الفروع
الفروع · الجزء الثاني
الصفحة 825 · ص. المطبوع 48 · الشرح
وَمَنْ صَلَّى فَذًّا أَوْ غَيْرَ قَائِمٍ لِعُذْرٍ فَهَلْ يَكْمُلُ ثَوَابُهُ ؟ سَبَقَتْ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ 48 وَأَوَّلُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ ، وَمَنْ تَرَكَ الْعِبَادَةَ عَجْزًا فَهَلْ يَكْمُلُ ثَوَابُهُ ؟ يَتَوَجَّهُ تَخْرِيجُهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ فِي أَخْبَارِ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْفَذِّ : لَا يَصِحُّ حَمْلُهَا عَلَى الْمُنْفَرِدِ لِعُذْرٍ ; لِأَنَّ الْأَخْبَارَ قَدْ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ مَا يَفْعَلُهُ لَوْلَا الْعُذْرِ [ يُكْتَبُ لَهُ ثَوَابُهُ ] . ثُمَّ ذَكَرَ خَبَرَ أَبِي مُوسَى ۝ : إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ : ۝ مَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ رَاحَ فَوَجَدَ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِثْلَ أَجْرِ مَنْ صَلَّاهَا وَحَضَرَهَا لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ ، وَالْمُرَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ : مِثْلَ أَجْرِ وَاحِدٍ مِمَّنْ صَلَّاهَا ; لِأَنَّ غَايَتَهُ كَأَحَدِهِمْ ، وَكَذَا اخْتَارَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كَشْفِ الْمُشْكِلِ فِي حَدِيثِ ۝ مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ أَنَّ لَهُ أَجْرَ الشَّهِيدِ .
وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ : ۝ مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا أُعْطِيهَا وَلَوْ لَمْ تُصِبْهُ وَمِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ : ۝ مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ وَلَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ۝ مَنْ دَعَا إلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا ، وَمَنْ دَعَا إلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ إثْمِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ : ۝ مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ مَرْفُوعًا . ۝ مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ 49 مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ، وَعَنْ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيِّ مَرْفُوعًا ۝ مَثَلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِثْلُ أَرْبَعَةٍ : رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَعْمَلُ فِي مَالِهِ بِعِلْمِهِ ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا فَقَالَ : لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ مَالِ فُلَانٍ لَعَمِلْت فِيهِ مِثْلَ عَمَلِهِ ، فَهُمَا فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يُؤْتِهِ عِلْمًا ، فَهُوَ يَتَخَبَّطُ فِيهِ لَا يَدْرِي مَا لَهُ مِمَّا عَلَيْهِ ; وَرَجُلٌ لَمْ يُؤْتِهِ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَقَالَ : لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ مَالِ فُلَانٍ لَعَمِلْت فِيهِ مِثْلَ عَمَلِ فُلَانٍ ، فَهُمَا فِي الْإِثْمِ سَوَاءٌ إسْنَادُهُ جَيِّدٌ ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى : وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ إلَى قَوْلِهِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ وَرَوَاهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْهُ .
وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَابْنِ قُتَيْبَةَ " أَنَّ الْمُؤْمِنَ تُكْتَبُ لَهُ طَاعَاتُهُ الَّتِي كَانَ يَعْمَلُهَا " . وَلَمْ يَذْكُرْ فِي ذَلِكَ خِلَافًا ، إنَّمَا ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي الْمُرَادِ بِالْآيَةِ ، وَكَذَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ ، وَاخْتَارَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ، وَقَالَ : لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ ، وَقَالَ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ فِي الْمَعْذُورِ قِيلَ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَجْرُهُ مُسَاوِيًا ، وَقِيلَ : يُعْطَى أَجْرُهُ بِلَا تَضْعِيفٍ فَيَفْضُلُهُ الْغَازِي بِالتَّضْعِيفِ ، لِلْمُبَاشَرَةِ ، قَالَ : وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ ۝ اُكْتُبُوا لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ فِي الصِّحَّةِ وَبِحَدِيثِ أَبِي كَبْشَةَ ، وَبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ۝ إنَّ بِالْمَدِينَةِ . 50 لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا ، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا ، إلَّا كَانُوا مَعَكُمْ ، حَبَسَهُمْ الْمَرَضُ وَفِي رِوَايَةٍ ۝ إلَّا شَرِكُوكُمْ فِي الْأَجْرِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ۝ إلَّا كَانُوا مَعَكُمْ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ ؟ قَالَ : وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ ، حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ وَلَمْ يُجِبْ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ ظَاهِرِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهَا : إنَّهُ فَضَّلَهُمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنْ أُولِي الضَّرَرِ بِدَرَجَةٍ ، وَعَلَى غَيْرِهِمْ بِدَرَجَاتٍ ، وَقَالَ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا : هَذَا أَوْلَى مِنْ التَّأْكِيدِ وَالتَّكْرَارِ ، وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَمُقَاتِلٍ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَغَيْرِهِمْ ، وَقَالَ قَوْمٌ : التَّفْضِيلُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ ، مُبَالَغَةً ، وَبَيَانًا ، وَتَأْكِيدًا ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ ، كَصَاحِبِ الْمَحْصُولِ فِي تَفْسِيرِهِ فِي الْآيَةِ ، وَاخْتَارَهُ الْمَهْدَوِيُّ الْمَالِكِيُّ ، وَذَكَرَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي الْمُتَخَلِّفِ عَنْ الْجِهَادِ لِعُذْرٍ : لَهُ شَيْءٌ مِنْ الْأَجْرِ لَا كُلُّهُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث