البحر الرائق شرح كنز الدقائق
البحر الرائق شرح كنز الدقائق · الجزء الثالث
الصفحة 1438 · ص. المطبوع 54 · الشرح
( قَوْلُهُ : وَمَنْ دَخَلَ مَكَّةَ بِلَا إحْرَامٍ ثُمَّ حَجَّ عَمَّا عَلَيْهِ فِي عَامَّةِ ذَلِكَ صَحَّ عَنْ دُخُولِ مَكَّةَ بِلَا إحْرَامٍ ، وَإِنْ تَحَوَّلَتْ السَّنَةُ لَا ) ; لِأَنَّهُ تَلَافَى الْمَتْرُوكَ فِي وَقْتِهِ ; لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ تَعْظِيمُ هَذِهِ الْبُقْعَةِ بِالْإِحْرَامِ كَمَا إذَا أَتَاهَا بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ فِي الِابْتِدَاءِ بِخِلَافِ مَا إذَا تَحَوَّلَتْ السَّنَةُ ; لِأَنَّهُ صَارَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ فَلَا يَتَأَدَّى إلَّا بِإِحْرَامٍ مَقْصُودٍ كَمَا فِي الِاعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ فَإِنَّهُ يَتَأَدَّى بِصَوْمِ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ دُونَ الْعَامِ الثَّانِي . فَإِنْ قُلْتُ : سَلَّمْنَا أَنَّ الْحَجَّةَ بِتَحَوُّلِ السَّنَةِ تَصِيرُ دَيْنًا ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعُمْرَةَ تَصِيرُ دَيْنًا ; لِأَنَّهَا غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ قُلْتُ : لَا شَكَّ أَنَّ الْعُمْرَةَ يُكْرَهُ تَرْكُهَا إلَى آخِرِ أَيَّامِ النَّحْرِ وَالتَّشْرِيقِ فَإِذَا أَخَّرَهَا إلَى وَقْتٍ يُكْرَهُ صَارَ كَالْمُفَوِّتِ لَهَا فَصَارَتْ دَيْنًا كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا فَرْقَ بَيْنَ سَنَةِ الْمُجَاوَزَةِ وَسَنَةٍ أُخْرَى فَإِنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ إذَا دَخَلَهَا بِلَا إحْرَامٍ لَيْسَ إلَّا وُجُوبُ الْإِحْرَامِ بِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ فَقَطْ فَفِي أَيِّ وَقْتٍ فَعَلَ ذَلِكَ يَقَعُ أَدَاءً إذْ الدَّلِيلُ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ فِي سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ لِيَصِيرَ بِفَوَاتِهَا دَيْنًا يُقْضَى فَمَهْمَا أَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ بِنُسُكٍ عَلَيْهِ تَأَدِّي هَذَا الْوَاجِبُ فِي ضِمْنِهِ ، وَعَلَى هَذَا إذَا تَكَرَّرَ الدُّخُولُ بِلَا إحْرَامٍ مِنْهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْتَاجَ إلَى التَّعْيِينِ ، وَإِنْ كَانَتْ أَسْبَابًا مُتَعَدِّدَةَ الْأَشْخَاصِ دُونَ النَّوْعِ كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ عَلَيْهِ يَوْمَانِ مِنْ رَمَضَانَ يَنْوِي مُجَرَّدَ قَضَاءِ مَا عَلَيْهِ ، وَلَمْ يُعَيِّنْ الْأَوَّلَ ، وَلَا غَيْرَهُ جَازَ ، وَكَذَا لَوْ كَانَا مِنْ رَمَضَانَيْنِ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَكَذَا نَقُولُ إذَا رَجَعَ مِرَارًا فَأَحْرَمَ كُلَّ مَرَّةٍ بِنُسُكٍ حَتَّى أَتَى عَلَى عَدَدٍ دَخَلَاتِهِ خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ مَا عَلَيْهِ . ا هـ .
يُشِيرُ إلَى رَدِّ مَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ قَاصِدًا مَكَّةَ بِلَا إحْرَامٍ مِرَارًا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ لِكُلِّ مَرَّةٍ إمَّا حَجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ ، وَلَوْ خَرَجَ مِنْ عَامَّةِ ذَلِكَ إلَى الْمِيقَاتِ فَأَحْرَمَ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ أَوْ غَيْرِهَا فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ مَا وَجَبَ عَنْهُ لِأَجْلِ الْمُجَاوَزَةِ الْأَخِيرَةِ ، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ مَا وَجَبَ لِأَجْلِ مُجَاوَزَتِهِ قَبْلَهَا ; لِأَنَّ الْوَاجِبَ قَبْلَ الْأَخِيرَةِ صَارَ دَيْنًا فَلَا يَسْقُطُ إلَّا بِتَعْيِينِ النِّيَّةِ . ا هـ .
وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ الْحَجَّ فَشَمِلَ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَالْحَجَّةَ الْمَنْذُورَةَ وَيَلْحَقُ بِهِ الْعُمْرَةُ الْمَنْذُورَةُ فَلَوْ قَالَ : ثُمَّ أَحْرَمَ عَمَّا عَلَيْهِ فِي عَامِهِ ذَلِكَ لَكَانَ أَوْلَى لِيَشْمَلَ كُلَّ إحْرَامٍ وَاجِبٍ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً أَدَاءً ، وَقَضَاءً أَوْ فِي الْمُحِيطِ ، وَإِذَا جَاوَزَ الْعَبْدُ الْمِيقَاتَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ ثُمَّ أَذِنَ لَهُ مَوْلَاهُ أَنْ يُحْرِمَ 54 فَأَحْرَمَ لَزِمَهُ دَمُ الْوَقْتِ إذَا أُعْتِقَ ; لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْإِحْرَامِ فَلَزِمَهُ الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ ، وَأَمَّا الْكَافِرُ إذَا دَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ ثُمَّ أَسْلَمَ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ كَالصَّبِيِّ إذَا جَاوَزَهُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ ثُمَّ بَلَغَ لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ الْوُجُوبِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا خُصُوصِيَّةَ لِلْآفَاقِيِّ فِي وُجُوبِ الدَّمِ بِتَرْكِ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ بَلْ الْمَكِّيُّ كَذَلِكَ حَتَّى لَوْ أَحْرَمَ الْمَكِّيُّ بِالْعُمْرَةِ مِنْ الْحَرَمِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ دَمٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحِيطِ . وَكَذَا لَوْ أَحْرَمَ الْمَكِّيُّ مِنْ الْحِلِّ بِالْحَجِّ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ دَمٌ وَتَتَأَتَّى التَّفَارِيعُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي الْآفَاقِيِّ مِنْ عَوْدِهِ مُحْرِمًا مُلَبِّيًا ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث