَادَى مَرَضُهُ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ فَكَمَا قُلْنَا - وَإِنْ هُوَ أَفَاقَ قَبْلَ وَقْتِ الْحَجِّ لَمْ يَجْزِهِ ذَلِكَ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ كَمَا كَانَ ; فَإِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا فَأَفَاقَ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى إدْرَاكِ الْهَدْيِ الَّذِي بَعَثَ مَضَى وَقَضَى عُمْرَتَهُ ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ حَلَّ إذَا نَحَرَ عَنْهُ الْهَدْيَ .
وَقَالَ مَالِكٌ : إنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ فَإِنَّهُ يَنْحَرُ هَدْيَهُ حَيْثُ حُبِسَ وَيُحِلُّ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَمْ يَحُجَّ قَطُّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ ، فَإِنْ لَمْ يُهْدِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، لَا يَلْزَمُهُ الْهَدْيُ إلَّا أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا مَعَهُ قَدْ سَاقَهُ مَعَ نَفْسِهِ ، فَإِنْ أُحْصِرَ بِغَيْرِ عَدُوٍّ لَكِنْ بِحَبْسٍ ، أَوْ مَرَضٍ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ لَا يُحِلُّ إلَّا بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ ، وَلَوْ بَقِيَ كَذَلِكَ إلَى عَامٍ آخَرَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إذَا أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ ، أَوْ بِسِجْنٍ فَإِنَّهُ يُهْدِي وَيُحِلُّ حَيْثُ كَانَ مِنْ حِلٍّ ، أَوْ حَرَمٍ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إلَّا إنْ كَانَ لَمْ يَحُجَّ قَطُّ وَلَا اعْتَمَرَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ وَيَعْتَمِرَ ; فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى هَدْيٍ فَفِيهَا قَوْلَانِ - أَحَدُهُمَا : لَا يَحِلُّ إلَّا حَتَّى يُهْدِيَ ; وَالْآخَرُ يُحِلُّ ، وَالْهَدْيُ دَيْنٌ عَلَيْهِ - وَقَدْ قِيلَ : عَلَيْهِ إطْعَامٌ ، أَوْ صِيَامٌ - إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْهَدْيِ - فَإِنْ أُحْصِرَ بِغَيْرِ عَدُوٍّ أَوْ حَبْسٍ لَمْ يُحِلَّهُ إلَّا الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ ، فَإِنْ لَمْ يُفِقْ حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ طَافَ ، وَسَعَى ، وَحَلَّ ، وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : أَمَّا التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْمُحْصِرِ بِعَدُوٍّ ، وَبِغَيْرِ عَدُوٍّ فَفَاسِدٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَا قَبْلُ وَأَمَّا إسْقَاطُ الْهَدْيِ عَنْ الْمُحْصِرِ بِعَدُوٍّ ، أَوْ غَيْرِهِ فَخِلَافٌ لِلْقُرْآنِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : { فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ } وَأَمَّا إيجَابُ الْقَضَاءِ فَخَطَأٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ نَصٌّ .
فَإِنْ قِيلَ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ اعْتَمَرَ بَعْدَ عَامِ الْحُدَيْبِيَةِ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ ، وَنَحْنُ لَمْ نَمْنَعْ مِنْ الْقَضَاءِ عَامًا آخَرَ لِمَنْ أَحَبَّ ، وَإِنَّمَا نَمْنَعُ مِنْ إيجَابِهِ فَرْضًا ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ ، وَلَا رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 225
وَقَدْ صَحَّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ عَلَى الْمُسْلِمِ إلَّا حَجَّةً وَاحِدَةً وَعُمْرَةً فِي الدَّهْرِ ، فَلَا يَجُوزُ إيجَابُ أُخْرَى ، إلَّا بِقُرْآنٍ ، أَوْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ تُوجِبُ ذَلِكَ فَيُوقَفُ عِنْدَ ذَلِكَ .
وَأَمَّا الْقَوْلُ بِبَقَاءِ الْمُحْصِرِ بِمَرَضٍ عَلَى إحْرَامِهِ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ ، فَقَوْلٌ لَا بُرْهَانَ عَلَى صِحَّتِهِ ، وَلَا أَوْجَبَهُ قُرْآنٌ ، وَلَا سُنَّةٌ ، وَلَا إجْمَاعٌ بَلْ هُوَ خِلَافُ الْقُرْآنِ كَمَا أَوْرَدْنَا - وَالصَّحَابَةُ قَدْ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فِي الْعُمْرَةِ خَاصَّةً وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ أَفْتَى بِذَلِكَ فِي الْحَجِّ أَصْلًا .
فَإِنْ قِيلَ : فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : { ثُمَّ مَحِلُّهَا إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ } ؟ قُلْنَا نَعَمْ ، وَلَمْ يَقُلْ تَعَالَى : إنَّ الْمُحْصِرَ لَا يُحِلُّ إلَّا بِالطَّوَافِ .
وَاَلَّذِي قَالَ { وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ } هُوَ الَّذِي قَالَ { فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ } .
وَهُوَ الَّذِي أَمَرَ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُحِلَّ وَيَرْجِعَ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ فِي عُمْرَتِهِ الَّتِي صُدَّ فِيهَا عَنْ الْبَيْتِ ، وَلَا يَحِلُّ ضَرْبُ أَوَامِرِهِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ ؟ وَأَمَّا الْقَوْلُ : بِبَعْثِهِ هَدْيًا يَحِلُّ بِهِ ، فَقَوْلٌ لَا يُؤَيِّدُهُ قُرْآنٌ ، وَلَا سُنَّةٌ ، وَلَا إجْمَاعٌ ، وَالصَّحَابَةُ قَدْ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ كَمَا أَوْرَدْنَا .
فَإِنْ قِيلَ : فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : { وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ } .
قُلْنَا : نَعَمْ ، وَلَيْسَ هَذَا فِي الْمُحْصَرِ وَحْدَهُ ، بَلْ هُوَ حُكْمُ كُلِّ مَنْ سَاقَ هَدْيًا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ عَلَى عُمُومِ الْآيَةِ - : فَالْحَاجُّ ، وَالْقَارِنُ إذَا كَانَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَدْ بَلَغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ مِنْ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ بِمَكَّةَ أَوْ بِمِنًى ، فَلَهُ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ .
وَالْمُعْتَمِرُ إذَا أَتَمَّ طَوَافَهُ وَسَعْيَهُ فَقَدْ بَلَغَ هَدْيُهُ مَحِلَّهُ مِنْ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ بِمَكَّةَ فَلَهُ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ . 226
وَالْمُحْصَرُ إذَا صُدَّ فَقَدْ بَلَغَ هَدْيُهُ مَحِلَّهُ فَلَهُ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ إنْ كَانَ مَعَ هَؤُلَاءِ هَدْيٌ ، وَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَطُّ : إنَّ الْمُحْصَرَ لَا يُحِلُّ حَتَّى يَبْلُغَ هَدْيُهُ مَكَّةَ ، بَلْ هُوَ الْكَذِبُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِمَّنْ نَسَبَهُ إلَيْهِ عَزَّ وَجَلَّ ; فَظَهَرَ خَطَأُ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ .
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، فِي الْإِحْصَارِ ، فَلَا يُحْفَظُ قَوْلٌ مِنْهَا - بِتَمَامِهِ وَتَقْسِيمِهِ - عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَصْلًا .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَوَجَبَ الرُّجُوعُ عِنْدَ التَّنَازُعِ إلَى مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى الرُّجُوعَ إلَيْهِ إذْ يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ : { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } .
فَوَجَدْنَا حُكْمَ الْإِحْصَارِ يَرْجِعُ - : إلَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ } فَكَانَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عُمُومُ إيجَابِ الْهَدْيِ عَلَى كُلِّ مَنْ أُحْصِرَ بِأَيِّ وَجْهٍ أُحْصِرَ .
وَإِلَى { ۝ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ صَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ عَنْ الْبَيْتِ فَنَحَرَ وَحَلَقَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَحَلُّوا بِالْحُدَيْبِيَةِ } .
وَإِلَى { ۝ أَمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَنْ حَجَّ أَنْ يَقُولَ : اللَّهُمَّ إنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي } وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ .
وَإِلَى مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَصْرِيُّ نَا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ الْحَجَّاجِ الصَّوَّافِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ قَالَ " سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { ۝ مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرَجَ فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى } فَسَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ ؟ فَقَالَا : صَدَقَ " . 227
فَهَذِهِ النُّصُوصُ تَنْتَظِمُ كُلَّ مَا قُلْنَا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
فَإِنْ قِيلَ : فَفِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ عَلَيْهِ حَجَّةً أُخْرَى ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ هَدْيٍ ؟ قُلْنَا : إنَّ الْقُرْآنَ جَاءَ بِإِيجَابِ الْهَدْيِ ، فَهُوَ زَائِدٌ عَلَى مَا فِي هَذَا الْخَبَرِ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ ذِكْرٌ لِإِسْقَاطِ الْهَدْيِ وَلَا لِإِيجَابِهِ ، فَوَجَبَ إضَافَةُ مَا زَادَهُ الْقُرْآنُ إلَيْهِ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ بِأَنَّ اللَّازِمَ لِلنَّاسِ حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ فَكَانَ هَذَا الْخَبَرُ مَحْمُولًا عَلَى مَنْ لَمْ يَحُجَّ قَطُّ ، وَبِهَذَا تَتَأَلَّفُ الْأَخْبَارُ .
فَإِنْ قِيلَ : إنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ خِلَافُ مَا رُوِيَ مِنْ هَذَا ؟ قُلْنَا : الْحُجَّةُ إنَّمَا هِيَ فِيمَا رَوَى لَا فِي رَأْيِهِ وَقَدْ يَنْسَى ، أَوْ يَتَأَوَّلُ ; وَأَيْضًا فَإِنَّ التَّوْهِينَ بِمَا رَوَى لِمَا رُوِيَ عَنْهُ مِمَّا يُخَالِفُ مَا رَوَى - أَوْلَى مِنْ تَوْهِينِ مَا رَوَى بِمَا رُوِيَ عَنْهُ مِنْ خِلَافِهِ لِمَا رَوَى ، لِأَنَّ الطَّاعَةَ عَلَيْنَا إنَّمَا هِيَ لِمَا رَوَى لَا لِمَا رَأَى بِرَأْيِهِ .
وَأَيْضًا فَلَوْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ خِلَافُ مَا رُوِيَ لَكَانَ الْحَجَّاجُ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، قَدْ رَوَيَاهُ وَلَمْ يُخَالِفَاهُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَنْحَرُ هَدْيَ الْإِحْصَارِ إلَّا فِي الْحَرَمِ ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ نَاجِيَةَ بْنَ كَعْبٍ نَهَضَ بِالْهَدْيِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي شِعَابٍ وَأَوْدِيَةٍ حَتَّى نَحَرَهُ فِي الْحَرَمِ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : لَوْ صَحَّ هَذَا لَمَا كَانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَا أَوْجَبَهُ ، وَإِنَّمَا كَانَ يَكُونُ عَمَلًا عَمِلَهُ ، وَإِنَّمَا الطَّاعَةُ لِأَمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ .
وَرُوِّينَا خَبَرًا فِيهِ : أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْبُدْنِ لِلْهَدْيِ - وَهَذَا لَا يَصِحُّ ، لِأَنَّ رَاوِيَهُ أَبُو حَاضِرٍ الْأَزْدِيُّ وَهُوَ مَجْهُولٌ ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث