الإنصاف
الإنصاف · الجزء الحادي عشر
قَوْلُهُ ( وَكَفَّارَةُ الْعَبْدِ : الصِّيَامُ . وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْهُ ) . وَهَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ . وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ . وَقِيلَ : إنْ حَلَفَ بِإِذْنِهِ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ ، وَإِلَّا كَانَ لَهُ مَنْعُهُ . وَكَذَا الْحُكْمُ فِي نَذْرِهِ . قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ ، وَغَيْرِهِ .
فَائِدَةٌ : اعْلَمْ أَنَّ تَكْفِيرَ الْعَبْدِ بِالْمَالِ فِي الْحَجِّ وَالظِّهَارِ وَالْأَيْمَانِ وَنَحْوِهَا لِلْأَصْحَابِ فِيهَا طُرُقٌ . أَحَدُهَا : الْبِنَاءُ عَلَى مِلْكِهِ وَعَدَمُهُ . فَإِنْ قُلْنَا : يَمْلِكُ ، فَلَهُ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ فِي الْجُمْلَةِ وَإِلَّا فَلَا . وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي ، وَأَبِي الْخَطَّابِ ، وَابْنِ عَقِيلٍ . وَأَكْثَرِ الْمُتَأَخِّرِينَ ; لِأَنَّ التَّكْفِيرَ بِالْمَالِ يَسْتَدْعِي مِلْكَ الْمَالِ . فَإِذَا كَانَ هَذَا غَيْرَ قَابِلٍ لِلْمِلْكِ بِالْكُلِّيَّةِ فَفَرْضُهُ الصِّيَامُ خَاصَّةً . وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْمَالِ : فَإِنَّهُ يُكَفِّرُ بِالْإِطْعَامِ . وَهَلْ يُكَفِّرُ بِالْعِتْقِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ . وَهَلْ يَلْزَمُهُ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ ، أَوْ يَجُوزُ لَهُ مَعَ إجْزَاءِ الصِّيَامِ ؟ قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْفَوَائِدِ : الْمُتَوَجَّهُ إنْ كَانَ فِي مِلْكِهِ مَالٌ ، فَأَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ 47 بِالتَّكْفِيرِ مِنْهُ : لَزِمَهُ ذَلِكَ . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ ، بَلْ أَرَادَ السَّيِّدُ أَنْ يَمْلِكَهُ لِيُكَفِّرَ : لَمْ يَلْزَمْهُ كَالْحُرِّ الْمُعْسِرِ إذَا بُذِلَ لَهُ مَالٌ .
قَالَ : وَعَلَى هَذَا يَتَنَزَّلُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي مِنْ لُزُومِ التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ فِي الْحَجِّ ، وَنَفْيِ اللُّزُومِ فِي الظِّهَارِ . الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ : فِي تَكْفِيرِهِ بِالْمَالِ بِإِذْنِ السَّيِّدِ رِوَايَتَانِ مُطْلَقَتَانِ ، سَوَاءٌ قُلْنَا يَمْلِكُ أَوْ لَا يَمْلِكُ . حَكَاهَا الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ حَامِدٍ ، وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَصْحَابِ . وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي بَكْرٍ . فَوَجْهُ عَدَمِ تَكْفِيرِهِ بِالْمَالِ ، مَعَ الْقَوْلِ بِالْمِلْكِ : أَنَّ تَمَلُّكَهُ ضَعِيفٌ لَا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ . وَوَجْهُ تَكْفِيرِهِ بِالْمَالِ ، مَعَ الْقَوْلِ بِانْتِفَاءِ مِلْكِهِ : لَهُ مَأْخَذَانِ . أَحَدُهُمَا : أَنَّ تَكْفِيرَهُ بِالْمَالِ إنَّمَا هُوَ تَبَرُّعٌ لَهُ مِنْ السَّيِّدِ وَإِبَاحَةٌ . وَالتَّكْفِيرُ عَنْ الْغَيْرِ لَا يُشْتَرَطُ دُخُولُهُ فِي مِلْكِ الْمُكَفَّرِ عَنْهُ كَمَا نَقُولُ فِي رِوَايَةٍ فِي كَفَّارَةِ الْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ إذَا عَجَزَ عَنْهَا وَقُلْنَا : لَا يَسْقُطُ تَكْفِيرُ غَيْرِهِ عَنْهُ إلَّا بِإِذْنِهِ جَازَ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ . كَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ . وَلَوْ كَانَتْ قَدْ دَخَلَتْ فِي مِلْكِهِ : لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَهَا هُوَ ; لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ حِينَئِذٍ إخْرَاجًا لِلْكَفَّارَةِ . وَالْمَأْخَذُ الثَّانِي : أَنَّ الْعَبْدَ ثَبَتَ لَهُ مِلْكٌ قَاصِرٌ بِحَسَبِ حَاجَتِهِ إلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ الْمِلْكُ الْمُطْلَقُ التَّامُّ . فَيَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ فِي الْمَالِ الْمُكَفَّرِ بِهِ مِلْكٌ يُبِيحُ لَهُ التَّكْفِيرَ بِالْمَالِ ، دُونَ بَيْعِهِ وَهِبَتِهِ ، كَمَا أَثْبَتْنَا لَهُ فِي الْأَمَةِ مِلْكًا قَاصِرًا أُبِيحَ لَهُ بِهِ التَّسَرِّي بِهَا دُونَ بَيْعِهَا وَهِبَتِهَا . وَهَذَا اخْتِيَارُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ . 48 وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي " بَابِ الْفِدْيَةِ " : ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ مُتَقَدِّمِي الْأَصْحَابِ : إلَى أَنَّ لَهُ التَّكْفِيرَ بِإِذْنِ السَّيِّدِ ، وَإِنْ لَمْ نَقُلْ بِمِلْكِهِ ، بِنَاءً عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، مِنْ أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا يُشْتَرَطُ دُخُولُهَا فِي مِلْكِ الْمُكَفَّرِ عَنْهُ ، وَأَنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ مِلْكٌ خَاصٌّ بِقَدْرِ مَا يُكَفِّرُ . انْتَهَى .
وَقَالَ فِي " كِتَابِ الظِّهَارِ " : ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ وَطَائِفَةٍ مِنْ مُتَقَدِّمِي الْأَصْحَابِ . وَإِلَيْهِ مَيْلُ أَبِي مُحَمَّدٍ جَوَازُ تَكْفِيرِهِ بِالْمَالِ بِإِذْنِ السَّيِّدِ . وَإِنْ لَمْ نَقُلْ إنَّهُ يَمْلِكُ . وَلَهُمْ مُدْرَكَانِ . أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ يَمْلِكُ الْقَدْرَ الْمُكَفَّرَ بِهِ مِلْكًا خَاصًّا . وَالثَّانِي : أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا يَلْزَمُ أَنْ تَدْخُلَ فِي مِلْكِ الْمُكَفِّرِ . انْتَهَى . وَوَجْهُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْعِتْقِ وَالْإِطْعَامِ : أَنَّ التَّكْفِيرَ بِالْعِتْقِ يَحْتَاجُ إلَى مِلْكٍ بِخِلَافِ الْإِطْعَامِ . ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى . وَلِهَذَا لَوْ أَمَرَ مَنْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ رَجُلًا أَنْ يُطْعِمَ عَنْهُ ، فَفَعَلَ : أَجْزَأَ . وَلَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَعْتِقَ عَنْهُ : فَفِي إجْزَائِهِ عَنْهُ رِوَايَتَانِ . وَلَوْ تَبَرَّعَ الْوَارِثُ بِالْإِطْعَامِ الْوَاجِبِ عَنْ مُورِثِهِ : صَحَّ . وَلَوْ تَبَرَّعَ عَنْهُ بِالْعِتْقِ : لَمْ يَصِحَّ . وَلَوْ أَعْتَقَ الْأَجْنَبِيُّ عَنْ الْمَوْرُوثِ : لَمْ يَصِحَّ . وَلَوْ أَطْعَمَ عَنْهُ فَوَجْهَانِ . وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ : وَيُكَفِّرُ الْعَبْدُ بِالْإِطْعَامِ بِإِذْنِهِ . وَقِيلَ : وَلَوْ لَمْ يَمْلِكْ . وَفِيهِ بِعِتْقٍ رِوَايَتَانِ . اخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ وَمَالَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ جَوَازَ تَكْفِيرِهِ بِالْعِتْقِ . قَالَ فِي الْفُرُوعِ : فَإِنْ جَازَ وَأَطْلَقَ ، فَفِي عِتْقِهِ نَفْسَهُ وَجْهَانِ . انْتَهَى . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي ، وَالشَّرْحِ ، وَالْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ . قُلْت : الصَّوَابُ الْجَوَازُ وَالْإِجْزَاءُ .
49 قَالَ الزَّرْكَشِيُّ : جَازَ ذَلِكَ عَلَى مُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ .
تَنْبِيهٌ : حَيْثُ جَازَ لَهُ التَّكْفِيرُ بِإِذْنِ السَّيِّدِ . فَقَالَ الْقَاضِي ، وَابْنُ عَقِيلٍ ، وَالْمُصَنِّفُ ، وَغَيْرُهُمْ : يَلْزَمُهُ التَّكْفِيرُ . وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَفَّارَاتِ لَا يَلْزَمُهُ عَلَى كِلَا الرِّوَايَتَيْنِ . وَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ . وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي الظِّهَارِ : تَرَدَّدَ الْأَصْحَابُ فِي الْوُجُوبِ وَالْجَوَازِ . وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ قَرِيبًا . الطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ : أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ التَّكْفِيرُ بِغَيْرِ الصِّيَامِ بِحَالٍ عَلَى كِلَا الطَّرِيقَتَيْنِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ فِي " كِتَابِ الظِّهَارِ " وَصَاحِبِ التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِمَا لِأَنَّهُ وَإِنْ قُلْنَا : يَمْلِكُ فَمِلْكُهُ ضَعِيفٌ ، فَلَا يَكُونُ مُخَاطَبًا بِالتَّكْفِيرِ بِالْمَالِ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَا يَكُونُ فَرْضُهُ غَيْرَ الصِّيَامِ بِالْأَصَالَةِ ، بِخِلَافِ الْحُرِّ الْعَاجِزِ ، فَإِنَّهُ قَابِلٌ لِلتَّمْلِيكِ التَّامِّ . قَالَ ابْنُ رَجَبٍ : وَمِنْ هُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْخِرَقِيُّ فِي الْعَبْدِ إذَا حَنِثَ ، ثُمَّ عَتَقَ : لَا يُجْزِئُهُ التَّكْفِيرُ بِغَيْرِ الصَّوْمِ . بِخِلَافِ الْحُرِّ الْمُعْسِرِ إذَا حَنِثَ ثُمَّ أَيِسَ . وَقَالَ أَيْضًا فِي الْعَبْدِ إذَا فَاتَهُ الْحَجُّ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ مِنْ قِيمَةِ الشَّاةِ يَوْمًا . وَقَالَ فِي الْحُرِّ الْمُعْسِرِ : يَصُومُ فِي الْإِحْصَارِ صِيَامَ الْمُتَمَتِّعِ
فَائِدَةٌ : اعْلَمْ أَنَّ تَكْفِيرَ الْعَبْدِ بِالْمَالِ فِي الْحَجِّ وَالظِّهَارِ وَالْأَيْمَانِ وَنَحْوِهَا لِلْأَصْحَابِ فِيهَا طُرُقٌ . أَحَدُهَا : الْبِنَاءُ عَلَى مِلْكِهِ وَعَدَمُهُ . فَإِنْ قُلْنَا : يَمْلِكُ ، فَلَهُ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ فِي الْجُمْلَةِ وَإِلَّا فَلَا . وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي ، وَأَبِي الْخَطَّابِ ، وَابْنِ عَقِيلٍ . وَأَكْثَرِ الْمُتَأَخِّرِينَ ; لِأَنَّ التَّكْفِيرَ بِالْمَالِ يَسْتَدْعِي مِلْكَ الْمَالِ . فَإِذَا كَانَ هَذَا غَيْرَ قَابِلٍ لِلْمِلْكِ بِالْكُلِّيَّةِ فَفَرْضُهُ الصِّيَامُ خَاصَّةً . وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْمَالِ : فَإِنَّهُ يُكَفِّرُ بِالْإِطْعَامِ . وَهَلْ يُكَفِّرُ بِالْعِتْقِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ . وَهَلْ يَلْزَمُهُ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ ، أَوْ يَجُوزُ لَهُ مَعَ إجْزَاءِ الصِّيَامِ ؟ قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْفَوَائِدِ : الْمُتَوَجَّهُ إنْ كَانَ فِي مِلْكِهِ مَالٌ ، فَأَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ 47 بِالتَّكْفِيرِ مِنْهُ : لَزِمَهُ ذَلِكَ . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ ، بَلْ أَرَادَ السَّيِّدُ أَنْ يَمْلِكَهُ لِيُكَفِّرَ : لَمْ يَلْزَمْهُ كَالْحُرِّ الْمُعْسِرِ إذَا بُذِلَ لَهُ مَالٌ .
قَالَ : وَعَلَى هَذَا يَتَنَزَّلُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي مِنْ لُزُومِ التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ فِي الْحَجِّ ، وَنَفْيِ اللُّزُومِ فِي الظِّهَارِ . الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ : فِي تَكْفِيرِهِ بِالْمَالِ بِإِذْنِ السَّيِّدِ رِوَايَتَانِ مُطْلَقَتَانِ ، سَوَاءٌ قُلْنَا يَمْلِكُ أَوْ لَا يَمْلِكُ . حَكَاهَا الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ حَامِدٍ ، وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَصْحَابِ . وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي بَكْرٍ . فَوَجْهُ عَدَمِ تَكْفِيرِهِ بِالْمَالِ ، مَعَ الْقَوْلِ بِالْمِلْكِ : أَنَّ تَمَلُّكَهُ ضَعِيفٌ لَا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ . وَوَجْهُ تَكْفِيرِهِ بِالْمَالِ ، مَعَ الْقَوْلِ بِانْتِفَاءِ مِلْكِهِ : لَهُ مَأْخَذَانِ . أَحَدُهُمَا : أَنَّ تَكْفِيرَهُ بِالْمَالِ إنَّمَا هُوَ تَبَرُّعٌ لَهُ مِنْ السَّيِّدِ وَإِبَاحَةٌ . وَالتَّكْفِيرُ عَنْ الْغَيْرِ لَا يُشْتَرَطُ دُخُولُهُ فِي مِلْكِ الْمُكَفَّرِ عَنْهُ كَمَا نَقُولُ فِي رِوَايَةٍ فِي كَفَّارَةِ الْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ إذَا عَجَزَ عَنْهَا وَقُلْنَا : لَا يَسْقُطُ تَكْفِيرُ غَيْرِهِ عَنْهُ إلَّا بِإِذْنِهِ جَازَ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ . كَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ . وَلَوْ كَانَتْ قَدْ دَخَلَتْ فِي مِلْكِهِ : لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَهَا هُوَ ; لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ حِينَئِذٍ إخْرَاجًا لِلْكَفَّارَةِ . وَالْمَأْخَذُ الثَّانِي : أَنَّ الْعَبْدَ ثَبَتَ لَهُ مِلْكٌ قَاصِرٌ بِحَسَبِ حَاجَتِهِ إلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ الْمِلْكُ الْمُطْلَقُ التَّامُّ . فَيَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ فِي الْمَالِ الْمُكَفَّرِ بِهِ مِلْكٌ يُبِيحُ لَهُ التَّكْفِيرَ بِالْمَالِ ، دُونَ بَيْعِهِ وَهِبَتِهِ ، كَمَا أَثْبَتْنَا لَهُ فِي الْأَمَةِ مِلْكًا قَاصِرًا أُبِيحَ لَهُ بِهِ التَّسَرِّي بِهَا دُونَ بَيْعِهَا وَهِبَتِهَا . وَهَذَا اخْتِيَارُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ . 48 وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي " بَابِ الْفِدْيَةِ " : ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ مُتَقَدِّمِي الْأَصْحَابِ : إلَى أَنَّ لَهُ التَّكْفِيرَ بِإِذْنِ السَّيِّدِ ، وَإِنْ لَمْ نَقُلْ بِمِلْكِهِ ، بِنَاءً عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، مِنْ أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا يُشْتَرَطُ دُخُولُهَا فِي مِلْكِ الْمُكَفَّرِ عَنْهُ ، وَأَنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ مِلْكٌ خَاصٌّ بِقَدْرِ مَا يُكَفِّرُ . انْتَهَى .
وَقَالَ فِي " كِتَابِ الظِّهَارِ " : ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ وَطَائِفَةٍ مِنْ مُتَقَدِّمِي الْأَصْحَابِ . وَإِلَيْهِ مَيْلُ أَبِي مُحَمَّدٍ جَوَازُ تَكْفِيرِهِ بِالْمَالِ بِإِذْنِ السَّيِّدِ . وَإِنْ لَمْ نَقُلْ إنَّهُ يَمْلِكُ . وَلَهُمْ مُدْرَكَانِ . أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ يَمْلِكُ الْقَدْرَ الْمُكَفَّرَ بِهِ مِلْكًا خَاصًّا . وَالثَّانِي : أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا يَلْزَمُ أَنْ تَدْخُلَ فِي مِلْكِ الْمُكَفِّرِ . انْتَهَى . وَوَجْهُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْعِتْقِ وَالْإِطْعَامِ : أَنَّ التَّكْفِيرَ بِالْعِتْقِ يَحْتَاجُ إلَى مِلْكٍ بِخِلَافِ الْإِطْعَامِ . ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى . وَلِهَذَا لَوْ أَمَرَ مَنْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ رَجُلًا أَنْ يُطْعِمَ عَنْهُ ، فَفَعَلَ : أَجْزَأَ . وَلَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَعْتِقَ عَنْهُ : فَفِي إجْزَائِهِ عَنْهُ رِوَايَتَانِ . وَلَوْ تَبَرَّعَ الْوَارِثُ بِالْإِطْعَامِ الْوَاجِبِ عَنْ مُورِثِهِ : صَحَّ . وَلَوْ تَبَرَّعَ عَنْهُ بِالْعِتْقِ : لَمْ يَصِحَّ . وَلَوْ أَعْتَقَ الْأَجْنَبِيُّ عَنْ الْمَوْرُوثِ : لَمْ يَصِحَّ . وَلَوْ أَطْعَمَ عَنْهُ فَوَجْهَانِ . وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ : وَيُكَفِّرُ الْعَبْدُ بِالْإِطْعَامِ بِإِذْنِهِ . وَقِيلَ : وَلَوْ لَمْ يَمْلِكْ . وَفِيهِ بِعِتْقٍ رِوَايَتَانِ . اخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ وَمَالَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ جَوَازَ تَكْفِيرِهِ بِالْعِتْقِ . قَالَ فِي الْفُرُوعِ : فَإِنْ جَازَ وَأَطْلَقَ ، فَفِي عِتْقِهِ نَفْسَهُ وَجْهَانِ . انْتَهَى . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي ، وَالشَّرْحِ ، وَالْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ . قُلْت : الصَّوَابُ الْجَوَازُ وَالْإِجْزَاءُ .
49 قَالَ الزَّرْكَشِيُّ : جَازَ ذَلِكَ عَلَى مُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ .
تَنْبِيهٌ : حَيْثُ جَازَ لَهُ التَّكْفِيرُ بِإِذْنِ السَّيِّدِ . فَقَالَ الْقَاضِي ، وَابْنُ عَقِيلٍ ، وَالْمُصَنِّفُ ، وَغَيْرُهُمْ : يَلْزَمُهُ التَّكْفِيرُ . وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَفَّارَاتِ لَا يَلْزَمُهُ عَلَى كِلَا الرِّوَايَتَيْنِ . وَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ . وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي الظِّهَارِ : تَرَدَّدَ الْأَصْحَابُ فِي الْوُجُوبِ وَالْجَوَازِ . وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ قَرِيبًا . الطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ : أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ التَّكْفِيرُ بِغَيْرِ الصِّيَامِ بِحَالٍ عَلَى كِلَا الطَّرِيقَتَيْنِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ فِي " كِتَابِ الظِّهَارِ " وَصَاحِبِ التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِمَا لِأَنَّهُ وَإِنْ قُلْنَا : يَمْلِكُ فَمِلْكُهُ ضَعِيفٌ ، فَلَا يَكُونُ مُخَاطَبًا بِالتَّكْفِيرِ بِالْمَالِ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَا يَكُونُ فَرْضُهُ غَيْرَ الصِّيَامِ بِالْأَصَالَةِ ، بِخِلَافِ الْحُرِّ الْعَاجِزِ ، فَإِنَّهُ قَابِلٌ لِلتَّمْلِيكِ التَّامِّ . قَالَ ابْنُ رَجَبٍ : وَمِنْ هُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْخِرَقِيُّ فِي الْعَبْدِ إذَا حَنِثَ ، ثُمَّ عَتَقَ : لَا يُجْزِئُهُ التَّكْفِيرُ بِغَيْرِ الصَّوْمِ . بِخِلَافِ الْحُرِّ الْمُعْسِرِ إذَا حَنِثَ ثُمَّ أَيِسَ . وَقَالَ أَيْضًا فِي الْعَبْدِ إذَا فَاتَهُ الْحَجُّ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ مِنْ قِيمَةِ الشَّاةِ يَوْمًا . وَقَالَ فِي الْحُرِّ الْمُعْسِرِ : يَصُومُ فِي الْإِحْصَارِ صِيَامَ الْمُتَمَتِّعِ
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث