المبسوط
المبسوط · الجزء الثاني عشر
ثُمَّ الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ قَدْ تَكُونُ مِنْ الْأَجَانِبِ ، وَقَدْ تَكُونُ مِنْ الْقَرَابَاتِ ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ ; لِمَا فِيهِ مَنْ صِلَةِ الرَّحِمِ ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : { أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْكَاسِحِ } . وَلِهَذَا بَدَأَ الْكِتَابُ بِحَدِيثٍ رَوَاهُ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : مَنْ وَهَبَ لِذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ هِبَةً ; فَقَبَضَهَا ; فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا . وَذُكِرَ بَعْدَ هَذَا عَنْ عَطَاءٍ ، وَمُجَاهِدٍ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ ; فَقَبَضَهَا : فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا ، وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً لِغَيْرِ ذِي رَحِمٍ : فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا - مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا - . وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ : قَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ ، وَهَذَا لِأَنَّهُ يَفْتَرِضُ صِلَةَ الْقَرَابَةِ الْمُتَأَبِّدَةِ بِالْمَحْرَمِيَّةِ دُونَ الْقَرَابَةِ الْمُتَحَرِّزَةِ عَنْ الْمَحْرَمِيَّةِ ، وَهُوَ كَمَا يُتْلَى فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - { وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ } أَيْ : اتَّقُوا الْأَرْحَامَ أَنْ تَقْطَعُوهَا ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ } .
وَالْمُرَادُ : الرَّحِمُ الْمُتَأَبِّدُ بِالْمَحْرَمِيَّةِ . ثُمَّ إنَّ الْحَدِيثَ دَلِيلُ أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَتِمُّ إلَّا بِالْقَبْضِ ; لِأَنَّهُ اعْتَبَرَ الْقَبْضَ لِلْمَنْعِ عَنْ الرُّجُوعِ ، وَهُوَ دَلِيلٌ لَنَا أَنَّ الْوَالِدَ إذَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ هِبَةً لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا كَالْوَلَدِ إذَا وَهَبَ لِوَالِدِهِ ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الرُّجُوعِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ - وَهُوَ صِلَةُ الرَّحِمِ - أَوْ لِمَا فِي الرُّجُوعِ وَالْخُصُومَةِ فِيهِ مِنْ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ ، وَالْوِلَادُ فِي ذَلِكَ أَقْوَى مِنْ الْقَرَابَةِ الْمُتَأَبِّدَةِ بِالْمَحْرَمِيَّةِ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ : مَنْ وَهَبَ لِأَجْنَبِيٍّ هِبَةً فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا - مَا لَمْ يُعَوَّضْ مِنْهَا - لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا لَمْ يُثَبْ ، وَالْمُرَادُ بِالثَّوَابِ : الْعِوَضُ فَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إمَامُنَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْخَصْمِ ، وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - { : أَيْنَمَا دَارَ الْحَقُّ فَعُمَرُ مَعَهُ ، وَإِنَّ مَلَكًا يَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ } . ( وَعَنْ ) عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : نَحَلَنِي أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ بِالْعَالِيَةِ ، فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : يَا بُنَيَّةُ إنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إلَيَّ غِنًى أَنْتِ ، وَأَعَزَّهُمْ عَلَيَّ فَقْرًا أَنْتِ ، وَإِنِّي كُنْت نَحَلْتُك جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِي بِالْعَالِيَةِ ، وَإِنَّك لَمْ تَكُونِي قَبَضْتِيهِ ، وَلَا حُزْتِيهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مَالُ الْوَرَثَةِ ، وَإِنَّمَا هُمَا أَخَوَاك ، وَأُخْتَاك قَالَتْ : فَقُلْت : فَإِنَّمَا هِيَ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي أَسْمَاءَ - قَالَ : إنَّهُ أُلْقِيَ فِي نَفْسِي أَنَّ فِي بَطْنِ بِنْتِ خَارِجَةَ جَارِيَةً . ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَحَلَهَا أَرْضًا لَهُ ، وَفِي هَذَا دَلِيلُ أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَتِمُّ إلَّا بِالْقَبْضِ وَأَنَّهُ يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْأَجْنَبِيُّ ، وَالْوَلَدُ إذَا كَانَا بَالِغَيْنِ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَتِمُّ إلَّا بِالْقِسْمَةِ - فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ - ; لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَبْطَلَ لِعَدَمِ الْقَبْضِ ، 50 وَالْحِيَازَةِ جَمِيعًا بِقَوْلِهِ : وَإِنَّك لَمْ تَكُونِي قَبَضْتِيهِ ، وَلَا حُزْتِيهِ ، وَالْمُرَادُ بِالْحِيَازَةِ : الْقِسْمَةُ ; لِأَنَّهُ يُقَالُ : حَازَ كَذَا ، أَيْ : جَعَلَهُ فِي حَيْزِهِ بِقَبْضِهِ . وَحَازَ كَذَا ، أَيْ : جَعَلَهُ فِي حَيْزِهِ بِالْقِسْمَةِ . وَلَوْ حَمَلْنَاهُ عَلَى الْقَبْضِ هُنَا كَانَ تَكْرَارًا ، وَحَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى مَا يُسْتَفَادُ بِهِ فَائِدَةٌ جَدِيدَةٌ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى التَّكْرَارِ .
وَفِيهِ دَلِيلٌ : أَنَّ هِبَةَ الْمَشَاعِ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ لَا تَكُونُ بَاطِلَةً ; لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَاشَرَهَا ، وَلَكِنْ لَا يَحْصُلُ الْمِلْكُ إلَّا بَعْدَ الْقِسْمَةِ ، كَمَا لَا يَحْصُلُ الْمِلْكُ إلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ ، وَلَا نَقُولُ : الْهِبَةُ قَبْلَ الْقَبْضِ بَاطِلَةٌ ، وَفِيهِ دَلِيلُ أَنَّ التَّسْلِيمَ كَالتَّمْلِيكِ الْمُبْتَدَإِ ; لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ لِمَرَضِهِ ; فَإِنَّ الْمَرِيضَ مَمْنُوعٌ مِنْ إيثَارِ بَعْضِ وَرَثَتِهِ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ ، وَلَكِنْ طَيَّبَ قَلْبَهَا بِمَا قَالَ انْتِدَابًا إلَى مَا نَدَبَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ : { رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً أَعَانَ وَلَدَهُ عَلَى بِرِّهِ } بَدَأَ كَلَامَهُ بِالْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَكُلُّ مُسْلِمٍ مَنْدُوبٌ إلَى ذَلِكَ - خُصُوصًا فِي وَصِيَّتِهِ - ثُمَّ يُسْتَدَلُّ بِقَوْلِهِ : إنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إلَيَّ غِنًى : أَنْتِ ، وَأَعَزَّهُمْ عَلَيَّ فَقْرًا : أَنْتِ ، أَيْ : أَشَدُّهُمْ مِنْ تَفْضِيلِ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ عَلَى الْفَقِيرِ الصَّابِرِ . وَلَا شَكَّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُحِبُّ لَهَا أَعْلَى الدَّرَجَاتِ ، وَلَكِنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَنَا : أَنَّ الْأَفْضَلَ مَا اخْتَارَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ قَالَ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا ، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ } . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْفَقْرُ أَزْيَنُ بِالْمُؤْمِنِ مِنْ الْعَذَارِ الْجِيدِ عَلَى خَدِّ الْفَرَسِ } . وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اخْتَارَ الْفَقْرَ لِنَفْسِهِ حِينَ أَنْفَقَ جَمِيعَ مَالِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَرَفْنَا أَنَّهُ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ تَطْيِيبًا لِقَلْبِهَا ، أَوْ أَحَبَّ الْغِنَى لَهَا ; لِعَجْزِهَا عَنْ الْكَسْبِ ، أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهَا الصَّبْرُ عَلَى الْفَقْرِ ; فَلِهَذَا قَالَ : أَحَبُّ النَّاسِ إلَيَّ غِنًى : أَنْتِ ، وَإِنِّي كُنْت نَحَلْتُكِ جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِي بِالْعَالِيَةِ - وَذَلِكَ اسْمُ مَوْضِعٍ - وَقَدْ كَانَ وَهَبَ لَهَا قَدْرَ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ قَالَ : وَإِنَّمَا هُوَ مَالُ الْوَرَثَةِ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حَقَّ الْوَارِثِ يَتَعَلَّقُ بِمَالِ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ مَالُ الْوَارِثِ ، أَوْ قَالَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ مَآلَهُ إلَى ذَلِكَ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { إنَّك مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ } .
وَإِنَّمَا هُمَا أَخَوَاك وَأُخْتَاك ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ لِتَطْيِيبٍ قَلْبِهَا ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَسْلَمُ لَك فَلَا يَبْعُدُ عَنْك فَأَشْكَلَ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَوْلُهُ : وَأُخْتَاكِ ; لِأَنَّهَا مَا عُرِفَتْ لَهَا إلَّا أُخْتًا وَاحِدَةً ، وَهِيَ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّهُ أُلْقِيَ فِي نَفْسِي أَنَّ فِي بَطْنِ بِنْتِ خَارِجَةَ جَارِيَةً - يَعْنِي أُمَّ حَبِيبٍ امْرَأَتَهُ ، وَكَانَتْ حَامِلًا - وَفِيهِ دَلِيلُ أَنَّ الْحَمْلَ مِنْ جُمْلَةِ الْوَرَثَةِ ، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِمِثْلِ هَذَا بِطَرِيقِ الْفِرَاسَةِ ; فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ 51 رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ ذَلِكَ بِفِرَاسَتِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْهُ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ، فَإِنَّ مَا فِي الرَّحِمِ لَا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ إلَّا اللَّهُ - تَعَالَى - كَمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - { : وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ } . وَلِهَذَا قِيلَ : أَفَرَسُ النَّاسِ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ; حَيْثُ تَفَرَّسَ فِي حَبَلِ امْرَأَتِهِ : أَنَّهَا جَارِيَةٌ ، فَكَانَ كَمَا تَفَرَّسَ ، وَتَفَرَّسَ فِي عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ اسْتَخْلَفَهُ بَعْدَهُ .
وَالْمُرَادُ : الرَّحِمُ الْمُتَأَبِّدُ بِالْمَحْرَمِيَّةِ . ثُمَّ إنَّ الْحَدِيثَ دَلِيلُ أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَتِمُّ إلَّا بِالْقَبْضِ ; لِأَنَّهُ اعْتَبَرَ الْقَبْضَ لِلْمَنْعِ عَنْ الرُّجُوعِ ، وَهُوَ دَلِيلٌ لَنَا أَنَّ الْوَالِدَ إذَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ هِبَةً لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا كَالْوَلَدِ إذَا وَهَبَ لِوَالِدِهِ ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الرُّجُوعِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ - وَهُوَ صِلَةُ الرَّحِمِ - أَوْ لِمَا فِي الرُّجُوعِ وَالْخُصُومَةِ فِيهِ مِنْ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ ، وَالْوِلَادُ فِي ذَلِكَ أَقْوَى مِنْ الْقَرَابَةِ الْمُتَأَبِّدَةِ بِالْمَحْرَمِيَّةِ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ : مَنْ وَهَبَ لِأَجْنَبِيٍّ هِبَةً فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا - مَا لَمْ يُعَوَّضْ مِنْهَا - لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا لَمْ يُثَبْ ، وَالْمُرَادُ بِالثَّوَابِ : الْعِوَضُ فَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إمَامُنَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْخَصْمِ ، وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - { : أَيْنَمَا دَارَ الْحَقُّ فَعُمَرُ مَعَهُ ، وَإِنَّ مَلَكًا يَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ } . ( وَعَنْ ) عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : نَحَلَنِي أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ بِالْعَالِيَةِ ، فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : يَا بُنَيَّةُ إنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إلَيَّ غِنًى أَنْتِ ، وَأَعَزَّهُمْ عَلَيَّ فَقْرًا أَنْتِ ، وَإِنِّي كُنْت نَحَلْتُك جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِي بِالْعَالِيَةِ ، وَإِنَّك لَمْ تَكُونِي قَبَضْتِيهِ ، وَلَا حُزْتِيهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مَالُ الْوَرَثَةِ ، وَإِنَّمَا هُمَا أَخَوَاك ، وَأُخْتَاك قَالَتْ : فَقُلْت : فَإِنَّمَا هِيَ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي أَسْمَاءَ - قَالَ : إنَّهُ أُلْقِيَ فِي نَفْسِي أَنَّ فِي بَطْنِ بِنْتِ خَارِجَةَ جَارِيَةً . ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَحَلَهَا أَرْضًا لَهُ ، وَفِي هَذَا دَلِيلُ أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَتِمُّ إلَّا بِالْقَبْضِ وَأَنَّهُ يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْأَجْنَبِيُّ ، وَالْوَلَدُ إذَا كَانَا بَالِغَيْنِ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَتِمُّ إلَّا بِالْقِسْمَةِ - فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ - ; لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَبْطَلَ لِعَدَمِ الْقَبْضِ ، 50 وَالْحِيَازَةِ جَمِيعًا بِقَوْلِهِ : وَإِنَّك لَمْ تَكُونِي قَبَضْتِيهِ ، وَلَا حُزْتِيهِ ، وَالْمُرَادُ بِالْحِيَازَةِ : الْقِسْمَةُ ; لِأَنَّهُ يُقَالُ : حَازَ كَذَا ، أَيْ : جَعَلَهُ فِي حَيْزِهِ بِقَبْضِهِ . وَحَازَ كَذَا ، أَيْ : جَعَلَهُ فِي حَيْزِهِ بِالْقِسْمَةِ . وَلَوْ حَمَلْنَاهُ عَلَى الْقَبْضِ هُنَا كَانَ تَكْرَارًا ، وَحَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى مَا يُسْتَفَادُ بِهِ فَائِدَةٌ جَدِيدَةٌ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى التَّكْرَارِ .
وَفِيهِ دَلِيلٌ : أَنَّ هِبَةَ الْمَشَاعِ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ لَا تَكُونُ بَاطِلَةً ; لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَاشَرَهَا ، وَلَكِنْ لَا يَحْصُلُ الْمِلْكُ إلَّا بَعْدَ الْقِسْمَةِ ، كَمَا لَا يَحْصُلُ الْمِلْكُ إلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ ، وَلَا نَقُولُ : الْهِبَةُ قَبْلَ الْقَبْضِ بَاطِلَةٌ ، وَفِيهِ دَلِيلُ أَنَّ التَّسْلِيمَ كَالتَّمْلِيكِ الْمُبْتَدَإِ ; لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ لِمَرَضِهِ ; فَإِنَّ الْمَرِيضَ مَمْنُوعٌ مِنْ إيثَارِ بَعْضِ وَرَثَتِهِ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ ، وَلَكِنْ طَيَّبَ قَلْبَهَا بِمَا قَالَ انْتِدَابًا إلَى مَا نَدَبَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ : { رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً أَعَانَ وَلَدَهُ عَلَى بِرِّهِ } بَدَأَ كَلَامَهُ بِالْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَكُلُّ مُسْلِمٍ مَنْدُوبٌ إلَى ذَلِكَ - خُصُوصًا فِي وَصِيَّتِهِ - ثُمَّ يُسْتَدَلُّ بِقَوْلِهِ : إنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إلَيَّ غِنًى : أَنْتِ ، وَأَعَزَّهُمْ عَلَيَّ فَقْرًا : أَنْتِ ، أَيْ : أَشَدُّهُمْ مِنْ تَفْضِيلِ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ عَلَى الْفَقِيرِ الصَّابِرِ . وَلَا شَكَّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُحِبُّ لَهَا أَعْلَى الدَّرَجَاتِ ، وَلَكِنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَنَا : أَنَّ الْأَفْضَلَ مَا اخْتَارَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ قَالَ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا ، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ } . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْفَقْرُ أَزْيَنُ بِالْمُؤْمِنِ مِنْ الْعَذَارِ الْجِيدِ عَلَى خَدِّ الْفَرَسِ } . وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اخْتَارَ الْفَقْرَ لِنَفْسِهِ حِينَ أَنْفَقَ جَمِيعَ مَالِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَرَفْنَا أَنَّهُ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ تَطْيِيبًا لِقَلْبِهَا ، أَوْ أَحَبَّ الْغِنَى لَهَا ; لِعَجْزِهَا عَنْ الْكَسْبِ ، أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهَا الصَّبْرُ عَلَى الْفَقْرِ ; فَلِهَذَا قَالَ : أَحَبُّ النَّاسِ إلَيَّ غِنًى : أَنْتِ ، وَإِنِّي كُنْت نَحَلْتُكِ جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِي بِالْعَالِيَةِ - وَذَلِكَ اسْمُ مَوْضِعٍ - وَقَدْ كَانَ وَهَبَ لَهَا قَدْرَ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ قَالَ : وَإِنَّمَا هُوَ مَالُ الْوَرَثَةِ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حَقَّ الْوَارِثِ يَتَعَلَّقُ بِمَالِ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ مَالُ الْوَارِثِ ، أَوْ قَالَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ مَآلَهُ إلَى ذَلِكَ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { إنَّك مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ } .
وَإِنَّمَا هُمَا أَخَوَاك وَأُخْتَاك ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ لِتَطْيِيبٍ قَلْبِهَا ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَسْلَمُ لَك فَلَا يَبْعُدُ عَنْك فَأَشْكَلَ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَوْلُهُ : وَأُخْتَاكِ ; لِأَنَّهَا مَا عُرِفَتْ لَهَا إلَّا أُخْتًا وَاحِدَةً ، وَهِيَ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّهُ أُلْقِيَ فِي نَفْسِي أَنَّ فِي بَطْنِ بِنْتِ خَارِجَةَ جَارِيَةً - يَعْنِي أُمَّ حَبِيبٍ امْرَأَتَهُ ، وَكَانَتْ حَامِلًا - وَفِيهِ دَلِيلُ أَنَّ الْحَمْلَ مِنْ جُمْلَةِ الْوَرَثَةِ ، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِمِثْلِ هَذَا بِطَرِيقِ الْفِرَاسَةِ ; فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ 51 رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ ذَلِكَ بِفِرَاسَتِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْهُ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ، فَإِنَّ مَا فِي الرَّحِمِ لَا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ إلَّا اللَّهُ - تَعَالَى - كَمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - { : وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ } . وَلِهَذَا قِيلَ : أَفَرَسُ النَّاسِ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ; حَيْثُ تَفَرَّسَ فِي حَبَلِ امْرَأَتِهِ : أَنَّهَا جَارِيَةٌ ، فَكَانَ كَمَا تَفَرَّسَ ، وَتَفَرَّسَ فِي عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ اسْتَخْلَفَهُ بَعْدَهُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث