رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الثالث
مَطْلَبٌ فِي إرْضَاعِ الصَّغِيرِ ( قَوْلُهُ وَلَيْسَ عَلَى أُمِّهِ ) أَيْ الَّتِي فِي نِكَاحِ الْأَبِ أَوْ الْمُطَلَّقَةِ ط ( قَوْلُهُ إلَّا إذَا تَعَيَّنَتْ ) بِأَنْ لَمْ يَجِدْ الْأَبُ مَنْ تُرْضِعُهُ أَوْ كَانَ الْوَلَدُ لَا يَأْخُذُ ثَدْيَ غَيْرِهَا ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى خَانِيَّةٌ وَمُجْتَبًى ، وَهُوَ الْأَصْوَبُ فَتْحٌ . وَظَاهِرُ الْكَنْزِ أَنَّهَا لَا تُجْبَرُ وَإِنْ تَعَيَّنَتْ لِتَغَذِّيهِ بِالدُّهْنِ وَغَيْرِهِ . وَفِي الزَّيْلَعِيِّ وَغَيْرِهِ : إنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ ، وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ فِي الْهِدَايَةِ ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ . وَفِيهِ عَنْ الْخَانِيَّةِ : وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ وَلَا لِلْوَلَدِ مَالٌ تُجْبَرُ الْأُمُّ عَلَى إرْضَاعِهِ عِنْدَ الْكُلِّ . ا هـ قَالَ : فَمَحَلُّ الْخِلَافِ عِنْدَ قُدْرَةِ الْأَبِ بِالْمَالِ .
قَالَ الرَّمْلِيُّ : وَمَا فِي الْخَانِيَّةِ نَقَلَهُ الزَّيْلَعِيُّ عَنْ الْخَصَّافِ وَزَادَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ : وَتُجْعَلُ الْأُجْرَةُ دَيْنًا عَلَى الْأَبِ . ا هـ . قُلْت : وَمِثْلُهُ فِي الْمَجْمَعِ وَبِهِ عُلِمَ أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ إجْبَارِهَا وَلُزُومِ الْأُجْرَةِ لَهَا خِلَافًا لِمَا قَدَّمَهُ فِي الْحَضَانَةِ عَنْ الْجَوْهَرَةِ ، وَمَرَّ تَمَامُهُ هُنَاكَ ( قَوْلُهُ وَكَذَا الظِّئْرُ إلَخْ ) فِي الْبَحْرِ عَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ عَنْ الْعُيُونِ عَنْ مُحَمَّدٍ : فِيمَنْ اسْتَأْجَرَ ظِئْرَ الصَّبِيِّ شَهْرًا فَلَمَّا انْقَضَى الشَّهْرُ أَبَتْ أَنْ تُرْضِعَهُ ، وَالصَّبِيُّ لَا يَقْبَلَ ثَدْيَ غَيْرِهَا ، قَالَ : أُجْبِرُهَا أَنْ تُرْضِعَ .
ا هـ فَالْمُرَادُ بِإِبْقَاءِ الْإِجَارَةِ اسْتِدَامَةُ حُكْمِهَا بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّتِهَا ; كَمَا لَوْ مَضَتْ إجَارَةُ السَّفِينَةِ فِي وَسَطِ الْبَحْرِ وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ إجَارَةٌ مُبْتَدَأَةٌ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَهَا مَا إذَا تَعَيَّنَتْ لِإِرْضَاعِهِ قَبْلَ اسْتِئْجَارِهَا فَتُجْبَرُ عَلَيْهَا وَإِنْ أَمْكَنَ تَغَذِّيهِ بِالدُّهْنِ مَثَلًا ، فَإِنَّ فِيهِ تَعْرِيضًا لِضَعْفِهِ وَمَوْتِهِ ، وَبِهَذَا رَجَّحُوا إجْبَارَ الْأُمِّ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ تَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ عِنْدَهَا ) أَيْ عِنْدَ الْأُمِّ . وَظَاهِرُ التَّعْلِيلِ أَنَّ كُلَّ مَنْ ثَبَتَتْ لَهَا الْحَضَانَةُ فِي حُكْمِ الْأُمِّ ط ( قَوْلُهُ وَلَا يَلْزَمُ الظِّئْرَ الْمُكْثُ إلَخْ ) أَيْ بَلْ لَهَا أَنْ تُرْضِعَهُ 619 ثُمَّ تَرْجِعَ إلَى مَنْزِلِهَا فِيمَا يُسْتَغْنَى عَنْهَا مِنْ الزَّمَانِ أَوْ تَقُولَ أَخْرِجُوهُ فَتُرْضِعَهُ عِنْدَ فِنَاءِ الدَّارِ ثُمَّ تُدْخِلَ الصَّبِيَّ إلَى أُمِّهِ ، أَوْ تَحْمِلَ الصَّبِيَّ مَعَهَا إلَى الْبَيْتِ نَهْرٌ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ .
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الظِّئْرَ مُخَيَّرَةٌ بَيْنَ هَذِهِ الْأُمُورِ إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ عَلَيْهَا الْمُكْثُ عِنْدَ الْأُمِّ ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْأُمَّ لَوْ طَلَبَتْ الْمُكْثَ عِنْدَهَا لَا يَلْزَمُ الظِّئْرَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ حَقَّ الْأُمِّ ، فَعَلَى الْأَبِ إحْضَارُ مُرْضِعَةٍ تُرْضِعُهُ وَهُوَ عِنْدَ أُمِّهِ ; لِأَنَّ الظِّئْرَ قَدْ تَغَيَّبَ عِنْدَ حَاجَةِ الْوَلَدِ إلَى الرَّضَاعِ وَلَا يُمْكِنُ الْأُمَّ إحْضَارُهَا ، وَقَدْ لَا تَرْضَى بِإِخْرَاجِ وَلَدِهَا إلَى فِنَاءِ الدَّارِ ( قَوْلُهُ لَا يَسْتَأْجِرُ الْأَبُ أُمَّهُ إلَخْ ) عَلَّلَهُ فِي الْهِدَايَةِ بِأَنَّ الْإِرْضَاعَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهَا دِيَانَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى - { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ } - فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهِ . وَاعْتَرَضَهُ فِي الْفَتْحِ بِجَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ مَعَ أَنَّ الْوُجُوبَ فِي الْآيَةِ يَشْمَلُ مَا قَبْلَ الْعِدَّةِ وَمَا بَعْدَهَا ثُمَّ قَالَ : وَالْحَقُّ أَنَّهُ تَعَالَى أَوْجَبَهُ عَلَيْهَا مُقَيَّدًا بِإِيجَابِ رِزْقِهَا عَلَى الْأَبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى - { وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ } - فَفِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ وَالْعِدَّةِ هُوَ قَائِمٌ بِرِزْقِهَا ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَهُمَا فَيَقُومُ الْأَجْرُ مَقَامَهُ . ا هـ قُلْت : وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ فِعْلَ الْإِرْضَاعِ وَاجِبٌ عَلَيْهَا وَمُؤْنَتَهُ عَلَى الْأَبِ ; لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ نَفَقَةِ الْوَلَدِ ، فَفِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ وَالْعِدَّةِ هُوَ قَائِمٌ بِتِلْكَ الْمُؤْنَةِ لَا بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ فَتَجِبُ عَلَيْهِ بَعْدَهَا وَإِنْ وَجَبَ عَلَى الْأُمِّ إرْضَاعُهُ - { لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا } - فَإِنَّ إلْزَامَهَا بِإِرْضَاعِهِ مَجَّانًا مَعَ عَجْزِهَا وَانْقِطَاعِ نَفَقَتِهَا عَنْ الْأَبِ مُضَارَّةٌ لَهَا ، فَسَاغَ لَهَا أَخْذُ الْأُجْرَةِ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ ; لِأَنَّهَا لَا تُجْبَرُ عَلَى إرْضَاعِهِ قَضَاءً ، وَامْتِنَاعُهَا عَنْ إرْضَاعِهِ مَعَ وُفُورِ شَفَقَتِهَا عَلَيْهِ دَلِيلُ حَاجَتِهَا وَلَا يَسْتَغْنِي الْأَبُ عَنْ إرْضَاعِهِ عِنْدَ غَيْرِهَا ، فَكَوْنُهُ عِنْدَ أُمِّهِ بِالْأُجْرَةِ أَنْفَعَ لَهُ وَلَهَا إلَّا أَنْ تُوجَدَ مُتَبَرِّعَةٌ فَتَكُونَ أَوْلَى دَفْعًا لِلْمُضَارَّةِ عَنْ الْأَبِ أَيْضًا ( قَوْلُهُ خِلَافًا لِلذَّخِيرَةِ وَالْمُجْتَبَى ) أَيْ لِصَاحِبَيْهِمَا حَيْثُ قَالَا : يَجُوزُ اسْتِئْجَارُهَا مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ لِعَدَمِ اجْتِمَاعِ الْوَاجِبَيْنِ عَلَى الزَّوْجِ وَهُمَا نَفَقَةُ النِّكَاحِ وَالْإِرْضَاعِ . قَالَ فِي النَّهْرِ : وَالْأَوْجَهُ عِنْدِي عَدَمُ الْجَوَازِ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّهُ لَوْ اسْتَأْجَرَ مَنْكُوحَتَهُ لِإِرْضَاعِ وَلَدِهِ مِنْ غَيْرِهَا جَازَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهَا مَعَ أَنَّ فِيهِ اجْتِمَاعَ أُجْرَةِ الرَّضَاعِ وَالنَّفَقَةِ فِي مَالٍ وَاحِدٍ ، وَلَوْ صَلَحَ مَانِعًا لَمَا جَازَ هُنَا فَتَدَبَّرْهُ . ا هـ ح .
قُلْت : غَايَةُ مَا اسْتَنَدَ إلَيْهِ يُفِيدُ عَدَمَ تَسْلِيمِ التَّعْلِيلِ الْمَارِّ ، وَأَنَّ اجْتِمَاعَ الْوَاجِبَيْنِ عَلَى الزَّوْجِ لَا يَنْفِي جَوَازَ الِاسْتِئْجَارِ . وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا يُثْبِتُ عَدَمَ الْجَوَازِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لِظُهُورِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ ، فَإِنَّكَ قَدْ عَلِمْت أَنَّ إرْضَاعَ الْوَلَدِ وَاجِبٌ عَلَى أُمِّهِ مَا دَامَ الْأَبُ يُنْفِقُ عَلَيْهَا ، فَلَا يَحِلُّ لَهَا أَخْذُ الْأُجْرَةِ مَعَ وُجُوبِ نَفَقَتِهَا عَلَيْهِ ، وَفِي أَخْذِهَا الْأُجْرَةَ مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ أَخْذٌ لِلْأُجْرَةِ عَلَى الْوَاجِبِ عَلَيْهَا مَعَ اسْتِغْنَائِهَا ، بِخِلَافِ أَخْذِهَا عَلَى وَلَدِهِ مِنْ غَيْرِهَا ، فَإِنَّ إرْضَاعَهُ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهَا ، فَهُوَ كَأَخْذِهَا الْأُجْرَةَ عَلَى إرْضَاعِ وَلَدٍ لِغَيْرِ زَوْجِهَا فَإِنَّهُ جَائِزٌ ، وَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا . وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْفَرْقَ ظَاهِرٌ بَيْنَ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى إرْضَاعِ وَلَدِهَا الْوَاجِبِ عَلَيْهَا وَعَلَى إرْضَاعِ غَيْرِهِ ، وَلِذَا عَلَّلَ الثَّانِيَةَ بِأَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهَا . وَأَيْضًا فَقَدْ نَقَلَ الْحَمَوِيُّ عَنْ الْبُرْجَنْدِيِّ مَعْزِيَّا لِلْمَنْصُورِيَّةِ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى الْجَوَازِ أَيْ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْمُجْتَبَى ( قَوْلُهُ فِي الْأَصَحِّ ) وَذَكَرَ فِي الْفَتْحِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ ، وَلَكِنْ ذَكَرَ أَيْضًا أَنَّ الْأَوْجَهَ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ عِدَّةِ الرَّجْعِيِّ وَالْبَائِنِ وَأَنَّ فِي كَلَامِ الْهَدِيَّةِ إيمَاءً إلَى أَنَّهُ الْمُخْتَارُ عِنْدَهُ ، إذْ مِنْ عَادَتِهِ تَأْخِيرُ وَجْهِ الْقَوْلِ الْمُخْتَارِ ، وَكَذَا هُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْقُدُورِيِّ الْمُعْتَدَّةَ . وَفِي النَّهْرِ أَنَّهُ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ الْإِمَامِ وَهِيَ الْأَوْلَى . ا هـ
وَفِي حَاشِيَةِ الرَّمْلِيِّ عَلَى الْمِنَحِ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى ( قَوْلُهُ كَاسْتِئْجَارِ مَنْكُوحَتِهِ إلَخْ ) أَيْ فَيَجُوزُ ; لِأَنَّ إرْضَاعَهُ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهَا كَمَا مَرَّ ( قَوْلُهُ وَهِيَ أَحَقُّ ) أَيْ إذَا طَلَبَتْ الْأُجْرَةَ ، وَلِذَا قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ بَعْدَ الْعِدَّةِ 620 وَإِلَّا فَهِيَ أَحَقُّ قَبْلَ الْعِدَّةِ أَيْضًا ( قَوْلُهُ وَلَوْ دُونَ أَجْرِ الْمِثْلِ ) أَيْ وَلَوْ كَانَ الَّذِي تَأْخُذُهُ الْأَجْنَبِيَّةُ دُونَ أَجْرِ الْمِثْلِ وَطَلَبَتْ الْأُمُّ أَجْرَ الْمِثْلِ فَالْأَجْنَبِيَّةُ أَوْلَى ط ( قَوْلُهُ أَحَقُّ مِنْهَا ) أَيْ مِنْ الْأُمِّ حَيْثُ طَلَبَتْ شَيْئًا ، وَلَمْ يُقَيِّدُوا هُنَا بِكَوْنِ الْأَبِ مُعْسِرًا كَمَا فِي الْحَضَانَةِ ط ( قَوْلُهُ أَمَّا أُجْرَةُ الْحَضَانَةِ إلَخْ ) أَفَادَ أَنَّ الْحَضَانَةَ تَبْقَى لِلْأُمِّ فَتُرْضِعُهُ الْأَجْنَبِيَّةُ الْمُتَبَرِّعَةُ بِالْإِرْضَاعِ عِنْدَ الْأُمِّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ ، وَنَحْوِهِ مَا مَرَّ فِي الْمَتْنِ ، وَأَنَّ لِلْأُمِّ أَخْذَ أُجْرَةِ الْمِثْلِ عَلَى الْحَضَانَةِ وَلَا تَكُونُ الْأَجْنَبِيَّةُ الْمُتَبَرِّعَةُ بِهَا أَوْلَى ، نَعَمْ لَوْ تَبَرَّعَتْ الْعَمَّةُ بِحَضَانَتِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَمْنَعَ الْأُمَّ عَنْهُ وَالْأَبُ مُعْسِرٌ ; فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُقَالُ لِلْأُمِّ إمَّا أَنْ تُمْسِكِي الْوَلَدَ بِلَا أَجْرٍ وَإِمَّا أَنْ تَدْفَعِيهِ إلَيْهَا كَمَا مَرَّ فِي الْحَضَانَةِ ، وَبِهِ ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَضَانَةِ وَالْإِرْضَاعِ هُنَا ، وَهُوَ أَنَّ انْتِقَالَ الْإِرْضَاعِ إلَى غَيْرِ الْأُمِّ لَا يَتَقَيَّدُ بِطَلَبِ الْأُمِّ أَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ وَلَا بِإِعْسَارِ الْأَبِ وَلَا بِكَوْنِ الْمُتَبَرِّعَةِ عَمَّةً أَوْ نَحْوَهَا مِنْ الْأَقَارِبِ فَافْهَمْ ( قَوْلُهُ كَمَا مَرَّ ) أَيْ فِي الْحَضَانَةِ .
( قَوْلُهُ وَلِلرَّضِيعِ النَّفَقَةُ وَالْكُسْوَةُ ) فَبِذَلِكَ صَارَ عَلَى الْأَبِ ثَلَاثُ نَفَقَاتٍ : أُجْرَةُ الرَّضَاعِ ، وَأُجْرَةُ الْحَضَانَةِ ، وَنَفَقَةُ الْوَلَدِ مِنْ صَابُونٍ وَدُهْنٍ وَفُرُشٍ وَغِطَاءٍ . وَفِي الْمُجْتَبَى : وَإِذَا كَانَ لِلصَّبِيِّ مَالٌ فَمُؤْنَةُ الرَّضَاعِ وَنَفَقَتُهُ بَعْدَ الْفِطَامِ فِي مَالِ الصَّغِيرِ بَحْرٌ ، وَسَكَتَ عَنْ الْمَسْكَنِ الَّذِي تَحْضُنُهُ فِيهِ ، وَاَلَّذِي فِي مُعِينِ الْمُفْتِي الْمُخْتَارُ أَنَّهُ عَلَى الْأَبِ ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ حَمَوِيٌّ عَنْ شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ ط ، وَفِيهِ كَلَامٌ قَدَّمْنَاهُ فِي الْحَضَانَةِ ( قَوْلُهُ وَلِلْأُمِّ أُجْرَةُ الْإِرْضَاعِ بِلَا عَقْدِ إجَارَةٍ ) بَلْ تَسْتَحِقُّهُ بِالْإِرْضَاعِ فِي الْمُدَّةِ مُطْلَقًا كَذَا فِي الْبَحْرِ أَخْذًا مِنْ ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ . وَرَدَّهُ الْمَقْدِسِيَّ فِي [ الرَّمْزِ شَرْحِ نَظْمِ الْكَنْزِ ] بِأَنَّ الظَّاهِرَ اشْتِرَاطُ الْعَقْدِ ، وَمَنْ قَالَ بِخِلَافِهِ فَعَلَيْهِ إثْبَاتُهُ . ا هـ فَافْهَمْ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي شَرْحِ حُسَامِ الدِّينِ عَلَى أَدَبِ الْقَاضِي لِلْخَصَّافِ : فَإِنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَطَلَبَتْ أَجْرَ الرَّضَاعِ فَهِيَ أَحَقُّ بِهِ ، وَيَنْظُرُ الْقَاضِي بِكَمْ يَجِدُ امْرَأَةً غَيْرَهَا فَيَأْمُرُ بِدَفْعِ ذَلِكَ إلَيْهَا { - فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ - } إلَخْ قَالَ فِي الْبَحْرِ : وَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّ مُدَّةَ الرَّضَاعِ فِي حَقِّ الْأُجْرَةِ حَوْلَانِ عِنْدَ الْكُلِّ حَتَّى لَا تُسْتَحَقَّ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ إجْمَاعًا وَتُسْتَحَقُّ فِيهِمَا إجْمَاعًا . وَفِيهِ : لَوْ لَمْ يَسْتَغْنِ بِالْحَوْلَيْنِ يَحِلُّ لَهَا أَنْ تُرْضِعَهُ بَعْدَهُمَا عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ إلَّا عِنْدَ خَلَفِ بْنِ أَيُّوبَ ( قَوْلُهُ وَحُكْمُ الصُّلْحِ كَالِاسْتِئْجَارِ ) يَعْنِي لَوْ صَالَحَتْ زَوْجَهَا عَنْ أُجْرَةِ الرَّضَاعِ عَلَى شَيْءٍ إنْ كَانَ الصُّلْحُ حَالَ قِيَامِ النِّكَاحِ أَوْ فِي عِدَّةِ الرَّجْعِيِّ لَا يَجُوزُ ، وَإِنْ كَانَ فِي عِدَّةِ الْبَائِنِ بِوَاحِدَةٍ أَوْ ثَلَاثٍ جَازَ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ح عَنْ الْبَحْرِ ( قَوْلُهُ وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ جَازَ الِاسْتِئْجَارُ ) أَيْ كَمَا إذَا كَانَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ أَوْ فِي عِدَّةِ الْبَائِنِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَهِيَ الْمُعْتَمَدَةُ كَمَا مَرَّ ، وَقَوْلُهُ ، وَوَجَبَتْ النَّفَقَةُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ عَطْفُ مُرَادِفٍ ، وَالْمُرَادُ بِهِ نَفَقَةُ الْمُرْضِعِ بِالْأُجْرَةِ الَّتِي تَأْخُذُهَا مِنْ الزَّوْجِ بِقَرِينَةِ التَّعْلِيلِ ، يَعْنِي أَنَّ مَا تَأْخُذُهُ الْأُمُّ مِنْ الْأَبِ لِتُنْفِقَهُ عَلَى نَفْسِهَا بِمُقَابَلَةِ إرْضَاعِ الْوَلَدِ هُوَ أُجْرَةٌ لَا نَفَقَةٌ ، فَإِذَا مَاتَ الْأَبُ لَا تَسْقُطُ هَذِهِ الْأُجْرَةُ بِمَوْتِهِ بَلْ تَجِبُ لَهَا فِي تَرِكَتِهِ وَتُشَارِكُ غُرَمَاءَهُ ، فَهِيَ كَغَيْرِهَا مِنْ أَصْحَابِ دُيُونِهِ ; وَلَوْ كَانَ نَفَقَةً لَسَقَطَتْ كَمَا تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ وَالْقَرِيبِ وَلَوْ بَعْدَ الْقَضَاءِ مَا لَمْ تَكُنْ مُسْتَدَانَةً بِأَمْرِ الْقَاضِي ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي حَلِّ هَذِهِ الْعِبَارَةِ ، وَأَصْلُهَا لِصَاحِبِ الذَّخِيرَةِ وَنَقَلَهَا عَنْهُ فِي الْبَحْرِ بِلَفْظِهَا .
قَالَ الرَّمْلِيُّ : وَمَا فِي الْخَانِيَّةِ نَقَلَهُ الزَّيْلَعِيُّ عَنْ الْخَصَّافِ وَزَادَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ : وَتُجْعَلُ الْأُجْرَةُ دَيْنًا عَلَى الْأَبِ . ا هـ . قُلْت : وَمِثْلُهُ فِي الْمَجْمَعِ وَبِهِ عُلِمَ أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ إجْبَارِهَا وَلُزُومِ الْأُجْرَةِ لَهَا خِلَافًا لِمَا قَدَّمَهُ فِي الْحَضَانَةِ عَنْ الْجَوْهَرَةِ ، وَمَرَّ تَمَامُهُ هُنَاكَ ( قَوْلُهُ وَكَذَا الظِّئْرُ إلَخْ ) فِي الْبَحْرِ عَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ عَنْ الْعُيُونِ عَنْ مُحَمَّدٍ : فِيمَنْ اسْتَأْجَرَ ظِئْرَ الصَّبِيِّ شَهْرًا فَلَمَّا انْقَضَى الشَّهْرُ أَبَتْ أَنْ تُرْضِعَهُ ، وَالصَّبِيُّ لَا يَقْبَلَ ثَدْيَ غَيْرِهَا ، قَالَ : أُجْبِرُهَا أَنْ تُرْضِعَ .
ا هـ فَالْمُرَادُ بِإِبْقَاءِ الْإِجَارَةِ اسْتِدَامَةُ حُكْمِهَا بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّتِهَا ; كَمَا لَوْ مَضَتْ إجَارَةُ السَّفِينَةِ فِي وَسَطِ الْبَحْرِ وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ إجَارَةٌ مُبْتَدَأَةٌ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَهَا مَا إذَا تَعَيَّنَتْ لِإِرْضَاعِهِ قَبْلَ اسْتِئْجَارِهَا فَتُجْبَرُ عَلَيْهَا وَإِنْ أَمْكَنَ تَغَذِّيهِ بِالدُّهْنِ مَثَلًا ، فَإِنَّ فِيهِ تَعْرِيضًا لِضَعْفِهِ وَمَوْتِهِ ، وَبِهَذَا رَجَّحُوا إجْبَارَ الْأُمِّ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ تَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ عِنْدَهَا ) أَيْ عِنْدَ الْأُمِّ . وَظَاهِرُ التَّعْلِيلِ أَنَّ كُلَّ مَنْ ثَبَتَتْ لَهَا الْحَضَانَةُ فِي حُكْمِ الْأُمِّ ط ( قَوْلُهُ وَلَا يَلْزَمُ الظِّئْرَ الْمُكْثُ إلَخْ ) أَيْ بَلْ لَهَا أَنْ تُرْضِعَهُ 619 ثُمَّ تَرْجِعَ إلَى مَنْزِلِهَا فِيمَا يُسْتَغْنَى عَنْهَا مِنْ الزَّمَانِ أَوْ تَقُولَ أَخْرِجُوهُ فَتُرْضِعَهُ عِنْدَ فِنَاءِ الدَّارِ ثُمَّ تُدْخِلَ الصَّبِيَّ إلَى أُمِّهِ ، أَوْ تَحْمِلَ الصَّبِيَّ مَعَهَا إلَى الْبَيْتِ نَهْرٌ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ .
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الظِّئْرَ مُخَيَّرَةٌ بَيْنَ هَذِهِ الْأُمُورِ إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ عَلَيْهَا الْمُكْثُ عِنْدَ الْأُمِّ ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْأُمَّ لَوْ طَلَبَتْ الْمُكْثَ عِنْدَهَا لَا يَلْزَمُ الظِّئْرَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ حَقَّ الْأُمِّ ، فَعَلَى الْأَبِ إحْضَارُ مُرْضِعَةٍ تُرْضِعُهُ وَهُوَ عِنْدَ أُمِّهِ ; لِأَنَّ الظِّئْرَ قَدْ تَغَيَّبَ عِنْدَ حَاجَةِ الْوَلَدِ إلَى الرَّضَاعِ وَلَا يُمْكِنُ الْأُمَّ إحْضَارُهَا ، وَقَدْ لَا تَرْضَى بِإِخْرَاجِ وَلَدِهَا إلَى فِنَاءِ الدَّارِ ( قَوْلُهُ لَا يَسْتَأْجِرُ الْأَبُ أُمَّهُ إلَخْ ) عَلَّلَهُ فِي الْهِدَايَةِ بِأَنَّ الْإِرْضَاعَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهَا دِيَانَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى - { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ } - فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهِ . وَاعْتَرَضَهُ فِي الْفَتْحِ بِجَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ مَعَ أَنَّ الْوُجُوبَ فِي الْآيَةِ يَشْمَلُ مَا قَبْلَ الْعِدَّةِ وَمَا بَعْدَهَا ثُمَّ قَالَ : وَالْحَقُّ أَنَّهُ تَعَالَى أَوْجَبَهُ عَلَيْهَا مُقَيَّدًا بِإِيجَابِ رِزْقِهَا عَلَى الْأَبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى - { وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ } - فَفِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ وَالْعِدَّةِ هُوَ قَائِمٌ بِرِزْقِهَا ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَهُمَا فَيَقُومُ الْأَجْرُ مَقَامَهُ . ا هـ قُلْت : وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ فِعْلَ الْإِرْضَاعِ وَاجِبٌ عَلَيْهَا وَمُؤْنَتَهُ عَلَى الْأَبِ ; لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ نَفَقَةِ الْوَلَدِ ، فَفِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ وَالْعِدَّةِ هُوَ قَائِمٌ بِتِلْكَ الْمُؤْنَةِ لَا بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ فَتَجِبُ عَلَيْهِ بَعْدَهَا وَإِنْ وَجَبَ عَلَى الْأُمِّ إرْضَاعُهُ - { لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا } - فَإِنَّ إلْزَامَهَا بِإِرْضَاعِهِ مَجَّانًا مَعَ عَجْزِهَا وَانْقِطَاعِ نَفَقَتِهَا عَنْ الْأَبِ مُضَارَّةٌ لَهَا ، فَسَاغَ لَهَا أَخْذُ الْأُجْرَةِ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ ; لِأَنَّهَا لَا تُجْبَرُ عَلَى إرْضَاعِهِ قَضَاءً ، وَامْتِنَاعُهَا عَنْ إرْضَاعِهِ مَعَ وُفُورِ شَفَقَتِهَا عَلَيْهِ دَلِيلُ حَاجَتِهَا وَلَا يَسْتَغْنِي الْأَبُ عَنْ إرْضَاعِهِ عِنْدَ غَيْرِهَا ، فَكَوْنُهُ عِنْدَ أُمِّهِ بِالْأُجْرَةِ أَنْفَعَ لَهُ وَلَهَا إلَّا أَنْ تُوجَدَ مُتَبَرِّعَةٌ فَتَكُونَ أَوْلَى دَفْعًا لِلْمُضَارَّةِ عَنْ الْأَبِ أَيْضًا ( قَوْلُهُ خِلَافًا لِلذَّخِيرَةِ وَالْمُجْتَبَى ) أَيْ لِصَاحِبَيْهِمَا حَيْثُ قَالَا : يَجُوزُ اسْتِئْجَارُهَا مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ لِعَدَمِ اجْتِمَاعِ الْوَاجِبَيْنِ عَلَى الزَّوْجِ وَهُمَا نَفَقَةُ النِّكَاحِ وَالْإِرْضَاعِ . قَالَ فِي النَّهْرِ : وَالْأَوْجَهُ عِنْدِي عَدَمُ الْجَوَازِ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّهُ لَوْ اسْتَأْجَرَ مَنْكُوحَتَهُ لِإِرْضَاعِ وَلَدِهِ مِنْ غَيْرِهَا جَازَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهَا مَعَ أَنَّ فِيهِ اجْتِمَاعَ أُجْرَةِ الرَّضَاعِ وَالنَّفَقَةِ فِي مَالٍ وَاحِدٍ ، وَلَوْ صَلَحَ مَانِعًا لَمَا جَازَ هُنَا فَتَدَبَّرْهُ . ا هـ ح .
قُلْت : غَايَةُ مَا اسْتَنَدَ إلَيْهِ يُفِيدُ عَدَمَ تَسْلِيمِ التَّعْلِيلِ الْمَارِّ ، وَأَنَّ اجْتِمَاعَ الْوَاجِبَيْنِ عَلَى الزَّوْجِ لَا يَنْفِي جَوَازَ الِاسْتِئْجَارِ . وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا يُثْبِتُ عَدَمَ الْجَوَازِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لِظُهُورِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ ، فَإِنَّكَ قَدْ عَلِمْت أَنَّ إرْضَاعَ الْوَلَدِ وَاجِبٌ عَلَى أُمِّهِ مَا دَامَ الْأَبُ يُنْفِقُ عَلَيْهَا ، فَلَا يَحِلُّ لَهَا أَخْذُ الْأُجْرَةِ مَعَ وُجُوبِ نَفَقَتِهَا عَلَيْهِ ، وَفِي أَخْذِهَا الْأُجْرَةَ مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ أَخْذٌ لِلْأُجْرَةِ عَلَى الْوَاجِبِ عَلَيْهَا مَعَ اسْتِغْنَائِهَا ، بِخِلَافِ أَخْذِهَا عَلَى وَلَدِهِ مِنْ غَيْرِهَا ، فَإِنَّ إرْضَاعَهُ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهَا ، فَهُوَ كَأَخْذِهَا الْأُجْرَةَ عَلَى إرْضَاعِ وَلَدٍ لِغَيْرِ زَوْجِهَا فَإِنَّهُ جَائِزٌ ، وَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا . وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْفَرْقَ ظَاهِرٌ بَيْنَ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى إرْضَاعِ وَلَدِهَا الْوَاجِبِ عَلَيْهَا وَعَلَى إرْضَاعِ غَيْرِهِ ، وَلِذَا عَلَّلَ الثَّانِيَةَ بِأَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهَا . وَأَيْضًا فَقَدْ نَقَلَ الْحَمَوِيُّ عَنْ الْبُرْجَنْدِيِّ مَعْزِيَّا لِلْمَنْصُورِيَّةِ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى الْجَوَازِ أَيْ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْمُجْتَبَى ( قَوْلُهُ فِي الْأَصَحِّ ) وَذَكَرَ فِي الْفَتْحِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ ، وَلَكِنْ ذَكَرَ أَيْضًا أَنَّ الْأَوْجَهَ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ عِدَّةِ الرَّجْعِيِّ وَالْبَائِنِ وَأَنَّ فِي كَلَامِ الْهَدِيَّةِ إيمَاءً إلَى أَنَّهُ الْمُخْتَارُ عِنْدَهُ ، إذْ مِنْ عَادَتِهِ تَأْخِيرُ وَجْهِ الْقَوْلِ الْمُخْتَارِ ، وَكَذَا هُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْقُدُورِيِّ الْمُعْتَدَّةَ . وَفِي النَّهْرِ أَنَّهُ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ الْإِمَامِ وَهِيَ الْأَوْلَى . ا هـ
وَفِي حَاشِيَةِ الرَّمْلِيِّ عَلَى الْمِنَحِ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى ( قَوْلُهُ كَاسْتِئْجَارِ مَنْكُوحَتِهِ إلَخْ ) أَيْ فَيَجُوزُ ; لِأَنَّ إرْضَاعَهُ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهَا كَمَا مَرَّ ( قَوْلُهُ وَهِيَ أَحَقُّ ) أَيْ إذَا طَلَبَتْ الْأُجْرَةَ ، وَلِذَا قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ بَعْدَ الْعِدَّةِ 620 وَإِلَّا فَهِيَ أَحَقُّ قَبْلَ الْعِدَّةِ أَيْضًا ( قَوْلُهُ وَلَوْ دُونَ أَجْرِ الْمِثْلِ ) أَيْ وَلَوْ كَانَ الَّذِي تَأْخُذُهُ الْأَجْنَبِيَّةُ دُونَ أَجْرِ الْمِثْلِ وَطَلَبَتْ الْأُمُّ أَجْرَ الْمِثْلِ فَالْأَجْنَبِيَّةُ أَوْلَى ط ( قَوْلُهُ أَحَقُّ مِنْهَا ) أَيْ مِنْ الْأُمِّ حَيْثُ طَلَبَتْ شَيْئًا ، وَلَمْ يُقَيِّدُوا هُنَا بِكَوْنِ الْأَبِ مُعْسِرًا كَمَا فِي الْحَضَانَةِ ط ( قَوْلُهُ أَمَّا أُجْرَةُ الْحَضَانَةِ إلَخْ ) أَفَادَ أَنَّ الْحَضَانَةَ تَبْقَى لِلْأُمِّ فَتُرْضِعُهُ الْأَجْنَبِيَّةُ الْمُتَبَرِّعَةُ بِالْإِرْضَاعِ عِنْدَ الْأُمِّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ ، وَنَحْوِهِ مَا مَرَّ فِي الْمَتْنِ ، وَأَنَّ لِلْأُمِّ أَخْذَ أُجْرَةِ الْمِثْلِ عَلَى الْحَضَانَةِ وَلَا تَكُونُ الْأَجْنَبِيَّةُ الْمُتَبَرِّعَةُ بِهَا أَوْلَى ، نَعَمْ لَوْ تَبَرَّعَتْ الْعَمَّةُ بِحَضَانَتِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَمْنَعَ الْأُمَّ عَنْهُ وَالْأَبُ مُعْسِرٌ ; فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُقَالُ لِلْأُمِّ إمَّا أَنْ تُمْسِكِي الْوَلَدَ بِلَا أَجْرٍ وَإِمَّا أَنْ تَدْفَعِيهِ إلَيْهَا كَمَا مَرَّ فِي الْحَضَانَةِ ، وَبِهِ ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَضَانَةِ وَالْإِرْضَاعِ هُنَا ، وَهُوَ أَنَّ انْتِقَالَ الْإِرْضَاعِ إلَى غَيْرِ الْأُمِّ لَا يَتَقَيَّدُ بِطَلَبِ الْأُمِّ أَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ وَلَا بِإِعْسَارِ الْأَبِ وَلَا بِكَوْنِ الْمُتَبَرِّعَةِ عَمَّةً أَوْ نَحْوَهَا مِنْ الْأَقَارِبِ فَافْهَمْ ( قَوْلُهُ كَمَا مَرَّ ) أَيْ فِي الْحَضَانَةِ .
( قَوْلُهُ وَلِلرَّضِيعِ النَّفَقَةُ وَالْكُسْوَةُ ) فَبِذَلِكَ صَارَ عَلَى الْأَبِ ثَلَاثُ نَفَقَاتٍ : أُجْرَةُ الرَّضَاعِ ، وَأُجْرَةُ الْحَضَانَةِ ، وَنَفَقَةُ الْوَلَدِ مِنْ صَابُونٍ وَدُهْنٍ وَفُرُشٍ وَغِطَاءٍ . وَفِي الْمُجْتَبَى : وَإِذَا كَانَ لِلصَّبِيِّ مَالٌ فَمُؤْنَةُ الرَّضَاعِ وَنَفَقَتُهُ بَعْدَ الْفِطَامِ فِي مَالِ الصَّغِيرِ بَحْرٌ ، وَسَكَتَ عَنْ الْمَسْكَنِ الَّذِي تَحْضُنُهُ فِيهِ ، وَاَلَّذِي فِي مُعِينِ الْمُفْتِي الْمُخْتَارُ أَنَّهُ عَلَى الْأَبِ ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ حَمَوِيٌّ عَنْ شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ ط ، وَفِيهِ كَلَامٌ قَدَّمْنَاهُ فِي الْحَضَانَةِ ( قَوْلُهُ وَلِلْأُمِّ أُجْرَةُ الْإِرْضَاعِ بِلَا عَقْدِ إجَارَةٍ ) بَلْ تَسْتَحِقُّهُ بِالْإِرْضَاعِ فِي الْمُدَّةِ مُطْلَقًا كَذَا فِي الْبَحْرِ أَخْذًا مِنْ ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ . وَرَدَّهُ الْمَقْدِسِيَّ فِي [ الرَّمْزِ شَرْحِ نَظْمِ الْكَنْزِ ] بِأَنَّ الظَّاهِرَ اشْتِرَاطُ الْعَقْدِ ، وَمَنْ قَالَ بِخِلَافِهِ فَعَلَيْهِ إثْبَاتُهُ . ا هـ فَافْهَمْ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي شَرْحِ حُسَامِ الدِّينِ عَلَى أَدَبِ الْقَاضِي لِلْخَصَّافِ : فَإِنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَطَلَبَتْ أَجْرَ الرَّضَاعِ فَهِيَ أَحَقُّ بِهِ ، وَيَنْظُرُ الْقَاضِي بِكَمْ يَجِدُ امْرَأَةً غَيْرَهَا فَيَأْمُرُ بِدَفْعِ ذَلِكَ إلَيْهَا { - فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ - } إلَخْ قَالَ فِي الْبَحْرِ : وَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّ مُدَّةَ الرَّضَاعِ فِي حَقِّ الْأُجْرَةِ حَوْلَانِ عِنْدَ الْكُلِّ حَتَّى لَا تُسْتَحَقَّ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ إجْمَاعًا وَتُسْتَحَقُّ فِيهِمَا إجْمَاعًا . وَفِيهِ : لَوْ لَمْ يَسْتَغْنِ بِالْحَوْلَيْنِ يَحِلُّ لَهَا أَنْ تُرْضِعَهُ بَعْدَهُمَا عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ إلَّا عِنْدَ خَلَفِ بْنِ أَيُّوبَ ( قَوْلُهُ وَحُكْمُ الصُّلْحِ كَالِاسْتِئْجَارِ ) يَعْنِي لَوْ صَالَحَتْ زَوْجَهَا عَنْ أُجْرَةِ الرَّضَاعِ عَلَى شَيْءٍ إنْ كَانَ الصُّلْحُ حَالَ قِيَامِ النِّكَاحِ أَوْ فِي عِدَّةِ الرَّجْعِيِّ لَا يَجُوزُ ، وَإِنْ كَانَ فِي عِدَّةِ الْبَائِنِ بِوَاحِدَةٍ أَوْ ثَلَاثٍ جَازَ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ح عَنْ الْبَحْرِ ( قَوْلُهُ وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ جَازَ الِاسْتِئْجَارُ ) أَيْ كَمَا إذَا كَانَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ أَوْ فِي عِدَّةِ الْبَائِنِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَهِيَ الْمُعْتَمَدَةُ كَمَا مَرَّ ، وَقَوْلُهُ ، وَوَجَبَتْ النَّفَقَةُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ عَطْفُ مُرَادِفٍ ، وَالْمُرَادُ بِهِ نَفَقَةُ الْمُرْضِعِ بِالْأُجْرَةِ الَّتِي تَأْخُذُهَا مِنْ الزَّوْجِ بِقَرِينَةِ التَّعْلِيلِ ، يَعْنِي أَنَّ مَا تَأْخُذُهُ الْأُمُّ مِنْ الْأَبِ لِتُنْفِقَهُ عَلَى نَفْسِهَا بِمُقَابَلَةِ إرْضَاعِ الْوَلَدِ هُوَ أُجْرَةٌ لَا نَفَقَةٌ ، فَإِذَا مَاتَ الْأَبُ لَا تَسْقُطُ هَذِهِ الْأُجْرَةُ بِمَوْتِهِ بَلْ تَجِبُ لَهَا فِي تَرِكَتِهِ وَتُشَارِكُ غُرَمَاءَهُ ، فَهِيَ كَغَيْرِهَا مِنْ أَصْحَابِ دُيُونِهِ ; وَلَوْ كَانَ نَفَقَةً لَسَقَطَتْ كَمَا تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ وَالْقَرِيبِ وَلَوْ بَعْدَ الْقَضَاءِ مَا لَمْ تَكُنْ مُسْتَدَانَةً بِأَمْرِ الْقَاضِي ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي حَلِّ هَذِهِ الْعِبَارَةِ ، وَأَصْلُهَا لِصَاحِبِ الذَّخِيرَةِ وَنَقَلَهَا عَنْهُ فِي الْبَحْرِ بِلَفْظِهَا .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث