فتح القدير
فتح القدير · الجزء الثاني
الصفحة 633 · ص. المطبوع 14 · الشرح
( قَوْلُهُ : وَالسَّجْدَةُ وَاجِبَةٌ ) يَعْنِي بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ أَوْ هِيَ أَوْ بَدَلِهَا فَإِنَّهُ لَوْ تَلَاهَا رَاكِبًا كَانَ الْوَاجِبُ الْإِيمَاءَ لَهَا لِمَا سَنَذْكُرُ ; وَلِأَنَّ الْمَتْلُوَّةَ فِي الصَّلَاةِ الْتَحَقَتْ بِأَفْعَالِ الصَّلَاةِ . وَالصَّلَاةُ عَلَى الدَّابَّةِ يَكُونُ سُجُودُهَا بِالْإِيمَاءِ ، وَحَدِيثُ { ۝ السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا } رَفْعُهُ غَرِيبٌ وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ " السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا " وَفِي الْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا ، وَقَالَ عُثْمَانُ : إنَّمَا السُّجُودُ عَلَى مَنْ اسْتَمَعَ ، وَهَذَا الْمُعَلَّقُ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُثْمَانَ مَرَّ بِقَاصٍّ فَقَرَأَ سَجْدَةً لِيَسْجُدَ مَعَهُ عُثْمَانُ ، فَقَالَ عُثْمَانُ : إنَّمَا السُّجُودُ عَلَى مَنْ اسْتَمَعَ ثُمَّ مَضَى وَلَمْ يَسْجُدْ . وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْإِيمَانِ يَرْفَعُهُ { ۝ إذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي يَقُولُ يَا وَيْلَهُ ، أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِيَ النَّارُ } .
وَالْأَصْلُ أَنَّ الْحَكِيمَ إذَا حَكَى عَنْ غَيْرِ الْحَكِيمِ كَلَامًا وَلَمْ يُعَقِّبْهُ بِالْإِنْكَارِ كَانَ دَلِيلَ صِحَّتِهِ ، فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْوُجُوبِ مَعَ أَنَّ آيَ السَّجْدَةِ تُفِيدُهُ أَيْضًا ; لِأَنَّهَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ : قِسْمٌ فِيهِ الْأَمْرُ الصَّرِيحُ بِهِ . وَقِسْمٌ تَضَمَّنَ حِكَايَةَ اسْتِنْكَافِ الْكَفَرَةِ حَيْثُ أُمِرُوا بِهِ . وَقِسْمٌ فِيهِ حِكَايَةُ فِعْلِ الْأَنْبِيَاءِ السُّجُودَ . وَكُلٌّ مِنْ الِامْتِثَالِ وَالِاقْتِدَاءِ وَمُخَالَفَةِ الْكَفَرَةِ وَاجِبٌ ، إلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ فِي مُعَيَّنٍ عَلَى عَدَمِ لُزُومِهِ ، لَكِنَّ دَلَالَتَهَا فِيهِ ظَنِّيَّةٌ فَكَانَ الثَّابِتُ الْوُجُوبَ لَا الْفَرْضَ ، وَالِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ ثُبُوتَهَا عَلَى الْمُكَلَّفِينَ مُقَيَّدٌ بِالتِّلَاوَةِ لَا مُطْلَقًا فَلَزِمَ كَذَلِكَ ، وَإِنَّمَا أُدِّيَتْ بِالْإِيمَاءِ إذَا تَلَاهَا رَاكِبًا ; لِأَنَّ الشُّرُوعَ فِي التِّلَاوَةِ رَاكِبًا مَشْرُوعٌ كَالشَّرْعِ فِي التَّطَوُّعِ رَاكِبًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُمَا سَبَبَا لُزُومِ السَّجْدَةِ ، فَكَمَا أَوْجَبَ التَّطَوُّعُ رَاكِبًا السُّجُودَ بِالْإِيمَاءِ أَوْجَبَهَا التِّلَاوَةُ كَذَلِكَ . وَإِنَّمَا أُدِّيَتْ فِي ضِمْنِ السَّجْدَةِ الصُّلْبِيَّةِ وَالرُّكُوعِ لِمَا نَذْكُرُ .
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَتْلُوَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ أَوْ الْفَارِسِيَّةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَهِمَ السَّامِعُ أَوْ لَا إذَا أُخْبِرَ أَنَّهُ قَرَأَ سَجْدَةً ، وَعِنْدَهُمَا يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بِأَنَّهُ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ، وَلَوْ قَرَأَ بِالْعَرَبِيَّةِ يَلْزَمُهُ مُطْلَقًا ، لَكِنْ لَا يَجِبُ عَلَى الْأَعْجَمِيِّ مَا لَمْ يَعْلَمْ ، وَلَا تَجِبُ بِكِتَابَةٍ وَلَا عَلَى أَصَمَّ أَوَّلًا بِقِرَاءَةِ آيَةِ السَّجْدَةِ هِجَاءً ، وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ { ۝ قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّجْمَ فَلَمْ يَسْجُدْ } لَا يُفِيدُ نَفْيَ الْوُجُوبِ وَالسُّنِّيَّةِ فِي الْمُفَصَّلِ كَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، إذْ هُوَ وَاقِعَةُ حَالِ فَيَجُوزُ كَوْنُهُ لِلْقِرَاءَةِ فِي وَقْتٍ مَكْرُوهٍ ، أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ، أَوْ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى الْفَوْرِ ، وَهَذَا الْأَخِيرُ عَلَى التَّعْيِينِ مَحْمَلُ حَدِيثِ عُمَرَ الْمَرْوِيِّ فِي الْمُوَطَّأِ " أَنَّهُ قَرَأَ سَجْدَةً وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَنَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ ، ثُمَّ قَرَأَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى فَتَهَيَّأَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ فَقَالَ : عَلَى رِسْلِكُمْ إنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْهَا عَلَيْنَا إلَّا أَنْ نَشَاءَ فَلَمْ يَسْجُدْ وَمَنَعَهُمْ " .
وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ لِمَالِكٍ 14 مِمَّا رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ قَالَا : لَيْسَ فِي الْمُفَصَّلِ سَجْدَةٌ ، وَمَا أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ { ۝ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ سَجَدْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إحْدَى عَشْرَةَ سَجْدَةً لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ الْمُفَصَّلِ : الْأَعْرَافُ وَالرَّعْدُ ، وَالنَّحْلُ ، وَبَنِي إسْرَائِيلَ ، وَمَرْيَمُ وَالْحَجُّ ، وَالْفُرْقَانُ ، وَالنَّمْلُ ، وَالسَّجْدَةُ ، وَصِّ وَسَجْدَةُ الْحَوَامِيمِ } فَالثَّانِي ضَعِيفٌ بِعُثْمَانَ بْنِ فَائِدٍ ، وَلَوْ صَحَّ فَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ السَّجْدَةِ فِي الْمُفَصَّلِ ، بَلْ إنَّ الْإِحْدَى عَشْرَةَ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ فِي الْمُفَصَّلِ وَلَيْسَ فِي هَذَا نِزَاعٌ ، وَلَوْ صَحَّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ كَانَ مَعَ مَا قَبْلَهُ مُعَارَضًا بِحَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ { ۝ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَرَأَ إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ فَسَجَدَ ، فَقُلْتُ لَهُ : مَا هَذِهِ السَّجْدَةُ ؟ قَالَ : لَوْ لَمْ أَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْجُدُهَا لَمْ أَسْجُدْ ، لَا أَزَالُ أَسْجُدُهَا حَتَّى أَلْقَاهُ } .
وَأَخْرَجُوا إلَّا التِّرْمِذِيَّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهُ أَيْضًا قَالَ { ۝ سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ، وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك } وَهَذَا أَقْوَى مِمَّا قَبْلَهُ ، وَإِسْلَامُ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَ فِي السُّنَّةِ السَّابِعَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ . وَلَوْ تَعَارَضَا كَانَ الِاحْتِيَاطُ فِي الْإِيجَابِ . وَمِمَّا اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الْوُجُوبِ اسْتِدْلَالُ الشَّافِعِيَّةِ بِهِ عَلَى أَنَّ فِي الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ بِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَإِنَّهُ أَفَادَ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ لِلْقِرَاءَةِ دُونَ سُجُودٍ وَهِيَ رُتْبَةُ الْوَاجِبِ . ( قَوْلُهُ : وَهِيَ كَلِمَةُ إيجَابٍ ) يَعْنِي : لَفْظَ { عَلَى } مِنْ صِيَغِ الْإِلْزَامِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث