تحفة المحتاج في شرح المنهاج
تحفة المحتاج في شرح المنهاج · الجزء الثاني
الصفحة 1612 · ص. المطبوع 359 · الشرح
( وَلَوْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا ثُمَّ نَوَى الْقُدْوَةَ فِي خِلَالِ صَلَاتِهِ 359 جَازَ ) فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِهِ ( فِي الْأَظْهَرِ ) مَعَ الْكَرَاهَةِ الْمُفَوِّتَةِ لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ وَذَلِكَ لِمَا { ۝ فَعَلَهُ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا جَاءَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ إمَامٌ فَتَأَخَّرَ وَاقْتَدَى بِهِ } إذْ الْإِمَامُ فِي حُكْمِ الْمُنْفَرِدِ وَصَحَّ { ۝ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْرَمَ بِهِمْ ثُمَّ تَذَكَّرَ فِي صَلَاتِهِ أَنَّهُ جُنُبٌ فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ جَاءَ وَأَحْرَمَ بِهِمْ } وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ أَنْشَئُوا نِيَّةَ اقْتِدَاءٍ بِهِ ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُمْ هُنَا لَمْ تَرْتَبِطْ بِصَلَاةِ إمَامٍ بِخِلَافِ مَا يَأْتِي قَرِيبًا وَهَلْ الْعُذْرُ هُنَا كَمَا فِي صُورَةِ الْخَبَرِ وَكَأَنْ اقْتَدَى لِيَتَحَمَّلَ عَنْهُ الْفَاتِحَةَ فَيُدْرِكَ الصَّلَاةَ كَامِلَةً فِي الْوَقْتِ مَانِعٌ لِلْكَرَاهَةِ نَظِيرُ مَا مَرَّ أَوْ يُفَرَّقُ بِأَنَّهُ مَعَ الْعُذْرِ 360 ثُمَّ لَا خِلَافَ فِيهِ بِخِلَافِهِ هُنَا عَلَى مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ مَحَلُّ نَظَرٍ وَهُوَ إلَى الثَّانِي أَمْيَلُ .
قَالَ الْجَلَالُ الْبُلْقِينِيُّ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلْإِمَامِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِآخَرَ وَيَعْرِضَ عَنْ الْإِمَامَةِ وَهَذِهِ { ۝ وَقَعَتْ لِلصِّدِّيقِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا ذَهَبَ لِلصُّلْحِ بَيْنَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ وَفِي مَرَضِ مَوْتِهِ ثُمَّ جَاءَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَأَخْرَجَ نَفْسَهُ مِنْ الْإِمَامَةِ وَاقْتَدَى بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَخْرَجُوا أَنْفُسَهُمْ عَنْ الِاقْتِدَاءِ بِهِ وَاقْتَدُوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } وَقَضِيَّةُ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالْأَوَّلِ لِلْأَظْهَرِ كَمَا مَرَّ جَوَازُ ذَلِكَ بَلْ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهِ وَالثَّانِي ظَاهِرٌ ا هـ .
مُلَخَّصًا وَاسْتِظْهَارُهُ لِلثَّانِي فِيهِ نَظَرٌ بَلْ لَا يَصِحُّ أَمَّا أَوَّلًا فَفِي الصَّحِيحَيْنِ { ۝ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتَخْلَفَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } وَعِنْدَ الِاسْتِخْلَافِ لَا يَحْتَاجُ الْمَأْمُومُ لِنِيَّةٍ بَلْ لَوْ خَرَجَ الْإِمَامُ مِنْ الصَّلَاةِ أَيْ أَوْ الْإِمَامَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ قَوْلُهُمْ إذَا جَازَ الِاسْتِخْلَافُ مَعَ عَدَمِ بُطْلَانِ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَمَعَ بُطْلَانِهَا أَوْلَى ثُمَّ قَدِمَ هُوَ أَوْ بَعْضُ الْمَأْمُومِينَ أَوْ تَقَدَّمَ أَجْنَبِيٌّ وَلَوْ غَيْرَ مُقْتَدٍ بِهِ بِشَرْطِهِ لَمْ يَحْتَاجُوا لِنِيَّةٍ بِالْخَلِيفَةِ كَمَا يَأْتِي فَانْدَفَعَ قَوْلُ الْجَلَالِ ، وَالصَّحَابَةُ أَخْرَجُوا أَنْفُسَهُمْ إلَخْ وَوَجْهُ انْدِفَاعِهِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ بَاقِيَةٌ فِي حَقِّهِمْ لَكِنَّ رَابِطَةَ الْأَوَّلِ زَالَتْ وَخَلَفَتْهَا رَابِطَةُ الثَّانِي مِنْ غَيْرِ اسْتِئْنَافِ نِيَّةٍ مِنْهُمْ ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَقَدْ صَرَّحَ الْقَفَّالُ بِأَنَّ الْإِمَامَ لَوْ اقْتَدَى بِآخَرَ سَقَطَ اقْتِدَاؤُهُمْ بِهِ وَصَارُوا مُنْفَرِدِينَ وَلَهُمْ الِاقْتِدَاءُ بِالْإِمَامِ الثَّانِي الَّذِي اقْتَدَى بِهِ الْإِمَامُ لِقِصَّةِ الصِّدِّيقِ فَقَوْلُهُ صَارُوا مُنْفَرِدِينَ 361 وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ يَرُدُّ قَوْلَ الْجَلَالِ أَخْرَجُوا أَنْفُسَهُمْ عَنْ الِاقْتِدَاءِ بِهِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ وَاقْتَدَوْا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ تَابَعُوهُ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُمْ لَا يَحْتَاجُونَ لِنِيَّةٍ فَصَحِيحٌ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ رِوَايَةُ الصَّحِيحَيْنِ ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَخْرَجَ نَفْسَهُ عَنْ الْإِمَامَةِ بِتَأَخُّرِهِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّابِتُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ثُمَّ نَوَى الِاقْتِدَاءَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالصَّحَابَةُ بِتَقَدُّمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ اسْتِخْلَافِ أَبِي بَكْرٍ لَهُ صَارُوا مُقْتَدِينَ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوُوا ذَلِكَ وَمَعْنَى رِوَايَةِ وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِأَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ كَانَ يُسْمِعُهُمْ تَكْبِيرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِامْتِنَاعِ الِاقْتِدَاءِ بِالْمَأْمُومِ اتِّفَاقًا .
( تَنْبِيهٌ )
فِي الْمَجْمُوعِ فِي رِوَايَاتٍ قَلِيلَةٍ ذَكَرَهَا الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ { ۝ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِ وَفَاتِهِ صَلَّى خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ } وَأَجَابَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ عَنْهَا إنْ صَحَّتْ بِأَنَّهَا كَانَتْ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَأْمُومًا وَمَرَّةً كَانَ إمَامًا . ا هـ . وَقَدْ يُجْمَعُ بِأَنَّهُ أَوَّلًا اقْتَدَى بِأَبِي بَكْرٍ ثُمَّ تَأَخَّرَ أَبُو بَكْرٍ وَاقْتَدَى بِهِ وَلَعَلَّ الْجَمْعَ بِهَذَا أَقْرَبُ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَلِّ وَرَاءَ أَحَدٍ مِنْ أُمَّتِهِ إلَّا وَرَاءَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي تَبُوكَ ( وَإِنْ كَانَ فِي رَكْعَةٍ أُخْرَى ) غَيْرِ رَكْعَةِ الْإِمَامِ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ أَوْ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ إذْ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَحْذُورٌ ؛ لِأَنَّهُ يُلْغِي نَظْمَ صَلَاةِ نَفْسِهِ وَيَتْبَعُهُ كَمَا قَالَ ( ثُمَّ ) بَعْدَ اقْتِدَائِهِ بِهِ ( يَتْبَعُهُ ) وُجُوبًا ( قَائِمًا كَانَ أَوْ قَاعِدًا ) مَثَلًا رِعَايَةً لِحَقِّ الِاقْتِدَاءِ 362 وَمَرَّ فِي فَصْلِ نِيَّةِ الْقُدْوَةِ أَنَّهُ لَوْ اقْتَدَى بِهِ فِي تَشَهُّدِهِ انْتَظَرَهُ وَلَا يُتَابِعُهُ ( فَإِنْ فَرَغَ الْإِمَامُ أَوَّلًا فَهُوَ كَمَسْبُوقٍ ) فَيَقُومُ وَيُتِمُّ صَلَاتَهُ وَحِينَئِذٍ يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ وَلَوْ فِي الْجُمُعَةِ وَاقْتِدَاؤُهُ بِغَيْرِهِ إلَّا فِيهَا ( أَوْ ) فَرَغَ ( هُوَ ) أَيْ الْمَأْمُومُ أَوَّلًا ( فَإِنْ شَاءَ فَارَقَهُ ) بِالنِّيَّةِ وَسَلَّمَ وَلَا كَرَاهَةَ ؛ لِأَنَّهُ فِرَاقٌ لِعُذْرٍ ( وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَهُ ) بِقَيْدِهِ السَّابِقِ فِي فَصْلِ نِيَّةِ الْقُدْوَةِ ( لِيُسَلِّمَ مَعَهُ ) وَهُوَ الْأَفْضَلُ ( وَمَا أَدْرَكَهُ الْمَسْبُوقُ ) مَعَ الْإِمَامِ مِمَّا يُعْتَدُّ لَهُ بِهِ لَا كَالِاعْتِدَالِ وَمَا بَعْدَهُ ، فَإِنَّهُ لِمَحْضِ الْمُتَابَعَةِ فَلَا يَكُونُ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ ( فَأَوَّلُ صَلَاتِهِ ) وَمَا يَفْعَلُهُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ فَآخِرُ صَلَاتِهِ لِلْخَبَرِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ { ۝ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا } ، وَالْإِتْمَامُ يَسْتَلْزِمُ سَبْقَ ابْتِدَاءٍ .
363 فَخَبَرُ مُسْلِمٍ { ۝ وَاقْضِ مَا سَبَقَك } يُحْمَلُ الْقَضَاءُ فِيهِ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ ؛ لِأَنَّهُ مَجَازٌ مَشْهُورٌ عَلَى أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ لِاسْتِحَالَةِ حَقِيقَةِ الْقَضَاءِ الشَّرْعِيَّةِ هُنَا ( فَيُعِيدُ فِي الْبَاقِي ) مِنْ الصُّبْحِ مَثَلًا مَنْ أَدْرَكَ ثَانِيَتَهَا مَعَهُ الَّتِي هِيَ أُولَى الْمَأْمُومِ وَقَنَتَ مَعَهُ فِيهَا كَمَا هُوَ السُّنَّةُ كَمَا مَرَّ وَأَفَادَهُ قَوْلُهُ يُعِيدُ ( الْقُنُوتَ ) ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ آخِرَ الصَّلَاةِ وَفِعْلُهُ قَبْلَهُ مَعَ الْإِمَامِ لِمَحْضِ الْمُتَابَعَةِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث