رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الثالث
( قَوْلُهُ لَا يُقْسَمُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَالْقَسَمُ بِاَللَّهِ تَعَالَى : أَيْ لَا يَنْعَقِدُ الْقَسَمُ بِغَيْرِهِ تَعَالَى أَيْ غَيْرِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَلَوْ بِطَرِيقِ الْكِنَايَةِ كَمَا مَرَّ ، بَلْ يَحْرُمُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ ، بَلْ يُخَافُ مِنْهُ الْكُفْرُ فِي نَحْوِ وَحَيَاتِي وَحَيَاتِك كَمَا يَأْتِي .
مَطْلَبٌ فِي الْقُرْآنِ
( قَوْلُهُ قَالَ الْكَمَالُ إلَخْ ) مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ بِمَعْنَى كَلَامِ اللَّهِ ، فَيَكُونُ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْهِدَايَةِ حَيْثُ قَالَ : وَمَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ حَالِفًا كَالنَّبِيِّ وَالْكَعْبَةِ ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ " مَنْ كَانَ مِنْكُمْ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَذَرْ " وَكَذَا إذَا حَلَفَ بِالْقُرْآنِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ ا هـ . فَقَوْلُهُ وَكَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قَسَمٍ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى بَلْ هُوَ مِنْ قَسَمِ الصِّفَاتِ وَلِذَا عَلَّلَهُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ ، وَلَوْ كَانَ مِنْ الْقَسَمِ الْأَوَّلِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالْقُدُورِيِّ لَكَانَتْ الْعِلَّةُ فِيهِ النَّهْيَ الْمَذْكُورَ أَوْ غَيْرَهُ لِأَنَّ التَّعَارُفَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي الصِّفَاتِ الْمُشْتَرَكَةِ لَا فِي غَيْرِهَا . وَقَالَ فِي الْفَتْحِ : وَتَعْلِيلُ عَدَمِ كَوْنِهِ يَمِينًا بِأَنَّهُ غَيْرُهُ تَعَالَى لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ لِأَنَّهُ حُرُوفٌ وَغَيْرُ الْمَخْلُوقِ هُوَ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ مُنِعَ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ . وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُنَزَّلَ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ إلَّا الْحُرُوفَ الْمُنْقَضِيَةَ الْمُنْعَدِمَةَ ، وَمَا ثَبَتَ قِدَمُهُ اسْتَحَالَ عَدَمُهُ ، غَيْرَ أَنَّهُمْ أَوْجَبُوا ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَوَّامَ إذَا قِيلَ لَهُمْ إنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ تَعَدَّوْا إلَى الْكَلَامِ مُطْلَقًا . ا هـ . وَقَوْلُهُ وَلَا يَخْفَى إلَخْ رُدَّ لِلْمَنْعِ .
وَحَاصِلُهُ أَنَّ غَيْرَ الْمَخْلُوقِ هُوَ الْقُرْآنُ بِمَعْنَى كَلَامِ اللَّهِ الصِّفَةُ النَّفْسِيَّةُ الْقَائِمَةُ بِهِ تَعَالَى لَا بِمَعْنَى الْحُرُوفِ الْمُنَزَّلَةِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُقَالُ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ إرَادَةُ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ .
713 قُلْت : فَحَيْثُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ غَيْرُهُ تَعَالَى بِمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ صِفَةً لَهُ لِأَنَّ الصِّفَاتِ لَيْسَتْ عَيْنًا وَلَا غَيْرًا كَمَا قَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ ، وَلِذَا قَالُوا : مَنْ قَالَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ فَهُوَ كَافِرٌ . وَنَقَلَ فِي الْهِنْدِيَّةِ عَنْ الْمُضْمَرَاتِ : وَقَدْ قِيلَ هَذَا فِي زَمَانِهِمْ ، أَمَّا فِي زَمَانِنَا فَيَمِينٌ وَبِهِ نَأْخُذُ وَنَأْمُرُ وَنَعْتَقِدُ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ الرَّازِيّ : إنَّهُ يَمِينٌ ، وَبِهِ أَخَذَ جُمْهُورُ مَشَايِخِنَا ا هـ فَهَذَا مُؤَيِّدٌ لِكَوْنِهِ صِفَةً تُعُورِفَ الْحَلِفُ بِهَا كَعِزَّةِ اللَّهِ وَجَلَالِهِ ( قَوْلُهُ فَيَدُورُ مَعَ الْعُرْفِ ) لِأَنَّ الْكَلَامَ صِفَةٌ مُشْتَرَكَةٌ .
( قَوْلُهُ وَقَالَ الْعَيْنِيُّ إلَخْ ) عِبَارَتُهُ : وَعِنْدِي لَوْ حَلَفَ بِالْمُصْحَفِ أَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ : وَحَقِّ هَذَا فَهُوَ يَمِينٌ وَلَا سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ الَّذِي كَثُرَتْ فِيهِ الْأَيْمَانُ الْفَاجِرَةُ وَرَغْبَةُ الْعَوَّامِ فِي الْحَلِفِ بِالْمُصْحَفِ ا هـ وَأَقَرَّهُ فِي النَّهْرِ . وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ إذْ الْمُصْحَفُ لَيْسَ صِفَةً لِلَّهِ تَعَالَى حَتَّى يُعْتَبَرَ فِيهِ الْعُرْفُ وَإِلَّا لَكَانَ الْحَلِفُ بِالنَّبِيِّ وَالْكَعْبَةِ يَمِينًا لِأَنَّهُ مُتَعَارَفٌ ، وَكَذَا بِحَيَاةِ رَأْسِك وَنَحْوِهِ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ . عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْحَالِفِ وَحَقِّ اللَّهِ لَيْسَ بِيَمِينٍ كَمَا يَأْتِي تَحْقِيقُهُ ، وَحَقِّ الْمُصْحَفِ مِثْلُهُ بِالْأَوْلَى ، وَكَذَا وَحَقُّ كَلَامِ اللَّهِ لِأَنَّ حَقَّهُ تَعْظِيمُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ وَذَلِكَ صِفَةُ الْعَبْدِ ، نَعَمْ لَوْ قَالَ أُقْسِمُ بِمَا فِي هَذَا الْمُصْحَفِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ يَمِينًا ( قَوْلُهُ وَلَوْ تَبَرَّأَ مِنْ أَحَدِهَا ) أَيْ أَحَدِ الْمَذْكُورَاتِ مِنْ النَّبِيِّ وَالْقُرْآنِ وَالْقِبْلَةِ .
( قَوْلُهُ إلَّا مِنْ الْمُصْحَفِ ) أَيْ فَلَا يَكُونُ التَّبَرِّي مِنْهُ يَمِينًا لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْوَرَقُ وَالْجِلْدُ ، وَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَتَبَرَّأَ مِمَّا فِيهِ لِأَنَّ مَا فِيهِ هُوَ الْقُرْآنُ ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي النَّهْرِ عَنْ الْمُجْتَبَى مِنْ أَنَّهُ لَوْ تَبَرَّأَ مِنْ الْمُصْحَفِ انْعَقَدَ يَمِينًا فَهُوَ سَبْقُ قَلَمٍ ، فَإِنَّ عِبَارَةَ الْمُجْتَبَى هَكَذَا : وَلَوْ قَالَ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ مِمَّا فِي الْمُصْحَفِ فَيَمِينٌ ، وَلَوْ قَالَ مِنْ الْمُصْحَفِ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ ا هـ وَمِثْلُهُ فِي الذَّخِيرَةِ ( قَوْلُهُ بَلْ لَوْ تَبَرَّأَ مِنْ دَفْتَرٍ ) صَوَابُهُ مِمَّا فِي دَفْتَرٍ كَمَا عَلِمْته فِي الْمُصْحَفِ . قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ : وَلَوْ رَفَعَ كِتَابَ الْفِقْهِ أَوْ دَفْتَرَ الْحِسَابِ فِيهِ مَكْتُوبٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَقَالَ أَنَا بَرِيءٌ مِمَّا فِيهِ إنْ فَعَلَ كَذَا فَفَعَلَ كَانَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ، كَمَا لَوْ قَالَ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .
( قَوْلُهُ وَلَوْ تَبَرَّأَ مِنْ كُلِّ آيَةٍ فِيهِ ) أَيْ فِي الْمُصْحَفِ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى وَالذَّخِيرَةِ وَالْخَانِيَّة ( قَوْلُهُ وَلَوْ كَرَّرَ الْبَرَاءَةَ إلَخْ ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ : وَلَوْ قَالَ فَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ الْكُتُبِ الْأَرْبَعَةِ فَهُوَ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ ، وَكَذَا هُوَ بَرِيءٌ مِنْ الْقُرْآنِ وَالزَّبُورِ وَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ، وَلَوْ قَالَ فَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ الْقُرْآنِ وَبَرِيءٌ مِنْ التَّوْرَاةِ وَبَرِيءٌ مِنْ الْإِنْجِيلِ وَبَرِيءٌ مِنْ الزَّبُورِ فَهِيَ أَرْبَعَةُ أَيْمَانٍ . وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ : وَالْأَصْلُ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّهُ مَتَى تَعَدَّدَتْ صِيغَةُ الْبَرَاءَةِ تَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ ، وَإِذَا اتَّحَدَتْ اتَّحَدَتْ ( قَوْلُهُ يَمِينَانِ ) أَيْ لِتَكَرُّرِ الْبَرَاءَةِ مَرَّتَيْنِ ; أَمَّا لَوْ قَالَ بَرِيءٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَقِيلَ يَمِينَانِ وَصَحَّحَ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْمُجْتَبَى الْأَوَّلَ . وَعِبَارَةُ الْبَحْرِ هُنَا مُوهِمَةٌ خِلَافَ الْمُرَادِ .
( قَوْلُهُ فَأَرْبَعٌ ) لِأَنَّ لَفْظَ الْبَرَاءَةِ فِي الثَّانِيَةِ مَذْكُورٌ مَرَّتَيْنِ بِسَبَبِ التَّثْنِيَةِ بَحْرٌ ( قَوْلُهُ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ ) لِأَنَّ قَوْلَهُ أَلْفَ مَرَّةٍ لِلْمُبَالَغَةِ فَلَمْ يَتَكَرَّرْ فِيهَا اللَّفْظُ حَقِيقَةً تَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ أَوْ صَوْمِ رَمَضَانَ إلَخْ ) زَادَ فِي الذَّخِيرَةِ : وَلَوْ قَالَ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِينَ يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ إنْ فَعَلْت كَذَا ، فَإِنْ نَوَى الْبَرَاءَةَ مِنْ فَرْضِيَّتِهَا فَيَمِينٌ أَوْ مِنْ أَجْرِهَا فَلَا ، وَكَذَا لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ لِلشَّكِّ ; وَلَوْ قَالَ فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ حُجَّتِي الَّتِي حَجَجْت أَوْ مِنْ صَلَاتِي الَّتِي صَلَّيْت لَا يَكُونُ يَمِينًا ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ مِنْ الْقُرْآنِ الَّذِي تَعَلَّمْت فَإِنَّهُ يَمِينٌ . ا هـ . وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ : لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ تَبَرَّأَ عَنْ فِعْلِهِ لَا عَنْ الْحَجَّةِ 714 الْمَشْرُوعَةِ ، وَفِي الثَّانِي الْقُرْآنُ قُرْآنٌ ، وَإِنْ تَعَلَّمَهُ فَالتَّبَرِّي عَنْهُ كُفْرٌ ( قَوْلُهُ أَوْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ) لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ مِنْهُمْ تَكُونُ لِإِنْكَارِ الْأَيْمَانِ خَانِيَّةٌ ( قَوْلُهُ أَوْ أَعْبُدُ الصَّلِيبَ ) كَأَنْ قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا أَعْبُدُ الصَّلِيبَ ( قَوْلُهُ لِأَنَّهُ كُفْرٌ إلَخْ ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ وَلَوْ تَبَرَّأَ مِنْ أَحَدِهَا مَعَ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ ( قَوْلُهُ وَتَعْلِيقُ الْكُفْرِ إلَخْ ) وَلَوْ قَالَ هُوَ يَسْتَحِلُّ الْمَيْتَةَ أَوْ الْخَمْرَ أَوْ الْخِنْزِيرَ إنْ فَعَلَ كَذَا لَا يَكُونُ يَمِينًا .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ هُوَ حَرَامٌ حُرْمَةً مُؤَبَّدَةً بِحَيْثُ لَا تَسْقُطُ حُرْمَتُهُ بِحَالٍ كَالْكُفْرِ وَأَشْبَاهِهِ ، فَاسْتِحْلَالُهُ مُعَلَّقٌ بِالشَّرْطِ يَكُونُ يَمِينًا ، وَمَا تَسْقُطُ حُرْمَتُهُ بِحَالٍ كَالْمَيْتَةِ وَالْخَمْرِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ فَلَا ذَخِيرَةٌ ( قَوْلُهُ وَسَيَجِيءُ ) أَيْ قَرِيبًا فِي الْمَتْنِ ( قَوْلُهُ وَإِلَّا يُكَفِّرُ ) بِالتَّشْدِيدِ : أَيْ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ .
مَطْلَبٌ تَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ لِتَعَدُّدِ الْيَمِينِ
( قَوْلُهُ وَتَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ لِتَعَدُّدِ الْيَمِينِ ) وَفِي الْبُغْيَةِ : كَفَّارَاتُ الْأَيْمَانِ إذَا كَثُرَتْ تَدَاخَلَتْ ، وَيَخْرُجُ بِالْكَفَّارَةِ الْوَاحِدَةِ عَنْ عُهْدَةِ الْجَمِيعِ . وَقَالَ شِهَابُ الْأَئِمَّةِ : هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ . قَالَ صَاحِبُ الْأَصْلِ : هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدِي . ا هـ . مَقْدِسِيٌّ ، وَمِثْلُهُ فِي الْقُهُسْتَانِيُّ عَنْ الْمُنْيَةِ ( قَوْلُهُ وَبِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ يُقْبَلُ ) لَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ قَوْلَهُ إنَّ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ حَجَّةٌ ثُمَّ حَلَفَ ثَانِيًا كَذَلِكَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي إخْبَارًا عَنْ الْأَوَّلِ ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُهُ مَرَّتَيْنِ فَإِنَّ الثَّانِيَ لَا يَحْتَمِلُ الْإِخْبَارَ فَلَا تَصِحُّ بِهِ نِيَّةُ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَأَيْته كَذَلِكَ فِي الذَّخِيرَةِ . وَفِي ط عَنْ الْهِنْدِيَّةِ عَنْ الْمَبْسُوطِ : وَإِنْ كَانَ إحْدَى الْيَمِينَيْنِ بِحَجَّةٍ وَالْأُخْرَى بِاَللَّهِ تَعَالَى فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَحَجَّةٌ ( قَوْلُهُ وَفِيهِ مَعْزِيًّا لِلْأَصْلِ إلَخْ ) أَيْ وَفِي الْبَحْرِ : وَالظَّاهِرُ أَنَّ فِي الْعِبَارَةِ سَقْطًا ، فَإِنَّ الَّذِي فِي الْبَحْرِ عَنْ الْأَصْلِ : لَوْ قَالَ هُوَ يَهُودِيٌّ هُوَ نَصْرَانِيٌّ إنْ فَعَلَ كَذَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ ، وَلَوْ قَالَ هُوَ يَهُودِيٌّ إنْ فَعَلَ كَذَا هُوَ نَصْرَانِيٌّ إنْ فَعَلَ كَذَا فَهُمَا يَمِينَانِ ( قَوْلُهُ فِي الْأَصَحِّ ) رَاجِعٌ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ : أَيْ إذَا ذَكَرَ الْوَاوَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُمَا يَمِينَانِ سَوَاءٌ كَانَ الثَّانِي لَا يَصْلُحُ نَعْتًا لِلْأَوَّلِ أَوْ يَصْلُحُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ . وَفِي رِوَايَةِ يَمِينٍ وَاحِدَةٍ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ .
قُلْت : لَكِنْ يُسْتَثْنَى مَا فِي الْفَتْحِ حَيْثُ قَالَ : وَلَوْ قَالَ عَلَى عَهْدِ اللَّهِ وَأَمَانَتِهِ وَمِيثَاقِهِ وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَهُوَ يَمِينٌ عِنْدَنَا وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ . وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ يَجِبُ عَلَيْهِ بِكُلِّ لَفْظٍ كَفَّارَةٌ لِأَنَّ كُلَّ لَفْظٍ يَمِينٌ بِنَفْسِهِ ، وَهُوَ قِيَاسُ مَذْهَبِنَا إذَا كُرِّرَتْ الْوَاوُ كَمَا فِي وَاَللَّهِ وَالرَّحْمَنِ وَالرَّحِيمِ إلَّا فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ . ا هـ . ( قَوْلُهُ وَاتَّفَقُوا إلَخْ ) يَعْنِي أَنَّ الْخِلَافَ الْمَذْكُورَ إذَا دَخَلَتْ الْوَاوُ عَلَى الِاسْمِ الثَّانِي وَكَانَتْ وَاحِدَةً ، فَلَوْ تَكَرَّرَتْ الْوَاوُ مِثْلَ وَاَللَّهِ وَالرَّحْمَنِ فَهُمَا يَمِينَانِ اتِّفَاقًا لِأَنَّ إحْدَاهُمَا لِلْعَطْفِ وَالْأُخْرَى لِلْقَسَمِ كَمَا فِي الْبَحْرِ . وَأَمَّا إذَا لَمْ تَدْخُلْ عَلَى الِاسْمِ الثَّانِي وَاوٌ أَصْلًا كَقَوْلِك وَاَللَّهِ اللَّهِ وَكَقَوْلِك وَاَللَّهِ الرَّحْمَنِ فَهُوَ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ اتِّفَاقًا كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَبِلَا عَطْفِ وَاحِدَةٍ .
( قَوْلُهُ قَالَ الرَّازِيّ ) هُوَ عَلِيُّ حُسَامُ الدِّينِ الرَّازِيّ . لَهُ كُتُبٌ : مِنْهَا خُلَاصَةُ الدَّلَائِلِ فِي شَرْحِ الْقُدُورِيِّ . سَكَنَ دِمَشْقَ وَتُوُفِّيَ 715 بِهَا سَنَةَ إحْدَى وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ( قَوْلُهُ وَإِنْ اعْتَقَدَ وُجُوبَ الْبِرِّ فِيهِ يُكَفِّرُ ) لَيْسَ هَذَا مِنْ كَلَامِ الرَّازِيّ الْمَنْقُولِ فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ بَلْ مَا بَعْدَهُ ، وَهَذَا إنَّمَا ذَكَرَهُ فِي الْفَتْحِ قَبْلَ نَقْلِ كَلَامِ الرَّازِيّ ، وَكَأَنَّ الشَّارِحَ ذَكَرَهُ هُنَا لِيُبَيِّنَ بِهِ أَنَّهُ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ يُكَفِّرُ ، وَكَانَ الْأَوْلَى التَّصْرِيحُ بِأَيٍّ التَّفْسِيرِيَّةِ . ثُمَّ الْمُرَادُ بِاعْتِقَادِ وُجُوبِ الْبِرِّ فِيهِ كَمَا قَالَ ح اعْتِقَادُ الْوُجُوبِ الشَّرْعِيِّ بِحَيْثُ لَوْ حَنِثَ أَثِمَ وَهَذَا قَلَّمَا يَقَعُ .
( قَوْلُهُ وَلَا يَعْلَمُونَ ) أَيْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الْيَمِينَ مَا كَانَ مُوجِبُهَا الْبِرَّ أَوْ الْكَفَّارَةَ السَّاتِرَةَ لِهَتْكِ حُرْمَةِ الِاسْمِ وَأَنَّ فِي الْحَلِفِ بِاسْمِ غَيْرِهِ تَعَالَى تَسْوِيَةً بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ فِي ذَلِكَ ( قَوْلُهُ لَقُلْت إنَّهُ مُشْرِكٌ ) أَيْ إنَّ الْحَالِفَ بِذَلِكَ . وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ إنَّهُ شِرْكٌ بِدُونِ مِيمٍ : أَيْ أَنَّ الْحَلِفَ الْمَذْكُورَ . وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ الْمُنْيَةِ أَنَّ الْجَاهِلَ الَّذِي يَحْلِفُ بِرُوحِ الْأَمِيرِ وَحَيَاتِهِ وَرَأْسِهِ لَمْ يَتَحَقَّقْ إسْلَامُهُ بَعْدُ . وَفِيهِ : وَمَا أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِغَيْرِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ مِنْ اللَّيْلِ وَالضُّحَى وَغَيْرِهِمَا لَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَحْلِفَ بِهَا ( قَوْلُهُ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ إلَخْ ) لَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ حُرْمَةَ الْكَذِبِ فِي الْحَلِفِ بِهِ تَعَالَى قَدْ تَسْقُطُ بِالْكَفَّارَةِ ، وَالْحَلِفُ بِغَيْرِهِ تَعَالَى أَعْظَمُ حُرْمَةً وَلِذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْ الْكُفْرِ وَلَا كَفَّارَةَ لَهُ ط
مَطْلَبٌ فِي الْقُرْآنِ
( قَوْلُهُ قَالَ الْكَمَالُ إلَخْ ) مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ بِمَعْنَى كَلَامِ اللَّهِ ، فَيَكُونُ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْهِدَايَةِ حَيْثُ قَالَ : وَمَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ حَالِفًا كَالنَّبِيِّ وَالْكَعْبَةِ ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ " مَنْ كَانَ مِنْكُمْ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَذَرْ " وَكَذَا إذَا حَلَفَ بِالْقُرْآنِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ ا هـ . فَقَوْلُهُ وَكَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قَسَمٍ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى بَلْ هُوَ مِنْ قَسَمِ الصِّفَاتِ وَلِذَا عَلَّلَهُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ ، وَلَوْ كَانَ مِنْ الْقَسَمِ الْأَوَّلِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالْقُدُورِيِّ لَكَانَتْ الْعِلَّةُ فِيهِ النَّهْيَ الْمَذْكُورَ أَوْ غَيْرَهُ لِأَنَّ التَّعَارُفَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي الصِّفَاتِ الْمُشْتَرَكَةِ لَا فِي غَيْرِهَا . وَقَالَ فِي الْفَتْحِ : وَتَعْلِيلُ عَدَمِ كَوْنِهِ يَمِينًا بِأَنَّهُ غَيْرُهُ تَعَالَى لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ لِأَنَّهُ حُرُوفٌ وَغَيْرُ الْمَخْلُوقِ هُوَ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ مُنِعَ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ . وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُنَزَّلَ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ إلَّا الْحُرُوفَ الْمُنْقَضِيَةَ الْمُنْعَدِمَةَ ، وَمَا ثَبَتَ قِدَمُهُ اسْتَحَالَ عَدَمُهُ ، غَيْرَ أَنَّهُمْ أَوْجَبُوا ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَوَّامَ إذَا قِيلَ لَهُمْ إنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ تَعَدَّوْا إلَى الْكَلَامِ مُطْلَقًا . ا هـ . وَقَوْلُهُ وَلَا يَخْفَى إلَخْ رُدَّ لِلْمَنْعِ .
وَحَاصِلُهُ أَنَّ غَيْرَ الْمَخْلُوقِ هُوَ الْقُرْآنُ بِمَعْنَى كَلَامِ اللَّهِ الصِّفَةُ النَّفْسِيَّةُ الْقَائِمَةُ بِهِ تَعَالَى لَا بِمَعْنَى الْحُرُوفِ الْمُنَزَّلَةِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُقَالُ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ إرَادَةُ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ .
713 قُلْت : فَحَيْثُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ غَيْرُهُ تَعَالَى بِمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ صِفَةً لَهُ لِأَنَّ الصِّفَاتِ لَيْسَتْ عَيْنًا وَلَا غَيْرًا كَمَا قَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ ، وَلِذَا قَالُوا : مَنْ قَالَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ فَهُوَ كَافِرٌ . وَنَقَلَ فِي الْهِنْدِيَّةِ عَنْ الْمُضْمَرَاتِ : وَقَدْ قِيلَ هَذَا فِي زَمَانِهِمْ ، أَمَّا فِي زَمَانِنَا فَيَمِينٌ وَبِهِ نَأْخُذُ وَنَأْمُرُ وَنَعْتَقِدُ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ الرَّازِيّ : إنَّهُ يَمِينٌ ، وَبِهِ أَخَذَ جُمْهُورُ مَشَايِخِنَا ا هـ فَهَذَا مُؤَيِّدٌ لِكَوْنِهِ صِفَةً تُعُورِفَ الْحَلِفُ بِهَا كَعِزَّةِ اللَّهِ وَجَلَالِهِ ( قَوْلُهُ فَيَدُورُ مَعَ الْعُرْفِ ) لِأَنَّ الْكَلَامَ صِفَةٌ مُشْتَرَكَةٌ .
( قَوْلُهُ وَقَالَ الْعَيْنِيُّ إلَخْ ) عِبَارَتُهُ : وَعِنْدِي لَوْ حَلَفَ بِالْمُصْحَفِ أَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ : وَحَقِّ هَذَا فَهُوَ يَمِينٌ وَلَا سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ الَّذِي كَثُرَتْ فِيهِ الْأَيْمَانُ الْفَاجِرَةُ وَرَغْبَةُ الْعَوَّامِ فِي الْحَلِفِ بِالْمُصْحَفِ ا هـ وَأَقَرَّهُ فِي النَّهْرِ . وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ إذْ الْمُصْحَفُ لَيْسَ صِفَةً لِلَّهِ تَعَالَى حَتَّى يُعْتَبَرَ فِيهِ الْعُرْفُ وَإِلَّا لَكَانَ الْحَلِفُ بِالنَّبِيِّ وَالْكَعْبَةِ يَمِينًا لِأَنَّهُ مُتَعَارَفٌ ، وَكَذَا بِحَيَاةِ رَأْسِك وَنَحْوِهِ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ . عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْحَالِفِ وَحَقِّ اللَّهِ لَيْسَ بِيَمِينٍ كَمَا يَأْتِي تَحْقِيقُهُ ، وَحَقِّ الْمُصْحَفِ مِثْلُهُ بِالْأَوْلَى ، وَكَذَا وَحَقُّ كَلَامِ اللَّهِ لِأَنَّ حَقَّهُ تَعْظِيمُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ وَذَلِكَ صِفَةُ الْعَبْدِ ، نَعَمْ لَوْ قَالَ أُقْسِمُ بِمَا فِي هَذَا الْمُصْحَفِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ يَمِينًا ( قَوْلُهُ وَلَوْ تَبَرَّأَ مِنْ أَحَدِهَا ) أَيْ أَحَدِ الْمَذْكُورَاتِ مِنْ النَّبِيِّ وَالْقُرْآنِ وَالْقِبْلَةِ .
( قَوْلُهُ إلَّا مِنْ الْمُصْحَفِ ) أَيْ فَلَا يَكُونُ التَّبَرِّي مِنْهُ يَمِينًا لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْوَرَقُ وَالْجِلْدُ ، وَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَتَبَرَّأَ مِمَّا فِيهِ لِأَنَّ مَا فِيهِ هُوَ الْقُرْآنُ ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي النَّهْرِ عَنْ الْمُجْتَبَى مِنْ أَنَّهُ لَوْ تَبَرَّأَ مِنْ الْمُصْحَفِ انْعَقَدَ يَمِينًا فَهُوَ سَبْقُ قَلَمٍ ، فَإِنَّ عِبَارَةَ الْمُجْتَبَى هَكَذَا : وَلَوْ قَالَ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ مِمَّا فِي الْمُصْحَفِ فَيَمِينٌ ، وَلَوْ قَالَ مِنْ الْمُصْحَفِ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ ا هـ وَمِثْلُهُ فِي الذَّخِيرَةِ ( قَوْلُهُ بَلْ لَوْ تَبَرَّأَ مِنْ دَفْتَرٍ ) صَوَابُهُ مِمَّا فِي دَفْتَرٍ كَمَا عَلِمْته فِي الْمُصْحَفِ . قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ : وَلَوْ رَفَعَ كِتَابَ الْفِقْهِ أَوْ دَفْتَرَ الْحِسَابِ فِيهِ مَكْتُوبٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَقَالَ أَنَا بَرِيءٌ مِمَّا فِيهِ إنْ فَعَلَ كَذَا فَفَعَلَ كَانَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ، كَمَا لَوْ قَالَ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .
( قَوْلُهُ وَلَوْ تَبَرَّأَ مِنْ كُلِّ آيَةٍ فِيهِ ) أَيْ فِي الْمُصْحَفِ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى وَالذَّخِيرَةِ وَالْخَانِيَّة ( قَوْلُهُ وَلَوْ كَرَّرَ الْبَرَاءَةَ إلَخْ ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ : وَلَوْ قَالَ فَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ الْكُتُبِ الْأَرْبَعَةِ فَهُوَ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ ، وَكَذَا هُوَ بَرِيءٌ مِنْ الْقُرْآنِ وَالزَّبُورِ وَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ، وَلَوْ قَالَ فَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ الْقُرْآنِ وَبَرِيءٌ مِنْ التَّوْرَاةِ وَبَرِيءٌ مِنْ الْإِنْجِيلِ وَبَرِيءٌ مِنْ الزَّبُورِ فَهِيَ أَرْبَعَةُ أَيْمَانٍ . وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ : وَالْأَصْلُ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّهُ مَتَى تَعَدَّدَتْ صِيغَةُ الْبَرَاءَةِ تَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ ، وَإِذَا اتَّحَدَتْ اتَّحَدَتْ ( قَوْلُهُ يَمِينَانِ ) أَيْ لِتَكَرُّرِ الْبَرَاءَةِ مَرَّتَيْنِ ; أَمَّا لَوْ قَالَ بَرِيءٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَقِيلَ يَمِينَانِ وَصَحَّحَ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْمُجْتَبَى الْأَوَّلَ . وَعِبَارَةُ الْبَحْرِ هُنَا مُوهِمَةٌ خِلَافَ الْمُرَادِ .
( قَوْلُهُ فَأَرْبَعٌ ) لِأَنَّ لَفْظَ الْبَرَاءَةِ فِي الثَّانِيَةِ مَذْكُورٌ مَرَّتَيْنِ بِسَبَبِ التَّثْنِيَةِ بَحْرٌ ( قَوْلُهُ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ ) لِأَنَّ قَوْلَهُ أَلْفَ مَرَّةٍ لِلْمُبَالَغَةِ فَلَمْ يَتَكَرَّرْ فِيهَا اللَّفْظُ حَقِيقَةً تَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ أَوْ صَوْمِ رَمَضَانَ إلَخْ ) زَادَ فِي الذَّخِيرَةِ : وَلَوْ قَالَ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِينَ يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ إنْ فَعَلْت كَذَا ، فَإِنْ نَوَى الْبَرَاءَةَ مِنْ فَرْضِيَّتِهَا فَيَمِينٌ أَوْ مِنْ أَجْرِهَا فَلَا ، وَكَذَا لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ لِلشَّكِّ ; وَلَوْ قَالَ فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ حُجَّتِي الَّتِي حَجَجْت أَوْ مِنْ صَلَاتِي الَّتِي صَلَّيْت لَا يَكُونُ يَمِينًا ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ مِنْ الْقُرْآنِ الَّذِي تَعَلَّمْت فَإِنَّهُ يَمِينٌ . ا هـ . وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ : لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ تَبَرَّأَ عَنْ فِعْلِهِ لَا عَنْ الْحَجَّةِ 714 الْمَشْرُوعَةِ ، وَفِي الثَّانِي الْقُرْآنُ قُرْآنٌ ، وَإِنْ تَعَلَّمَهُ فَالتَّبَرِّي عَنْهُ كُفْرٌ ( قَوْلُهُ أَوْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ) لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ مِنْهُمْ تَكُونُ لِإِنْكَارِ الْأَيْمَانِ خَانِيَّةٌ ( قَوْلُهُ أَوْ أَعْبُدُ الصَّلِيبَ ) كَأَنْ قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا أَعْبُدُ الصَّلِيبَ ( قَوْلُهُ لِأَنَّهُ كُفْرٌ إلَخْ ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ وَلَوْ تَبَرَّأَ مِنْ أَحَدِهَا مَعَ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ ( قَوْلُهُ وَتَعْلِيقُ الْكُفْرِ إلَخْ ) وَلَوْ قَالَ هُوَ يَسْتَحِلُّ الْمَيْتَةَ أَوْ الْخَمْرَ أَوْ الْخِنْزِيرَ إنْ فَعَلَ كَذَا لَا يَكُونُ يَمِينًا .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ هُوَ حَرَامٌ حُرْمَةً مُؤَبَّدَةً بِحَيْثُ لَا تَسْقُطُ حُرْمَتُهُ بِحَالٍ كَالْكُفْرِ وَأَشْبَاهِهِ ، فَاسْتِحْلَالُهُ مُعَلَّقٌ بِالشَّرْطِ يَكُونُ يَمِينًا ، وَمَا تَسْقُطُ حُرْمَتُهُ بِحَالٍ كَالْمَيْتَةِ وَالْخَمْرِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ فَلَا ذَخِيرَةٌ ( قَوْلُهُ وَسَيَجِيءُ ) أَيْ قَرِيبًا فِي الْمَتْنِ ( قَوْلُهُ وَإِلَّا يُكَفِّرُ ) بِالتَّشْدِيدِ : أَيْ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ .
مَطْلَبٌ تَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ لِتَعَدُّدِ الْيَمِينِ
( قَوْلُهُ وَتَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ لِتَعَدُّدِ الْيَمِينِ ) وَفِي الْبُغْيَةِ : كَفَّارَاتُ الْأَيْمَانِ إذَا كَثُرَتْ تَدَاخَلَتْ ، وَيَخْرُجُ بِالْكَفَّارَةِ الْوَاحِدَةِ عَنْ عُهْدَةِ الْجَمِيعِ . وَقَالَ شِهَابُ الْأَئِمَّةِ : هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ . قَالَ صَاحِبُ الْأَصْلِ : هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدِي . ا هـ . مَقْدِسِيٌّ ، وَمِثْلُهُ فِي الْقُهُسْتَانِيُّ عَنْ الْمُنْيَةِ ( قَوْلُهُ وَبِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ يُقْبَلُ ) لَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ قَوْلَهُ إنَّ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ حَجَّةٌ ثُمَّ حَلَفَ ثَانِيًا كَذَلِكَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي إخْبَارًا عَنْ الْأَوَّلِ ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُهُ مَرَّتَيْنِ فَإِنَّ الثَّانِيَ لَا يَحْتَمِلُ الْإِخْبَارَ فَلَا تَصِحُّ بِهِ نِيَّةُ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَأَيْته كَذَلِكَ فِي الذَّخِيرَةِ . وَفِي ط عَنْ الْهِنْدِيَّةِ عَنْ الْمَبْسُوطِ : وَإِنْ كَانَ إحْدَى الْيَمِينَيْنِ بِحَجَّةٍ وَالْأُخْرَى بِاَللَّهِ تَعَالَى فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَحَجَّةٌ ( قَوْلُهُ وَفِيهِ مَعْزِيًّا لِلْأَصْلِ إلَخْ ) أَيْ وَفِي الْبَحْرِ : وَالظَّاهِرُ أَنَّ فِي الْعِبَارَةِ سَقْطًا ، فَإِنَّ الَّذِي فِي الْبَحْرِ عَنْ الْأَصْلِ : لَوْ قَالَ هُوَ يَهُودِيٌّ هُوَ نَصْرَانِيٌّ إنْ فَعَلَ كَذَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ ، وَلَوْ قَالَ هُوَ يَهُودِيٌّ إنْ فَعَلَ كَذَا هُوَ نَصْرَانِيٌّ إنْ فَعَلَ كَذَا فَهُمَا يَمِينَانِ ( قَوْلُهُ فِي الْأَصَحِّ ) رَاجِعٌ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ : أَيْ إذَا ذَكَرَ الْوَاوَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُمَا يَمِينَانِ سَوَاءٌ كَانَ الثَّانِي لَا يَصْلُحُ نَعْتًا لِلْأَوَّلِ أَوْ يَصْلُحُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ . وَفِي رِوَايَةِ يَمِينٍ وَاحِدَةٍ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ .
قُلْت : لَكِنْ يُسْتَثْنَى مَا فِي الْفَتْحِ حَيْثُ قَالَ : وَلَوْ قَالَ عَلَى عَهْدِ اللَّهِ وَأَمَانَتِهِ وَمِيثَاقِهِ وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَهُوَ يَمِينٌ عِنْدَنَا وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ . وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ يَجِبُ عَلَيْهِ بِكُلِّ لَفْظٍ كَفَّارَةٌ لِأَنَّ كُلَّ لَفْظٍ يَمِينٌ بِنَفْسِهِ ، وَهُوَ قِيَاسُ مَذْهَبِنَا إذَا كُرِّرَتْ الْوَاوُ كَمَا فِي وَاَللَّهِ وَالرَّحْمَنِ وَالرَّحِيمِ إلَّا فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ . ا هـ . ( قَوْلُهُ وَاتَّفَقُوا إلَخْ ) يَعْنِي أَنَّ الْخِلَافَ الْمَذْكُورَ إذَا دَخَلَتْ الْوَاوُ عَلَى الِاسْمِ الثَّانِي وَكَانَتْ وَاحِدَةً ، فَلَوْ تَكَرَّرَتْ الْوَاوُ مِثْلَ وَاَللَّهِ وَالرَّحْمَنِ فَهُمَا يَمِينَانِ اتِّفَاقًا لِأَنَّ إحْدَاهُمَا لِلْعَطْفِ وَالْأُخْرَى لِلْقَسَمِ كَمَا فِي الْبَحْرِ . وَأَمَّا إذَا لَمْ تَدْخُلْ عَلَى الِاسْمِ الثَّانِي وَاوٌ أَصْلًا كَقَوْلِك وَاَللَّهِ اللَّهِ وَكَقَوْلِك وَاَللَّهِ الرَّحْمَنِ فَهُوَ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ اتِّفَاقًا كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَبِلَا عَطْفِ وَاحِدَةٍ .
( قَوْلُهُ قَالَ الرَّازِيّ ) هُوَ عَلِيُّ حُسَامُ الدِّينِ الرَّازِيّ . لَهُ كُتُبٌ : مِنْهَا خُلَاصَةُ الدَّلَائِلِ فِي شَرْحِ الْقُدُورِيِّ . سَكَنَ دِمَشْقَ وَتُوُفِّيَ 715 بِهَا سَنَةَ إحْدَى وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ( قَوْلُهُ وَإِنْ اعْتَقَدَ وُجُوبَ الْبِرِّ فِيهِ يُكَفِّرُ ) لَيْسَ هَذَا مِنْ كَلَامِ الرَّازِيّ الْمَنْقُولِ فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ بَلْ مَا بَعْدَهُ ، وَهَذَا إنَّمَا ذَكَرَهُ فِي الْفَتْحِ قَبْلَ نَقْلِ كَلَامِ الرَّازِيّ ، وَكَأَنَّ الشَّارِحَ ذَكَرَهُ هُنَا لِيُبَيِّنَ بِهِ أَنَّهُ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ يُكَفِّرُ ، وَكَانَ الْأَوْلَى التَّصْرِيحُ بِأَيٍّ التَّفْسِيرِيَّةِ . ثُمَّ الْمُرَادُ بِاعْتِقَادِ وُجُوبِ الْبِرِّ فِيهِ كَمَا قَالَ ح اعْتِقَادُ الْوُجُوبِ الشَّرْعِيِّ بِحَيْثُ لَوْ حَنِثَ أَثِمَ وَهَذَا قَلَّمَا يَقَعُ .
( قَوْلُهُ وَلَا يَعْلَمُونَ ) أَيْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الْيَمِينَ مَا كَانَ مُوجِبُهَا الْبِرَّ أَوْ الْكَفَّارَةَ السَّاتِرَةَ لِهَتْكِ حُرْمَةِ الِاسْمِ وَأَنَّ فِي الْحَلِفِ بِاسْمِ غَيْرِهِ تَعَالَى تَسْوِيَةً بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ فِي ذَلِكَ ( قَوْلُهُ لَقُلْت إنَّهُ مُشْرِكٌ ) أَيْ إنَّ الْحَالِفَ بِذَلِكَ . وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ إنَّهُ شِرْكٌ بِدُونِ مِيمٍ : أَيْ أَنَّ الْحَلِفَ الْمَذْكُورَ . وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ الْمُنْيَةِ أَنَّ الْجَاهِلَ الَّذِي يَحْلِفُ بِرُوحِ الْأَمِيرِ وَحَيَاتِهِ وَرَأْسِهِ لَمْ يَتَحَقَّقْ إسْلَامُهُ بَعْدُ . وَفِيهِ : وَمَا أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِغَيْرِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ مِنْ اللَّيْلِ وَالضُّحَى وَغَيْرِهِمَا لَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَحْلِفَ بِهَا ( قَوْلُهُ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ إلَخْ ) لَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ حُرْمَةَ الْكَذِبِ فِي الْحَلِفِ بِهِ تَعَالَى قَدْ تَسْقُطُ بِالْكَفَّارَةِ ، وَالْحَلِفُ بِغَيْرِهِ تَعَالَى أَعْظَمُ حُرْمَةً وَلِذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْ الْكُفْرِ وَلَا كَفَّارَةَ لَهُ ط
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث