رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الرابع
الصفحة 3911 · ص. المطبوع 232 · الشرح
( قَوْلُهُ عَلَى مَا مَرَّ ) أَيْ عَنْ الْخَانِيَّةِ مَعْزِيًّا لِلْبَلْخِيِّ ، لَكِنْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْمَرْوِيَّ عَنْ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا خِلَافُهُ . مَطْلَبٌ مُهِمٌّ فِي حُكْمِ سَابِّ الْأَنْبِيَاءِ ( قَوْلُهُ الْكَافِرُ بِسَبِّ نَبِيٍّ ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَالْكَافِرُ بِوَاوِ الْعَطْفِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ ( قَوْلُهُ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا ) يَعْنِي 232 أَنَّ جَزَاءَهُ الْقَتْلُ عَلَى وَجْهِ كَوْنِهِ حَدًّا ، وَلِذَا عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ فَهُوَ عَطْفُ تَفْسِيرٍ ; وَأَفَادَ أَنَّهُ حُكْمُ الدُّنْيَا ، أَمَّا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فَهِيَ مَقْبُولَةٌ كَمَا فِي الْبَحْرِ . ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مُجَارَاةً لِصَاحِبِ الدُّرَرِ وَالْبَزَّازِيَّةِ ، وَإِلَّا فَسَيَذْكُرُ خِلَافَهُ وَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ ( قَوْلُهُ مُطْلَقًا ) أَيْ سَوَاءٌ جَاءَ تَائِبًا بِنَفْسِهِ أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ بَحْرٌ ( قَوْلُهُ لِأَنَّهُ حَقُّ عَبْدٍ ) فِيهِ أَنَّ حَقَّ الْعَبْدِ لَا يَسْقُطُ إذَا طَالَبَ بِهِ كَحَدِّ الْقَذْفِ ، فَلَا بُدَّ هُنَا مِنْ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَاكِمَ لَهُ هَذِهِ الْمُطَالَبَةُ وَلَمْ يَثْبُتْ ، وَإِنَّمَا الثَّابِتُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَفَا عَنْ كَثِيرِينَ مِمَّنْ آذَوْهُ وَشَتَمُوهُ وَقَبِلَ إسْلَامَهُمْ كَأَبِي سُفْيَانَ وَغَيْرِهِ ( قَوْلُهُ وَتَمَامُهُ فِي الدُّرَرِ ) حَيْثُ قَالَ نَقْلًا عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ . وَقَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ الْمَالِكِيُّ : أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ شَاتِمَهُ كَافِرٌ ، وَحُكْمُهُ الْقَتْلُ ، وَمَنْ شَكَّ فِي عَذَابِهِ وَكُفْرِهِ كَفَرَ . ا هـ . قُلْت : وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ مَذْكُورَةٌ فِي الشِّفَاءِ لِلْقَاضِي عِيَاضٍ الْمَالِكِيِّ نَقَلَهَا عَنْهُ الْبَزَّازِيُّ وَأَخْطَأَ فِي فَهْمِهَا ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا مَا قَبْلَ التَّوْبَةِ ، وَإِلَّا لَزِمَ تَكْفِيرُ كَثِيرٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ الْقَائِلِينَ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ وَسُقُوطِ الْقَتْلِ بِهَا عَنْهُ .
عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ يُقْتَلُ وَإِنْ تَابَ يَقُولُ إنَّهُ إذَا تَابَ لَا يُعَذَّبُ فِي الْآخِرَةِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ ، وَقَدَّمْنَاهُ آنِفًا ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ مَا قُلْنَاهُ قَطْعًا ( قَوْلُهُ وَالِدَيْكَ وَوَالِدِي الَّذِينَ خَلَّفُوكَ ) بِكَسْرِ الدَّالِ عَلَى لَفْظِ الْجَمْعِ فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا ( قَوْلُهُ فَيَعُمُّ حَضْرَةَ الرِّسَالَةِ ) أَيْ صَاحِبَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ لَا يَخْتَصُّ الْحُكْمُ بِالشَّرِيفِ بَلْ غَيْرُهُ مِثْلُهُ ، لِأَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَبُو جَمِيعِ النَّاسِ وَنُوحٌ الْأَبُ الثَّانِي ( قَوْلُهُ بِاحْتِمَالِ الْعَهْدِ ) الْمَفْهُومِ مِنْ الْعِبَارَةِ السَّابِقَةِ أَنَّهُمَا يَقُولَانِ بِأَنَّهُ لَا يَعُمُّ وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ عَهْدٌ ( قَوْلُهُ فَلَا كُفْرَ ) أَيْ لِوُجُودِ الْخِلَافِ فِي عُمُومِهِ وَتَحَقَّقَ الِاحْتِمَالُ فِيهِ ( قَوْلُهُ لَكِنْ صَرَّحَ فِي آخِرِ الشِّفَاءِ إلَخْ ) هَذَا اسْتِدْرَاكٌ عَلَى مَا فِي فَتَاوَى الْمُصَنِّفِ . وَعِبَارَةُ الشِّفَاءِ هَكَذَا : قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقْتَلُ ، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَاللَّيْثُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ، وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ ، وَبِمِثْلِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ وَالْأَوْزَاعِيُّ فِي الْمُسْلِمِ ، لَكِنَّهُمْ قَالُوا هِيَ رِدَّةٌ . وَرَوَى مِثْلَهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مَالِكٍ . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِثْلَهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ فِيمَنْ يَنْقُصُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ بَرِئَ مِنْهُ أَوْ كَذَّبَهُ . ا هـ .
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى كُفْرِ السَّابِّ ، ثُمَّ نَقَلَ عَنْ مَالِكٍ وَمَنْ ذُكِرَ بَعْدَهُ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ . فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ نَقْلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى قَتْلِهِ قَبْلَ التَّوْبَةِ . ثُمَّ قَالَ : وَبِمِثْلِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إلَخْ أَيْ قَالَ إنَّهُ يُقْتَلُ يَعْنِي قَبْلَ 233 التَّوْبَةِ لَا مُطْلَقًا ، وَلِذَا اسْتَدْرَكَ بِقَوْلِهِ لَكِنَّهُمْ قَالُوا هِيَ رِدَّةٌ : يَعْنِي لَيْسَتْ حَدًّا ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْوَلِيدَ رَوَى عَنْ مَالِكٍ مِثْلَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَصَارَ عَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ فِي قَبُولِ التَّوْبَةِ وَعَدَمِهِ وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ الْعَدَمُ وَلِذَا قَدَّمَهُ . وَقَالَ فِي الشِّفَاءِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : مَنْ بَرِئَ مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ كَذَّبَ بِهِ فَهُوَ مُرْتَدٌّ حَلَالُ الدَّمِ إلَّا أَنْ يَرْجِعَ فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِمَا عُلِمَ مِنْ عِبَارَتِهِ الْأُولَى . وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ عَدَمُ قَبُولِ تَوْبَتِهِ ، وَكَلَامُ شُيُوخِنَا هَؤُلَاءِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِقَتْلِهِ حَدًّا لَا كُفْرًا . وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الْوَلِيدِ عَنْ مَالِكٍ وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَدْ صَرَّحُوا أَنَّهُ رِدَّةٌ قَالُوا ، وَيُسْتَتَابُ مِنْهَا ، إنْ تَابَ نَكَلَ وَإِنْ أَبَى قُتِلَ ، فَحَكَمُوا لَهُ بِحُكْمِ الْمُرْتَدِّ مُطْلَقًا ، وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَشْهَرُ وَأَظْهَرُ . ا هـ .
يَعْنِي أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ بِعَدَمِ قَبُولِ التَّوْبَةِ أَشْهَرُ وَأَظْهَرُ مِمَّا رَوَاهُ عَنْهُ الْوَلِيدُ ، فَهَذَا كَلَامُ الشِّفَاءِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ الْقَوْلُ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ كَمَا هُوَ رِوَايَةُ الْوَلِيدِ عَنْ مَالِكٍ ، وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْأَوْزَاعِيِّ فِي الْمُسْلِمِ أَيْ بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ إذَا سَبَّ فَإِنَّهُ لَا يُنْقَضُ عَهْدُهُ عِنْدَهُمْ كَمَا مَرَّ تَحْرِيرُهُ فِي الْبَابِ السَّابِقِ . ثُمَّ إنَّ مَا نَقَلَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ خِلَافُ الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَالْمَشْهُورُ قَبُولُ التَّوْبَةِ عَلَى تَفْصِيلٍ فِيهِ . قَالَ الْإِمَامُ خَاتِمَةُ الْمُجْتَهِدِينَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ فِي كِتَابِهِ [ السَّيْفُ الْمَسْلُولُ عَلَى مَنْ سَبَّ الرَّسُولَ ] : حَاصِلُ الْمَنْقُولِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ مَتَى لَمْ يُسْلِمْ قُتِلَ قَطْعًا وَمَتَى أَسْلَمَ ، فَإِنْ كَانَ السَّبُّ قَذْفًا فَالْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ هَلْ يُقْتَلُ أَوْ يُجْلَدُ أَوْ لَا شَيْءَ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ قَذْفٍ فَلَا أَعْرِفُ فِيهِ نَقْلًا لِلشَّافِعِيَّةِ غَيْرَ قَبُولِ تَوْبَتِهِ . وَلِلْحَنَفِيَّةِ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ قَرِيبٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ ، وَلَا يُوجَدُ لِلْحَنِيفَةِ غَيْرَ قَبُولِ التَّوْبَةِ . وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَكَلَامُهُمْ قَرِيبٌ مِنْ كَلَامِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ عَدَمُ قَبُولِ تَوْبَتِهِ وَعَنْهُ رِوَايَةٌ بِقَبُولِهَا فَمَذْهَبُهُ كَمَذْهَبِ مَالِكٍ سَوَاءٌ ، هَذَا تَحْرِيرُ الْمَنْقُولِ فِي ذَلِكَ ا هـ مُلَخَّصًا ، فَهَذَا أَيْضًا صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَذْهَبَ الْحَنَفِيَّةِ الْقَبُولُ وَأَنَّهُ لَا قَوْلَ لَهُمْ بِخِلَافِهِ .
وَقَدْ سَبَقَهُ إلَى نَقْلِ ذَلِكَ أَيْضًا شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَقِيُّ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ تَيْمِيَّةَ الْحَنْبَلِيُّ فِي كِتَابِهِ [ الصَّارِمُ الْمَسْلُولُ عَلَى شَاتِمِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] كَمَا رَأَيْته فِي نُسْخَةٍ مِنْهُ قَدِيمَةٍ عَلَيْهَا خَطُّهُ حَيْثُ قَالَ : وَكَذَلِكَ ذَكَرَ جَمَاعَةٌ آخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَيْ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يُقْتَلُ سَابُّ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا ، وَعَامَّةُ هَؤُلَاءِ لَمَّا ذَكَرُوا الْمَسْأَلَةَ قَالُوا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَقَوْلِهِمَا أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا يُسْتَتَابُ ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ كَالْمُرْتَدِّ وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُنْقَضُ عَهْدُهُ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ وَرَقَةٍ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : إذَا قَذَفَ أُمَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ ، وَفِي الْكَافِرِ إذَا سَبَّهَا ثُمَّ أَسْلَمَ رِوَايَتَانِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ فِي الْحَالَيْنِ ا هـ ثُمَّ قَالَ فِي مَحَلٍّ آخَرَ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَشْهُورَ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُسْتَتَابُ وَلَا يَسْقُطُ الْقَتْلُ عَنْهُ ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ . وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ السَّلَفِ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ . وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ أَنَّهُ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ بِنَاءً عَلَى قَبُولِ تَوْبَةِ الْمُرْتَدِّ . ا هـ .
فَهَذَا صَرِيحُ كَلَامِ الْقَاضِي عِيَاضٍ فِي الشِّفَاءِ وَالسُّبْكِيِّ وَابْنِ تَيْمِيَّةَ وَأَئِمَّةُ مَذْهَبِهِ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَ الْحَنَفِيَّةِ قَبُولُ التَّوْبَةِ بِلَا حِكَايَةِ قَوْلٍ آخَرَ عَنْهُمْ ، وَإِنَّمَا حَكَوْا الْخِلَافَ فِي بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ ، وَكَفَى بِهَؤُلَاءِ حُجَّةٌ لَوْ لَمْ يُوجَدْ النَّقْلُ كَذَلِكَ فِي كُتُبِ مَذْهَبِنَا الَّتِي قَبْلَ الْبَزَّازِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ مَعَ أَنَّهُ مَوْجُودٌ أَيْضًا كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ قَرِيبًا ، وَقَدْ اسْتَوْفَيْتُ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابٍ سَمَّيْته [ تَنْبِيهُ الْوُلَاةِ وَالْحُكَّامِ عَلَى أَحْكَامِ شَاتِمِ خَيْرِ الْأَنَامِ ] أَوْ أَحَدِ أَصْحَابِهِ الْكِرَامِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ( قَوْلُهُ وَمُفَادُهُ قَبُولُ التَّوْبَةِ ) أَقُولُ : بَلْ هُوَ صَرِيحٌ ، وَنَصَّ فِي ذَلِكَ كَمَا عَلِمْته 234 قَوْلُهُ وَالْبَزَّازِيُّ تَبِعَ صَاحِبَ السَّيْفِ الْمَسْلُولِ ) الَّذِي قَالَهُ الْبَزَّازِيُّ إنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا ، وَلَا تَوْبَةَ لَهُ أَصْلًا ، سَوَاءٌ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَالشَّهَادَةِ أَوْ جَاءَ تَائِبًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ كَالزِّنْدِيقِ لِأَنَّهُ حَدٌّ وَجَبَ ، فَلَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ وَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ خِلَافٌ لِأَحَدٍ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْعَبْدِ إلَى أَنْ قَالَ وَدَلَائِلُ الْمَسْأَلَةِ تُعْرَفُ فِي كِتَابِ [ الصَّارِمُ الْمَسْلُولُ عَلَى شَاتِمِ الرَّسُولِ ] ا هـ وَهَذَا كَلَامٌ يَقْضِي مِنْهُ غَايَةَ الْعَجَبِ ، كَيْفَ يَقُولُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ خِلَافٌ لِأَحَدٍ بَعْدَ مَا وَقَعَ فِيهِ اخْتِلَافُ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ مَعَ صِدْقِ النَّاقِلِينَ عَنْهُمْ كَمَا أَسْمَعْنَاك وَعَزْوُهُ الْمَسْأَلَةَ إلَى كِتَابِ [ الصَّارِمِ الْمَسْلُولِ ] وَهُوَ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ الْحَنْبَلِيِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَصَفَّحْ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْهُ مِنْ التَّصْرِيحِ بِأَنَّ مَذْهَبَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ قَبُولُ التَّوْبَةِ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ ، وَكَذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ السُّبْكِيُّ فِي السَّيْفِ الْمَسْلُولِ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الشِّفَاءِ كَمَا سَمِعْته مَعَ أَنَّ عِبَارَةَ الْبَزَّازِيِّ بِطُولِهَا أَكْثَرُهَا مَأْخُوذٌ مِنْ الشِّفَاءِ .
فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْبَزَّازِيَّ قَدْ تَسَاهَلَ غَايَةَ التَّسَاهُلِ فِي نَقْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَيْتَهُ حَيْثُ لَمْ يَنْقُلْهَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ مَذْهَبِنَا بَلْ اسْتَنَدَ إلَى مَا فِي الشِّفَاءِ وَالصَّارِمِ أَمْعَنَ النَّظَرَ فِي الْمُرَاجَعَةِ حَتَّى يَرَى مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي خِلَافِ مَا فَهِمَهُ مِمَّنْ نَقَلَ الْمَسْأَلَةَ عَنْهُمْ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ . فَلَقَدْ صَارَ هَذَا التَّسَاهُلُ سَبَبًا لِوُقُوعِ عَامَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ عَنْهُ فِي الْخَطَأِ حَيْثُ اعْتَمَدُوا عَلَى نَقْلِهِ وَقَلَّدُوهُ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ الْمَسْأَلَةَ عَنْ كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ ، بَلْ الْمَنْقُولُ قَبْلَ حُدُوثِ هَذَا الْقَوْلِ مِنْ الْبَزَّازِيِّ فِي كُتُبِنَا وَكُتُبِ غَيْرِنَا خِلَافُهُ ( قَوْلُهُ وَقَدْ صَرَّحَ فِي النُّتَفِ إلَخْ ) أَقُولُ : وَرَأَيْت فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ لِأَبِي يُوسُفَ مَا نَصُّهُ : وَأَيُّمَا رَجُلٍ مُسْلِمٍ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ كَذَّبَهُ أَوْ عَابَهُ أَوْ تَنَقَّصَهُ فَقَدْ كَفَرَ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَبَانَتْ مِنْهُ امْرَأَتُهُ ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ لَا تُقْتَلُ الْمَرْأَةُ وَتُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ ا هـ وَهَكَذَا نَقَلَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْبَحْرِ أَنَّ الْمَسْطُورَ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا رِدَّةٌ ، وَحُكْمُهَا حُكْمُهَا ، ثُمَّ نَقَلَ عِبَارَةَ النُّتَفِ وَمُعِينِ الْحُكَّامِ : وَالْعَجَبُ مِنْهُ أَنَّهُ أَفْتَى بِخِلَافِهِ فِي الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّةِ . رَأَيْت بِخَطِّ شَيْخِ مَشَايِخِنَا السَّائِحَانِيِّ فِي هَذَا الْمَحَلِّ وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ حَيْثُ سَمِعَ الْمُصَنِّفُ كَلَامَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْعَالِ ، وَرَأَى هَذِهِ النُّقُولَ كَيْفَ لَا يَشْطُبُ مَتْنَهُ عَنْ ذَلِكَ .
وَقَدْ أَسْمَعَنِي بَعْضُ مَشَايِخِي رِسَالَةً حَاصِلُهَا أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَأَنَّ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ ا هـ وَكَذَلِكَ كَتَبَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الرَّحْمَتِيُّ هُنَا عَلَى نُسْخَتِهِ أَنَّ مُقْتَضَى كَلَامِ الشِّفَاءِ وَابْنِ أَبِي جَمْرَةَ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْبُخَارِيِّ فِي حَدِيثِ " { ۝ إنَّ فَرِيضَةَ الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي } إلَخْ " أَنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمُرْتَدَّ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ كَمَا نَقَلَهُ هُنَا عَنْ النُّتَفِ وَغَيْرِهِ ، فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي سَابِّ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفِي سَابِّ الشَّيْخَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا بِالْأَوْلَى ، فَقَدْ تَحَرَّرَ أَنَّ الْمَذْهَبَ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ قَبُولُ تَوْبَتِهِ كَمَا هُوَ رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَأَنَّ تَحَتُّمَ قَتْلِهِ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَمَا عَدَاهُ فَإِنَّهُ إمَّا نَقْلُ غَيْرِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَوْ طُرَّةُ مَجْهُولٍ لَمْ يُعْلَمْ كَاتِبُهَا ، فَكُنْ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي الْأَحْكَامِ ، وَلَا تَغْتَرَّ بِكُلِّ أَمْرٍ مُسْتَغْرَبٍ وَتَغْفُلْ عَنْ الصَّوَابِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . ا هـ . وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَمَوِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْأَشْبَاهِ نَقْلًا عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ : إنَّ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْأَشْبَاهِ مِنْ عَدَمِ قَبُولِ التَّوْبَةِ قَدْ أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ أَهْلُ عَصْرِهِ وَأَنْ ذَلِكَ إنَّمَا يُحْفَظُ لِبَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ كَمَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ . أَمَّا عَلَى طَرِيقَتِنَا فَلَا . ا هـ . وَذَكَرَ فِي آخِرِ كِتَابِ [ نُورِ الْعَيْنِ ] أَنَّ الْعَلَّامَةَ النِّحْرِيرَ الشَّهِيرَ بِحُسَامِ جَلْبِي أَلَّفَ رِسَالَةً فِي الرَّدِّ عَلَى الْبَزَّازِيِّ وَقَالَ فِي آخِرِهَا : وَبِالْجُمْلَةِ قَدْ تَتَبَّعْنَا كُتُبَ الْحَنَفِيَّةِ فَلَمْ نَجِدْ الْقَوْلَ بِعَدَمِ قَبُولِ تَوْبَةِ السَّابِّ عِنْدَهُمْ سِوَى 235 مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ ، وَقَدْ عَلِمْت بُطْلَانَهُ وَمَنْشَأَ غَلَطِهِ أَوَّلَ الرِّسَالَةِ . ا هـ .
وَسَيَذْكُرُ الشَّارِحُ عَنْ الْمُحَقِّقِ الْمُفْتِي أَبِي السُّعُودِ التَّصْرِيحَ بِأَنَّ مَذْهَبَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ إذَا تَابَ وَيُكْتَفَى بِتَعْزِيرِهِ ، فَهَذَا صَرِيحُ الْمَنْقُولِ عَمَّنْ تَقَدَّمَ عَلَى الْبَزَّازِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ ، وَلَمْ يَسْتَنِدْ هُوَ وَلَا مَنْ تَبِعَهُ إلَى كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ ، وَإِنَّمَا اسْتَنَدَ إلَى فَهْمٍ أَخْطَأَ فِيهِ حَيْثُ نَقَلَ عَمَّنْ صَرَّحَ ، بِخِلَافِ مَا فَهِمَهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ ، وَإِنْ أَرَدْت زِيَادَةَ الْبَيَانِ فِي الْمَقَامِ فَارْجِعْ إلَى كِتَابِنَا تَنْبِيهِ الْوُلَاةِ وَالْحُكَّامِ ( قَوْلُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ ) الْمُرَادُ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ فِي الدُّنْيَا بِدَفْعِ الْقَتْلِ عَنْهُ أَمَّا قَبُولُهَا فِي الْآخِرَةِ فَهُوَ مَحَلُّ وِفَاقٍ ، وَأَصْرَحُ مِنْهُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ كِتَابِ الْخَرَاجِ لِأَبِي يُوسُفَ ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ ( قَوْلُهُ كَذَلِكَ ) أَيْ يَكُونُ شَاتِمًا لِنَبِيٍّ ، لَكِنَّ قَوْلَهُ يَا ابْنَ مِائَةِ كَلْبٍ ، وَإِنْ قَالَهُ لِشَرِيفٍ فَهُوَ مُمْكِنٌ فَيَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ الْمَارُّ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ وَعَدَمِهِ ، وَإِلَّا فَقَدْ يَكُونُ لَهُ مِائَةُ أَبٍ لَيْسَ فِيهِمْ نَبِيٌّ . عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّهُ اجْتَمَعَ عَلَى أُمِّ الْمَشْتُومِ مِائَةُ كَلْبٍ أَوْ أَلْفُ خِنْزِيرٍ ، فَلَا يَدْخُلُ أَجْدَادُهُ فِي ذَلِكَ ، وَحَيْثُ احْتَمَلَ التَّأْوِيلَ فَلَا يُحْكَمُ بِالْكُفْرِ عِنْدَنَا كَمَا مَرَّ ( قَوْلُهُ وَأَنَّ شَتْمَ الْمَلَائِكَةِ كَالْأَنْبِيَاءِ ) هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ عِنْدَنَا فَقَالُوا : إذَا شَتَمَ أَحَدًا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ الْمَلَائِكَةِ كَفَرَ ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْكُفْرَ بِشَتْمِ الْأَنْبِيَاءِ كُفْرُ رِدَّةٍ فَكَذَا الْمَلَائِكَةُ ، فَإِنْ تَابَ فَبِهَا وَإِلَّا قُتِلَ ( قَوْلُهُ فَلْيُحَرَّرْ ) قَدْ عَلِمْت تَحْرِيرَهُ بِمَا قُلْنَا ( قَوْلُهُ هَلْ لِلشَّافِعِيِّ أَنْ يَحْكُمَ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ ) أَيْ فِي إسْقَاطِ الْقَتْلِ عَنْهُ ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْبَزَّازِيُّ ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ أَهْلَ الْمَذْهَبِ قَائِلُونَ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ فَلَا وَجْهَ لِمَا ذَكَرَهُ . ا هـ ط .
وَكَذَا قَالَ الرَّحْمَتِيُّ : قَدْ عَلِمْت أَنَّ هَذَا لَيْسَ مَذْهَبًا لِلْحَنَفِيَّةِ كَمَا نَطَقَتْ بِهِ كُتُبُهُمْ وَنَقَلَهُ عَنْهُمْ الْأَئِمَّةُ كَالْقَاضِي عِيَاضٍ وَابْنِ أَبِي جَمْرَةَ ( قَوْلُهُ لِأَنَّهَا حَادِثَةٌ أُخْرَى إلَخْ ) يَعْنِي أَنَّ حُكْمَ الْحَنَفِيِّ بِكُفْرِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُ عَدَمُ قَبُولِ التَّوْبَةِ لَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ فِي عَدَمِ قَبُولِ التَّوْبَةِ لِأَنَّ عَدَمَ قَبُولِهَا حَادِثَةٌ أُخْرَى لَمْ يَحْكُمْ بِهَا الْحَنَفِيُّ فَيَسُوغُ لِلشَّافِعِيِّ الْحُكْمُ بِقَبُولِهَا وَإِنْ قَالَ الْحَنَفِيُّ حَكَمْت بِالْكُفْرِ وَمُوجِبُهُ لِأَنَّ مُوجِبَ الْكُفْرِ الْقَتْلُ إنْ لَمْ يَتُبْ وَهُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْقَتْلُ أَيْضًا إنْ تَابَ عَلَى أَنَّهُ لَهُ مُوجِبَاتٌ أُخَرُ مِنْ فَسْخِ النِّكَاحِ وَحَبْطِ الْعَمَلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، فَلَا يَكُونُ قَوْلُ الْحَنَفِيِّ حَكَمْت بِمُوجِبِهِ حُكْمًا بِقَتْلِهِ ، وَإِنْ تَابَ فَلِلشَّافِعِيِّ أَنْ يَحْكُمَ بِعَدَمِ قَتْلِهِ إذَا تَابَ . وَالْعَجَبُ مِنْ الشَّارِحِ حَيْثُ نَقَلَ صَرِيحَ مَا فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ مِنْ أَنَّ الْحَنَفِيَّ كَالشَّافِعِيِّ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ كَيْفَ جَارَى صَاحِبَ النَّهْرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَكَانَ الصَّوَابُ أَنْ يُبَدِّلَ الْحَنَفِيَّ بِالْمَالِكِيِّ أَوْ الْحَنْبَلِيِّ .
( قَوْلُهُ سُؤَالًا ) مَفْعُولُ رَأَيْت . وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ سُؤَالٌ بِالرَّفْعِ وَهُوَ تَحْرِيفٌ ( قَوْلُهُ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ يَكْفُرُ إلَخْ ) قَالَ السَّائِحَانِيُّ : أَقُولُ هَذَا لَا يَصْدُرُ عَنْ أَبِي السُّعُودِ لِأَنَّ كَلَامَ الْقَائِلِ يَحْتَمِلُ أَنَّ كُلَّ الْأَحَادِيثِ الْمَوْجُودَةِ لَيْسَتْ صِدْقًا لِأَنَّ فِيهَا الْمَوْضُوعَ ، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ 236 أَقْرَبُ مِنْ غَيْرِهِ ، وَتَقَدَّمَ عَنْ الدُّرَرِ إذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ وُجُوهٌ تُوجِبُ الْكُفْرَ وَوَجْهٌ وَاحِدٌ يَمْنَعُهُ فَعَلَى الْمُفْتِي الْمَيْلُ لِمَا يَمْنَعُهُ وَقَوْلُهُ وَالثَّانِي : أَيْ إلْحَاقُ الشَّيْنِ يُفِيدُ الزَّنْدَقَةَ . أَقُولُ : لَا إفَادَةَ فِيهِ لِأَنَّ الزَّنْدَقَةَ أَنْ لَا يَتَدَيَّنَ بِدِينٍ ا هـ وَكَتَبَ ط نَحْوَهُ ( قَوْلُهُ فَبَعْدَ أَخْذِهِ إلَخْ ) تَفْرِيعٌ عَلَى كَوْنِهِ صَارَ زِنْدِيقًا . وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ الزِّنْدِيقَ لَوْ تَابَ قَبْلَ أَخْذِهِ : أَيْ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ إلَى الْحَاكِمِ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ عِنْدَنَا وَبَعْدَهُ لَا ، اتِّفَاقًا . وَوَرَدَ الْأَمْرُ السُّلْطَانِيُّ لِلْقُضَاةِ بِأَنْ يُنْظَرَ فِي حَالِ ذَلِكَ الرَّجُلِ إنْ ظَهَرَ حُسْنُ تَوْبَتِهِ يُعْمَلُ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِلَّا فَبِقَوْلِ بَاقِي الْأَئِمَّةِ ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ مِنْ مَشْهُورِ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَهُوَ عَدَمُ قَبُولِ تَوْبَتِهِ وَأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الزِّنْدِيقِ عِنْدَهُمْ ، وَتَبِعَهُ الْبَزَّازِيُّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ ، وَكَذَا تَبِعَهُ فِي الْفَتْحِ ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ صَرِيحَ مَذْهَبِنَا خِلَافُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ .
( قَوْلُهُ وَلْيَكُنْ التَّوْفِيقُ ) أَيْ يُحْمَلُ مَا مَرَّ عَنْ النُّتَفِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّهُ يُفْعَلُ بِهِ مَا يُفْعَلُ بِالْمُرْتَدِّ عَلَى مَا إذَا تَابَ قَبْلَ أَخْذِهِ ، وَحُمِلَ مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ عَلَى مَا بَعْدَ أَخْذِهِ ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا التَّوْفِيقَ غَيْرُ مُمْكِنٍ لِتَصْرِيحِ عُلَمَائِنَا بِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ حُكْمَ الْمُرْتَدِّ غَيْرُ حُكْمِ الزِّنْدِيقِ وَلَمْ يُفَصِّلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ هَذَا التَّفْصِيلَ ; وَلِأَنَّ الْبَزَّازِيَّ وَمَنْ تَابَعَهُ قَالُوا إنَّهُ لَا تَوْبَةَ لَهُ أَصْلًا سَوَاءٌ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَالشَّهَادَةِ أَوْ جَاءَ تَائِبًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ ، فَعُلِمَ أَنَّهُمَا قَوْلَانِ مُخْتَلِفَانِ ، بَلْ مَذْهَبَانِ مُتَبَايِنَانِ . عَلَى أَنَّ الزِّنْدِيقَ الَّذِي لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ بَعْدَ الْأَخْذِ هُوَ الْمَعْرُوفُ بِالزَّنْدَقَةِ الدَّاعِي إلَى زَنْدَقَتِهِ كَمَا يَأْتِي ، وَمَنْ صَدَرَتْ مِنْهُ كَلِمَةُ الشَّتْمِ مَرَّةً عَنْ غَيْظٍ أَوْ نَحْوِهِ لَا يَصِيرُ زِنْدِيقًا بِهَذَا الْمَعْنَى
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث