الفروع
الفروع · الجزء الثالث
الصفحة 1870 · ص. المطبوع 203 · الشرح
203 كِتَابُ الْمَنَاسِكِ
الْحَجُّ بِفَتْحِ الْحَاءِ لَا بِكَسْرِهَا فِي الْأَشْهَرِ ، وَعَكْسُهُ شَهْرُ الْحِجَّةِ . وَالْحَجُّ لُغَةً : الْقَصْدُ إلَى مَنْ تُعَظِّمُهُ ، وَقِيلَ : كَثْرَةُ الْقَصْدِ إلَيْهِ . وَشَرْعًا : قَصْدُ مَكَّةَ لِلنُّسُكِ .
وَالْعُمْرَةُ لُغَةً الزِّيَارَةُ ، يُقَالُ : اعْتَمَرَهُ إذَا زَارَهُ . وَقِيلَ : الْقَصْدُ . وَشَرْعًا : زِيَارَةُ الْبَيْتِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ . وَالْحَجُّ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ حُرٍّ مُسْتَطِيعٍ ، فِي الْعُمْرِ مَرَّةً وَاحِدَةً . وَفَرْضُ الْحَجِّ سَنَةَ تِسْعٍ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ وَقِيلَ : سَنَةَ عَشْرَةٍ .
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : سَنَةَ سِتٍّ ، وَبَعْضُهُمْ : سَنَةَ خَمْسٍ : وَالْعُمْرَةُ فَرْضٌ كَالْحَجِّ ، ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ .
وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ : أَطْلَقَ أَحْمَدُ وُجُوبَهَا فِي مَوَاضِعَ ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمَكِّيُّ وَغَيْرُهُ . قَالَ : وَهُوَ قَوْلُ شَيْخِنَا ، فَدَلَّ أَنَّ أَحْمَدَ لَمْ يُصَرِّحْ بِوُجُوبِهَا عَلَى الْمَكِّيِّ ، وَصَرَّحَ بِأَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ وَتَجِبُ عَلَى غَيْرِهِ . وَفَرْضُ الْعُمْرَةِ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ ( و ش ) فِي الْجَدِيدِ ، وَلِلْمَالِكِيَّةِ قَوْلَانِ ، { ۝ لِقَوْلِ عَائِشَةَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ عَلَى النِّسَاءِ مِنْ جِهَادٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ : الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ } رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ .
وَعَنْ { ۝ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ 204 لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَلَا الْعُمْرَةَ وَلَا الطَّعْنَ ، فَقَالَ : حُجَّ عَنْ أَبِيك وَاعْتَمِرْ } إسْنَادُهُ جَيِّدٌ ، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ . { ۝ وَجَاءَ جِبْرِيلُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا الْإِسْلَامُ ؟ قَالَ : أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ وَتَعْتَمِرَ } وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَهُوَ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ ، رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ : إسْنَادٌ صَحِيحٌ ، وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْجَوْزَقِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُخَرَّجِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ ، وَعَنْ الصُّبَيّ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ : أَتَيْت عُمَرَ فَقُلْت : إنِّي وَجَدْت الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ فَأَهْلَلْت بِهِمَا ، فَقَالَ عُمَرُ : هُدِيت لِسُنَّةِ نَبِيِّك صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . إسْنَادُهُ جَيِّدٌ ، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ . وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ وَجَمَاعَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } . وَعَنْهُ : الْعُمْرَةُ سُنَّةٌ ( و هـ م ق ) اخْتَارَهُ شَيْخُنَا ، لِأَنَّ { ۝ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : زَعَمَ رَسُولُك أَنَّ عَلَيْنَا . فَذَكَرَ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَصَوْمَ رَمَضَانَ وَحَجَّ الْبَيْتِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَدَقَ ، فَقَالَ : وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ وَلَا أُنْقِصُ مِنْهُنَّ ، فَقَالَ : لَئِنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ اسْمَ الْحَجِّ يَتَنَاوَلُ الْعُمْرَةَ ، رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : { ۝ دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } ، وَفِي { ۝ كِتَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ مَعَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَإِنَّ الْعُمْرَةَ الْحَجُّ الْأَصْغَرُ } رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَعَنْ حَجَّاجٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ { ۝ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الْعُمْرَةِ 205 أَوَاجِبَةٌ هِيَ ؟ قَالَ : لَا ، وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَك } رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَسَنٌ صَحِيحٌ ، كَذَا فِي بَعْضِ نُسَخِهِ ، وَحَجَّاجٌ هُوَ ابْنُ أَرْطَاةَ ، ضَعِيفٌ عِنْدَهُمْ مُدَلِّسٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ اتِّفَاقًا ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ حَجَّاجٍ وَابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ مَوْقُوفًا وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُفَيْرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا مِثْلُهُ ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ ابْنِ أَبِي دَاوُد عَنْ مُحَمَّدٍ وَجَعْفَرِ بْنِ مُسَافِرَ وَيَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ ابْنُ عُفَيْرٍ ، فَذَكَرَهُ . يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ثِقَةٌ ، رَوَى لَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، لَكِنْ لَهُ مَنَاكِيرُ عِنْدَهُمْ كَهَذَا الْحَدِيثِ ، مَعَ أَنَّ أَحْمَدَ [ قَدْ ] قَالَ فِيهِ : سَيِّئُ الْحِفْظِ .
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ وَابْنُ الْقَطَّانِ : لَا يُحْتَجُّ بِهِ .
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : فِي بَعْضِ حَدِيثِهِ اضْطِرَابٌ ، وَأَمَّا تَضْعِيفُ خَبَرِ جَابِرٍ لِضَعْفِ عُبَيْدِ اللَّهِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي مُنْتَهَى الْغَايَةِ مُتَابَعَةً لِأَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ فَلَا يَتَوَجَّهُ ، لِأَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ ثِقَةٌ عِنْدَهُمْ ، وَثَّقَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ .
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : صَدُوقٌ ، ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ أَوْ الْعُمْرَةَ مَعَ حَجَّتِهِمْ فَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً عَلَى مَنْ اعْتَمَرَ ، وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا { ۝ الْحَجُّ جِهَادٌ وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ } إسْنَادُهُ ضَعِيفٌ ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ الْحَنَفِيِّ مُرْسَلًا وَقَالَ : لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ ثَابِتٌ بِأَنَّهَا تَطَوُّعٌ .
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : رُوِيَ ذَلِكَ بِأَسَانِيدَ لَا تَصِحُّ وَلَا تَقُومُ بِمِثْلِهَا الْحُجَّةُ ، وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَجِبُ إتْمَامُهَا ، كَمَا سَبَقَ آخِرَ صَوْمِ التَّطَوُّعِ . وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ : تَجِبُ إلَّا عَلَى الْمَكِّيِّ ، نَقَلَهَا عَبْدُ اللَّهِ وَالْأَثْرَمُ وَالْمَيْمُونِيُّ وَبَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، 206 اخْتَارَهُ الشَّيْخُ وَقَالَ شَيْخُنَا : عَلَيْهِ نُصُوصُهُ وَتَأَوَّلَهَا الْقَاضِي عَلَى أَنَّهُ نَفَى عَنْهُمْ دَمَ التَّمَتُّعِ ، كَذَا قَالَ ، وَقَدْ سَأَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ وَغَيْرُهُ : مِنْ أَيْنَ يَعْتَمِرُ أَهْلُ مَكَّةَ ؟ قَالَ : لَيْسَ عَلَيْهِمْ عُمْرَةٌ ، لِأَنَّ ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، لَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ الْمَكِّيِّ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَقَالَهُ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ ، لِأَنَّ مُعْظَمَهَا الطَّوَافُ وَهُمْ يَفْعَلُونَهُ ، وَأَجَابَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَطُفْ ، وَمَنْ طَافَ يَجِبُ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ عَنْهَا ، كَالْآفَاقِيِّ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث