فتح القدير
فتح القدير · الجزء الثاني
84 ( بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ ) صَلَاةُ الْعِيدِ وَالْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ مُتَشَارِكَةٌ فِي عَوَارِضَ هِيَ الشَّرْعِيَّةُ نَهَارًا بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ . وَصَلَاةُ الْعِيدِ آكَدُ ; لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ ، وَصَلَاةُ الْكُسُوفِ سُنَّةٌ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْجُمْهُورِ أَوْ وَاجِبَةٌ عَلَى قُوَيْلَةٍ ، وَاسْتِنَانُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، فَظَهَرَ وَجْهُ تَرْتِيبِ أَبْوَابِهَا ، وَيُقَالُ : كَسَفَ اللَّهُ الشَّمْسَ يَتَعَدَّى ، وَكَسَفَتْ الشَّمْسُ لَا يَتَعَدَّى . قَالَ جَرِيرٌ : ﴿﴾ حُمِّلْتَ أَمْرًا عَظِيمًا فَاصْطَبَرْت لَهُ ﴿﴾ ﴿﴾ وَقُمْت فِيهِ بِأَمْرِ اللَّهِ يَا عُمَرَا ﴿﴾ ﴿﴾ فَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ لَيْسَتْ بِكَاسِفَةٍ ﴿﴾ ﴿﴾ تُبْكِي عَلَيْك نُجُومَ اللَّيْلِ وَالْقَمَرَا ﴿﴾ قَوْلُهُ : " يَا عُمَرَا " نُدْبَةً لَا نِدَاءً ، وَهُوَ شَاهِدُ النَّدْبِ بِيَا عَلَى قِلَّةٍ وَالْأَكْثَرُ لَفْظُ وَا " نُجُومُ اللَّيْلِ " نُصِبَ بِتُبْكِي ; لِأَنَّهُ مُضَارِعُ بَاكَيْتُهُ فَبَكَيْته : أَيْ غَلَبْته فِي الْبُكَاءِ ، وَالْقَمَرَا عَطْفٌ عَلَيْهِ . وَرُوِيَ بِرَفْعِ النُّجُومِ فَهُوَ فَاعِلُ تَبْكِي ، وَالْقَمَرَا مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَعِيَّةِ ، وَالْأَلِفُ أَلِفُ الْإِطْلَاقِ الَّتِي تَلْحَقُ الْقَوَافِي الْمُطْلَقَةِ .
وَسَبَبُهَا الْكُسُوفُ ، وَصِفَتُهَا سُنَّةٌ ، وَاخْتَارَ فِي الْأَسْرَارِ وُجُوبَهَا لِلْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ فَافْزَعُوا إلَى الصَّلَاةِ } قَالَ : وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ تُقَامُ عَلَى سَبِيلِ الشُّهْرَةِ فَكَانَ شِعَارًا لِلدِّينِ حَالَ الْفَزَعِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَمْرَ لِلنَّدْبِ ; لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ دَفْعُ الْأَمْرِ الْمَخُوفِ فَهِيَ مَصْلَحَةٌ تَعُودُ إلَيْنَا دُنْيَوِيَّةٌ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا لَوْ كَانَ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عَلَى الطَّاعَةِ ثُمَّ وُجِدَتْ هَذِهِ الْأَفْزَاعُ فَإِنَّهُ بِتَقْدِيرِ الْهَلَاكِ يُحْشَرُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ لَا يُعَاقَبُونَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا عَلَى ذَلِكَ فَتُفْتَرَضُ التَّوْبَةُ ، وَهِيَ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى الصَّلَاةِ وَإِلَّا لَكَانَتْ فَرْضًا . وَقَدْ بَيَّنَّا فِي بَابِ الْعِيدَيْنِ أَنَّ الْمَعْنَى الْمَذْكُورَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْوُجُوبَ ، إذْ لَا مَانِعَ مِنْ اسْتِنَانِ شِعَارٍ مَقْصُودٍ ابْتِدَاءً فَضْلًا عَنْ شِعَارٍ يَتَعَلَّقُ بِعَارِضٍ . وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا تُصَلَّى بِجَمَاعَةٍ وَفِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ أَوْ مُصَلَّى الْعِيدِ . وَلَا تُصَلَّى فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ ( قَوْلُهُ : كَهَيْئَةِ النَّافِلَةِ ) أَيْ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ وَلَا خُطْبَةٍ ، وَيُنَادِي الصَّلَاةَ جَامِعَةً 85 لِيَجْتَمِعُوا إنْ لَمْ يَكُونُوا اجْتَمَعُوا ( قَوْلُهُ : لَهُ رِوَايَةُ عَائِشَةَ ) أَخْرَجَ السِّتَّةُ عَنْهَا قَالَتْ { خَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمَسْجِدِ فَقَامَ فَكَبَّرَ وَصَفَّ النَّاسَ وَرَاءَهُ ، فَاقْتَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، ثُمَّ قَالَ فَاقْتَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً هِيَ أَدْنَى مِنْ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى ، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا هُوَ أَدْنَى مِنْ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَاسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ ، وَانْجَلَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ ، ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ : إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إلَى الصَّلَاةِ } انْتَهَى .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ نَحْوُهُ ، وَلَفْظُ ابْنِ عَمْرٍو فِي مُسْلِمٍ { لَمَّا انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُودِيَ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ فَرَكَعَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ ثُمَّ جَلَى عَنْ الشَّمْسِ } ( قَوْلُهُ وَلَنَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ) وَقِيلَ لَعَلَّهُ ابْنُ عَمْرٍو يَعْنِي : عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَتَصَحَّفَ عَلَى بَعْضِ النُّسَّاخِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ .
أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ { انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَامَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَكَدْ يَرْكَعُ ثُمَّ رَكَعَ فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ ثُمَّ رَفَعَ فَلَمْ يَكَدْ يَسْجُدُ ثُمَّ سَجَدَ فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ ثُمَّ رَفَعَ ، وَفَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ } وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ مِنْ أَجْلِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ انْتَهَى . وَهَذَا تَوْثِيقٌ مِنْهُ لِعَطَاءٍ . وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ لَهُ مَقْرُونًا بِأَبِي بِشْرٍ . وَقَالَ أَيُّوبُ هُوَ ثِقَةٌ ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ . وَفَرَّقَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بَيْنَ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا .
أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبَّادٍ عَنْ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ قَالَ { بَيْنَا أَنَا وَغُلَامٌ مِنْ الْأَنْصَارِ نَرْمِي غَرَضَيْنِ لَنَا حَتَّى إذَا كَانَتْ الشَّمْسُ قِيدَ رُمْحَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فِي عَيْنِ 86 النَّاظِرِ مِنْ الْأُفُقِ اسْوَدَّتْ حَتَّى آضَتْ كَأَنَّهَا تَنُّومَةٌ ، فَقَالَ أَحَدُنَا لِصَاحِبِهِ : انْطَلِقْ بِنَا إلَى الْمَسْجِدِ فَوَاَللَّهِ لَيُحْدِثَنَّ شَأْنُ هَذِهِ الشَّمْسِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُمَّتِهِ حَدَثًا ، قَالَ : فَدَفَعْنَا فَإِذَا هُوَ بَارِزٌ ، فَاسْتَقْدَمَ فَصَلَّى فَقَامَ كَأَطْوَلِ مَا قَامَ بِنَا فِي صَلَاةٍ قَطُّ لَا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا ، ثُمَّ رَكَعَ بِنَا كَأَطْوَلِ مَا رَكَعَ بِنَا فِي صَلَاةٍ قَطُّ لَا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا ثُمَّ سَجَدَ بِنَا كَأَطْوَلِ مَا سَجَدَ بِنَا فِي صَلَاةٍ قَطُّ لَا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ ، فَوَافَقَ تَجَلِّي الشَّمْسِ جُلُوسَهُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ ، ثُمَّ سَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَشَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَشَهِدَ أَنَّهُ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ } هَذِهِ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُد .
وَفِي أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ { كَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ وَيَسْأَلُ عَنْهَا حَتَّى انْجَلَتْ } ، وَفِي النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ { انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ يَجُرُّ ثَوْبَهُ فَزَعًا حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ فَلَمْ يَزَلْ يُصَلِّي حَتَّى انْجَلَتْ . قَالَ : إنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ إلَّا لِمَوْتِ عَظِيمٍ مِنْ الْعُظَمَاءِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ . إنَّ اللَّهَ إذَا بَدَا لِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ خَشَعَ لَهُ ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَّلُوا كَأَحْدَثِ صَلَاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا مِنْ الْمَكْتُوبَةِ } وَرَوَى مَعْنَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِهِمَا . وَأَبُو قِلَابَةَ أَدْرَكَ ابْنَ بَشِيرٍ قَالَهُ أَبُو حَاتِمٍ بَعْدَمَا نَقَلَ عَنْ ابْنِ مَعِينٍ أَبُو قِلَابَةَ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مُرْسَلٌ .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ قَبِيصَةَ الْهِلَالِيِّ قَالَ { كَسَفَتْ الشَّمْسُ } وَفِيهِ { فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَأَطَالَ فِيهَا الْقِيَامَ ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ انْجَلَتْ فَقَالَ : إنَّمَا هَذِهِ الْآيَاتُ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَصَّلُوا كَأَحْدَثِ صَلَاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا مِنْ الْمَكْتُوبَةِ } ثُمَّ رَوَاهُ بِسَنَدٍ آخَرَ فَأَدْخَلَ بَيْنَ أَبِي قِلَابَةَ وَقَبِيصَةَ هِلَالَ بْنَ عَامِرٍ ، فَقَدْ عُرِفَ السَّاقِطُ فِي السَّنَدِ الْأَوَّلِ فَلِذَا قَالَ الشَّيْخُ النَّوَوِيُّ : هَذَا لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ فَإِنَّ هِلَالًا ثِقَةٌ . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ { خَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى انْتَهَى إلَى الْمَسْجِدِ وَثَابَ النَّاسُ إلَيْهِ ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ فَانْجَلَتْ ، فَقَالَ : إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَصَلُّوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ } فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مِنْهَا صَحِيحٌ ، وَمِنْهَا الْحَسَنُ قَدْ دَارَتْ عَلَى ثَلَاثَةِ أُمُورٍ : مِنْهَا مَا فِيهِ أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ . وَمِنْهَا الْأَمْرُ بِأَنْ يَجْعَلُوهَا كَأَحْدَثِ مَا صَلُّوهُ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ وَهِيَ 87 الصُّبْحُ ، فَإِنَّ كُسُوفَ الشَّمْسِ كَانَ عِنْدَ ارْتِفَاعِهَا قَدْرَ رُمْحَيْنِ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ ، فَأَفَادَ أَنَّ السُّنَّةَ رَكْعَتَانِ . وَمِنْهَا مَا فُصِّلَ فَأَفَادَ تَفْصِيلُهُ أَنَّهَا بِرُكُوعٍ وَاحِدٍ كَمَا فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ وَابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَحَمْلُ الرَّكْعَتَيْنِ عَلَى أَنَّ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ رُكُوعَيْنِ خُرُوجٌ عَنْ الظَّاهِرِ . لَا يُقَالُ : الرَّكْعَةُ اسْمٌ لِلْأَفْعَالِ الَّتِي آخِرُهَا السَّجْدَتَانِ وَقَبْلَهُمَا رُكُوعٌ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ ; لِأَنَّا نَمْنَعُهُ ؟ بَلْ الْمُتَبَادَرُ مِنْ لَفْظِ الْأَفْعَالِ الْمَخْصُوصَةِ الَّتِي هِيَ قِيَامٌ وَاحِدٌ وَقِرَاءَةٌ وَاحِدَةٌ وَرُكُوعٌ وَاحِدٌ وَسَجْدَتَانِ فَهُوَ مَفْهُومُهَا فِي عُرْفِ أَهْلِ الشَّرْعِ لَا مَا اشْتَمَلَ عَلَى قِرَاءَتَيْنِ وَقِيَامَيْنِ وَرُكُوعَيْنِ .
وَأَمَّا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ فَهُوَ أَيْضًا كَذَلِكَ . وَيُقَالُ أَيْضًا لِمُجَرَّدِ الرُّكُوعِ ، فَهُوَ إمَّا مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مَجْمُوعِ الْأَفْعَالِ الَّتِي مِنْهَا الرُّكُوعُ الْوَاحِدُ وَبَيَّنَهُ بِدَلِيلِ مَا رَوَوْهُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ { فَاسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ } وَالْمُرَادُ عِنْدَهُمْ أَرْبَعُ رُكُوعَاتٍ فَسَمَّتْ كُلَّ رُكُوعٍ رَكْعَةً . وَكَذَا مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو الَّذِي رَوَوْهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ . وَإِمَّا مَجَازٌ عُرْفِيٌّ فِيهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ ; لِأَنَّهُمْ حَيْثُ أَرَادُوا قَيَّدُوهُ بِالْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ ، وَقَوْلُهَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ ، وَحَيْثُ أَرَادُوا الْأَوَّلَ أَطْلَقُوا اسْمَ الرَّكْعَةِ وَالرَّكْعَتَيْنِ مَعَ أَنَّ الْمَجَازَ خَيْرٌ مِنْ الِاشْتِرَاكِ ، فَظَهَرَ أَنَّ حَقِيقَةَ لَفْظِ رَكْعَتَيْنِ مَا كَانَ كُلُّ رَكْعَةٍ بِرُكُوعٍ وَاحِدٍ وَمَجَازُهَا الْمُسْتَعْمَلُ نَفْسُ الرُّكُوعِ الْوَاحِدِ ، فَإِرَادَةُ قِيَامَيْنِ وَقِرَاءَتَيْنِ وَرُكُوعَيْنِ بَعْدَهَا سُجُودَانِ بِهَا لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ ، وَلَا مَجَازٍ ثَبَتَ اسْتِعْمَالُهُمْ لَهُ . فَإِنْ قِيلَ إمْكَانُ الْحَمْلِ عَلَيْهِ يَكْفِي فِي الْحَمْلِ عَلَيْهِ إذَا أَوْجَبَهُ دَلِيلٌ وَقَدْ وُجِدَ وَهُوَ كَوْنُ أَحَادِيثِ الرُّكُوعَيْنِ أَقْوَى ، قُلْنَا هَذِهِ أَيْضًا فِي رُتْبَتِهَا .
أَمَّا حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ آخِرًا فَلَا شَكَّ ، وَكَذَا مَا قَبْلَهُ مِنْ حَدِيثِ النَّسَائِيّ وَأَبِي دَاوُد ، وَالْبَاقِي لَا يَنْزِلُ عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ ، وَقَدْ تَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ فَيَرْتَقِي إلَى الصَّحِيحِ ، فَهَذِهِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ حِينَئِذٍ فَكَافَأَتْ أَحَادِيثَ الرُّكُوعَيْنِ وَكَوْنُ بَعْضِ تِلْكَ اتَّفَقَ عَلَيْهَا الْكُلُّ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ ، غَايَةُ مَا فِيهِ كَثْرَةُ الرُّوَاةِ وَلَا تَرْجِيحَ عِنْدَنَا بِذَلِكَ ، ثُمَّ الْمَعْنَى الَّذِي رَوَيْنَاهُ أَيْضًا فِي الْكُتُبِ الْخَمْسَةِ وَالْمَعْنَى هُوَ الْمَنْظُورُ إلَيْهِ ، وَإِنَّمَا تَفَرَّقَ فِي آحَادِ الْكُتُبِ وَثَنَائِهَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِ الْمُتُونِ .
وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهَا أَقْوَى سَنَدًا فَالضَّعِيفُ قَدْ يَثْبُتُ مَعَ صِحَّةِ الطَّرِيقِ بِمَعْنًى آخَرَ ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِيهَا . فَإِنَّ أَحَادِيثَ تَعَدُّدِ الرُّكُوعِ اضْطَرَبَتْ وَاضْطَرَبَ فِيهَا الرُّوَاةُ أَيْضًا ، فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ رَوَى رُكُوعَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَى ثَلَاثَ رُكُوعَاتٍ .
فَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ { كَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ } ، وَهَذَا أَيْضًا يُؤَيِّدُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الرَّكْعَةِ .
وَرَوَى مُسْلِمٌ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ نَفْسِهِ حَدِيثَ الرُّكُوعَيْنِ قَالَ { كَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ فَأَطَالَ الْقِيَامَ حَتَّى جَعَلُوا يَخِرُّونَ ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ فَصَنَعَ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ ، فَكَانَتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ } وَكَذَا أَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ إنَّهَا بِثَلَاثِ رُكُوعَاتٍ وَكَمَا قَدَّمْنَا عَنْهَا بِرُكُوعَيْنِ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ تَقَدَّمَ عَنْهُ رِوَايَةُ الرُّكُوعِ الْوَاحِدِ وَالرُّكُوعَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ رِوَايَةُ الرُّكُوعِ الْوَاحِدِ اُخْتُلِفَ فِي تَصْحِيحِهَا ، بِخِلَافِ رِوَايَةِ الرُّكُوعَيْنِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَخْلُو عَنْ إيهَانِ ظَنِّ الرِّوَايَةِ الْأُولَى عَنْهُ .
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَرْبَعَ رُكُوعَاتٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فَقَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ قَرَأَ 88 ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ سَجَدَ ، قَالَ : وَالْأُخْرَى مِثْلُهَا } وَفِي لَفْظٍ { ثَمَانِ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ } ، وَأَخْرَجَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ عَلِيٍّ بَلْ أَحَالَ عَلَى مَا قَبْلَهُ .
وَرُوِيَ أَيْضًا خَمْسُ رُكُوعَاتٍ : أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيّ عَنْ أَبِي كَعْبٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِهِمْ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ فَقَرَأَ سُورَةً مِنْ الطِّوَالِ وَرَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ، وَفَعَلَ فِي الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ جَلَسَ يَدْعُو حَتَّى تَجَلَّى كُسُوفُهَا } وَأَبُو جَعْفَرٍ فِيهِ مَقَالٌ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْوِتْرِ ، وَالِاضْطِرَابُ مُوجِبٌ لِلضَّعْفِ فَوَجَبَ تَرْكُ رِوَايَاتِ التَّعَدُّدِ كُلِّهَا إلَى رِوَايَاتٍ غَيْرِهَا . وَلَوْ قُلْنَا : الِاضْطِرَابُ شَمَلَ رِوَايَاتِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ فَوَجَبَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى مَا هُوَ الْمَعْهُودُ صَحَّ ، وَيَكُونُ مُتَضَمِّنًا تَرَجُّحَ رِوَايَاتِ الِاتِّحَادِ ضِمْنًا لَا قَصْدًا وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِرِوَايَاتِ الطَّلَاقِ : أَعْنِي نَحْوَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَصَلُّوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ } وَعَنْ هَذَا الِاضْطِرَابِ الْكَثِيرِ وَفَّقَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا بِحَمْلِ رِوَايَاتِ التَّعَدُّدِ .
عَلَى أَنَّهُ لَمَّا أَطَالَ فِي الرُّكُوعِ أَكْثَرَ مِنْ الْمَعْهُودِ جِدًّا وَلَا يَسْمَعُونَ لَهُ صَوْتًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةٍ رَفْعَ مَنْ خَلْفَهُ مُتَوَهِّمِينَ رَفْعَهُ وَعَدَمُ سَمَاعِهِمْ الِانْتِقَالَ فَرَفَعَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِي مَنْ رَفَعَ ، فَلَمَّا رَأَى مَنْ خَلْفَهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَرْفَعْ فَلَعَلَّهُمْ انْتَظَرُوهُ عَلَى تَوَهُّمٍ أَنْ يُدْرِكَهُمْ فِيهِ ، فَلَمَّا يَئِسُوا مِنْ ذَلِكَ رَجَعُوا إلَى الرُّكُوعِ فَظَنَّ مَنْ خَلْفَهُمْ أَنَّهُ رُكُوعٌ بَعْدَ رُكُوعٍ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَوَوْا كَذَلِكَ ، ثُمَّ لَعَلَّ رِوَايَاتِ الثَّلَاثِ وَالْأَرْبَعِ بِنَاءً عَلَى اتِّفَاقِ تَكَرُّرِ الرَّفْعِ مِنْ الَّذِي خَلْفَ الْأَوَّلِ . وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْكُسُوفُ فِي زَمَنِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً .
فَإِنْ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ تَكَرَّرَ مِرَارًا عَلَى بُعْدِ أَنْ يَقَعَ نَحْوَ سِتِّ مَرَّاتٍ فِي نَحْوِ عَشْرِ سِنِينَ ; لِأَنَّهُ خِلَافُ الْعَادَةِ ، كَانَ رَأْيُنَا أَوْلَى أَيْضًا ; لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُنْقَلْ تَارِيخُ فِعْلِهِ الْمُتَأَخِّرِ فِي الْكُسُوفِ الْمُتَأَخِّرِ فَقَدْ وَقَعَ التَّعَارُضُ فَوَجَبَ الْإِحْجَامُ عَنْ الْحُكْمِ بِأَنَّهُ كَانَ الْمُتَعَدِّدَ عَلَى وَجْهِ التَّثْنِيَةِ أَوْ الْجَمْعِ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا ، أَوْ كَانَ الْمُتَّحِدَ فَبَقِيَ الْمَجْزُومُ بِهِ اسْتِنَانُ الصَّلَاةِ مَعَ التَّرَدُّدِ فِي كَيْفِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ الْمَرْوِيَّاتِ فَيُتْرَكُ وَيُصَارُ إلَى الْمَعْهُودِ ثُمَّ يَتَضَمَّنُ مَا قَدَّمْنَا مِنْ التَّرْجِيحِ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ .
وَالْمُصَنِّفُ رَجَّحَ بِأَنَّ الْحَالَ أَكْشَفُ لِلرِّجَالِ وَهُوَ يَتِمُّ لَوْ لَمْ يَرْوِ حَدِيثَ الرُّكُوعَيْنِ أَحَدٌ غَيْرُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مِنْ الرِّجَالِ ، لَكِنْ قَدْ سَمِعْت مَنْ رَوَاهُ فَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَا صِرْنَا إلَيْهِ ( قَوْلُهُ : أَمَّا التَّطْوِيلُ فَبَيَانُ الْأَفْضَلِ ) ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ كَمَا مَرَّ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ وَسَمُرَةَ ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ حِينَئِذٍ مُسْتَثْنَاةٌ مِمَّا سَلَفَ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ مِنْ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُطَوِّلَ الْإِمَامُ بِهِمْ الصَّلَاةَ ، وَلَوْ خَفَّفَهَا جَازَ وَلَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ ; لِأَنَّ الْمَسْنُونَ اسْتِيعَابُ الْوَقْتِ بِالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ ، فَإِنَّ رِوَايَةَ أَبِي دَاوُد { فَجَعَلَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ وَيَسْأَلُ عَنْهَا حَتَّى انْجَلَتْ } يُعْطِي أَنَّهُ لَمْ يُبَالِغْ فِي التَّطْوِيلِ كَمَا فِي رِوَايَةِ جَابِرٍ أَنَّهُ جَعَلَ الصَّحَابَةُ يَخِرُّونَ لِطُولِ الْقِيَامِ ، إذْ الظَّاهِرُ أَنَّهَا لَمْ تَمْكُثْ مَعَ مِثْلِ هَذَا الطُّولِ مَا يَسَعُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ .
وَالْحَقُّ أَنَّ السُّنَّةَ التَّطْوِيلُ ، وَالْمَنْدُوبُ مُجَرَّدُ اسْتِيعَابِ الْوَقْتِ كَمَا ذُكِرَ مُطْلَقًا كَمَا فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ { انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ } إلَى أَنْ قَالَ { فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ } ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ { فَإِذَا رَأَيْتُمْ كُسُوفًا فَاذْكُرُوا اللَّهَ حَتَّى تَنْجَلِيَ } ( وَقَوْلُهُ فَلَهُمَا رِوَايَةُ عَائِشَةَ ) فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهَا قَالَتْ { جَهَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ } الْحَدِيثَ ، وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ { جَهَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد 89 وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَصَحَّحَهُ ، وَلَفْظُهُ { صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ فَجَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ } ( قَوْلُهُ : وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَمُرَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكُسُوفَ فَلَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ حَرْفًا مِنْ الْقِرَاءَةِ } وَفِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ ، وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ طَرِيقِ الْوَاقِدِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ { صَلَّيْتُ إلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ كَسَفَتْ الشَّمْسُ فَلَمْ أَسْمَعْ لَهُ قِرَاءَةً } ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ مِنْ الطَّرِيقَيْنِ ثُمَّ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ كَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ ، ثُمَّ قَالَ : وَهَؤُلَاءِ وَإِنْ كَانُوا لَا يُحْتَجُّ بِهِمْ وَلَكِنَّهُمْ عَدَدُ رِوَايَتِهِمْ تُوَافِقُ الرِّوَايَةَ الصَّحِيحَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ } .
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مَا قُرِئَ ، إذْ لَوْ سَمِعَهُ لَمْ يُقَدِّرْهُ بِغَيْرِهِ . وَيَدْفَعُ حَمْلَهُ عَلَى بُعْدِهِ رِوَايَةُ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ { صَلَّيْتُ إلَى جَنْبِهِ } وَيُوَافِقُ أَيْضًا رِوَايَةَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { فَحَزَرْتُ قِرَاءَتَهُ } وَأَمَّا حَدِيثُ سَمُرَةَ فَتَقَدَّمَ ، وَفِيهِ { لَا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا } قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَالْحَقُّ أَنَّ تَقْدِيرَ ابْنِ عَبَّاسٍ لِسُورَةِ الْبَقَرَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ سَمَاعِهِ ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَنْسَى الْمَقْرُوءَ الْمَسْمُوعَ بِعَيْنِهِ وَهُوَ ذَاكِرٌ لِقَدْرِهِ فَيَقُولُ قَرَأَ نَحْوَ سُورَةِ كَذَا ، فَالْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى الْإِخْفَاءِ لَا بِالنَّظَرِ إلَى هَذِهِ الدَّلَالَةِ بَلْ بِالنَّظَرِ إلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ { صَلَّيْتُ إلَى جَانِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } وَإِذَا حَصَلَ التَّعَارُضُ وَجَبَ التَّرْجِيحُ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي صَلَاةِ النَّهَارِ الْإِخْفَاءِ . وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَالتَّرْجِيحُ قَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ : يَعْنِي أَنَّ الْحَالَ أَكْشَفُ لِلرِّجَالِ فَقَدْ يُقَالُ بَلْ فِي خُصُوصِ هَذِهِ الْمَادَّةِ تَتَرَجَّحُ رِوَايَةُ النِّسَاءِ هُنَا ; لِأَنَّهَا إخْبَارٌ عَنْ الْقِرَاءَةِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُنَّ فِي آخِرِ الصُّفُوفِ أَوْ فِي حُجَرِهِنَّ ، فَإِذَا أَخْبَرْنَ عَنْ الْجَهْرِ دَلَّ عَلَى تَحْقِيقِهِ بِزِيَادَةٍ بِحَيْثُ يَصِلُ الصَّوْتُ إلَيْهِنَّ ، فَالْمُعْتَبَرُ مَا رَجَعَ إلَيْهِ آخِرًا مِنْ قَوْلِهِ كَيْفَ وَإِنَّهَا صَلَاةُ النَّهَارِ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { فَاذْكُرُوا اللَّهَ } إلَى قَوْلِهِ { بِالدُّعَاءِ } حَدِيثَانِ . وَمَعْنَى الْأَوَّلِ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَتَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ قَوْلُهُ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ } وَفِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ قَالَ : فِي ظُلْمَةٍ أَوْ رِيحٍ شَدِيدَةٍ الصَّلَاةُ حَسَنَةٌ . وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ صَلَّى لِزَلْزَلَةٍ بِالْبَصْرَةِ .
وَسَبَبُهَا الْكُسُوفُ ، وَصِفَتُهَا سُنَّةٌ ، وَاخْتَارَ فِي الْأَسْرَارِ وُجُوبَهَا لِلْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ فَافْزَعُوا إلَى الصَّلَاةِ } قَالَ : وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ تُقَامُ عَلَى سَبِيلِ الشُّهْرَةِ فَكَانَ شِعَارًا لِلدِّينِ حَالَ الْفَزَعِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَمْرَ لِلنَّدْبِ ; لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ دَفْعُ الْأَمْرِ الْمَخُوفِ فَهِيَ مَصْلَحَةٌ تَعُودُ إلَيْنَا دُنْيَوِيَّةٌ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا لَوْ كَانَ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عَلَى الطَّاعَةِ ثُمَّ وُجِدَتْ هَذِهِ الْأَفْزَاعُ فَإِنَّهُ بِتَقْدِيرِ الْهَلَاكِ يُحْشَرُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ لَا يُعَاقَبُونَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا عَلَى ذَلِكَ فَتُفْتَرَضُ التَّوْبَةُ ، وَهِيَ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى الصَّلَاةِ وَإِلَّا لَكَانَتْ فَرْضًا . وَقَدْ بَيَّنَّا فِي بَابِ الْعِيدَيْنِ أَنَّ الْمَعْنَى الْمَذْكُورَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْوُجُوبَ ، إذْ لَا مَانِعَ مِنْ اسْتِنَانِ شِعَارٍ مَقْصُودٍ ابْتِدَاءً فَضْلًا عَنْ شِعَارٍ يَتَعَلَّقُ بِعَارِضٍ . وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا تُصَلَّى بِجَمَاعَةٍ وَفِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ أَوْ مُصَلَّى الْعِيدِ . وَلَا تُصَلَّى فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ ( قَوْلُهُ : كَهَيْئَةِ النَّافِلَةِ ) أَيْ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ وَلَا خُطْبَةٍ ، وَيُنَادِي الصَّلَاةَ جَامِعَةً 85 لِيَجْتَمِعُوا إنْ لَمْ يَكُونُوا اجْتَمَعُوا ( قَوْلُهُ : لَهُ رِوَايَةُ عَائِشَةَ ) أَخْرَجَ السِّتَّةُ عَنْهَا قَالَتْ { خَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمَسْجِدِ فَقَامَ فَكَبَّرَ وَصَفَّ النَّاسَ وَرَاءَهُ ، فَاقْتَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، ثُمَّ قَالَ فَاقْتَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً هِيَ أَدْنَى مِنْ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى ، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا هُوَ أَدْنَى مِنْ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَاسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ ، وَانْجَلَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ ، ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ : إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إلَى الصَّلَاةِ } انْتَهَى .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ نَحْوُهُ ، وَلَفْظُ ابْنِ عَمْرٍو فِي مُسْلِمٍ { لَمَّا انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُودِيَ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ فَرَكَعَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ ثُمَّ جَلَى عَنْ الشَّمْسِ } ( قَوْلُهُ وَلَنَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ) وَقِيلَ لَعَلَّهُ ابْنُ عَمْرٍو يَعْنِي : عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَتَصَحَّفَ عَلَى بَعْضِ النُّسَّاخِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ .
أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ { انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَامَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَكَدْ يَرْكَعُ ثُمَّ رَكَعَ فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ ثُمَّ رَفَعَ فَلَمْ يَكَدْ يَسْجُدُ ثُمَّ سَجَدَ فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ ثُمَّ رَفَعَ ، وَفَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ } وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ مِنْ أَجْلِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ انْتَهَى . وَهَذَا تَوْثِيقٌ مِنْهُ لِعَطَاءٍ . وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ لَهُ مَقْرُونًا بِأَبِي بِشْرٍ . وَقَالَ أَيُّوبُ هُوَ ثِقَةٌ ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ . وَفَرَّقَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بَيْنَ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا .
أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبَّادٍ عَنْ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ قَالَ { بَيْنَا أَنَا وَغُلَامٌ مِنْ الْأَنْصَارِ نَرْمِي غَرَضَيْنِ لَنَا حَتَّى إذَا كَانَتْ الشَّمْسُ قِيدَ رُمْحَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فِي عَيْنِ 86 النَّاظِرِ مِنْ الْأُفُقِ اسْوَدَّتْ حَتَّى آضَتْ كَأَنَّهَا تَنُّومَةٌ ، فَقَالَ أَحَدُنَا لِصَاحِبِهِ : انْطَلِقْ بِنَا إلَى الْمَسْجِدِ فَوَاَللَّهِ لَيُحْدِثَنَّ شَأْنُ هَذِهِ الشَّمْسِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُمَّتِهِ حَدَثًا ، قَالَ : فَدَفَعْنَا فَإِذَا هُوَ بَارِزٌ ، فَاسْتَقْدَمَ فَصَلَّى فَقَامَ كَأَطْوَلِ مَا قَامَ بِنَا فِي صَلَاةٍ قَطُّ لَا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا ، ثُمَّ رَكَعَ بِنَا كَأَطْوَلِ مَا رَكَعَ بِنَا فِي صَلَاةٍ قَطُّ لَا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا ثُمَّ سَجَدَ بِنَا كَأَطْوَلِ مَا سَجَدَ بِنَا فِي صَلَاةٍ قَطُّ لَا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ ، فَوَافَقَ تَجَلِّي الشَّمْسِ جُلُوسَهُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ ، ثُمَّ سَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَشَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَشَهِدَ أَنَّهُ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ } هَذِهِ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُد .
وَفِي أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ { كَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ وَيَسْأَلُ عَنْهَا حَتَّى انْجَلَتْ } ، وَفِي النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ { انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ يَجُرُّ ثَوْبَهُ فَزَعًا حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ فَلَمْ يَزَلْ يُصَلِّي حَتَّى انْجَلَتْ . قَالَ : إنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ إلَّا لِمَوْتِ عَظِيمٍ مِنْ الْعُظَمَاءِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ . إنَّ اللَّهَ إذَا بَدَا لِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ خَشَعَ لَهُ ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَّلُوا كَأَحْدَثِ صَلَاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا مِنْ الْمَكْتُوبَةِ } وَرَوَى مَعْنَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِهِمَا . وَأَبُو قِلَابَةَ أَدْرَكَ ابْنَ بَشِيرٍ قَالَهُ أَبُو حَاتِمٍ بَعْدَمَا نَقَلَ عَنْ ابْنِ مَعِينٍ أَبُو قِلَابَةَ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مُرْسَلٌ .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ قَبِيصَةَ الْهِلَالِيِّ قَالَ { كَسَفَتْ الشَّمْسُ } وَفِيهِ { فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَأَطَالَ فِيهَا الْقِيَامَ ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ انْجَلَتْ فَقَالَ : إنَّمَا هَذِهِ الْآيَاتُ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَصَّلُوا كَأَحْدَثِ صَلَاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا مِنْ الْمَكْتُوبَةِ } ثُمَّ رَوَاهُ بِسَنَدٍ آخَرَ فَأَدْخَلَ بَيْنَ أَبِي قِلَابَةَ وَقَبِيصَةَ هِلَالَ بْنَ عَامِرٍ ، فَقَدْ عُرِفَ السَّاقِطُ فِي السَّنَدِ الْأَوَّلِ فَلِذَا قَالَ الشَّيْخُ النَّوَوِيُّ : هَذَا لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ فَإِنَّ هِلَالًا ثِقَةٌ . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ { خَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى انْتَهَى إلَى الْمَسْجِدِ وَثَابَ النَّاسُ إلَيْهِ ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ فَانْجَلَتْ ، فَقَالَ : إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَصَلُّوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ } فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مِنْهَا صَحِيحٌ ، وَمِنْهَا الْحَسَنُ قَدْ دَارَتْ عَلَى ثَلَاثَةِ أُمُورٍ : مِنْهَا مَا فِيهِ أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ . وَمِنْهَا الْأَمْرُ بِأَنْ يَجْعَلُوهَا كَأَحْدَثِ مَا صَلُّوهُ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ وَهِيَ 87 الصُّبْحُ ، فَإِنَّ كُسُوفَ الشَّمْسِ كَانَ عِنْدَ ارْتِفَاعِهَا قَدْرَ رُمْحَيْنِ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ ، فَأَفَادَ أَنَّ السُّنَّةَ رَكْعَتَانِ . وَمِنْهَا مَا فُصِّلَ فَأَفَادَ تَفْصِيلُهُ أَنَّهَا بِرُكُوعٍ وَاحِدٍ كَمَا فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ وَابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَحَمْلُ الرَّكْعَتَيْنِ عَلَى أَنَّ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ رُكُوعَيْنِ خُرُوجٌ عَنْ الظَّاهِرِ . لَا يُقَالُ : الرَّكْعَةُ اسْمٌ لِلْأَفْعَالِ الَّتِي آخِرُهَا السَّجْدَتَانِ وَقَبْلَهُمَا رُكُوعٌ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ ; لِأَنَّا نَمْنَعُهُ ؟ بَلْ الْمُتَبَادَرُ مِنْ لَفْظِ الْأَفْعَالِ الْمَخْصُوصَةِ الَّتِي هِيَ قِيَامٌ وَاحِدٌ وَقِرَاءَةٌ وَاحِدَةٌ وَرُكُوعٌ وَاحِدٌ وَسَجْدَتَانِ فَهُوَ مَفْهُومُهَا فِي عُرْفِ أَهْلِ الشَّرْعِ لَا مَا اشْتَمَلَ عَلَى قِرَاءَتَيْنِ وَقِيَامَيْنِ وَرُكُوعَيْنِ .
وَأَمَّا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ فَهُوَ أَيْضًا كَذَلِكَ . وَيُقَالُ أَيْضًا لِمُجَرَّدِ الرُّكُوعِ ، فَهُوَ إمَّا مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مَجْمُوعِ الْأَفْعَالِ الَّتِي مِنْهَا الرُّكُوعُ الْوَاحِدُ وَبَيَّنَهُ بِدَلِيلِ مَا رَوَوْهُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ { فَاسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ } وَالْمُرَادُ عِنْدَهُمْ أَرْبَعُ رُكُوعَاتٍ فَسَمَّتْ كُلَّ رُكُوعٍ رَكْعَةً . وَكَذَا مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو الَّذِي رَوَوْهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ . وَإِمَّا مَجَازٌ عُرْفِيٌّ فِيهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ ; لِأَنَّهُمْ حَيْثُ أَرَادُوا قَيَّدُوهُ بِالْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ ، وَقَوْلُهَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ ، وَحَيْثُ أَرَادُوا الْأَوَّلَ أَطْلَقُوا اسْمَ الرَّكْعَةِ وَالرَّكْعَتَيْنِ مَعَ أَنَّ الْمَجَازَ خَيْرٌ مِنْ الِاشْتِرَاكِ ، فَظَهَرَ أَنَّ حَقِيقَةَ لَفْظِ رَكْعَتَيْنِ مَا كَانَ كُلُّ رَكْعَةٍ بِرُكُوعٍ وَاحِدٍ وَمَجَازُهَا الْمُسْتَعْمَلُ نَفْسُ الرُّكُوعِ الْوَاحِدِ ، فَإِرَادَةُ قِيَامَيْنِ وَقِرَاءَتَيْنِ وَرُكُوعَيْنِ بَعْدَهَا سُجُودَانِ بِهَا لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ ، وَلَا مَجَازٍ ثَبَتَ اسْتِعْمَالُهُمْ لَهُ . فَإِنْ قِيلَ إمْكَانُ الْحَمْلِ عَلَيْهِ يَكْفِي فِي الْحَمْلِ عَلَيْهِ إذَا أَوْجَبَهُ دَلِيلٌ وَقَدْ وُجِدَ وَهُوَ كَوْنُ أَحَادِيثِ الرُّكُوعَيْنِ أَقْوَى ، قُلْنَا هَذِهِ أَيْضًا فِي رُتْبَتِهَا .
أَمَّا حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ آخِرًا فَلَا شَكَّ ، وَكَذَا مَا قَبْلَهُ مِنْ حَدِيثِ النَّسَائِيّ وَأَبِي دَاوُد ، وَالْبَاقِي لَا يَنْزِلُ عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ ، وَقَدْ تَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ فَيَرْتَقِي إلَى الصَّحِيحِ ، فَهَذِهِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ حِينَئِذٍ فَكَافَأَتْ أَحَادِيثَ الرُّكُوعَيْنِ وَكَوْنُ بَعْضِ تِلْكَ اتَّفَقَ عَلَيْهَا الْكُلُّ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ ، غَايَةُ مَا فِيهِ كَثْرَةُ الرُّوَاةِ وَلَا تَرْجِيحَ عِنْدَنَا بِذَلِكَ ، ثُمَّ الْمَعْنَى الَّذِي رَوَيْنَاهُ أَيْضًا فِي الْكُتُبِ الْخَمْسَةِ وَالْمَعْنَى هُوَ الْمَنْظُورُ إلَيْهِ ، وَإِنَّمَا تَفَرَّقَ فِي آحَادِ الْكُتُبِ وَثَنَائِهَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِ الْمُتُونِ .
وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهَا أَقْوَى سَنَدًا فَالضَّعِيفُ قَدْ يَثْبُتُ مَعَ صِحَّةِ الطَّرِيقِ بِمَعْنًى آخَرَ ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِيهَا . فَإِنَّ أَحَادِيثَ تَعَدُّدِ الرُّكُوعِ اضْطَرَبَتْ وَاضْطَرَبَ فِيهَا الرُّوَاةُ أَيْضًا ، فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ رَوَى رُكُوعَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَى ثَلَاثَ رُكُوعَاتٍ .
فَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ { كَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ } ، وَهَذَا أَيْضًا يُؤَيِّدُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الرَّكْعَةِ .
وَرَوَى مُسْلِمٌ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ نَفْسِهِ حَدِيثَ الرُّكُوعَيْنِ قَالَ { كَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ فَأَطَالَ الْقِيَامَ حَتَّى جَعَلُوا يَخِرُّونَ ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ فَصَنَعَ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ ، فَكَانَتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ } وَكَذَا أَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ إنَّهَا بِثَلَاثِ رُكُوعَاتٍ وَكَمَا قَدَّمْنَا عَنْهَا بِرُكُوعَيْنِ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ تَقَدَّمَ عَنْهُ رِوَايَةُ الرُّكُوعِ الْوَاحِدِ وَالرُّكُوعَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ رِوَايَةُ الرُّكُوعِ الْوَاحِدِ اُخْتُلِفَ فِي تَصْحِيحِهَا ، بِخِلَافِ رِوَايَةِ الرُّكُوعَيْنِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَخْلُو عَنْ إيهَانِ ظَنِّ الرِّوَايَةِ الْأُولَى عَنْهُ .
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَرْبَعَ رُكُوعَاتٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فَقَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ قَرَأَ 88 ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ سَجَدَ ، قَالَ : وَالْأُخْرَى مِثْلُهَا } وَفِي لَفْظٍ { ثَمَانِ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ } ، وَأَخْرَجَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ عَلِيٍّ بَلْ أَحَالَ عَلَى مَا قَبْلَهُ .
وَرُوِيَ أَيْضًا خَمْسُ رُكُوعَاتٍ : أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيّ عَنْ أَبِي كَعْبٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِهِمْ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ فَقَرَأَ سُورَةً مِنْ الطِّوَالِ وَرَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ، وَفَعَلَ فِي الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ جَلَسَ يَدْعُو حَتَّى تَجَلَّى كُسُوفُهَا } وَأَبُو جَعْفَرٍ فِيهِ مَقَالٌ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْوِتْرِ ، وَالِاضْطِرَابُ مُوجِبٌ لِلضَّعْفِ فَوَجَبَ تَرْكُ رِوَايَاتِ التَّعَدُّدِ كُلِّهَا إلَى رِوَايَاتٍ غَيْرِهَا . وَلَوْ قُلْنَا : الِاضْطِرَابُ شَمَلَ رِوَايَاتِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ فَوَجَبَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى مَا هُوَ الْمَعْهُودُ صَحَّ ، وَيَكُونُ مُتَضَمِّنًا تَرَجُّحَ رِوَايَاتِ الِاتِّحَادِ ضِمْنًا لَا قَصْدًا وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِرِوَايَاتِ الطَّلَاقِ : أَعْنِي نَحْوَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَصَلُّوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ } وَعَنْ هَذَا الِاضْطِرَابِ الْكَثِيرِ وَفَّقَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا بِحَمْلِ رِوَايَاتِ التَّعَدُّدِ .
عَلَى أَنَّهُ لَمَّا أَطَالَ فِي الرُّكُوعِ أَكْثَرَ مِنْ الْمَعْهُودِ جِدًّا وَلَا يَسْمَعُونَ لَهُ صَوْتًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةٍ رَفْعَ مَنْ خَلْفَهُ مُتَوَهِّمِينَ رَفْعَهُ وَعَدَمُ سَمَاعِهِمْ الِانْتِقَالَ فَرَفَعَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِي مَنْ رَفَعَ ، فَلَمَّا رَأَى مَنْ خَلْفَهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَرْفَعْ فَلَعَلَّهُمْ انْتَظَرُوهُ عَلَى تَوَهُّمٍ أَنْ يُدْرِكَهُمْ فِيهِ ، فَلَمَّا يَئِسُوا مِنْ ذَلِكَ رَجَعُوا إلَى الرُّكُوعِ فَظَنَّ مَنْ خَلْفَهُمْ أَنَّهُ رُكُوعٌ بَعْدَ رُكُوعٍ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَوَوْا كَذَلِكَ ، ثُمَّ لَعَلَّ رِوَايَاتِ الثَّلَاثِ وَالْأَرْبَعِ بِنَاءً عَلَى اتِّفَاقِ تَكَرُّرِ الرَّفْعِ مِنْ الَّذِي خَلْفَ الْأَوَّلِ . وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْكُسُوفُ فِي زَمَنِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً .
فَإِنْ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ تَكَرَّرَ مِرَارًا عَلَى بُعْدِ أَنْ يَقَعَ نَحْوَ سِتِّ مَرَّاتٍ فِي نَحْوِ عَشْرِ سِنِينَ ; لِأَنَّهُ خِلَافُ الْعَادَةِ ، كَانَ رَأْيُنَا أَوْلَى أَيْضًا ; لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُنْقَلْ تَارِيخُ فِعْلِهِ الْمُتَأَخِّرِ فِي الْكُسُوفِ الْمُتَأَخِّرِ فَقَدْ وَقَعَ التَّعَارُضُ فَوَجَبَ الْإِحْجَامُ عَنْ الْحُكْمِ بِأَنَّهُ كَانَ الْمُتَعَدِّدَ عَلَى وَجْهِ التَّثْنِيَةِ أَوْ الْجَمْعِ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا ، أَوْ كَانَ الْمُتَّحِدَ فَبَقِيَ الْمَجْزُومُ بِهِ اسْتِنَانُ الصَّلَاةِ مَعَ التَّرَدُّدِ فِي كَيْفِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ الْمَرْوِيَّاتِ فَيُتْرَكُ وَيُصَارُ إلَى الْمَعْهُودِ ثُمَّ يَتَضَمَّنُ مَا قَدَّمْنَا مِنْ التَّرْجِيحِ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ .
وَالْمُصَنِّفُ رَجَّحَ بِأَنَّ الْحَالَ أَكْشَفُ لِلرِّجَالِ وَهُوَ يَتِمُّ لَوْ لَمْ يَرْوِ حَدِيثَ الرُّكُوعَيْنِ أَحَدٌ غَيْرُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مِنْ الرِّجَالِ ، لَكِنْ قَدْ سَمِعْت مَنْ رَوَاهُ فَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَا صِرْنَا إلَيْهِ ( قَوْلُهُ : أَمَّا التَّطْوِيلُ فَبَيَانُ الْأَفْضَلِ ) ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ كَمَا مَرَّ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ وَسَمُرَةَ ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ حِينَئِذٍ مُسْتَثْنَاةٌ مِمَّا سَلَفَ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ مِنْ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُطَوِّلَ الْإِمَامُ بِهِمْ الصَّلَاةَ ، وَلَوْ خَفَّفَهَا جَازَ وَلَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ ; لِأَنَّ الْمَسْنُونَ اسْتِيعَابُ الْوَقْتِ بِالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ ، فَإِنَّ رِوَايَةَ أَبِي دَاوُد { فَجَعَلَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ وَيَسْأَلُ عَنْهَا حَتَّى انْجَلَتْ } يُعْطِي أَنَّهُ لَمْ يُبَالِغْ فِي التَّطْوِيلِ كَمَا فِي رِوَايَةِ جَابِرٍ أَنَّهُ جَعَلَ الصَّحَابَةُ يَخِرُّونَ لِطُولِ الْقِيَامِ ، إذْ الظَّاهِرُ أَنَّهَا لَمْ تَمْكُثْ مَعَ مِثْلِ هَذَا الطُّولِ مَا يَسَعُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ .
وَالْحَقُّ أَنَّ السُّنَّةَ التَّطْوِيلُ ، وَالْمَنْدُوبُ مُجَرَّدُ اسْتِيعَابِ الْوَقْتِ كَمَا ذُكِرَ مُطْلَقًا كَمَا فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ { انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ } إلَى أَنْ قَالَ { فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ } ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ { فَإِذَا رَأَيْتُمْ كُسُوفًا فَاذْكُرُوا اللَّهَ حَتَّى تَنْجَلِيَ } ( وَقَوْلُهُ فَلَهُمَا رِوَايَةُ عَائِشَةَ ) فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهَا قَالَتْ { جَهَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ } الْحَدِيثَ ، وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ { جَهَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد 89 وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَصَحَّحَهُ ، وَلَفْظُهُ { صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ فَجَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ } ( قَوْلُهُ : وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَمُرَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكُسُوفَ فَلَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ حَرْفًا مِنْ الْقِرَاءَةِ } وَفِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ ، وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ طَرِيقِ الْوَاقِدِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ { صَلَّيْتُ إلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ كَسَفَتْ الشَّمْسُ فَلَمْ أَسْمَعْ لَهُ قِرَاءَةً } ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ مِنْ الطَّرِيقَيْنِ ثُمَّ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ كَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ ، ثُمَّ قَالَ : وَهَؤُلَاءِ وَإِنْ كَانُوا لَا يُحْتَجُّ بِهِمْ وَلَكِنَّهُمْ عَدَدُ رِوَايَتِهِمْ تُوَافِقُ الرِّوَايَةَ الصَّحِيحَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ } .
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مَا قُرِئَ ، إذْ لَوْ سَمِعَهُ لَمْ يُقَدِّرْهُ بِغَيْرِهِ . وَيَدْفَعُ حَمْلَهُ عَلَى بُعْدِهِ رِوَايَةُ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ { صَلَّيْتُ إلَى جَنْبِهِ } وَيُوَافِقُ أَيْضًا رِوَايَةَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { فَحَزَرْتُ قِرَاءَتَهُ } وَأَمَّا حَدِيثُ سَمُرَةَ فَتَقَدَّمَ ، وَفِيهِ { لَا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا } قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَالْحَقُّ أَنَّ تَقْدِيرَ ابْنِ عَبَّاسٍ لِسُورَةِ الْبَقَرَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ سَمَاعِهِ ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَنْسَى الْمَقْرُوءَ الْمَسْمُوعَ بِعَيْنِهِ وَهُوَ ذَاكِرٌ لِقَدْرِهِ فَيَقُولُ قَرَأَ نَحْوَ سُورَةِ كَذَا ، فَالْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى الْإِخْفَاءِ لَا بِالنَّظَرِ إلَى هَذِهِ الدَّلَالَةِ بَلْ بِالنَّظَرِ إلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ { صَلَّيْتُ إلَى جَانِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } وَإِذَا حَصَلَ التَّعَارُضُ وَجَبَ التَّرْجِيحُ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي صَلَاةِ النَّهَارِ الْإِخْفَاءِ . وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَالتَّرْجِيحُ قَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ : يَعْنِي أَنَّ الْحَالَ أَكْشَفُ لِلرِّجَالِ فَقَدْ يُقَالُ بَلْ فِي خُصُوصِ هَذِهِ الْمَادَّةِ تَتَرَجَّحُ رِوَايَةُ النِّسَاءِ هُنَا ; لِأَنَّهَا إخْبَارٌ عَنْ الْقِرَاءَةِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُنَّ فِي آخِرِ الصُّفُوفِ أَوْ فِي حُجَرِهِنَّ ، فَإِذَا أَخْبَرْنَ عَنْ الْجَهْرِ دَلَّ عَلَى تَحْقِيقِهِ بِزِيَادَةٍ بِحَيْثُ يَصِلُ الصَّوْتُ إلَيْهِنَّ ، فَالْمُعْتَبَرُ مَا رَجَعَ إلَيْهِ آخِرًا مِنْ قَوْلِهِ كَيْفَ وَإِنَّهَا صَلَاةُ النَّهَارِ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { فَاذْكُرُوا اللَّهَ } إلَى قَوْلِهِ { بِالدُّعَاءِ } حَدِيثَانِ . وَمَعْنَى الْأَوَّلِ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَتَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ قَوْلُهُ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ } وَفِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ قَالَ : فِي ظُلْمَةٍ أَوْ رِيحٍ شَدِيدَةٍ الصَّلَاةُ حَسَنَةٌ . وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ صَلَّى لِزَلْزَلَةٍ بِالْبَصْرَةِ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith