رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الأول
الصفحة 701 · ص. المطبوع 532 · الشرح
( قَوْلُهُ يُكْرَهُ لِلْإِمَامِ التَّنَفُّلُ فِي مَكَانِهِ ) بَلْ يَتَحَوَّلُ مُخَيَّرًا كَمَا يَأْتِي عَنْ الْمُنْيَةِ ، وَكَذَا يُكْرَهُ مُكْثُهُ قَاعِدًا فِي مَكَانِهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فِي صَلَاةٍ لَا تَطَوُّعَ بَعْدَهَا كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ عَنْ الْخُلَاصَةِ ، وَالْكَرَاهَةُ تَنْزِيهِيَّةٌ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ عِبَارَةُ الْخَانِيَّةِ ( قَوْلُهُ لَا لِلْمُؤْتَمِّ ) وَمِثْلُهُ الْمُنْفَرِدُ ، لِمَا فِي الْمُنْيَةِ وَشَرْحِهَا : أَمَّا الْمُقْتَدِي وَالْمُنْفَرِدُ فَإِنَّهُمَا إنْ لَبِثَا أَوْ قَامَا إلَى التَّطَوُّعِ فِي مَكَانِهِمَا الَّذِي صَلَّيَا فِيهِ الْمَكْتُوبَةَ جَازَ ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَتَطَوَّعَا فِي مَكَان آخَرَ . ا هـ . ( قَوْلُهُ وَقِيلَ يُسْتَحَبُّ كَسْرُ الصُّفُوفِ ) لِيَزُولَ الِاشْتِبَاهُ عَنْ الدَّاخِلِ الْمُعَايِنِ لِلْكُلِّ فِي الصَّلَاةِ الْبَعِيدِ عَنْ الْإِمَامِ ، وَذَكَرَهُ فِي الْبَدَائِعِ وَالذَّخِيرَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ ، وَنَصَّ فِي الْمُحِيطِ عَلَى أَنَّهُ السُّنَّةُ كَمَا فِي الْحِلْيَةِ ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْمُنْيَةِ : وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَتَطَوَّعَا فِي مَكَان آخَرَ . قَالَ فِي الْحِلْيَةِ . وَأَحْسَنُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ يَتَطَوَّعَ فِي مَنْزِلِهِ إنْ لَمْ يَخَفْ مَانِعًا ( قَوْلُهُ لِتَنَفُّلٍ أَوْ وِرْدٍ ) أَقُولُ : عِبَارَتُهُ فِي الْخَزَائِنِ قُلْت : يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لِأَجْلِ التَّنَفُّلِ أَوْ الْوَرْدِ . ا هـ . فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ الْخَانِيَّةِ . وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي الْخَانِيَّةِ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لِلتَّنَفُّلِ ( قَوْلُهُ وَخَيَّرَهُ إلَخْ ) الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ لِلْإِمَامِ ، لَكِنَّ التَّخْيِيرَ الَّذِي فِي الْمُنْيَةِ هُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ لَا تَطَوُّعَ بَعْدَهَا ، فَإِنْ شَاءَ انْحَرَفَ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ أَوْ ذَهَبَ إلَى حَوَائِجِهِ وَاسْتَقْبَلَ النَّاسَ بِوَجْهِهِ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهَا تَطَوُّعٌ وَقَامَ يُصَلِّيهِ يَتَقَدَّمُ أَوْ يَتَأَخَّرُ أَوْ يَنْحَرِفُ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا أَوْ يَذْهَبُ إلَى بَيْتِهِ فَيَتَطَوَّعُ ثَمَّةَ . ا هـ .
وَهَذَا التَّخْيِيرُ لَا يُخَالِفُ مَا مَرَّ عَنْ الْخَانِيَّةِ لِأَنَّهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَذَاكَ لِبَيَانِ الْأَفْضَلِ ، وَلِذَا عَلَّلَهُ فِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا بِأَنَّ لِلْيَمِينِ فَضْلًا عَلَى الْيَسَارِ ، لَكِنَّ هَذَا لَا يَخُصُّ يَمِينَ الْقِبْلَةِ ، بَلْ يُقَالُ مِثْلُهُ فِي يَمِينِ الْمُصَلِّي ، بَلْ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَنَّ انْحِرَافَهُ عَنْ يَمِينِهِ أَوْلَى ، وَأَيَّدَهُ بِحَدِيثٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَصُحِّحَ فِي الْبَدَائِعِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا وَقَالَ : لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الِانْحِرَافِ وَهُوَ زَوَالُ الِاشْتِبَاهِ أَيْ اشْتِبَاهِ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ يَحْصُلُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا ، وَقَدَّمْنَا عَنْ الْحِلْيَةِ أَنَّ الْأَحْسَنَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ تَطَوُّعُهُ فِي مَنْزِلِهِ ، لِمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ { ۝ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ فِي مَسْجِدِي هَذَا إلَّا الْمَكْتُوبَةَ } قُلْت : وَإِلَّا التَّرَاوِيحَ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْوِتْرِ وَالنَّوَافِلِ مَعَ زِيَادَاتٍ أُخَرَ ، ثُمَّ إذَا شَاءَ الذَّهَابَ انْصَرَفَ مِنْ جِهَةِ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ ، فَقَدْ صَحَّ الْأَمْرَانِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ كَمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ . وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ عِنْدَ اسْتِوَاءِ الْجِهَتَيْنِ فِي الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا ، فَالْيَمِينُ أَفْضَلُ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ الْمُصَرِّحَةِ بِفَضْلِ الْيَمِينِ فِي بَابِ الْمَكَارِمِ وَنَحْوِهَا كَمَا فِي الْحِلْيَةِ ( قَوْلُهُ وَلَوْ دُونَ عَشْرَةٍ ) أَيْ أَنَّ الِاسْتِقْبَالَ مُطْلَقٌ لَا تَفْصِيلَ فِيهِ بَيْنَ عَدَدٍ وَعَدَدٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا . وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمُقَدِّمَةِ ، مِنْ أَنَّ الْجَمَاعَةَ إنْ كَانُوا عَشْرَةً يُلْتَفَتُ إلَيْهِمْ لِتَرَجُّحِ حُرْمَتِهِمْ عَلَى حُرْمَةِ الْقِبْلَةِ ، وَإِلَّا فَلَا لِتَرَجُّحِ حُرْمَةِ الْقِبْلَةِ عَلَى الْجَمَاعَةِ ، فَإِنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الْفِقْهِ ، وَهُوَ رَجُلٌ مَجْهُولٌ لَا تُشْبِهُ أَلْفَاظُهُ أَلْفَاظَ أَهْلِ الْفِقْهِ ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَلَّدَ فِيمَا لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ . وَاَلَّذِي رَوَاهُ مَوْضِعُ كَذِبٍ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ حُرْمَةُ الْمُسْلِمِ الْوَاحِدِ أَرْجَحُ مِنْ حُرْمَةِ الْقِبْلَةِ ، غَيْرَ أَنَّ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ خَلْفَ الْإِمَامِ حَتَّى يُلْتَفَتَ إلَيْهِ ، بَلْ هُوَ عَنْ يَمِينِهِ .
532 فَلَوْ كَانَا اثْنَيْنِ كَانَا خَلْفَهُ فَلْيَلْتَفِتْ إلَيْهِمَا لِلْإِطْلَاقِ الْمَذْكُورِ . ا هـ . وَنَازَعَهُ فِي الْإِمْدَادِ بِأَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي مَجْمَعِ الرِّوَايَاتِ شَرْحِ الْقُدُورِيِّ عَنْ حَاشِيَةِ الْبَدْرِيَّةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَلْيُتَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ وَلَوْ بَعِيدًا عَلَى الْمَذْهَبِ ) صَرَّحَ بِهِ فِي الذَّخِيرَةِ أَخْذًا مِنْ إطْلَاقِ مُحَمَّدٍ فِي الْأَصْلِ قَوْلُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ بِحِذَائِهِ رَجُلٌ يُصَلِّي ; ثُمَّ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ : هَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ وَجْهُهُ مُقَابِلُ وَجْهِ الْإِمَامِ فِي حَالَةِ قِيَامِهِ يُكْرَهُ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا صُفُوفٌ . وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي الْحِلْيَةِ خِلَافَ هَذَا فَقَالَ : الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إذَا كَانَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمُصَلِّي بِحِذَائِهِ رَجُلٌ جَالِسٌ ظَهْرُهُ إلَى الْمُصَلِّي لَا يُكْرَهُ لِلْإِمَامِ اسْتِقْبَالُ الْقَوْمِ ; لِأَنَّهُ إذَا كَانَ سُتْرَةً لِلْمُصَلِّي لَا يُكْرَهُ الْمُرُورُ وَرَاءَهُ فَكَذَا هُنَا ; وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ صَلَّى إلَى وَجْهِ إنْسَانٍ وَبَيْنَهُمَا ثَالِثٌ ظَهْرُهُ إلَى وَجْهِ الْمُصَلِّي لَمْ يُكْرَهْ ، وَلَعَلَّ مُحَمَّدًا لَمْ يُقَيِّدْ بِذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِهِ ا هـ مُلَخَّصًا فَافْهَمْ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث