منح الجليل شرح مختصر خليل
منح الجليل شرح مختصر خليل · الجزء الثامن
الصفحة 6741 · ص. المطبوع 533 · الشرح
( وَإِنْ ) تَعَارَضَ بَيِّنَتَانِ بِأَنْ شَهِدَتْ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَا يُنَافِي مَا شَهِدَتْ بِهِ الْأُخْرَى وَ ( أَمْكَنَ جَمْعٌ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ ) الْمُتَعَارِضَتَيْنِ ( جُمِعَ ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ بَيْنَهُمَا وَعُمِلَ بِهِمَا كَالْجَمْعِ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ ، كَدَعْوَى شَخْصٍ أَنَّهُ أَسْلَمَ لِفُلَانٍ هَذَا الثَّوْبَ فِي مِائَةِ إرْدَبٍّ حِنْطَةً ، وَدَعْوَى فُلَانٍ أَنَّهُ أَسْلَمَهُ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ الْآخَرَيْنِ فِي مِائَةِ إرْدَبٍّ حِنْطَةً وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِالْحُكْمِ عَلَى الْمُسْلِمِ بِالْأَثْوَابِ الثَّلَاثَةِ وَعَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بِالْمِائَتَيْنِ حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ حَصَلَ بَيْنَهُمَا سَلَمَانِ حَضَرَتْ كُلُّ بَيِّنَةٍ سَلَمًا وَشَهِدَتْ بِهِ .
الْمُتَيْطِيُّ مَنْ ادَّعَى أَنَّهُ أَسْلَمَ هَذَا الثَّوْبَ فِي مِائَةِ إرْدَبٍّ حِنْطَةً وَقَالَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ بَلْ ثَوْبَيْنِ غَيْرَهُ فِي مِائَةِ إرْدَبٍّ حِنْطَةً وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ كَانَتْ الثَّلَاثَةُ الْأَثْوَابِ فِي الْمِائَتَيْنِ ; لِأَنَّ كُلَّ بَيِّنَةٍ شَهِدَتْ عَلَى غَيْرِ مَا شَهِدَتْ عَلَيْهِ الْأُخْرَى . ابْنُ عَبْدُوسٍ هَذَا إنْ كَانَا فِي مَجْلِسَيْنِ . وَأَمَّا إنْ كَانَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَهُوَ تَكَاذُبٌ ، وَقَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسٍ أَوْ فِي مَجْلِسَيْنِ ; لِأَنَّ كُلَّ بَيِّنَةٍ أَثْبَتَتْ حُكْمًا غَيْرَ مَا أَثْبَتَتْ صَاحِبَتُهَا ، وَلَا قَوْلَ لِمَنْ نَفَى مَا أَثْبَتَهُ غَيْرُهُ وَلَوْ لَمْ يُقِيمَا بَيِّنَةً تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا ، وَمَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهُ أَسْلَمَ هَذَا الْعَبْدَ فِي مِائَةِ إرْدَبٍّ حِنْطَةً ، وَأَقَامَ الْبَائِعُ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهُ أَسْلَمَهُ ذَلِكَ الْعَبْدَ وَثَوْبًا مَعَهُ فِي مِائَةِ إرْدَبٍّ حِنْطَةً ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنَّ الْعَبْدَ وَالثَّوْبَ فِي الْمِائَةِ عَمَلًا بِقَوْلِ الْبَائِعِ ; لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ شَهِدَتْ بِالْأَكْثَرِ . ا هـ . وَالْمَسْأَلَتَانِ مَعًا فِي الْمُدَوَّنَةِ . ابْنُ عَرَفَةَ وَلِابْنِ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ يَحْيَى إنْ شَهِدَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ ، بِخِلَافِ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْأُخْرَى مِثْلَ أَنْ تَشْهَدَ إحْدَاهُمَا بِعِتْقٍ وَالثَّانِيَةُ بِطَلَاقٍ ، أَوْ إحْدَاهُمَا بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ وَالثَّانِيَةُ بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ أُخْرَى وَشِبْهِ هَذَا ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَرِوَايَةُ الْمِصْرِيِّينَ فِي أَنَّهُ تَهَاتُرٌ وَتَكَاذُبٌ مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ يُحْكَمُ فِيهِ بِأَعْدَلِ الْبَيِّنَتَيْنِ ، فَإِنْ تَكَافَأَتَا سَقَطَتَا ، وَرَوَى الْمَدَنِيُّونَ أَنَّهُ يُقْضَى بِهِمَا مَعًا إذَا اسْتَوَيَا فِي الْعَدَالَةِ أَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا أَعْدَلَ
ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَمَهْمَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ جَمْعٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنْ شَهِدَتْ إحْدَاهُمَا بِأَنَّهُ 533 طَلَّقَ الْكُبْرَى وَالْأُخْرَى بِأَنَّهُ طَلَّقَ الصُّغْرَى أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا ، وَتَقَدَّمَ مِنْ نَقْلِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَةُ الْمِصْرِيِّينَ ا هـ . " ح " وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ ، أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَزِمَهُ مَا أَلْزَمَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ ; لِأَنَّهُ صَدَرَ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ بِمِثْلِ مَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ . الثَّانِي : أَنَّ مَا فَرَضَهُ هُوَ وَمَا نَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ فِيهِ ; لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ تُكَلِّمُهُ بِغَيْرِ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْأُخْرَى يَتَبَيَّنُ هَذَا بِنَقْلِ الْمَسْأَلَةِ بِلَفْظِهَا ، وَهُوَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَوْ أَنَّ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ شَهِدَ رَجُلَانِ مِنْهُمْ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَشَهِدَ الْآخَرَانِ أَنَّهُ لَمْ يَتَفَوَّهْ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ بِشَيْءٍ مِنْ الطَّلَاقِ ، وَإِنَّمَا حَلَفَ بِعِتْقِ غُلَامِهِ فُلَانٍ لَا أَرَى لَهُمْ شَهَادَةً أَجْمَعِينَ فِي طَلَاقٍ وَلَا إعْتَاقٍ ; لِأَنَّ بَعْضَهُمْ أَكْذَبَ بَعْضًا ، هَذَا الَّذِي سَمِعْنَاهُ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ نَشْهَدُ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فُلَانَةَ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَمْ يُطَلِّقْ امْرَأَتَهُ فُلَانَةَ حَتَّى تَفَرَّقْنَا ، وَإِنَّمَا حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ فُلَانَةَ الْأُخْرَى ، أَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ نَشْهَدُ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ فُلَانًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَا أَعْتَقَ الَّذِي شَهِدْتُمْ لَهُ بِالْإِعْتَاقِ ، وَإِنَّمَا أَعْتَقَ فُلَانًا غُلَامًا لَهُ آخَرَ ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ تَبْطُلُ ، وَسَقَطَ قَوْلُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي الْإِعْتَاقِ وَالطَّلَاقِ عَلَى هَذَا النَّحْوِ ; لِأَنَّ بَعْضَهُمْ أَكْذَبَ بَعْضًا ، وَشَرَحَهُ ابْنُ رُشْدٍ بِمَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْهُ فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . الْبُنَانِيُّ وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْجَمْعَ مُقَيَّدٌ بِكَوْنِ شَهَادَتِهِمَا فِي مَجْلِسَيْنِ ، وَبِهِ يَسْقُطُ اعْتِرَاضُ ابْنِ عَرَفَةَ عَلَى عِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ الَّتِي هِيَ كَعِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( وَإِلَّا ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ الْجَمْعُ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ الْمُتَعَارِضَتَيْنِ كَشَهَادَةِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِمِائَةِ دِينَارٍ لِفُلَانٍ يَوْمَ كَذَا ، وَشَهَادَةِ أُخْرَى أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ ( رُجِّحَ ) ت بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى ( بِ ) بَيَانِ ( سَبَبِ مِلْكٍ ) شَهِدَتْ بِهِ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى الَّتِي شَهِدَتْ بِالْمِلْكِ لِلْخَصْمِ الْآخَرِ ، وَلَمْ تُبَيِّنْ سَبَبَهُ فَيُحْكَمُ بِشَهَادَةِ الْأُولَى وَتُلْغَى الثَّانِيَةُ . وَمَثَّلَ لِلسَّبَبِ بِقَوْلِهِ ( كَنَسْجٍ ) لِشُقَّةٍ تَنَازَعَ فِيهَا اثْنَانِ وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ ، وَقَالَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ إنَّ مَنْ شَهِدْت لَهُ نَسْجُهَا فِي التَّوْضِيحِ اُخْتُلِفَ فِي الشَّهَادَةِ بِنَسْجِ الثَّوْبِ هَلْ هِيَ كَالشَّهَادَةِ بِالنَّتَاجِ ؟ فَأَجْرَاهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مَجْرَى النَّتَاجِ .
534 وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ أَنَّ بَيِّنَةَ الْمِلْكِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى بَيِّنَةِ النَّسْجِ ، وَيُقْضَى لِمَنْ شُهِدَ لَهُ بِالنَّسْجِ بِقِيمَةِ عَمَلِهِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَمْ يَنْسِجْهَا مَجَّانًا . الْمَازِرِيُّ هَذَا إذَا كَانَ النَّاسِجُ يَنْسِجُ لِنَفْسِهِ ، وَأَمَّا إنْ انْتَصَبَ لِلنَّاسِ فَلَا تَنْفَعُهُ الشَّهَادَةُ بِالنَّسْجِ . ا هـ . وَكَذَا فِي ابْنِ عَرَفَةَ عَنْ الْمَازِرِيِّ قَائِلًا إنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَنْ يَنْسِجُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ انْتَصَبَ لِنَسْجِ النَّاسِ بِأَجْرٍ أَوْ لِلْبَيْعِ فَالْبَيِّنَةُ لَهُ بِالنَّسْجِ لَغْوٌ . ا هـ . فَقَدْ ظَهَرَ لَك مِنْ هَذَا أَنَّ الْبَيِّنَةَ شَهِدَتْ بِالنَّسْجِ فَقَطْ وَلَمْ تَزِدْ لِنَفْسِهِ ، وَكَلَامُهُمْ هَذَا يَدُلُّ لِقَوْلِنَا . الرَّاجِحُ أَنَّ ذَا السَّبَبِ شَهِدَ بِهِ فَقَطْ . ( وَ ) كَ ( نَتَاجٍ ) أَيْ وِلَادَةٍ لِحَيَوَانٍ مُتَنَازَعٍ فِيهِ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ مِلْكٌ لِفُلَانٍ وُلِدَ عِنْدَهُ وَالْأُخْرَى أَنَّهُ مِلْكٌ لِفُلَانٍ الْآخَرِ ، وَلَمْ تَزِدْ عَلَى هَذَا فَتُرَجَّحُ الْأُولَى وَيُقْضَى بِهَا وَتُلْغَى الثَّانِيَةُ ( إلَّا ) شَهَادَةَ الثَّانِيَةِ ( بِمِلْكٍ ) لِمَنْ شَهِدَتْ لَهُ ( مِنْ الْمَقَاسِمِ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ ، أَيْ الْغَنَائِمِ بِأَخْذِهَا فِي سَهْمِهِ أَوْ شِرَائِهِمَا مِمَّنْ أَخَذَهَا فِي سَهْمِهِ أَوْ مِنْ الْإِمَامِ فَيُعْمَلُ بِشَهَادَتِهَا وَتُلْغَى الْأُولَى ; لِأَنَّ الثَّانِيَةَ نَاقِلَةٌ ، وَالْأُولَى مُسْتَصْحِبَةٌ ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ وُلِدَ عِنْدَ الْأَوَّلِ وَغَارَ عَلَيْهِ الْعَدُوُّ ثُمَّ غَنِمَ مِنْهُ ، لِقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ لَوْ أَنَّ أَمَةً تَنَازَعَ فِيهَا اثْنَانِ وَلَيْسَتْ بِيَدِ أَحَدِهِمَا ، فَأَتَى أَحَدُهُمَا بِبَيِّنَةٍ أَنَّهَا وُلِدَتْ عِنْدَهُ لَا يَعْلَمُونَهَا خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ بِنَاقِلٍ شَرْعِيٍّ ، وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهَا لَهُ لَا يَعْلَمُونَهَا خَرَجَتْ مِنْ مِلْكِهِ حَتَّى سُرِقَتْ فَتُرَجَّحُ الْأُولَى بِبَيَانِهَا سَبَبَ الْمِلْكِ ، وَيُقْضَى لِصَاحِبِ الْوِلَادَةِ .
ابْنُ الْقَاسِمِ هَذَا إذَا لَمْ تَشْهَدْ لِبَيِّنَةِ الْأُخْرَى أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ الْمَقَاسِمِ ، فَإِنْ شَهِدَتْ بِذَلِكَ فَصَاحِبُ الْمَقَاسِمِ أَحَقُّ إلَّا أَنْ يَدْفَعَ صَاحِبُ الْوِلَادَةِ الثَّمَنَ الَّذِي اشْتَرَاهَا بِهِ . وَفِيهَا ابْنُ الْقَاسِمِ فِي دَابَّةٍ ادَّعَاهَا رَجُلَانِ وَلَيْسَتْ بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَأَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا نَتَجَتْ عِنْدَهُ ، وَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ الْمَقَاسِمِ فَهِيَ لِمَنْ اشْتَرَاهَا مِنْ الْمَقَاسِمِ ، بِخِلَافِ مَنْ اشْتَرَاهَا مِنْ سُوقِ الْمُسْلِمِينَ ; لِأَنَّهَا تُغْصَبُ وَتُسْرَقُ وَلَا تُحَازُ عَلَى النَّاتِجِ إلَّا بِأَمْرٍ يَثْبُتُ وَأَمْرُ الْمَغْنَمِ قَدْ اسْتُوقِنَ أَنَّهَا خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ بِحِيَازَةِ الْمُشْرِكِينَ وَلَوْ وُجِدَتْ فِي يَدِ مَنْ نَتَجَتْ عِنْدَهُ وَأَقَامَ هَذَا بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ الْمَغَانِمِ أَخَذَهُمَا مِنْهُ أَيْضًا ، وَكَانَ أَوْلَى بِهَا إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَا اشْتَرَاهَا بِهِ وَيَأْخُذَهَا ، وَقَالَهُ سَحْنُونٌ . 535 غ " قَوْلُهُ وَالْأَرْجَحُ بِسَبَبِ مِلْكٍ كَنَسْجٍ وَنَتَاجٍ ، أَيْ إذَا ذَكَرَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ مَعَ الْمِلْكِ سَبَبَهُ مِنْ نَسْجِ ثَوْبٍ وَنَتَاجِ حَيَوَانٍ وَنَحْوَهُمَا ، كَنَسْخِ كِتَابٍ وَاصْطِيَادِ وَحْشٍ ، وَلَمْ تَذْكُرْ الْأُخْرَى سِوَى مُجَرَّدِ الْمِلْكِ ، فَتُرَجَّحُ ذَاكِرَةُ السَّبَبِ عَلَى الَّتِي لَمْ تَذْكُرْهُ ، وَبِنَحْوِ هَذَا فَسَّرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ . وَفِي التَّوْضِيحِ كَمَا إذَا شَهِدَتْ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ صَادَهُ أَوْ نَتَجَ عِنْدَهُ وَشَهِدَتْ الْأُخْرَى بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ ، وَفِي شَهَادَاتِهَا وَلَوْ أَنَّ أَمَةً تَنَازَعَ فِيهَا اثْنَانِ وَلَيْسَتْ بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَأَتَى أَحَدُهُمَا بِبَيِّنَةٍ أَنَّهَا لَهُ لَا يَعْلَمُونَهَا خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ بِشَيْءٍ وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهَا لَهُ وُلِدَتْ عِنْدَهُ لَا يَعْلَمُونَهَا خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ حَتَّى سُرِقَتْ قُضِيَ بِهَا لِصَاحِبِ الْوِلَادَةِ .
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ قَالَ أَشْهَبُ فِيمَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً فِي أَمَةٍ بِيَدِ رَجُلٍ أَنَّهَا وُلِدَتْ عِنْدَهُ لَا يُقْضَى لَهُ بِهَا حَتَّى يَقُولُوا إنَّهُ كَانَ يَمْلِكُهَا لَا نَعْلَمُ لِغَيْرِهِ فِيهَا حَقًّا ، إذْ قَدْ يُولَدُ فِي يَدِهِ مَا هُوَ لِغَيْرِهِ ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنَّهَا لِمَنْ وُلِدَتْ عِنْدَهُ وَهُوَ أَصْوَبُ ، وَتُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ لَهُ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهَا وَدِيعَةٌ أَوْ غَصْبٌ ا هـ . وَمِثْلُهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ التُّونُسِيِّ . طفى قَرَّرَهُ الشَّارِحُ بِمَا فِي التَّوْضِيحِ مِنْ شَهَادَةِ ذَاتِ السَّبَبِ بِهِ فَقَطْ . وَفِيهَا خِلَافٌ وَالْمُعْتَمَدُ مَا عَلَيْهِ الشَّارِحُ تَبَعًا لِلتَّوْضِيحِ وَذَكَرَ نَصَّ اللَّخْمِيِّ الْمُتَقَدِّمِ وَقَالَ عَقِبَهُ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَأَقَرَّهُ ، وَلَمَّا نَقَلَ فِي تَوْضِيحِهِ قَوْلَ أَشْهَبَ هَذَا قَالَ وَخَالَفَهُ التُّونُسِيُّ ا هـ . وَضَعَّفَ قَوْلَ أَشْهَبَ غَيْرُ وَاحِدٍ ، فَظَهَرَ لَك أَنَّ الْمُعْتَمَدَ مَا عَلَيْهِ الشَّارِحُ وَهُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ وَإِلَّا لَقَالَ وَرُجِّحَ بِسَبَبِ مِلْكٍ مَعَهُ ، وَمَا أَدْرِي مَا الْحَامِلُ لِابْنِ غَازِيٍّ عَلَى مُخَالَفَةِ الشَّارِحِ مَعَ نَقْلِهِ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ وَمُخَالَفَةِ التُّونُسِيِّ ، وَلَا مُسْتَنَدَ لَهُ إلَّا تَفْسِيرُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ ، وَقَدْ عَلِمْت ضَعْفَهُ مِنْ ضَعْفِ مَا انْبَنَى عَلَيْهِ . وَإِنْ وَافَقَ أَحَدَ التَّأْوِيلَيْنِ فَفِي تَنْبِيهَاتِ عِيَاضٍ اُخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ مَذْهَبِهِ فِي الْكِتَابِ فِي إعْمَالِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْحِيَازَةِ وَعَلَى النَّسْجِ وَعَلَى النَّتَاجِ وَشِبْهِهَا وَإِيجَابُهَا الْمِلْكَ هَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ مُجَرَّدَ الشَّهَادَةِ بِهَا يُوجِبُ الْمِلْكَ أَوْ حَتَّى يَزِيدُوا أَنَّهَا مِلْكُهُ أَوْ يَحُوزُهَا حِيَازَةَ الْمِلْكِ . فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ هَذَا وَأَنَّهُ مُرَادُهُ وَمَنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لَمْ تَتِمَّ شَهَادَتُهُ وَلَا عَارَضَتْ بِشَهَادَةِ مَنْ شَهِدَ بِالْمِلْكِ ، وَعَلَيْهِ تَأَوَّلَهَا ابْنُ مُحْرِزٍ ، وَهُوَ مَذْهَبُ سَحْنُونٍ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَمْ يَقُلْ هَذَا 536 ابْنُ الْقَاسِمِ وَالشَّهَادَةُ بِالْوِلَادَةِ أَوْ النَّسْجِ مُغْنِيَةٌ عَنْ ذِكْرِ الْمِلْكِ وَقَائِمَةٌ مَقَامَهُ عِنْدَهُ . الْبُنَانِيُّ مَا ذَكَرَهُ طفى غَيْرُ صَحِيحٍ ، وَالصَّوَابُ مَا قَالَ لغ ، وَلَا دَلِيلَ لَهُ فِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ عَلَى أَنَّهُ يُفِيدُ الْخِلَافَ فِي بَيِّنَةِ السَّبَبِ بِمُجَرَّدِهَا تُفِيدُ الْمِلْكَ ، فَتُقَدَّمُ عَلَى الْحَوْزِ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوَّلًا تُفِيدُهُ فَلَا يُنْزَعُ بِهَا مِنْ يَدِ الْحَائِزِ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَيِّنَةَ السَّبَبِ تُقَدَّمُ عَلَى بَيِّنَةِ الْمِلْكِ كَمَا ادَّعَاهُ طفى تَبَعًا لِلشَّارِحِ وَالتَّوْضِيحِ ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْحَامِلُ لِابْنِ غَازِيٍّ عَلَى تَقْرِيرِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث