رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الرابع
( قَوْلُهُ وَعُزِّرَ كُلُّ مُرْتَكِبِ مُنْكَرٍ إلَخْ ) هَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي وُجُوبِ التَّعْزِيرِ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ .
مَطْلَبٌ التَّعْزِيرُ قَدْ يَكُونُ بِدُونِ مَعْصِيَةٍ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ حَصْرُ أَسْبَابِ التَّعْزِيرِ فِيمَا ذَكَرَ مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِدُونِ مَعْصِيَةٍ كَتَعْزِيرِ الصَّبِيِّ وَالْمُتَّهَمِ كَمَا يَأْتِي وَكَنَفْيِ مَنْ خِيفَ مِنْهُ فِتْنَةٌ بِجَمَالِهِ مَثَلًا ، كَمَا مَرَّ فِي نَفْيِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ نَصْرَ بْنَ حَجَّاجٍ .
وَذَكَرَ فِي الْبَحْرِ أَنَّ الْحَاصِلَ وُجُوبُهُ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ لِكُلِّ مُرْتَكِبِ مَعْصِيَةٍ لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ مُقَدَّرٌ كَنَظَرٍ مُحَرَّمٍ وَمَسٍّ مُحَرَّمٍ وَخَلْوَةٍ مُحَرَّمَةٍ وَأَكْلِ رِبًا ظَاهِرٌ . ا هـ . قُلْت : وَهَذِهِ الْكُلِّيَّةُ غَيْرُ مُنْعَكِسَةٍ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي مَعْصِيَةٍ فِيهَا حَدٌّ كَزِنَا غَيْرِ الْمُحْصَنِ فَإِنَّهُ يُجْلَدُ حَدًّا وَلِلْإِمَامِ 67 نَفْيُهُ سِيَاسَةً وَتَعْزِيرًا كَمَا مَرَّ فِي بَابِهِ . وَرَوَى أَحْمَدُ أَنَّ النَّجَاشِيَّ الشَّاعِرَ جِيءَ بِهِ إلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَقَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي رَمَضَانَ فَضَرَبَهُ ثَمَانِينَ ثُمَّ ضَرَبَهُ مِنْ الْغَدِ عِشْرِينَ ، لَكِنْ ذُكِرَ فِي الْفَتْحِ أَنَّهُ ضَرَبَهُ الْعِشْرِينَ فَوْقَ الثَّمَانِينَ لِفِطْرِهِ فِي رَمَضَانَ كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ قَالَ لَهُ : ضَرَبْنَاك الْعِشْرِينَ بِجَرَاءَتِك عَلَى اللَّهِ وَإِفْطَارِك فِي رَمَضَانَ ا هـ فَالتَّعْزِيرُ فِيهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى غَيْرِ جِهَةِ الْحَدِّ ( قَوْلُهُ إلَّا إذَا كَانَ الْكَذِبُ ظَاهِرًا إلَخْ ) سَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ ( قَوْلُهُ ; لِأَنَّهُ غِيبَةٌ ) ظَاهِرُهُ لُزُومُ التَّعْزِيرِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ صَاحِبُ الْحَقِّ ، لَكِنْ مَرَّ عَنْ الْفَتْحِ أَنَّ مَا يَجِبُ حَقًّا لِلْعَبْدِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الدَّعْوَى ( قَوْلُهُ وَكُلُّ مُرْتَكِبِ مَعْصِيَةٍ ) لَعَلَّهُ ذَكَرَهُ مَعَ إغْنَاءِ مَا قَبْلَهُ عَنْهُ لِيُفِيدَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُنْكَرِ مَا لَا حَدَّ فِيهِ .
قَالَ فِي الْفَتْحِ : وَيُعَزَّرُ مَنْ شَهِدَ شُرْبَ الشَّارِبِينَ وَالْمُجْتَمِعُونَ عَلَى شِبْهِ الشُّرْبِ وَإِنْ لَمْ يَشْرَبُوا ، وَمَنْ مَعَهُ رِكْوَةُ خَمْرٍ وَالْمُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ ، وَكَذَا الْمُسْلِمُ يَبِيعُ الْخَمْرَ وَيَأْكُلُ الرِّبَا . وَالْمُغَنِّي ، وَالْمُخَنَّثُ ، وَالنَّائِحَةُ يُعَزَّرُونَ وَيُحْبَسُونَ حَتَّى يُحْدِثُوا تَوْبَةً ، وَمَنْ يُتَّهَمُ بِالْقَتْلِ وَالسَّرِقَةِ يُحْبَسُ وَيُخَلَّدُ فِي السِّجْنِ إلَى أَنْ يُظْهِرَ التَّوْبَةَ ، وَكَذَا مَنْ قَبَّلَ أَجْنَبِيَّةً أَوْ عَانَقَهَا أَوْ مَسَّهَا بِشَهْوَةٍ . ا هـ . ( قَوْلُهُ فَيُعَزَّرُ بِشَتْمِ وَلَدِهِ ) فِيهِ كَلَامٌ لِصَاحِبِ الْبَحْرِ تَقَدَّمَ فِي حَدِّ الْقَذْفِ ( قَوْلُهُ وَكُلُّ مَنْ لَيْسَ بِمُحْصَنٍ ) أَيْ إحْصَانِ الْقَذْفِ ط . وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يُحَدَّ قَاذِفُهُ لِعَدَمِ إحْصَانِهِ يُعَزَّرُ قَاذِفُهُ ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ سُقُوطِ الْحَدِّ لِعَدَمِ الْإِحْصَانِ سُقُوطُ التَّعْزِيرِ ( قَوْلُهُ وَيَبْلُغُ بِهِ غَايَتَهُ ) أَيْ تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ سَوْطًا وَهَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ فَيُعَزَّرُ ، وَمُقْتَضَاهُ بُلُوغُ الْغَايَةِ فِي شَتْمِ وَلَدِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ( قَوْلُهُ مُحَرَّمًا غَيْرَ جِمَاعٍ ) الَّذِي فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ وَغَيْرِهِمَا : كُلُّ مُحَرَّمٍ غَيْرِ جِمَاعٍ . وَمُفَادُهُ أَنَّهُ لَا يَبْلُغُ الْغَايَةَ بِمُجَرَّدِ لَمْسٍ أَوْ تَقْبِيلٍ ، وَهُوَ خِلَافُ مَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الشَّارِحِ ( قَوْلُهُ وَفِيمَا عَدَاهَا ) أَيْ مَا عَدَا هَذِهِ الْمَوَاضِعَ الثَّلَاثَ لَا يَبْلُغُ غَايَةَ التَّعْزِيرِ ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهَا تَبَعًا لِلْبَحْرِ . وَزَادَ بَعْضُهُمْ غَيْرَهَا : مِنْهَا مَا فِي الدُّرَرِ ، قِيلَ تَارِكُ الصَّلَاةِ يُضْرَبُ حَتَّى يَسِيلَ مِنْهُ الدَّمُ . وَفِي الْحُجَّةِ : لَوْ ادَّعَى الْإِمَامُ أَنَّهُ كَانَ مَجُوسِيًّا لَا يُصَدَّقُ إلَّا أَنَّهُ يُضْرَبُ ضَرْبًا شَدِيدًا ا هـ أَيْ وَلَا يَلْزَمُ الْقَوْمَ إعَادَةُ الصَّلَاةِ . وَفِي الْخَانِيَّةِ : مَنْ وَطِئَ غُلَامًا يُعَزَّرُ أَشَدَّ التَّعْزِيرِ . وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة : إنَّ الْمَرْأَةَ إذَا ارْتَدَّتْ تُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَتُضْرَبُ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ ا هـ أَيْ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ إنَّ أَكْثَرَهُ ذَلِكَ ، أَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا فَأَكْثَرُهُ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ ( قَوْلُهُ أَيْ بِشَتْمِ ) إطْلَاقُ الْقَذْفِ عَلَى الشَّتْمِ مَجَازٌ شَرْعِيٌّ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ بَحْرٌ ( قَوْلُهُ مُسْلِمٍ مَا ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ عَدْلًا أَوْ مَسْتُورًا ، وَسَيَأْتِي أَنَّ الذِّمِّيَّ كَالْمُسْلِمِ ( قَوْلُهُ أَوْ عَلِمَ الْقَاضِي بِفِسْقِهِ ) هَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْفَتْحِ ، بَلْ ذَكَرَهُ فِي النَّهْرِ عَنْ الْخَانِيَّةِ ، وَلَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ مِنْ أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِهِ تَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ بِلَا بَيَانِ سَبَبِهِ ) مِثْلُ أَنَّهُ فَاسِقٌ ، وَهَذَا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ مُجَرَّدًا . وَاحْتُرِزَ بِهِ عَمَّا لَوْ بَيَّنَ سَبَبًا شَرْعِيًّا كَتَقْبِيلِ أَجْنَبِيَّةٍ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْدُ .
مَطْلَبٌ فِي الْجَرْحِ الْمُجَرَّدِ قُلْت : وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرُوهُ فِي الشَّهَادَاتِ مِنْ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تُقْبَلُ عَلَى جَرْحٍ مُجَرَّدٍ عَنْ إثْبَاتِ حَقٍّ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلْعَبْدِ ، مِثْلُ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَى شُهُودِ الْمُدَّعِي بِأَنَّهُمْ فَسَقَةٌ أَوْ زُنَاةٌ أَوْ أَكَلَةُ الرِّبَا أَوْ شَرَبَةُ الْخَمْرِ أَوْ عَلَى إقْرَارِهِمْ 68 أَنَّهُمْ شَهِدُوا بِزُورٍ ، وَتُقْبَلُ لَوْ شَهِدُوا عَلَى الْجَرْحِ الْمُرَكَّبِ مِثْلُ أَنَّهُمْ زَنَوْا وَوَصَفُوا الزِّنَا أَوْ شَرِبُوا الْخَمْرَ أَوْ سَرَقُوا مِنِّي كَذَا وَلَمْ يَتَقَادَمْ الْعَهْدُ ، أَوْ أَنِّي صَالَحْتُهُمْ بِكَذَا مِنْ الْمَالِ عَلَى أَنْ لَا يَشْهَدُوا عَلَيَّ بِالْبَاطِلِ وَأَطْلُبُ رَدَّ الْمَالِ مِنْهُمْ فَفِي هَذَا إثْبَاتُ حَقٍّ لِلَّهِ تَعَالَى وَهُوَ الْحَدُّ ، أَوْ إثْبَاتُ حَقِّ الْعَبْدِ وَهُوَ الْمَالُ ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إثْبَاتُ فِعْلٍ خَاصٍّ مُوجِبٍ لِلْحَدِّ ، بَلْ غَايَتُهُ أَنَّ عَادَتَهُمْ فِعْلُ الزِّنَا أَوْ نَحْوُهُ فَهُوَ جَرْحٌ مُجَرَّدٌ . وَقَدْ قَالَ فِي الْقُنْيَةِ هُنَا : إنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْجَرْحِ الْمُجَرَّدِ لَا تَصِحُّ بَلْ تَصِحُّ إذَا ثَبَتَ فِسْقُهُ فِي ضِمْنِ مَا تَصِحُّ فِيهِ الْخُصُومَةُ كَجَرْحِ الشُّهُودِ ا هـ . فَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ مَا بُيِّنَ سَبَبُهُ كَتَقْبِيلِ أَجْنَبِيَّةٍ مَثَلًا جَرْحٌ مُجَرَّدٌ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ضِمْنِ مَا تَصِحُّ فِيهِ الْخُصُومَةُ ، وَلِهَذَا أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ هُنَاكَ أَنَّ إقْرَارَهُمْ بِشَهَادَةِ الزُّورِ مُوجِبٌ لِلتَّعْزِيرِ وَهُوَ مِنْ حُقُوقِهِ تَعَالَى .
وَأَجَابَ بِأَنَّ الظَّاهِرَ بِأَنَّ مُرَادَهُمْ بِحَقِّهِ تَعَالَى الْحَدُّ لَا التَّعْزِيرُ ; لِأَنَّهُ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ ، فَلَيْسَ فِي وُسْعِ الْقَاضِي إلْزَامُهُ بِهِ ، بِخِلَافِ الْحَدِّ فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِهَا . قُلْت : وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُجَرَّدِ هُنَا مَا لَمْ يُبَيَّنْ سَبَبُهُ وَغَيْرِ الْمُجَرَّدِ مَا بُيِّنَ لَهُ سَبَبٌ مُوجِبٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ حَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ أَوْ لِحَقِّ الْعَبْدِ ، وَالْمُرَادُ بِالْمُجَرَّدِ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ مَا لَمْ يُوجِبْ حَدًّا أَوْ حَقَّ عَبْدٍ ، وَغَيْرِ الْمُجَرَّدِ مَا ثَبَتَ فِي ضِمْنِ مَا تَصِحُّ فِيهِ الْخُصُومَةُ مِنْ حَقٍّ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلْعَبْدِ . وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا إسْقَاطُ التَّعْزِيرِ عَنْ الْقَاذِفِ بِإِثْبَاتِ مَا يُوجِبُ صِدْقَهُ لَا إثْبَاتِ فِسْقِ الْمَقْذُوفِ ابْتِدَاءً فَلِذَا اُكْتُفِيَ بِبَيَانِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِفِسْقِهِ ، وَلَمْ يَكْتَفَ بِالْمُجَرَّدِ عَنْهُ لِاحْتِمَالِ ظَنِّ الشَّاهِدَيْنِ مَا لَيْسَ بِمُوجِبٍ لِلْفِسْقِ مُفَسِّقًا .
وَأَمَّا فِي بَابِ الشَّهَادَةِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ إثْبَاتُ فِسْقِ الشَّاهِدِ ابْتِدَاءً ; لِأَنَّ الْقَاضِيَ يَبْحَثُ أَوَّلًا عَنْ عَدَالَتِهِ لِيَقْبَلَ شَهَادَتَهُ ، فَإِذَا بَرْهَنَ الْخَصْمُ عَلَى جَرْحِهِ كَانَ الْمَقْصُودُ إثْبَاتَ فِسْقِهِ لِتَسْقُطَ عَدَالَتُهُ ; لِأَنَّ الْجَرْحَ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّعْدِيلِ وَإِثْبَاتُ الْفِسْقِ مَقْصُودًا إظْهَارُ الْفَاحِشَةِ . وَقَدْ قَالُوا : إنَّهُ مُفَسِّقٌ لِشُهُودِ الْجَرْحِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ إلَّا إذَا كَانَ فِي ضِمْنِ إثْبَاتِ حَقٍّ تَصِحُّ فِيهِ الْخُصُومَةُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مَقْصُودًا بِإِظْهَارِ الْفَاحِشَةِ بَلْ يَثْبُتُ ضِمْنًا ، وَلَا يَدْخُلُ فِي الْحَقِّ هُنَا التَّعْزِيرُ لِمَا مَرَّ عَنْ الْمُصَنِّفِ : فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا يُوجِبُ التَّعْزِيرَ جَرْحٌ مُجَرَّدٌ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ لَا هُنَا فَيُقْبَلُ هُنَا بَعْدَ بَيَانِ سَبَبِهِ لَا هُنَاكَ لِمَا عَلِمْت وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا مَا صَرَّحُوا بِهِ هُنَاكَ مِنْ أَنَّ الْجَرْحَ الْمُجَرَّدَ إنَّمَا لَا يُقْبَلُ لَوْ كَانَ جَهْرًا ; لِأَنَّهُ إظْهَارٌ لِلْفَاحِشَةِ ، أَمَّا لَوْ كَانَ سِرًّا فَإِنَّهُ يُقْبَلُ ، وَكَذَا مَا صَرَّحُوا بِهِ أَيْضًا مِنْ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إذَا كَانَ بَعْدَ التَّعْدِيلِ كَمَا اعْتَمَدَهُ الْمُصَنِّفُ وَمَشَى عَلَيْهِ هُنَاكَ ، فَلَوْ كَانَ قَبْلَهُ قُبِلَ .
وَالظَّاهِرُ أَنَّ عِلَّةَ قَبُولِهِ قَبْلَهُ أَنَّهُ يَكُونُ خَبَرًا بِفِسْقِ الشُّهُودِ لِئَلَّا يَقْبَلَ الْقَاضِي شَهَادَتَهُمْ ، وَلِذَا يُقْبَلُ الْجَرْحُ سِرًّا مِنْ وَاحِدٍ ، وَلَوْ كَانَ شَهَادَةً لَمْ يُقْبَلْ وَلِهَذَا لَوْ عُدِّلُوا بَعْدَ الْجَرْحِ تَثْبُتُ عَدَالَتُهُمْ وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ ، وَلَوْ كَانَ الْجَرْحُ سِرًّا شَهَادَةً مَقْبُولَةً لَسَقَطُوا عَنْ حَيِّزِ الشَّهَادَةِ وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ مَجَالُ التَّعْدِيلِ ، فَثَبَتَ أَنَّهُ إخْبَارٌ لَا شَهَادَةٌ ، وَنَظِيرُهُ سُؤَالُ الْقَاضِي الْمُزَكِّينَ عَنْ الشُّهُودِ فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ الْجَرْحَ الْمُجَرَّدَ لَا يُقْبَلُ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الشَّهَادَةِ جَهْرًا بَعْدَ التَّعْدِيلِ وَإِلَّا قُبِلَ . وَأَمَّا فِي بَابِ التَّعْزِيرِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ بَعْدَ بَيَانِ سَبَبِهِ وَيَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ مُجَرَّدًا .
[ تَنْبِيهٌ ] سَيَأْتِي أَنَّ التَّعْزِيرَ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الْمُدَّعِي مَعَ آخَرَ وَبِشَهَادَةِ عَدْلٍ إذَا كَانَ فِي حُقُوقِهِ تَعَالَى ; لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ . وَظَاهِرُ كَلَامِهِ هُنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ غَيْرِهِ ; لِأَنَّ تَعْزِيرَ الْقَاذِفِ ثَبَتَ حَقًّا لِلْمَقْذُوفِ ، فَإِذَا ادَّعَى الْقَاذِفُ فِسْقَ الْمَقْذُوفِ لَا تَكْفِي شَهَادَتُهُ لِنَفْسِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى صِدْقِ الْقَاذِفِ لِيَسْقُطَ عَنْهُ التَّعْزِيرُ الثَّابِتُ حَقًّا لِلْمَقْذُوفِ بِخِلَافِ مَا كَانَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي هَذَا الْمَقَامِ وَالسَّلَامُ . ( قَوْلُهُ وَأَرَادَ إثْبَاتَهُ ) أَيْ لِإِسْقَاطِ الْحَدِّ عَنْهُ ( قَوْلُهُ لِثُبُوتِ الْحَدِّ ) أَيْ فَكَانَ الْجَرْحُ ثَابِتًا ضِمْنًا لَا قَصْدًا فَلَمْ يَكُنْ مُجَرَّدًا ، لَكِنَّ الْمُنَاسِبَ التَّعْلِيلُ بِبَيَانِ السَّبَبِ وَيُؤَيِّدُ مَا مَرَّ قَبْلَ هَذَا الْبَابِ عَنْ الْمُلْتَقَطِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَقَامَ أَرْبَعَةً فُسَّاقًا يُدْرَأُ الْحَدُّ عَنْ الْقَاذِفِ وَالْمَقْذُوفِ وَالشُّهُودِ ، 69 فَعُلِمَ أَنَّ ثُبُوتَ الْحَدِّ غَيْرُ لَازِمٍ ، وَهَذَا مُؤَيِّدٌ لِمَا حَقَّقْنَاهُ آنِفًا مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُجَرَّدِ هُنَا مَا لَمْ يُبَيَّنْ سَبَبُهُ لَا مَا لَمْ يَثْبُتْ ضِمْنًا ( قَوْلُهُ حَتَّى لَوْ بَيَّنُوا إلَخْ ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ بِلَا بَيَانِ سَبَبِهِ ( قَوْلُهُ وَكَذَا فِي جَرْحِ الشَّاهِدِ ) قَدْ عَلِمْت الْفَرْقَ بَيْنَ الْبَابَيْنِ ( قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي إلَخْ ) قَالَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ ( قَوْلُهُ لِيُعَزِّرَهُ ) أَيْ يُعَزِّرَ الْمَقْذُوفَ وَيُسْقِطَ التَّعْزِيرَ عَنْ الْقَاذِفِ ( قَوْلُهُ سَأَلَ الْقَاضِي الْمَشْتُومَ ) أَيْ وَلَا يَطْلُبُ مِنْ الشَّاتِمِ الْبَيِّنَةَ فِي مِثْلِ هَذَا كَمَا فِي الْبَحْرِ ( قَوْلُهُ مِنْ الْفَرَائِضِ ) أَرَادَ بِهَا مَا يَشْمَلُ الْوَاجِبَاتِ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْدُ ( قَوْلُهُ ثَبَتَ فِسْقُهُ ) وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَهُ التَّعْزِيرُ ، لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ يُعَزَّرُ كُلُّ مُرْتَكِبِ مَعْصِيَةٍ لَا حَدَّ فِيهَا
مَطْلَبٌ التَّعْزِيرُ قَدْ يَكُونُ بِدُونِ مَعْصِيَةٍ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ حَصْرُ أَسْبَابِ التَّعْزِيرِ فِيمَا ذَكَرَ مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِدُونِ مَعْصِيَةٍ كَتَعْزِيرِ الصَّبِيِّ وَالْمُتَّهَمِ كَمَا يَأْتِي وَكَنَفْيِ مَنْ خِيفَ مِنْهُ فِتْنَةٌ بِجَمَالِهِ مَثَلًا ، كَمَا مَرَّ فِي نَفْيِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ نَصْرَ بْنَ حَجَّاجٍ .
وَذَكَرَ فِي الْبَحْرِ أَنَّ الْحَاصِلَ وُجُوبُهُ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ لِكُلِّ مُرْتَكِبِ مَعْصِيَةٍ لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ مُقَدَّرٌ كَنَظَرٍ مُحَرَّمٍ وَمَسٍّ مُحَرَّمٍ وَخَلْوَةٍ مُحَرَّمَةٍ وَأَكْلِ رِبًا ظَاهِرٌ . ا هـ . قُلْت : وَهَذِهِ الْكُلِّيَّةُ غَيْرُ مُنْعَكِسَةٍ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي مَعْصِيَةٍ فِيهَا حَدٌّ كَزِنَا غَيْرِ الْمُحْصَنِ فَإِنَّهُ يُجْلَدُ حَدًّا وَلِلْإِمَامِ 67 نَفْيُهُ سِيَاسَةً وَتَعْزِيرًا كَمَا مَرَّ فِي بَابِهِ . وَرَوَى أَحْمَدُ أَنَّ النَّجَاشِيَّ الشَّاعِرَ جِيءَ بِهِ إلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَقَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي رَمَضَانَ فَضَرَبَهُ ثَمَانِينَ ثُمَّ ضَرَبَهُ مِنْ الْغَدِ عِشْرِينَ ، لَكِنْ ذُكِرَ فِي الْفَتْحِ أَنَّهُ ضَرَبَهُ الْعِشْرِينَ فَوْقَ الثَّمَانِينَ لِفِطْرِهِ فِي رَمَضَانَ كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ قَالَ لَهُ : ضَرَبْنَاك الْعِشْرِينَ بِجَرَاءَتِك عَلَى اللَّهِ وَإِفْطَارِك فِي رَمَضَانَ ا هـ فَالتَّعْزِيرُ فِيهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى غَيْرِ جِهَةِ الْحَدِّ ( قَوْلُهُ إلَّا إذَا كَانَ الْكَذِبُ ظَاهِرًا إلَخْ ) سَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ ( قَوْلُهُ ; لِأَنَّهُ غِيبَةٌ ) ظَاهِرُهُ لُزُومُ التَّعْزِيرِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ صَاحِبُ الْحَقِّ ، لَكِنْ مَرَّ عَنْ الْفَتْحِ أَنَّ مَا يَجِبُ حَقًّا لِلْعَبْدِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الدَّعْوَى ( قَوْلُهُ وَكُلُّ مُرْتَكِبِ مَعْصِيَةٍ ) لَعَلَّهُ ذَكَرَهُ مَعَ إغْنَاءِ مَا قَبْلَهُ عَنْهُ لِيُفِيدَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُنْكَرِ مَا لَا حَدَّ فِيهِ .
قَالَ فِي الْفَتْحِ : وَيُعَزَّرُ مَنْ شَهِدَ شُرْبَ الشَّارِبِينَ وَالْمُجْتَمِعُونَ عَلَى شِبْهِ الشُّرْبِ وَإِنْ لَمْ يَشْرَبُوا ، وَمَنْ مَعَهُ رِكْوَةُ خَمْرٍ وَالْمُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ ، وَكَذَا الْمُسْلِمُ يَبِيعُ الْخَمْرَ وَيَأْكُلُ الرِّبَا . وَالْمُغَنِّي ، وَالْمُخَنَّثُ ، وَالنَّائِحَةُ يُعَزَّرُونَ وَيُحْبَسُونَ حَتَّى يُحْدِثُوا تَوْبَةً ، وَمَنْ يُتَّهَمُ بِالْقَتْلِ وَالسَّرِقَةِ يُحْبَسُ وَيُخَلَّدُ فِي السِّجْنِ إلَى أَنْ يُظْهِرَ التَّوْبَةَ ، وَكَذَا مَنْ قَبَّلَ أَجْنَبِيَّةً أَوْ عَانَقَهَا أَوْ مَسَّهَا بِشَهْوَةٍ . ا هـ . ( قَوْلُهُ فَيُعَزَّرُ بِشَتْمِ وَلَدِهِ ) فِيهِ كَلَامٌ لِصَاحِبِ الْبَحْرِ تَقَدَّمَ فِي حَدِّ الْقَذْفِ ( قَوْلُهُ وَكُلُّ مَنْ لَيْسَ بِمُحْصَنٍ ) أَيْ إحْصَانِ الْقَذْفِ ط . وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يُحَدَّ قَاذِفُهُ لِعَدَمِ إحْصَانِهِ يُعَزَّرُ قَاذِفُهُ ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ سُقُوطِ الْحَدِّ لِعَدَمِ الْإِحْصَانِ سُقُوطُ التَّعْزِيرِ ( قَوْلُهُ وَيَبْلُغُ بِهِ غَايَتَهُ ) أَيْ تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ سَوْطًا وَهَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ فَيُعَزَّرُ ، وَمُقْتَضَاهُ بُلُوغُ الْغَايَةِ فِي شَتْمِ وَلَدِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ( قَوْلُهُ مُحَرَّمًا غَيْرَ جِمَاعٍ ) الَّذِي فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ وَغَيْرِهِمَا : كُلُّ مُحَرَّمٍ غَيْرِ جِمَاعٍ . وَمُفَادُهُ أَنَّهُ لَا يَبْلُغُ الْغَايَةَ بِمُجَرَّدِ لَمْسٍ أَوْ تَقْبِيلٍ ، وَهُوَ خِلَافُ مَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الشَّارِحِ ( قَوْلُهُ وَفِيمَا عَدَاهَا ) أَيْ مَا عَدَا هَذِهِ الْمَوَاضِعَ الثَّلَاثَ لَا يَبْلُغُ غَايَةَ التَّعْزِيرِ ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهَا تَبَعًا لِلْبَحْرِ . وَزَادَ بَعْضُهُمْ غَيْرَهَا : مِنْهَا مَا فِي الدُّرَرِ ، قِيلَ تَارِكُ الصَّلَاةِ يُضْرَبُ حَتَّى يَسِيلَ مِنْهُ الدَّمُ . وَفِي الْحُجَّةِ : لَوْ ادَّعَى الْإِمَامُ أَنَّهُ كَانَ مَجُوسِيًّا لَا يُصَدَّقُ إلَّا أَنَّهُ يُضْرَبُ ضَرْبًا شَدِيدًا ا هـ أَيْ وَلَا يَلْزَمُ الْقَوْمَ إعَادَةُ الصَّلَاةِ . وَفِي الْخَانِيَّةِ : مَنْ وَطِئَ غُلَامًا يُعَزَّرُ أَشَدَّ التَّعْزِيرِ . وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة : إنَّ الْمَرْأَةَ إذَا ارْتَدَّتْ تُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَتُضْرَبُ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ ا هـ أَيْ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ إنَّ أَكْثَرَهُ ذَلِكَ ، أَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا فَأَكْثَرُهُ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ ( قَوْلُهُ أَيْ بِشَتْمِ ) إطْلَاقُ الْقَذْفِ عَلَى الشَّتْمِ مَجَازٌ شَرْعِيٌّ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ بَحْرٌ ( قَوْلُهُ مُسْلِمٍ مَا ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ عَدْلًا أَوْ مَسْتُورًا ، وَسَيَأْتِي أَنَّ الذِّمِّيَّ كَالْمُسْلِمِ ( قَوْلُهُ أَوْ عَلِمَ الْقَاضِي بِفِسْقِهِ ) هَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْفَتْحِ ، بَلْ ذَكَرَهُ فِي النَّهْرِ عَنْ الْخَانِيَّةِ ، وَلَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ مِنْ أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِهِ تَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ بِلَا بَيَانِ سَبَبِهِ ) مِثْلُ أَنَّهُ فَاسِقٌ ، وَهَذَا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ مُجَرَّدًا . وَاحْتُرِزَ بِهِ عَمَّا لَوْ بَيَّنَ سَبَبًا شَرْعِيًّا كَتَقْبِيلِ أَجْنَبِيَّةٍ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْدُ .
مَطْلَبٌ فِي الْجَرْحِ الْمُجَرَّدِ قُلْت : وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرُوهُ فِي الشَّهَادَاتِ مِنْ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تُقْبَلُ عَلَى جَرْحٍ مُجَرَّدٍ عَنْ إثْبَاتِ حَقٍّ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلْعَبْدِ ، مِثْلُ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَى شُهُودِ الْمُدَّعِي بِأَنَّهُمْ فَسَقَةٌ أَوْ زُنَاةٌ أَوْ أَكَلَةُ الرِّبَا أَوْ شَرَبَةُ الْخَمْرِ أَوْ عَلَى إقْرَارِهِمْ 68 أَنَّهُمْ شَهِدُوا بِزُورٍ ، وَتُقْبَلُ لَوْ شَهِدُوا عَلَى الْجَرْحِ الْمُرَكَّبِ مِثْلُ أَنَّهُمْ زَنَوْا وَوَصَفُوا الزِّنَا أَوْ شَرِبُوا الْخَمْرَ أَوْ سَرَقُوا مِنِّي كَذَا وَلَمْ يَتَقَادَمْ الْعَهْدُ ، أَوْ أَنِّي صَالَحْتُهُمْ بِكَذَا مِنْ الْمَالِ عَلَى أَنْ لَا يَشْهَدُوا عَلَيَّ بِالْبَاطِلِ وَأَطْلُبُ رَدَّ الْمَالِ مِنْهُمْ فَفِي هَذَا إثْبَاتُ حَقٍّ لِلَّهِ تَعَالَى وَهُوَ الْحَدُّ ، أَوْ إثْبَاتُ حَقِّ الْعَبْدِ وَهُوَ الْمَالُ ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إثْبَاتُ فِعْلٍ خَاصٍّ مُوجِبٍ لِلْحَدِّ ، بَلْ غَايَتُهُ أَنَّ عَادَتَهُمْ فِعْلُ الزِّنَا أَوْ نَحْوُهُ فَهُوَ جَرْحٌ مُجَرَّدٌ . وَقَدْ قَالَ فِي الْقُنْيَةِ هُنَا : إنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْجَرْحِ الْمُجَرَّدِ لَا تَصِحُّ بَلْ تَصِحُّ إذَا ثَبَتَ فِسْقُهُ فِي ضِمْنِ مَا تَصِحُّ فِيهِ الْخُصُومَةُ كَجَرْحِ الشُّهُودِ ا هـ . فَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ مَا بُيِّنَ سَبَبُهُ كَتَقْبِيلِ أَجْنَبِيَّةٍ مَثَلًا جَرْحٌ مُجَرَّدٌ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ضِمْنِ مَا تَصِحُّ فِيهِ الْخُصُومَةُ ، وَلِهَذَا أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ هُنَاكَ أَنَّ إقْرَارَهُمْ بِشَهَادَةِ الزُّورِ مُوجِبٌ لِلتَّعْزِيرِ وَهُوَ مِنْ حُقُوقِهِ تَعَالَى .
وَأَجَابَ بِأَنَّ الظَّاهِرَ بِأَنَّ مُرَادَهُمْ بِحَقِّهِ تَعَالَى الْحَدُّ لَا التَّعْزِيرُ ; لِأَنَّهُ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ ، فَلَيْسَ فِي وُسْعِ الْقَاضِي إلْزَامُهُ بِهِ ، بِخِلَافِ الْحَدِّ فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِهَا . قُلْت : وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُجَرَّدِ هُنَا مَا لَمْ يُبَيَّنْ سَبَبُهُ وَغَيْرِ الْمُجَرَّدِ مَا بُيِّنَ لَهُ سَبَبٌ مُوجِبٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ حَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ أَوْ لِحَقِّ الْعَبْدِ ، وَالْمُرَادُ بِالْمُجَرَّدِ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ مَا لَمْ يُوجِبْ حَدًّا أَوْ حَقَّ عَبْدٍ ، وَغَيْرِ الْمُجَرَّدِ مَا ثَبَتَ فِي ضِمْنِ مَا تَصِحُّ فِيهِ الْخُصُومَةُ مِنْ حَقٍّ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلْعَبْدِ . وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا إسْقَاطُ التَّعْزِيرِ عَنْ الْقَاذِفِ بِإِثْبَاتِ مَا يُوجِبُ صِدْقَهُ لَا إثْبَاتِ فِسْقِ الْمَقْذُوفِ ابْتِدَاءً فَلِذَا اُكْتُفِيَ بِبَيَانِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِفِسْقِهِ ، وَلَمْ يَكْتَفَ بِالْمُجَرَّدِ عَنْهُ لِاحْتِمَالِ ظَنِّ الشَّاهِدَيْنِ مَا لَيْسَ بِمُوجِبٍ لِلْفِسْقِ مُفَسِّقًا .
وَأَمَّا فِي بَابِ الشَّهَادَةِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ إثْبَاتُ فِسْقِ الشَّاهِدِ ابْتِدَاءً ; لِأَنَّ الْقَاضِيَ يَبْحَثُ أَوَّلًا عَنْ عَدَالَتِهِ لِيَقْبَلَ شَهَادَتَهُ ، فَإِذَا بَرْهَنَ الْخَصْمُ عَلَى جَرْحِهِ كَانَ الْمَقْصُودُ إثْبَاتَ فِسْقِهِ لِتَسْقُطَ عَدَالَتُهُ ; لِأَنَّ الْجَرْحَ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّعْدِيلِ وَإِثْبَاتُ الْفِسْقِ مَقْصُودًا إظْهَارُ الْفَاحِشَةِ . وَقَدْ قَالُوا : إنَّهُ مُفَسِّقٌ لِشُهُودِ الْجَرْحِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ إلَّا إذَا كَانَ فِي ضِمْنِ إثْبَاتِ حَقٍّ تَصِحُّ فِيهِ الْخُصُومَةُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مَقْصُودًا بِإِظْهَارِ الْفَاحِشَةِ بَلْ يَثْبُتُ ضِمْنًا ، وَلَا يَدْخُلُ فِي الْحَقِّ هُنَا التَّعْزِيرُ لِمَا مَرَّ عَنْ الْمُصَنِّفِ : فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا يُوجِبُ التَّعْزِيرَ جَرْحٌ مُجَرَّدٌ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ لَا هُنَا فَيُقْبَلُ هُنَا بَعْدَ بَيَانِ سَبَبِهِ لَا هُنَاكَ لِمَا عَلِمْت وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا مَا صَرَّحُوا بِهِ هُنَاكَ مِنْ أَنَّ الْجَرْحَ الْمُجَرَّدَ إنَّمَا لَا يُقْبَلُ لَوْ كَانَ جَهْرًا ; لِأَنَّهُ إظْهَارٌ لِلْفَاحِشَةِ ، أَمَّا لَوْ كَانَ سِرًّا فَإِنَّهُ يُقْبَلُ ، وَكَذَا مَا صَرَّحُوا بِهِ أَيْضًا مِنْ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إذَا كَانَ بَعْدَ التَّعْدِيلِ كَمَا اعْتَمَدَهُ الْمُصَنِّفُ وَمَشَى عَلَيْهِ هُنَاكَ ، فَلَوْ كَانَ قَبْلَهُ قُبِلَ .
وَالظَّاهِرُ أَنَّ عِلَّةَ قَبُولِهِ قَبْلَهُ أَنَّهُ يَكُونُ خَبَرًا بِفِسْقِ الشُّهُودِ لِئَلَّا يَقْبَلَ الْقَاضِي شَهَادَتَهُمْ ، وَلِذَا يُقْبَلُ الْجَرْحُ سِرًّا مِنْ وَاحِدٍ ، وَلَوْ كَانَ شَهَادَةً لَمْ يُقْبَلْ وَلِهَذَا لَوْ عُدِّلُوا بَعْدَ الْجَرْحِ تَثْبُتُ عَدَالَتُهُمْ وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ ، وَلَوْ كَانَ الْجَرْحُ سِرًّا شَهَادَةً مَقْبُولَةً لَسَقَطُوا عَنْ حَيِّزِ الشَّهَادَةِ وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ مَجَالُ التَّعْدِيلِ ، فَثَبَتَ أَنَّهُ إخْبَارٌ لَا شَهَادَةٌ ، وَنَظِيرُهُ سُؤَالُ الْقَاضِي الْمُزَكِّينَ عَنْ الشُّهُودِ فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ الْجَرْحَ الْمُجَرَّدَ لَا يُقْبَلُ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الشَّهَادَةِ جَهْرًا بَعْدَ التَّعْدِيلِ وَإِلَّا قُبِلَ . وَأَمَّا فِي بَابِ التَّعْزِيرِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ بَعْدَ بَيَانِ سَبَبِهِ وَيَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ مُجَرَّدًا .
[ تَنْبِيهٌ ] سَيَأْتِي أَنَّ التَّعْزِيرَ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الْمُدَّعِي مَعَ آخَرَ وَبِشَهَادَةِ عَدْلٍ إذَا كَانَ فِي حُقُوقِهِ تَعَالَى ; لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ . وَظَاهِرُ كَلَامِهِ هُنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ غَيْرِهِ ; لِأَنَّ تَعْزِيرَ الْقَاذِفِ ثَبَتَ حَقًّا لِلْمَقْذُوفِ ، فَإِذَا ادَّعَى الْقَاذِفُ فِسْقَ الْمَقْذُوفِ لَا تَكْفِي شَهَادَتُهُ لِنَفْسِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى صِدْقِ الْقَاذِفِ لِيَسْقُطَ عَنْهُ التَّعْزِيرُ الثَّابِتُ حَقًّا لِلْمَقْذُوفِ بِخِلَافِ مَا كَانَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي هَذَا الْمَقَامِ وَالسَّلَامُ . ( قَوْلُهُ وَأَرَادَ إثْبَاتَهُ ) أَيْ لِإِسْقَاطِ الْحَدِّ عَنْهُ ( قَوْلُهُ لِثُبُوتِ الْحَدِّ ) أَيْ فَكَانَ الْجَرْحُ ثَابِتًا ضِمْنًا لَا قَصْدًا فَلَمْ يَكُنْ مُجَرَّدًا ، لَكِنَّ الْمُنَاسِبَ التَّعْلِيلُ بِبَيَانِ السَّبَبِ وَيُؤَيِّدُ مَا مَرَّ قَبْلَ هَذَا الْبَابِ عَنْ الْمُلْتَقَطِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَقَامَ أَرْبَعَةً فُسَّاقًا يُدْرَأُ الْحَدُّ عَنْ الْقَاذِفِ وَالْمَقْذُوفِ وَالشُّهُودِ ، 69 فَعُلِمَ أَنَّ ثُبُوتَ الْحَدِّ غَيْرُ لَازِمٍ ، وَهَذَا مُؤَيِّدٌ لِمَا حَقَّقْنَاهُ آنِفًا مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُجَرَّدِ هُنَا مَا لَمْ يُبَيَّنْ سَبَبُهُ لَا مَا لَمْ يَثْبُتْ ضِمْنًا ( قَوْلُهُ حَتَّى لَوْ بَيَّنُوا إلَخْ ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ بِلَا بَيَانِ سَبَبِهِ ( قَوْلُهُ وَكَذَا فِي جَرْحِ الشَّاهِدِ ) قَدْ عَلِمْت الْفَرْقَ بَيْنَ الْبَابَيْنِ ( قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي إلَخْ ) قَالَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ ( قَوْلُهُ لِيُعَزِّرَهُ ) أَيْ يُعَزِّرَ الْمَقْذُوفَ وَيُسْقِطَ التَّعْزِيرَ عَنْ الْقَاذِفِ ( قَوْلُهُ سَأَلَ الْقَاضِي الْمَشْتُومَ ) أَيْ وَلَا يَطْلُبُ مِنْ الشَّاتِمِ الْبَيِّنَةَ فِي مِثْلِ هَذَا كَمَا فِي الْبَحْرِ ( قَوْلُهُ مِنْ الْفَرَائِضِ ) أَرَادَ بِهَا مَا يَشْمَلُ الْوَاجِبَاتِ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْدُ ( قَوْلُهُ ثَبَتَ فِسْقُهُ ) وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَهُ التَّعْزِيرُ ، لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ يُعَزَّرُ كُلُّ مُرْتَكِبِ مَعْصِيَةٍ لَا حَدَّ فِيهَا
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith