تحفة المحتاج في شرح المنهاج
تحفة المحتاج في شرح المنهاج · الجزء الرابع
الصفحة 3516 · ص. المطبوع 317 · الشرح
( وَبَيْعُ ) نَحْوِ ( الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ لِعَاصِرِ الْخَمْرِ ) أَيْ لِمَنْ يَظُنُّ مِنْهُ عَصْرَهُ خَمْرًا أَوْ مُسْكِرًا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ رَبْطُ الْحُرْمَةِ الَّتِي أَفَادَهَا الْعَطْفُ بِوَصْفِ عَصْرِهِ لِلْخَمْرِ فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ وَاخْتِصَاصُ الْخَمْرِ بِالْمُعْتَصَرِ مِنْ الْعِنَبِ لَا يُنَافِي عِبَارَتَهُ هَذِهِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ أَيْضًا 317 لِأَنَّ عَصْرَهُ لِلْخَمْرِ قَرِينَةٌ عَلَى عَصْرِهِ لِلنَّبِيذِ الصَّادِقِ بِالْمُتَّخَذِ مِنْ الرُّطَبِ فَذَكَرَهُ فِيهِ لِلْقَرِينَةِ لَا لِأَنَّهُ يُسَمَّى خَمْرًا عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُسَمَّاهُ مَجَازًا شَائِعًا أَوْ تَغْلِيبًا وَدَلِيلُ ذَلِكَ { ۝ لَعْنُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَمْرِ عَشَرَةً عَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا } الْحَدِيثَ . الدَّالُّ عَلَى حُرْمَةِ كُلِّ تَسَبُّبٍ فِي مَعْصِيَةٍ وَإِعَانَةٍ عَلَيْهَا وَزَعَمَ أَنَّ الْأَكْثَرِينَ هُنَا عَلَى الْحِلِّ أَيْ مَعَ الْكَرَاهَةِ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا شَكَّ فِي عَصْرِهِ لَهُ وَمِثْلُ ذَلِكَ كُلُّ تَصَرُّفٍ يُفْضِي لِمَعْصِيَةٍ كَبَيْعِ مُخَدِّرٍ لِمَنْ يَظُنُّ أَكْلَهُ الْمُحَرَّمَ لَهُ وَأَمْرَدَ مِمَّنْ عُرِفَ بِالْفُجُورِ وَأَمَةٍ مِمَّنْ يَتَّخِذُهَا لِنَحْوِ غِنَاءٍ مُحَرَّمٍ وَخَشَبٍ لِمَنْ يَتَّخِذُهُ آلَةَ لَهْوٍ وَثَوْبِ حَرِيرٍ لِرَجُلٍ يَلْبَسُهُ فَإِنْ قُلْت هُوَ هُنَا عَاجِزٌ عَنْ التَّسْلِيمِ شَرْعًا فَلِمَ صَحَّ الْبَيْعُ قُلْت مَمْنُوعٌ لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْهُ لَيْسَ لِوَصْفٍ لَازِمٍ فِي الْمَبِيعِ بَلْ فِي الْبَائِعِ خَارِجٌ عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْمَبِيعِ وَشُرُوطُهُ وَبِهِ فَارَقَ الْبُطْلَانَ الْآتِيَ فِي التَّفْرِيقِ وَالسَّابِقَ فِي بَيْعِ السِّلَاحِ لِلْحَرْبِيِّ لِأَنَّهُ لِوَصْفٍ فِي ذَاتِ الْمَبِيعِ مَوْجُودٍ حَالَةَ الْبَيْعِ .
فَإِنْ قُلْت يُشْكِلُ عَلَيْهِ صِحَّةُ بَيْعِ السِّلَاحِ لِقَاطِعِ الطَّرِيقِ مَعَ وُجُودِ ذَلِكَ فِيهِ قُلْت يُفَرَّقُ بِأَنَّ وَصْفَ الْحِرَابَةِ الْمُقْتَضِي لِتَقْوِيَتِهِمْ عَلَيْنَا بِهِ مَوْجُودٌ حَالَ الْبَيْعِ بِخِلَافِ وَصْفِ قَطْعِهِ الطَّرِيقَ فَإِنَّهُ أَمْرٌ مُتَرَقَّبٌ وَلَا عِبْرَةَ بِمَا مَضَى مِنْهُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ كُلَّهُ لِيَنْدَفِعَ عَنْك مَا لِلسُّبْكِيِّ وَغَيْرِهِ هُنَا وَأَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ وَأَقَرُّوهُ فِيمَنْ حَمَلَتْ أَمَتُهَا عَلَى فَسَادٍ بِأَنَّهَا تُبَاعُ عَلَيْهَا قَهْرًا إذَا تَعَيَّنَ الْبَيْعُ طَرِيقًا إلَى خَلَاصِهَا كَمَا أَفْتَى الْقَاضِي فِيمَنْ يُكَلِّفُ قِنَّهُ مَا لَا يُطِيقُ بِأَنَّهُ يُبَاعُ عَلَيْهِ تَخْلِيصًا لَهُ مِنْ الذُّلِّ وَمَحَلُّهُ إنْ لَمْ يُمْكِنْ تَخْلِيصُهُ إلَّا بِبَيْعِهِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ كَلَامُهُمْ وَمِنْ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ أَيْضًا احْتِكَارُ الْقُوتِ بِأَنْ يَشْتَرِيَهُ وَقْتَ الْغَلَاءِ وَالْعِبْرَةُ فِيهِ بِالْعُرْفِ 318 لِيَبِيعَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ لِلتَّضْيِيقِ حِينَئِذٍ وَمَتَى اخْتَلَّ 319 شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا إثْمَ وَتَسْعِيرُ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ كَالْقَاضِي فِي قُوتٍ أَوْ غَيْرِهِ وَمَعَ ذَلِكَ يُعَزَّرُ مُخَالِفُهُ خَشْيَةً مِنْ شَقِّ الْعَصَا وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُمْ تَجِبُ طَاعَةُ الْإِمَامِ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ إثْمًا لِأَنَّ الْمُرَادَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ الْإِثْمُ بِالنِّسْبَةِ لِلْفَاعِلِ لَا لِلْآمِرِ وَالْمَأْمُورُ هُنَا غَيْرُ آثِمٍ فَحَرُمَتْ الْمُخَالَفَةُ فِيهِ نَعَمْ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَحَلَّ هَذِهِ الْحُرْمَةِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ تَظَاهَرَ بِهِ دُونَ مَنْ أَخْفَاهُ وَعَلَى الْقَاضِي حَيْثُ لَمْ يَعْتَدْ تَوْلِيَةَ الْحِسْبَةِ لِغَيْرِهِ لِخُرُوجِهَا عَنْ وِلَايَتِهِ حِينَئِذٍ إلَّا إنْ اُعْتِيدَ مَعَ ذَلِكَ بَقَاءُ نَظَرِ الْقَاضِي عَلَى الْحِسْبَةِ وَمُتَوَلِّيهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فِي زَمَنِ الضَّرُورَةِ جَبْرٌ مِنْ عِنْدِهِ زَائِدٌ عَلَى كِفَايَةِ مُمَوِّنِهِ سَنَةً عَلَى بَيْعِ الزَّائِدِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث