منح الجليل شرح مختصر خليل
منح الجليل شرح مختصر خليل · الجزء الثاني
الصفحة 1549 · ص. المطبوع 108 · الشرح
108 بَابٌ ) فِي الصِّيَامِ
وَهُوَ لُغَةً : مُطْلَقُ الْإِمْسَاكِ وَشَرْعًا : إمْسَاكٌ عَنْ شَهْوَتَيْ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ بِنِيَّةٍ مِنْ الْفَجْرِ لِلْغُرُوبِ . وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ شَمِلَ إمْسَاكَ مَنْ جُومِعَتْ نَائِمَةً أَوْ قَاءَ عَمْدًا .
( يَثْبُتُ ) أَيْ يَتَحَقَّقُ ( رَمَضَانُ بِكَمَالِ شَعْبَانَ ) ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَوْ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ حَاكِمٌ وَكَذَا مَا قَبْلَهُ إنْ تَوَالَى الْغَيْمُ وَلَوْ شُهُورًا كَثِيرَةً فِي الطِّرَازِ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُكْمِلُونَ عِدَّةَ الْجَمِيعِ حَتَّى يَظْهَرَ خِلَافُهُ اتِّبَاعًا لِلْحَدِيثِ ، وَيَقْضُونَ إنْ تَبَيَّنَ لَهُمْ خِلَافُ مَا عَمِلُوا عَلَيْهِ الرَّمَاصِيُّ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا الْتِفَاتَ لِقَوْلِ أَهْلِ الْمِيقَاتِ لَا يَتَوَالَى أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ عَلَى التَّمَامِ وَسَيَقُولُ الْمُؤَلِّفُ لَا بِقَوْلِ مُنَجِّمٍ .
فَقَوْلُ عج قَوْلُهُ بِكَمَالِ شَعْبَانَ أَيْ : إذَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ تَامَّةٍ إذْ لَا يَتَوَالَى أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ عَلَى التَّمَامِ ، وَحِينَئِذٍ فَيُجْعَلُ نَاقِصًا . وَقِيلَ لَا يُنْظَرُ لِهَذَا وَيُعْتَبَرُ كَمَالُ شَعْبَانَ مُطْلَقًا ا هـ . غَيْرُ صَوَابٍ ، وَالْعَجَبُ مِنْهُ كَيْفَ صَدَّرَ بِقَوْلِ أَهْلِ الْمِيقَاتِ مُقَيِّدًا بِهِ كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ ، وَحَكَى أَهْلُ الْمَذْهَبِ بِقِيلَ . وَهَذَا لَا يُعَارِضُ قَوْلَهُمْ إذَا حَصَلَ الْغَيْمُ شُهُورًا فَإِنَّهَا تُحْسَبُ عَلَى الْكَمَالِ . ا هـ . غَيْرُ ظَاهِرٍ ، بَلْ يُعَارِضُهُ إذْ لَوْ اُعْتُبِرَ قَوْلُ أَهْلِ الْمِيقَاتِ لَحُسِبَ عَلَى التَّمَامِ عِنْدَ تَوَالِي الْغَيْمِ ثَلَاثَةً فَقَطْ ، وَجُعِلَ الرَّابِعُ نَاقِصًا .
لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِي جَامِعِ الْمُقَدِّمَاتِ نَحْوَ مَا ذَكَرَهُ عج قَائِلًا لَا تَتَوَالَى أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ نَاقِصَةٍ أَوْ تَامَّةٍ إلَّا فِي النَّادِرِ فَانْظُرْهُ وَتَأَمَّلْهُ . قُلْت : مَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ لَيْسَ نَحْوَ مَا ذَكَرَهُ عج لِزِيَادَةِ ابْنِ رُشْدٍ قَوْلُهُ إلَّا فِي النَّادِرِ فَلَمْ يَجْعَلْ الْقَاعِدَةَ كُلِّيَّةً فَلِذَا أَلْغَاهَا الْإِمَامُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( أَوْ بِرُؤْيَةِ عَدْلَيْنِ ) الْهِلَالَ فَأَوْلَى أَكْثَرُ مِنْهُمَا فَكُلُّ مَنْ أَخْبَرَاهُ بِرُؤْيَتِهِمَا الْهِلَالَ أَوْ سَمِعَهُمَا يُخْبِرَانِ غَيْرَهُ بِهَا يَجِبُ عَلَيْهِ الصِّيَامُ لَا بِرُؤْيَةِ عَدْلٍ وَحْدَهُ ، أَوْ مَعَ امْرَأَتَيْنِ نَعَمْ يَجِبُ عَلَى الرَّائِي وَلَوْ مَرْأَةً .
وَيَثْبُتُ بِرُؤْيَةِ الْعَدْلَيْنِ إنْ كَانَتْ السَّمَاءُ مُغَيِّمَةً أَوْ الْبَلَدُ لَيْسَ مِصْرًا ( وَلَوْ ) ادَّعَيَا الرُّؤْيَةَ 109 بِصَحْوٍ بِمِصْرٍ ) أَيْ : فِي بَلَدٍ كَبِيرٍ هَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ . ابْنُ رُشْدٍ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ ادَّعَيَا رُؤْيَتَهُ فِي الْجِهَةِ الَّتِي طَلَبَهُ غَيْرُهُمَا فِيهَا وَلَمْ يَرَهُ . وَأَشَارَ بِوَلَوْ لِقَوْلِ سَحْنُونٍ بِرَدِّ شَهَادَتِهِمَا لِلتُّهْمَةِ . ابْنُ بَشِيرٍ هُوَ خِلَافٌ فِي حَالِ إنْ نَظَرَ الْكُلَّ لِصَوْبٍ وَاحِدٍ رُدَّتْ وَإِنْ انْفَرَدَا بِالنَّظَرِ إلَى مَوْضِعٍ ثَبَتَتْ شَهَادَتُهُمَا وَعَدَّهُ ابْنُ الْحَاجِبِ ثَالِثًا وَاعْتَرَضَهُ الْمُوضِحُ .
( فَإِنْ ) ثَبَتَ رَمَضَانُ بِرُؤْيَةِ عَدْلَيْنِ و ( لَمْ يُرَ ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ أَيْ : هِلَالُ شَوَّالٍ لِغَيْرِهِمَا ( بَعْدَ ) تَمَامِ ( ثَلَاثِينَ ) يَوْمًا مِنْ رُؤْيَةِ الْعَدْلَيْنِ حَالَ كَوْنِ السَّمَاءِ ( صَحْوًا ) أَيْ : لَا غَيْمَ عَلَيْهَا ( كُذِّبَا ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا أَيْ : الْعَدْلَانِ فِي شَهَادَتِهِمَا بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ الشَّهْرِ وَاحِدًا وَثَلَاثِينَ يَوْمًا وَصِيمَ الْيَوْمُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ وُجُوبًا . وَإِنْ ادَّعَيَا رُؤْيَةَ هِلَالِ شَوَّالٍ لَيْلَةَ الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا لِاتِّهَامِهِمَا فِيهَا بِالْكَذِبِ لِإِمْضَاءِ الشَّهَادَةِ الْأُولَى ، فَإِنْ رَآهُ غَيْرُهُمَا أَوْ كَانَتْ السَّمَاءُ مُغَيِّمَةً فَلَا يُكَذَّبَانِ .
وَيَثْبُتُ شَوَّالٌ بِكَمَالِ رَمَضَانَ أَوْ بِرُؤْيَةِ غَيْرِهِمَا ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي تَكْذِيبِهِمَا كَوْنُ رُؤْيَتِهِمَا بِصَحْوٍ بِمِصْرٍ . فَإِنْ كَانَتْ بِغَيْمٍ أَوْ بَلَدٍ صَغِيرٍ فَلَا يُكَذَّبَانِ قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَشَارِحُوهُ أَوْ لَا يُشْتَرَطُ هَذَا وَيُكَذَّبَانِ مُطْلَقًا كَانَتْ رُؤْيَتُهُمَا بِصَحْوٍ أَوْ غَيْمٍ بِبَلَدٍ كَبِيرٍ أَوْ صَغِيرٍ قَالَهُ ابْنُ غَازِيٍّ . وَاعْتَرَضَهُ الْحَطّ بِحَمْلِ الشَّاهِدَيْنِ مَعَ الْغَيْمِ أَوْ صِغَرِ الْبَلَدِ عَلَى السَّدَادِ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ عَنْهُمَا ، وَمِثْلُ الْعَدْلَيْنِ مَا زَادَ عَلَيْهِمَا وَلَمْ يَبْلُغْ عَدَدَ الْمُسْتَفِيضَةِ فِي التَّكْذِيبِ بِالشَّرْطَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَالْمُسْتَفِيضَةُ لَا يَتَأَتَّى فِيهَا ذَلِكَ ، وَإِنْ فُرِضَ دَلَّ عَلَى عَدَمِ اسْتِفَاضَتِهِمْ فَيُكَذَّبُونَ أَيْضًا .
فَإِنْ قُلْت يَلْزَمُ عَلَى تَكْذِيبِ الْعَدْلَيْنِ وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِمَا بُطْلَانُ صِيَامِ الشَّهْرِ كُلِّهِ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ النِّيَّةَ كُلَّ لَيْلَةٍ ، وَاقْتَصَرَ عَلَى نِيَّةِ صِيَامِ الشَّهْرِ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ إذْ شَرْطُ صِحَّةِ النِّيَّةِ تَبْيِيتُهَا لَيْلَةَ الصِّيَامِ ، وَهَذَا قَدَّمَهَا عَلَى الشَّهْرِ بِلَيْلَةٍ وَيَوْمٍ . قُلْت صَحَّ صَوْمُهُ لِعُذْرِهِ وَلِمُرَاعَاةِ الْخِلَافِ إذْ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يَرَ التَّكْذِيبَ وَحَكَمَ بِثُبُوتِ شَوَّالٍ بِتَكْمِيلِ عِدَّةِ رَمَضَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا اعْتِدَادًا بِرُؤْيَتِهِمَا الْأُولَى وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَكْذِيبُهُمَا ، وَلَوْ حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمَا حَاكِمٌ 110 وَهُوَ كَذَلِكَ حَيْثُ كَانَ مَالِكِيًّا ، فَإِنْ كَانَ شَافِعِيًّا لَمْ يَرَ تَكْذِيبَهُمَا وَجَبَ الْفِطْرُ ; لِأَنَّ مُقْتَضَى حُكْمِهِ أَنَّهُ لَا يُرَاعِي إلَّا تَكْمِيلَ الْعَدَدِ دُونَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ . وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الشُّهُودَ ظَهَرَ فِسْقُهُمْ فَيُنْقَضُ الْحُكْمُ الْمَبْنِيُّ عَلَى شَهَادَتِهِمْ . وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ فِسْقُهُمْ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِهِمْ بَلْ عِنْدَ غَيْرِهِ .
وَالْفِسْقُ الْمُوجِبُ لِنَقْضِ الْحُكْمِ هُوَ الْفِسْقُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ ، وَقَدْ وَقَعَ هَذَا بِمِصْرَ سَنَةَ ثَمَانِيَةٍ وَسِتِّينَ وَتِسْعِمِائَةٍ وَأَفْطَرَ شَيْخُنَا ، وَتَبِعَهُ غَالِبُ الْجَمَاعَةِ وَامْتَنَعَ بَعْضُ الْجَمَاعَةِ مِنْ الْفِطْرِ ذَلِكَ الْيَوْمَ قَالَهُ أَحْمَدُ . عبق وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ حُكْمَ الشَّافِعِيِّ بِلُزُومِ الصَّوْمِ لَيْسَ حُكْمًا بِالْفِطْرِ بَعْدَ ثَلَاثِينَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ ، فَلَمْ يَقَعْ الْحُكْمُ بِمَا فِيهِ الْخِلَافُ بَيْنَ الْإِمَامَيْنِ بَلْ بِمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ وَهُوَ لُزُومُ الصَّوْمِ أَوَّلَ الشَّهْرِ فَلَا يَجُوزُ لِلْمَالِكِيِّ الْفِطْرُ ; لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ . نَعَمْ إنْ حَكَمَ بِمُوجَبِ لُزُومِ الصَّوْمِ حِينَ الرُّؤْيَةِ كَانَ حُكْمًا بِالْفِطْرِ بَعْدَ ثَلَاثِينَ وَإِنْ لَمْ يُرَ الْهِلَالُ .
وَمَا ذَكَرَهُ الْحَطّ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ الْفِطْرِ حَيْثُ حَكَمَ بِهِ شَافِعِيٌّ عِنْدَ تَمَامِ ثَلَاثِينَ فِي مَسْأَلَةِ الْمُصَنِّفِ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ لُزُومِ الصَّوْمِ بِحُكْمِ الْمُخَالِفِ ، لَا عَلَى لُزُومِهِ . وَهَلْ تَكْذِيبُهُمَا حَتَّى بِالنِّسْبَةِ لِأَنْفُسِهِمَا أَوْ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِمَا ، وَأَمَّا هُمَا فَيَعْمَلَانِ عَلَى مَا تَحَقَّقَاهُ فَيَجِبُ فِطْرُهُمَا بِالنِّيَّةِ ، وَقَدْ جَرَى خِلَافٌ فِيمَنْ رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ وَحْدَهُ فَصَامَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ وَالسَّمَاءُ مُصْحِيَةٌ ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنُ الْمَوَّازِ هَذَا مُحَالٌ ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَلَطٌ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ الظَّاهِرُ عَمَلُهُ عَلَى اعْتِقَادِهِ الْأَوَّلِ وَكَتْمُ أَمْرِهِ سَالِمٌ هَذَا بَعِيدٌ ; لِأَنَّهُ إذَا وَجَبَ تَكْذِيبُ الشَّاهِدَيْنِ فَكَيْفَ بِالْمُنْفَرِدِ ؟ وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْحُكْمِ بِكَذِبِ الشَّاهِدَيْنِ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِمَا الْحُكْمُ بِهِ فِي حَقِّ أَنْفُسِهِمَا الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ .
وَمُقْتَضَى كَلَامِ التَّوْضِيحِ عَمَلُهُ عَلَى رُؤْيَةِ نَفْسِهِ وَلَوْ فِي الْغَيْمِ وَهُوَ ظَاهِرٌ ، وَقَدْ يُقَالُ يُتَّفَقُ هُنَا عَلَى عَمَلِهِمَا عَلَى اعْتِقَادِهِمَا لِتَعَدُّدِهِمَا فَغَلَطُهُمَا بَعِيدٌ بِخِلَافِ الْوَاحِدِ ( أَوْ ) بِرُؤْيَةِ جَمَاعَةٍ ( مُسْتَفِيضَةٍ ) ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ هُمْ الَّذِينَ لَا يَتَوَاطَئُونَ عَلَى الْكَذِبِ عَادَةً كُلُّ وَاحِدٍ قَالَ : رَأَيْت بِنَفْسِي . وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُمْ كُلُّهُمْ ذُكُورًا أَحْرَارًا عُدُولًا بِحَيْثُ حَصَلَ بِخَبَرِهِمْ 111 الْعِلْمُ أَوْ الظَّنُّ الْقَرِيبُ مِنْهُ حَتَّى لَمْ يَحْتَاجُوا إلَى تَعْدِيلٍ . وَإِنْ لَمْ يَبْلُغُوا عَدَدَ التَّوَاتُرِ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا مَا فَسَّرَهَا بِهِ الْأُصُولِيُّونَ مِنْ أَنَّهَا مَا زَادَ نَاقِلُوهُ عَلَى ثَلَاثَةٍ وَقُدِّرَتْ الرُّؤْيَةُ احْتِرَازًا عَنْ الِاسْتِفَاضَةِ بِالْأَخْبَارِ بِأَنْ قَالُوا : سَمِعْنَا أَنَّهُ رُئِيَ الْهِلَالُ إذْ يُحْتَمَلُ كَوْنُهُ أَصْلَهُ عَنْ وَاحِدٍ .
( وَعَمَّ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمِيمِ مُثَقَّلَةً أَيْ : شَمِلَ وُجُوبُ الصَّوْمِ كُلَّ مَنْ نُقِلَتْ إلَيْهِ رُؤْيَةُ الْعَدْلَيْنِ أَوْ الْمُسْتَفِيضَةِ مِنْ أَهْلِ سَائِرِ الْبِلَادِ قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا لَا جِدًّا ابْنُ عَرَفَةَ وَاجْمَعُوا عَلَى عَدَمِ لُحُوقِ حُكْمِ رُؤْيَةِ مَا بَعُدَ كَالْأَنْدَلُسِ مِنْ خُرَاسَانَ مُوَافِقًا فِي الْمَطَالِعِ أَوْ مُخَالِفًا ( إنْ نُقِلَ ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ ( بِ ) أَحَدِ ( هِمَا ) أَيْ : الْعَدْلَيْنِ وَالْمُسْتَفِيضَةِ ( عَنْ ) رُؤْيَةِ وَاحِدٍ مِنْ ( هُمَا ) أَيْ الْعَدْلَيْنِ وَالْمُسْتَفِيضَةِ فَالصُّوَرُ أَرْبَعَةٌ : مُسْتَفِيضَةٌ عَنْ مِثْلِهَا أَوْ عَنْ عَدْلَيْنِ وَعَدْلَانِ عَنْ مِثْلِهِمَا أَوْ عَنْ مُسْتَفِيضَةٍ وَشَرْطُ صِحَّةِ نَقْلِ الشَّهَادَةِ أَنْ يَنْقُلَ كُلَّ وَاحِدٍ أَصْلِيٍّ اثْنَانِ لَيْسَ أَحَدُهُمْ أَصْلِيًّا ، وَلَوْ كَانَا نَاقِلَيْنِ عَنْ الْآخَرِ أَوْ عَنْ الِاثْنَيْنِ مُجْتَمِعَيْنِ اثْنَانِ فَلَا يَكْفِي نَقْلُ وَاحِدٍ عَنْ وَاحِدٍ وَسَوَاءٌ ثَبَتَتْ الشَّهَادَةُ الْمَنْقُولَةُ عِنْدَ حَاكِمٍ عَامٍّ أَوْ خَاصٍّ عَلَى الْمَشْهُورِ .
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَعُمُّ مَنْ فِي وِلَايَتِهِ خَاصَّةً ، أَوْ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ حَاكِمٍ وَحَصَلَ النَّقْلُ عَنْ الْعَدْلَيْنِ أَوْ الْمُسْتَفِيضَةِ ، وَأَمَّا نَقْلُ الْحُكْمِ بِثُبُوتِ الْهِلَالِ فَيَعُمُّ . وَلَوْ كَانَ النَّاقِلُ وَاحِدًا عَلَى الرَّاجِحِ فَتَحَصَّلَ أَنَّ صُوَرَ النَّقْلِ سِتَّةٌ ; لِأَنَّهُ إمَّا عَنْ رُؤْيَةِ عَدْلَيْنِ أَوْ عَنْ رُؤْيَةِ مُسْتَفِيضَةٍ أَوْ عَنْ حُكْمٍ . وَالنَّاقِلُ فِي كُلٍّ إمَّا عَدْلَانِ أَوْ مُسْتَفِيضَةٌ وَكُلُّهَا تَعُمُّ ، وَشَمِلَهَا كَلَامُ الْمُصَنِّفِ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ وَعَمَّ إنْ نُقِلَ بِهِمَا عَنْهُمَا يُفْهَمُ مِنْهُ بِالْأَوْلَى الْعُمُومُ إنْ نَقَلَ بِهِمَا عَنْ الْحُكْمِ ، وَأَمَّا الْعَدْلُ فَإِنْ نَقَلَ رُؤْيَةَ عَدْلَيْنِ فَلَا يُعْتَبَرُ نَقْلُهُ ، وَإِنْ نَقَلَ ثُبُوتَهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ ، وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ أَوْ نَقَلَ رُؤْيَةَ الْمُسْتَفِيضَةِ اُعْتُبِرَ نَقْلُهُ فَيَعُمُّ ، فَتَعَدُّدُ النَّاقِلِ شَرْطٌ فِي نَقْلِ رُؤْيَةِ الْعَدْلَيْنِ لَا فِي نَقْلِ رُؤْيَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ وَلَا فِي نَقْلِ الْحُكْمِ . وَالْمُرَادُ بِالْحُكْمِ مَا يَشْمَلُ مُجَرَّدَ الثُّبُوتِ .
وَنَصُّ ابْنِ عَرَفَةَ الْبَاجِيَّ وَغَيْرِهِ عَنْ الْمَذْهَبِ نَقْلٌ ثَبَّتَهُ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ الِاسْتِفَاضَةِ بِأَحَدِهِمَا 112 لِمَحَلٍّ كَثَبَّتَهُ بِهِ الْبَاجِيَّ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ إنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ عِنْدَ حَاكِمٍ غَيْرِ الْخَلِيفَةِ خَصَّ مَنْ تَحْتَ طَاعَتِهِ أَبُو عُمَرَ وَرَوَاهُ الْمَدَنِيُّونَ ، وَقَالَهُ الْمُغِيرَةُ وَابْنُ دِينَارٍ . وَأَجْمَعُوا عَلَى عَدَمِ لُحُوقِ حُكْمِ رُؤْيَةِ مَا بَعُدَ كَالْأَنْدَلُسِ مِنْ خُرَاسَانَ . ابْنُ حَارِثٍ ابْنُ الْمَاجِشُونِ رُوِيَ مَا ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ خَصَّ مَا قَرُبَ مِنْ مَحَلِّهَا . الْمَازِرِيُّ فِي لُزُومِ مَا ثَبَتَ بِمَدِينَةِ أَهْلِ مَدِينَةٍ أُخْرَى قَوْلَانِ . قُلْت : ظَاهِرُ نَقْلِ ابْنِ حَارِثٍ وَلَوْ ثَبَتَ بِمَوْضِعِ الْخَلِيفَةِ وَالْمَازِرِيُّ ، وَلَوْ ثَبَتَ بِالِاسْتِفَاضَةِ وَنَصُّ ابْنِ بَشِيرٍ كَظَاهِرِ لَفْظِ الْمَازِرِيِّ إنْ ثَبَتَ عِنْدَ الْخَلِيفَة لَزِمَ سَائِرُ عَمَلِهِ اتِّفَاقًا .
وَقَالَ عِيَاضٌ : إنَّمَا الْخِلَافُ إذَا نُقِلَ بِبَيِّنَةٍ لَا بِالِاسْتِفَاضَةِ ، وَفِي نَقْلٍ ثَبَّتَهُ بِخَبَرٍ وَاحِدٍ قَوْلَا الشَّيْخِ مَنْ نَقَلَهُ عَنْ ابْنُ مُيَسِّرٍ وَأَبِي عِمْرَانَ قَائِلًا إنَّمَا قَالَ ابْنُ مُيَسِّرٍ فِيمَنْ بُعِثَ لِذَلِكَ وَلَيْسَ كَنَقْلِ الرَّجُلِ لِأَهْلِهِ ; لِأَنَّهُ الْقَائِمُ عَلَيْهِمْ ، وَصَوَّبَ ابْنُ رُشْدٍ وَالصَّقَلِّيُّ قَوْلَ الشَّيْخِ وَقَالَ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَقْلِهِ لِأَهْلِهِ ، وَلَمْ يَحْكِ اللَّخْمِيُّ وَالْبَاجِيِّ غَيْرَهُ وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْخِلَافَ فِي نَقْلِهِ لِأَهْلِهِ لَا أَعْرِفُهُ .
( لَا ) يَثْبُتُ رَمَضَانُ ( بِ ) رُؤْيَةِ عَدْلٍ ( مُنْفَرِدٍ ) بِرُؤْيَةِ هِلَالِهِ وَلَوْ خَلِيفَةً أَوْ قَاضِيًا أَوْ أَعْدَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْمَذْهَبُ لَغْوٌ رُؤْيَةُ الْعَدْلِ لِغَيْرِهِ سَحْنُونٌ وَلَوْ كَانَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ابْنُ حَارِثٍ اتِّفَاقًا ( إلَّا كَأَهْلِهِ ) أَيْ : الْمُنْفَرِدِ بِهَا .
( وَمَنْ لَا اعْتِنَاءَ لَهُمْ بِأَمْرِهِ ) أَيْ : الْهِلَالِ سَوَاءٌ كَانُوا أَهْلَهُ أَوْ غَيْرَهُمْ فَيَثْبُتُ بِرُؤْيَتِهِ فِي حَقِّهِمْ إنْ كَانَ عَدْلَ شَهَادَةٍ بَلْ وَلَوْ عَبْدًا أَوْ امْرَأَةً حَيْثُ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ وَوَثِقَتْ أَنْفُسُ غَيْرِ الْمُعْتَنِينَ بِخَبَرِهِ وَاعْتَرَضَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ بِاقْتِضَائِهِ ثُبُوتَهُ لِلْأَهْلِ وَلَوْ اعْتَنَوْا وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ الْمُنْفَرِدُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ رُؤْيَتُهُ لِغَيْرِ الْمُعْتَنِي مُطْلَقًا دُونَ الْمُعْتَنِي مُطْلَقًا ، فَلَوْ حَذَفَ قَوْلَهُ كَأَهْلِهِ وَالْعَاطِفَ وَقَالَ : إلَّا مِنْ الِاعْتِنَاءِ لَهُمْ لَطَابَقَ الرَّاجِحَ وَلَيْسَ قَوْلُهُ لَا بِمُنْفَرِدٍ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ بِهِمَا ; لِأَنَّ نَقْلَ الْوَاحِدِ عَنْ الِاسْتِفَاضَةِ أَوْ ثُبُوتَهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِعَدْلَيْنِ مُعْتَبَرٌ فَيَعُمُّ وَلَوْ بِمَحَلٍّ مُعْتَنًى فِيهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِأَهْلِهِ وَغَيْرِهِمْ ، بِخِلَافِ نَقْلِ الْوَاحِدِ عَنْ رُؤْيَةِ الْعَدْلَيْنِ فَلَا يُعْتَبَرُ مُطْلَقًا إلَّا أَنْ يُرْسَلَ لِيَكْشِفَ الْخَبَرَ فَيَكُونَ كَالْوَكِيلِ سَمَاعُهُ كَسَمَاعِ الْمُرْسَلِينَ لَهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ الصَّوْمُ بِنَقْلِهِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث