رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الثالث
الصفحة 2301 · ص. المطبوع 197 · الشرح
مَطْلَبُ الْوَلَدِ يَتْبَعُ خَيْرَ الْأَبَوَيْنِ دِينًا
( قَوْلُهُ وَالْوَلَدُ يَتْبَعُ خَيْرَ الْأَبَوَيْنِ دِينًا ) هَذَا يُتَصَوَّرُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ فِي الْإِسْلَامِ الْعَارِضِ ، بِأَنْ كَانَا كَافِرَيْنِ فَأَسْلَمَ أَوْ أَسْلَمَتْ ثُمَّ جَاءَتْ بِوَلَدٍ قَبْلَ الْعَرْضِ عَلَى الْآخَرِ ، وَالتَّفْرِيقِ أَوْ بَعْدَهُ فِي مُدَّةٍ يَثْبُتُ النَّسَبُ فِي مِثْلِهَا أَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ صَغِيرٌ قَبْلَ إسْلَامِ أَحَدِهِمَا فَإِنَّهُ بِإِسْلَامِ أَحَدِهِمَا يَصِيرُ الْوَلَدُ مُسْلِمًا . وَأَمَّا فِي الْإِسْلَامِ الْأَصْلِيِّ فَلَا يُتَصَوَّرُ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْأُمُّ كِتَابِيَّةً وَالْأَبُ مُسْلِمًا فَتْحٌ وَنَهْرٌ [ تَنْبِيهٌ ]
يُشْعِرُ التَّعْبِيرُ بِالْأَبَوَيْنِ إخْرَاجَ وَلَدِ الزِّنَا . وَرَأَيْت فِي فَتَاوَى الشِّهَابِ الشَّلَبِيِّ قَالَ : وَاقِعَةُ الْفُتُونِ فِي زَمَانِنَا : مُسْلِمٌ زَنَى بِنَصْرَانِيَّةٍ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ فَهَلْ يَكُونُ مُسْلِمًا ؟ أَجَابَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِعَدَمِهِ وَبَعْضُهُمْ بِإِسْلَامِهِ . وَذُكِرَ 197 أَنَّ السُّبْكِيَّ نَصَّ عَلَيْهِ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ ، فَإِنَّ الشَّارِعَ قَطَعَ نَسَبَ وَلَدِ الزِّنَا وَبِنْتُهُ مِنْ الزِّنَا تَحِلُّ لَهُ عِنْدَهُمْ فَكَيْفَ يَكُونُ مُسْلِمًا . وَأَفْتَى قَاضِي الْقُضَاةِ الْحَنْبَلِيُّ بِإِسْلَامِهِ أَيْضًا ، وَتَوَقَّفْت عَنْ الْكِتَابَةِ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَقْطُوعَ النَّسَبِ عَنْ أَبِيهِ حَتَّى لَا يَرِثَهُ فَقَدْ صَرَّحُوا عِنْدَنَا بِأَنَّ بِنْتَه مِنْ الزِّنَا لَا تَحِلُّ لَهُ ، وَبِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ زَكَاتَهُ لِابْنِهِ مِنْ الزِّنَا ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ وَاَلَّذِي يَقْوَى عِنْدِي أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِنَا ، وَإِنَّمَا أَثْبَتُوا الْأَحْكَامَ الْمَذْكُورَةَ احْتِيَاطًا نَظَرًا لِحَقِيقَةِ الْجُزْئِيَّةِ بَيْنَهُمَا . ا هـ .
قُلْت : وَيَظْهَرُ لِي الْحُكْمُ بِالْإِسْلَامِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { ۝ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ حَتَّى يَكُونَ أَبَوَاهُ هُمَا اللَّذَانِ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ } فَإِنَّهُمْ قَالُوا إنَّهُ جَعَلَ اتِّفَاقَهُمَا نَاقِلًا لَهُ عَنْ الْفِطْرَةِ ، فَإِذَا لَمْ يَتَّفِقَا بَقِيَ عَلَى أَصْلِ الْفِطْرَةِ أَوْ عَلَى مَا هُوَ أَقْرَبُ إلَيْهَا ، حَتَّى لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مَجُوسِيًّا وَالْآخَرُ كِتَابِيًّا فَهُوَ كِتَابِيٌّ كَمَا يَأْتِي وَهُنَا لَيْسَ لَهُ أَبَوَانِ مُتَّفِقَانِ فَيَبْقَى عَلَى الْفِطْرَةِ وَلِأَنَّهُمْ قَالُوا إنَّ إلْحَاقَهُ بِالْمُسْلِمِ أَوْ بِالْكِتَابِيِّ أَنْفَعُ لَهُ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ النَّظَرَ لِحَقِيقَةِ الْجُزْئِيَّةِ أَنْفَعُ لَهُ ، وَأَيْضًا حَيْثُ نَظَرُوا لِلْجُزْئِيَّةِ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ احْتِيَاطًا فَلْيُنْظَرْ إلَيْهَا هُنَا احْتِيَاطًا أَيْضًا ، فَإِنَّ الِاحْتِيَاطَ بِالدِّينِ أَوْلَى وَلِأَنَّ الْكُفْرَ أَقْبَحُ الْقَبِيحِ فَلَا يَنْبَغِي الْحُكْمُ بِهِ عَلَى شَخْصٍ بِدُونِ أَمْرٍ صَرِيحٍ وَلِأَنَّهُمْ قَالُوا فِي حُرْمَةِ بِنْتِهِ مِنْ الزِّنَا إنَّ الشَّرْعَ قَطَعَ النِّسْبَةَ إلَى الزَّانِي لِمَا فِيهَا مِنْ إشَاعَةِ الْفَاحِشَةِ فَلَمْ يُثْبِتْ النَّفَقَةَ وَالْإِرْثَ لِذَلِكَ ، وَهَذَا لَا يَنْفِي النِّسْبَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لِأَنَّ الْحَقَائِقَ لَا مَرَدَّ لَهَا فَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ النِّسْبَةِ الشَّرْعِيَّةِ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ . [ تَتِمَّةٌ ]
ذَكَرَ الْأُسْرُوشَنِيُّ فِي سَيْرِ أَحْكَامِ الصِّغَارِ أَنَّ الْوَلَدَ لَا يَصِيرُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ جَدِّهِ وَلَوْ أَبُوهُ مَيِّتًا ، وَأَنَّ هَذِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا الْجَدُّ كَالْأَبِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ تَابِعًا لَهُ لَكَانَ تَابِعًا لِجَدِّ الْجَدِّ وَهَكَذَا ، فَيُؤَدِّي إلَى أَنْ يَكُونَ النَّاسُ مُسْلِمِينَ بِإِسْلَامِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَفِيهِ أَيْضًا الصَّغِيرُ تَبَعٌ لِأَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا فِي الدِّينِ فَإِنْ انْعَدَمَا فَلِذِي الْيَدِ فَإِنْ عُدِمَتْ فَلِلدَّارِ وَيَسْتَوِي فِيمَا قُلْنَا أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا أَوْ غَيْرَ عَاقِلٍ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ تَبَعٌ لِأَبَوَيْهِ فِي الدِّينِ مَا لَمْ يَصِفْ الْإِسْلَامَ . ا هـ . فَأَفَادَ أَنَّ التَّبَعِيَّةَ لَا تَنْقَطِعُ إلَّا بِالْبُلُوغِ أَوْ بِالْإِسْلَامِ بِنَفْسِهِ ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْبَحْرِ وَالْمِنَحِ مِنْ بَابِ الْجَنَائِزِ . وَذَكَرَ أَيْضًا الْمُحَقِّقُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ عَنْ شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِفَخْرِ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الصَّغِيرِ بَيْنَ أَنْ يَعْقِلَ أَوْ لَا ، وَأَنَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَشَرْحِهِ
قُلْت : وَفِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ لِلْإِمَامِ السَّرَخْسِيِّ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ مَا نَصُّهُ : وَبِهَذَا تَبَيَّنَ خَطَأُ مَنْ يَقُولُ مِنْ أَصْحَابِنَا إنَّ الَّذِي يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ لَا يَصِيرُ مُسْلِمًا تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ ، فَقَدْ نَصَّ هَا هُنَا عَلَى أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْلِمًا ا هـ . وَذَكَرَ قَبْلَهُ أَيْضًا أَنَّ التَّبَعِيَّةَ تَنْقَطِعُ بِبُلُوغِهِ عَاقِلًا . ا هـ . أَيْ فَلَوْ بَلَغَ مَجْنُونًا تَبْقَى التَّبَعِيَّةُ ، فَقَدْ تَبَيَّنَ لَك أَنَّ مَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَلَدِ هُنَا الطِّفْلُ الَّذِي لَا يَعْقِلُ الْإِسْلَامَ خَطَأٌ كَمَا سَمِعْته مِنْ عِبَارَةِ السَّرَخْسِيِّ وَإِنْ أَفْتَى بِهِ الشِّهَابُ الشَّلَبِيُّ لِمُخَالَفَتِهِ لِمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَالسِّيَرِ الْكَبِيرِ وَلِمَا صَرَّحَ بِهِ فِي هَذِهِ الْكُتُبِ ، وَلِإِطْلَاقِ الْمُتُونِ أَيْضًا فَافْهَمْ .
( قَوْلُهُ وَلَوْ حُكْمًا ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الِاتِّحَادُ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَأَنْ يَكُونَ خَيْرُ الْأَبَوَيْنِ مَعَ الْوَلَدِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ كَانَ حُكْمًا فَقَطْ كَمَا مَثَّلَ بِهِ الشَّارِحُ . وَاحْتَرَزَ عَنْ اخْتِلَافِهِمَا حَقِيقَةً وَحُكْمًا بِأَنْ كَانَ الْأَبُ فِي دَارِنَا وَالصَّغِيرَةُ ثَمَّةَ ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ . ا هـ . ح . قُلْت وَمَا فِي الْفَتْحِ مِنْ جَعْلِهِ حُكْمَ الْعَكْسِ كَمَا قَبْلَهُ قَالَ فِي الْبَحْرِ إنَّهُ سَهْوٌ ( قَوْلُهُ وَالْمَجُوسِيُّ شَرٌّ مِنْ الْكِتَابِيِّ ) قَالَ فِي النَّهْرِ : أَرْدَفَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ لِبَيَانِ أَنَّ أَحَدَ الْأَبَوَيْنِ لَوْ كَانَ كِتَابِيًّا وَالْآخَرُ مَجُوسِيًّا كَانَ الْوَلَدُ كِتَابِيًّا نَظَرًا لَهُ فِي الدُّنْيَا لِاقْتِرَابِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِالْأَحْكَامِ مِنْ حِلِّ الذَّبِيحَةِ وَالْمُنَاكَحَةِ ، وَفِي الْآخِرَةِ مِنْ نُقْصَانِ الْعِقَابِ كَذَا فِي الْفَتْحِ ; يَعْنِي أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ ، وَإِلَّا فَأَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ فِي الْجَنَّةِ 198 وَتَوَقَّفَ فِيهِمْ الْإِمَامُ كَمَا مَرَّ وَلَمْ يُدْخِلْهُ فِي حَيِّزِ الْجُمْلَةِ الْأُولَى تَحَامِيًا عَمَّا وَقَعَ فِي بَعْضِ الْعِبَارَاتِ مِنْ إطْلَاقِ الْخَيْرِ عَلَى الْكِتَابِيِّ ، بَلْ الشَّرُّ ثَابِتٌ فِيهِ غَيْرَ أَنَّ الْمَجُوسِيَّ شَرٌّ . ا هـ . ، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ وَالْوَلَدُ يَتْبَعُ خَيْرَ الْأَبَوَيْنِ دِينًا الْمُرَادُ بِهِ دِينُ الْإِسْلَامِ فَقَطْ لِئَلَّا تَتَكَرَّرَ الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهَا مُجَرَّدَ بَيَانِ أَنَّ الْمَجُوسِيَّ شَرٌّ مِنْ الْكِتَابِيِّ إذْ لَا دَخْلَ لَهُ فِي بَحْثِهِ ، بَلْ الْمُرَادُ بَيَانُ لَازِمِهِ الْمَقْصُودِ هُنَا وَهُوَ تَبَعِيَّةُ الْوَلَدِ لِأَخَفِّهِمَا شَرًّا فَتَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُ وَذَبِيحَتُهُ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكْتَفِ عَنْهَا بِالْجُمْلَةِ الْأُولَى بِأَنْ يُرَادَ بِالدِّينِ الْأَعَمُّ تَحَامِيًا عَنْ إطْلَاقِ الْخَيْرِيَّةِ عَلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ فَافْهَمْ ( قَوْلُهُ وَسَائِرُ أَهْلِ الشِّرْكِ ) مِمَّنْ لَا دِينَ لَهُ سَمَاوِيًّا ( قَوْلُهُ وَالنَّصْرَانِيُّ شَرٌّ مِنْ الْيَهُودِيِّ ) وَكَذَا نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ وَالْخَبَّازِيَّةِ . وَنَقَلَ عَنْ الْخُلَاصَةِ عَكْسَهُ ، ثُمَّ قَالَ : إنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى الْأَوَّلِ كَوْنُ الْوَلَدِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْ يَهُودِيَّةٍ وَنَصْرَانِيٍّ أَوْ عَكْسَهُ تَبَعًا لِلْيَهُودِيِّ لَا النَّصْرَانِيِّ ا هـ أَيْ وَلَيْسَ بِالْوَاقِعِ نَهْرٌ .
قُلْت : بَلْ مُقْتَضَى كَلَامِ الْبَحْرِ أَنَّهُ الْوَاقِعُ لِأَنَّهُ قَالَ إنَّ فَائِدَتَهُ خِفَّةُ الْعُقُوبَةِ فِي الْآخِرَةِ وَكَذَا فِي الدُّنْيَا ، لِمَا فِي أُضْحِيَّةِ الْوَلْوَالِجيَّةِ : يُكْرَهُ الْأَكْلُ مِنْ طَعَامِ الْمَجُوسِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ لِأَنَّ الْمَجُوسِيَّ يَطْبُخُ الْمُنْخَنِقَةَ وَالْمَوْقُوذَةَ وَالْمُتَرَدِّيَةَ وَالنَّصْرَانِيُّ لَا ذَبِيحَةَ لَهُ وَإِنَّمَا يَأْكُلُ ذَبِيحَةَ الْمُسْلِمِ أَوْ يَخْنُقُ وَلَا بَأْسَ بِطَعَامِ الْيَهُودِيِّ لِأَنَّهُ لَا يَأْكُلُ إلَّا مِنْ ذَبِيحَةِ الْيَهُودِيِّ أَوْ الْمُسْلِمِ . ا هـ . ، فَعُلِمَ أَنَّ النَّصْرَانِيَّ شَرٌّ مِنْ الْيَهُودِيِّ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا أَيْضًا . ا هـ . كَلَامُ الْبَحْرِ ( قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَا ذَبِيحَةَ لَهُ ) أَيْ لَا يَذْبَحُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَلْ يَخْنُقُ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَوْ ذَبَحَ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ لِمُنَافَاتِهِ لِمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ كِتَابِ النِّكَاحِ مِنْ حِلِّ ذَبِيحَتِهِ وَلَوْ قَالَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ خ ( قَوْلُهُ أَشَدُّ عَذَابًا ) لِأَنَّ نِزَاعَ النَّصَارَى فِي الْإِلَهِيَّاتِ وَنِزَاعَ الْيَهُودِ فِي النُّبُوَّاتِ وقَوْله تَعَالَى { وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ } كَلَامُ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ قَلِيلَةٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي التَّفْسِيرِ ، وقَوْله تَعَالَى { لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً } الْآيَةَ لَا يُرَدُّ لِأَنَّ الْبَحْثَ فِي قُوَّةِ الْكُفْرِ وَشِدَّتِهِ لَا فِي قُوَّةِ الْعَدَاوَةِ وَضَعْفِهَا . ا هـ . بَزَّازِيَّةٌ ( قَوْلُهُ كَفَرَ إلَخْ ) قَالَ فِي الْبَحْرِ : هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ قَالَ الْكِتَابِيَّ خَيْرٌ مِنْ الْمَجُوسِيِّ يَكْفُرُ مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ وَقَعَتْ فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ ، إلَّا أَنْ يُقَالَ بِالْفَرْقِ وَهُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّهُ لَا خَيْرِيَّةَ لِإِحْدَى الْمِلَّتَيْنِ أَيْ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ عَلَى الْأُخْرَى فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، بِخِلَافِ الْكِتَابِيِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَجُوسِيِّ لِلْفُرْقَةِ بَيْنَ أَحْكَامِهِمَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ . ا هـ .
قُلْت : وَهَذَا كَلَامٌ غَيْرُ مُحَرَّرٍ . أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا حَرَّرَهُ مِنْ أَنَّ النَّصْرَانِيَّ شَرٌّ مِنْ الْيَهُودِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ ; وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ عِلَّةَ الْإِكْفَارِ هِيَ إثْبَاتُ الْخَيْرِ لِمَا قَبُحَ قَطْعًا لَا لِعَدَمِ خَيْرِيَّةِ إحْدَى الْمِلَّتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ هَذِهِ لَمْ يَلْزَمْ الْإِكْفَارُ ، وَحِينَئِذٍ فَالْقَوْلُ بِأَنَّ النَّصْرَانِيَّةَ خَيْرٌ مِنْ الْيَهُودِيَّةِ مِثْلُ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْكِتَابِيَّ خَيْرٌ مِنْ الْمَجُوسِيِّ لِأَنَّ فِيهِ إثْبَاتَ الْخَيْرِيَّةِ لَهُ مَعَ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ قَطْعًا وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ شَرًّا فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ ، وَأَنَّ مَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِذَلِكَ ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ لَفْظَ خَيْرٍ قَدْ يُرَادُ بِهِ مَا هُوَ أَقَلُّ ضَرَرًا كَمَا يُقَالُ فِي الْمِثْلِ : الرَّمَدُ خَيْرٌ مِنْ الْعَمَى ، وَكَقَوْلِ الشَّاعِرِ ﴿﴾ وَلَكِنْ قَتْلُ الْحُرِّ خَيْرٌ مِنْ الْأَسْرِ ﴿﴾ .
ثُمَّ رَأَيْت فِي آخِرِ الْمِصْبَاحِ أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ يَقُولُونَ هَذَا أَصَحُّ مِنْ هَذَا وَمُرَادُهُمْ أَنَّهُ أَقَلُّ ضَعْفًا وَلَا يُرِيدُونَ أَنَّهُ صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ . ا هـ . وَهَذَا عَيْنُ مَا قُلْته ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ حِينَئِذٍ ، فَالْقَوْلُ بِالْإِكْفَارِ مَبْنِيٌّ عَلَى إرَادَةِ ثُبُوتِ الْخَيْرِيَّةِ سَوَاءٌ اُسْتُعْمِلَ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ عَلَى بَابِهِ أَوْ أُرِيدَ أَصْلُ الْفِعْلِ كَمَا فِي - أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ - وَالْقَوْلُ بِعَدَمِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا قُلْنَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ( قَوْلُهُ لَكِنْ وَرَدَ فِي السُّنَّةِ إلَخْ ) يُوهِمُ أَنَّ هَذَا حَدِيثٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ . وَعِبَارَةُ الْبَزَّازِيَّةِ وَالْمَذْكُورُ فِي كُتُبِ أَهْلِ السُّنَّةِ إلَخْ ، وَوَجْهُ 199 الِاسْتِدْرَاكِ أَنَّ تَعْبِيرَ عُلَمَاءِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ بِذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْقَوْلِ بِأَنَّ النَّصْرَانِيَّةَ خَيْرٌ مِنْ الْيَهُودِيَّةِ وَبِأَنَّ الْكِتَابِيَّ خَيْرٌ مِنْ الْمَجُوسِيِّ لِأَنَّ فِيهِ إثْبَاتَ أَسَعْدِيَّةِ الْمَجُوسِ وَخَيْرِيَّتِهِمْ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ . قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ : أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ هُوَ كَوْنُهُمْ خَيْرًا مِنْ كَذَا مُطْلَقًا لَا كَوْنُهُمْ أَسْعَدَ حَالًا بِمَعْنَى أَقَلَّ مُكَابَرَةً وَأَدْنَى إثْبَاتًا لِلشِّرْكِ ، إذْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ كُفْرُ بَعْضِهِمْ أَخَفُّ مِنْ بَعْضٍ وَعَذَابُ بَعْضٍ أَدْنَى مِنْ بَعْضٍ وَأَهْوَنُ ، أَوْ الْحَالُ بِمَعْنَى الْوَصْفِ كَذَا قِيلَ وَلَا يَتِمُّ . ا هـ . أَيْ لَا يَتِمُّ هَذَا الْجَوَابُ لِأَنَّهُ إذَا صَحَّ تَأْوِيلُ هَذَا بِمَا ذُكِرَ صَحَّ تَأْوِيلُ ذَاكَ بِمِثْلِهِ ، وَكَوْنُ أَسْعَدَ مُسْنَدًا إلَى الْحَالِ لِأَنَّهُ فَاعِلَ مَعْنَى أَوْ كَوْنَ الْحَالِ بِمَعْنَى الْوَصْفِ لَا يُفِيدُ . قَالَ فِي النَّهْرِ : لَكِنْ مُقْتَضَى مَا مَرَّ عَنْ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ الْقَوْلُ بِالْكُفْرِ فِي الصُّورَتَيْنِ ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلتَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ ، وَكَأَنَّهُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ . ا هـ . وَفِيهِ أَنَّ مَا مَرَّ عَنْ الْفُصُولَيْنِ مَعَ تَعْلِيلِهِ هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ ، فَالتَّحْرِيرُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ وَأَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ " الْجَوَازُ لِمَا سَمِعْت مِنْ وُقُوعِهِ فِي كَلَامِهِمْ ( قَوْلُهُ خَالِقَيْنِ ) هُمَا النُّورُ الْمُسَمَّى يَزْدَانُ وَالظُّلْمَةُ الْمُسَمَّاةُ أَهْرَمْنُ ح ( قَوْلُهُ خَالِقًا لَا عَدَدَ لَهُ ) أَيْ حَيْثُ قَالُوا إنَّ الْحَيَوَانَ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ الِاخْتِيَارِيَّةَ ح .
قُلْت : وَتَكْفِيرُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ فِيهِ كَلَامٌ وَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُهُ كَمَا سَيَأْتِي بَسْطُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْبُغَاةِ
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث