البحر الرائق شرح كنز الدقائق
البحر الرائق شرح كنز الدقائق · الجزء الرابع
page 2190 · printed p. 139 · commentary
( بَابُ الْعِدَّةِ ) .
لَمَّا تَرَتَّبَتْ فِي الْوُجُودِ عَلَى الْفُرْقَةِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهَا أَوْرَدَهَا عَقِيبَ الْكُلِّ وَهِيَ لُغَةً الْإِحْصَاءُ عَدَدْت الشَّيْءَ أَحْصَيْته إحْصَاءً ، وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِلْمُصَنِّفِ الْعِدَّةُ مَصْدَرُ عَدَّ الشَّيْءَ يَعُدُّهُ { ۝ وَسُئِلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَتَى تَكُونُ الْقِيَامَةُ قَالَ إذَا تَكَامَلَتْ الْعِدَّتَانِ } أَيْ : عِدَّةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَعِدَّةُ أَهْلِ النَّارِ أَيْ : عَدَدُهُمْ وَسُمِّيَ زَمَانُ التَّرَبُّصِ عِدَّةً ; لِأَنَّهَا تَعُدُّهُ وَيُقَالُ عَلَى الْمَعْدُودِ ، وَفِي الدُّرِّ النَّثِيرِ أَيْ : إذَا تَكَامَلَتْ عِنْدَ اللَّهِ بِرُجُوعِهِمْ إلَيْهِ ، وَفِي الْمِصْبَاحِ وَعِدَّةُ الْمَرْأَةِ قِيلَ أَيَّامُ أَقْرَائِهَا مَأْخُوذٌ مِنْ الْعَدِّ وَالْحِسَابِ وَقِيلَ تَرَبُّصُهَا الْمُدَّةَ الْوَاجِبَةَ عَلَيْهَا وَالْجَمْعُ عِدَدٌ مِثْلُ سِدْرَةٍ وَسِدَرٍ وقَوْله تَعَالَى { فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } قَالَ النُّحَاةُ اللَّامُ بِمَعْنَى فِي أَيْ : فِي عِدَّتِهِنَّ ا هـ .
وَفِي الشَّرِيعَةِ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ ( هِيَ تَرَبُّصٌ يَلْزَمُ الْمَرْأَةَ عِنْدَ زَوَالِ النِّكَاحِ أَوْ شُبْهَتِهِ ) أَيْ : لُزُومُ انْتِظَارِ انْقِضَاءِ مُدَّةٍ وَالتَّرَبُّصُ التَّثَبُّتُ وَالِانْتِظَارُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ } وَقَالَ تَعَالَى { وَيَتَرَبَّصُ بِكُمْ الدَّوَائِرَ } وَقَالَ تَعَالَى { فَتَرَبَّصُوا إنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ } كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَإِنَّمَا قَدَّرْنَا اللُّزُومَ ; لِأَنَّ التَّرَبُّصَ فِعْلُهَا وَقَدْ قَالُوا إنَّ رَكْنَهَا حُرُمَاتٌ أَيْ : لُزُومَاتٌ كَحُرْمَةِ تَزَوُّجِهَا عَلَى الْغَيْرِ وَنَقَلُوا عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ رُكْنَهَا التَّرَبُّصُ عِنْدَهُ وَفَرَّعُوا عَلَى الِاخْتِلَافِ تَدَاخُلَ الْعِدَّتَيْنِ فَعِنْدَنَا يَتَدَاخَلَانِ خِلَافًا لَهُ وَانْقِضَاؤُهُ بِدُونِ عِلْمِهَا عِنْدَنَا خِلَافًا لَهُ ، وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ جَعْلِهَا فِي الشَّرْعِ عِنْدَنَا اسْمًا لِأَجَلٍ ضُرِبَ لِانْقِضَاءِ مَا بَقِيَ مِنْ آثَارِ النِّكَاحِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ اسْمًا لِفِعْلِ التَّرَبُّصِ ; لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ رُكْنُهَا نَفْسَ الْأَجَلِ وَقَدْ صَرَّحُوا بِخِلَافِهِ إلَّا أَنَّهُ لَوْ صَحَّ انْدَفَعَ الْإِشْكَالُ الْوَارِدُ عَلَى عِدَّةِ الصَّغِيرَةِ ; إذْ لَيْسَ فِي الْعِدَّةِ وُجُوبُ شَيْءٍ بَلْ هِيَ مُجَرَّدُ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ .
وَالثَّابِتُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ عَدَمُ صِحَّةِ التَّزَوُّجِ لَا خِطَابُ أَحَدٍ بَلْ وَضَعَ الشَّارِعُ عَدَمَ الصِّحَّةِ لَوْ فُعِلَ وَيَرِدُ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ عِدَّةُ الصَّغِيرَةِ ; إذْ لَا لُزُومَ فِي حَقِّهَا وَلَا تَرَبُّصَ وَاجِبٌ وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ هِيَ الْمُخَاطَبَةَ بَلْ الْوَلِيُّ هُوَ الْمُخَاطَبُ بِأَنْ لَا يُزَوِّجَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ مُدَّةُ الْعِدَّةِ وَلِهَذَا لَمْ يُطْلِقْ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ لَفْظَ الْوُجُوبِ عَلَى عِدَّةِ الصَّغِيرَةِ لِعَدَمِ خِطَابِهَا وَإِنَّمَا يَقُولُونَ تَعْتَدُّ وَقُيِّدَ بِقَوْلِهِ يَلْزَمُ الْمَرْأَةَ ; لِأَنَّ مَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ مِنْ التَّرَبُّصِ عَنْ التَّزَوُّجِ إلَى مُضِيِّ عِدَّةِ امْرَأَتِهِ فِي نِكَاحِ أُخْتِهَا وَنَحْوِهِ لَا يُسَمَّى عِدَّةً اصْطِلَاحًا لِاخْتِصَاصِهِ بِتَرَبُّصِهَا وَإِنْ وُجِدَ مَعْنَى الْعِدَّةِ فِيهِ وَيَجُوزُ إطْلَاقُ الْعِدَّةِ عَلَيْهِ شَرْعًا كَمَا أَفْهَمَهُ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَعَلَى هَذَا مَا فِي الْكِتَابِ مَعْنَاهَا الِاصْطِلَاحِيُّ ، وَأَمَّا فِي الشَّرِيعَةِ فَهِيَ تَرَبُّصٌ يَلْزَمُ الْمَرْأَةَ أَوْ الرَّجُلَ عِنْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ وَقَدْ ضَبَطَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي خِزَانَةِ الْفِقْهِ الْمَوَاضِعَ الَّتِي يَمْتَنِعُ الْإِنْسَانُ مِنْ الْوَطْءِ فِيهَا حَتَّى تَمْضِيَ مُدَّةٌ فِي عِشْرِينَ مَوْضِعًا نِكَاحُ أُخْتِ امْرَأَتِهِ وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا وَبِنْتِ أُخْتِهَا وَبِنْتِ أَخِيهَا 139 وَالْخَامِسَةِ وَإِدْخَالُ الْأَمَةِ عَلَى الْحُرَّةِ وَنِكَاحُ أُخْتِ الْمَوْطُوءَةِ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ أَوْ فِي شُبْهَةِ عَقْدٍ وَنِكَاحُ الرَّابِعَةِ كَذَلِكَ وَنِكَاحُ الْمُعْتَدَّةِ لِلْأَجْنَبِيِّ وَنِكَاحُ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا وَوَطْءُ الْأَمَةِ الْمُشْتَرَاةِ وَالْحَامِلِ مِنْ الزِّنَا إذَا تَزَوَّجَهَا وَالْحَرْبِيَّةِ إذَا أَسْلَمَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَهَاجَرَتْ إلَيْنَا وَكَانَتْ حَامِلًا فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ وَالْمَسْبِيَّةُ لَا تُوطَأُ حَتَّى تَحِيضَ أَوْ يَمْضِيَ شَهْرَانِ كَانَتْ لَا تَحِيضُ لِصِغَرٍ أَوْ كِبَرٍ وَنِكَاحُ الْمُكَاتَبَةِ وَوَطْؤُهَا لِمَوْلَاهَا حَتَّى تَعْتِقَ أَوْ تُعَجِّزَ نَفْسُهَا وَنِكَاحُ الْوَثَنِيَّةِ وَالْمُرْتَدَّةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ لَا يَجُوزُ حَتَّى تُسْلِمَ وَدَخَلَ تَحْتَ شُبْهَةِ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ وَمَنْ زُفَّتْ إلَيْهِ غَيْرُ امْرَأَتِهِ فَوَطِئَهَا وَلَكِنْ خَرَجَ عَنْ التَّعْرِيفِ عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ إذَا مَاتَ مَوْلَاهَا أَوْ أَعْتَقَهَا فَإِنَّهَا وَاجِبَةٌ عِنْدَنَا مَعَ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ عِنْدَ زَوَالِ النِّكَاحِ أَوْ شُبْهَتِهِ هَذَا مَا أَوْرَدْتُهُ قَبْلَ الِاطِّلَاعِ عَلَى الِاصْطِلَاحِ ثُمَّ رَأَيْته عَرَّفَهَا فِيهِ بِمَا يُدْخِلُ عِدَّةَ أُمِّ الْوَلَدِ فَقَالَ هِيَ اسْمٌ لِأَجَلٍ ضُرِبَ لِانْقِضَاءِ مَا بَقِيَ مِنْ آثَارِ النِّكَاحِ أَوْ الْفِرَاشِ وَقَالَ فِي إيضَاحِ الْإِصْلَاحِ لَا بُدَّ مِنْهُ لِتَنْتَظِمَ عِدَّةَ أُمِّ الْوَلَدِ ا هـ .
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَوْ شَبَهِهِ بِإِضَافَةِ الشَّبَهِ إلَى ضَمِيرِ النِّكَاحِ وَعَلَى النُّسْخَةِ الْأُولَى بِإِضَافَةِ الشُّبْهَةِ إلَيْهِ فَعَلَى النُّسْخَةِ الثَّانِيَةِ تَدْخُلُ عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ ; لِأَنَّهَا تَرَبُّصٌ يَلْزَمُهَا عِنْدَ زَوَالِ شَبَهِ النِّكَاحِ لِمَا أَنَّ لَهَا فِرَاشًا كَالْحُرَّةِ وَإِنْ كَانَ أَضْعَفَ مِنْ فِرَاشِهَا وَقَدْ زَالَ بِالْعِتْقِ وَلَكِنْ لَا يَدْخُلُ مَنْ زُفَّتْ إلَيْهِ غَيْرُ امْرَأَتِهِ وَقُلْنَ امْرَأَتُك إلَّا عَلَى النُّسْخَةِ الْأُولَى وَعَلَيْهَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ قَوْلُهُ أَوْ شُبْهَتِهِ مَعْطُوفٌ عَلَى الزَّوَالِ لَا عَلَى النِّكَاحِ ; لِأَنَّهُ لَوْ عُطِفَ عَلَيْهِ لَاقْتَضَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا عِنْدَ زَوَالِ الشُّبْهَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَأَمَّا سَبَبُ وُجُوبِهَا فَلِكُلِّ نَوْعٍ مِنْهَا سَبَبٌ فَعِدَّةُ الْأَقْرَاءِ لِوُجُوبِهَا أَسْبَابٌ مِنْهَا الْفُرْقَةُ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ سَوَاءٌ كَانَتْ بِطَلَاقٍ أَوْ بِغَيْرِ طَلَاقٍ بَعْدَ وَطْءٍ أَوْ خَلْوَةٍ وَمِنْهَا عِدَّةُ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ سَبَبُهَا تَفْرِيقُ الْقَاضِي أَوْ الْمُشَارَكَةُ وَشَرْطُهَا أَنْ تَكُونَ بَعْدَ الْوَطْءِ حَقِيقَةً وَمِنْهَا عِدَّةُ الْوَطْءِ عَنْ شُبْهَةٍ فَسَبَبُهَا الْوَطْءُ وَمِنْهَا عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ وَسَبَبُهَا عِتْقُ الْمَوْلَى بِإِعْتَاقِهِ أَوْ مَوْتِهِ .
وَأَمَّا عِدَّةُ مَنْ لَمْ تَحِضْ لِصِغَرٍ أَوْ كِبَرٍ سَبَبُهَا الطَّلَاقُ وَشَرْطُ وُجُوبِهَا إمَّا الصِّغَرُ أَوْ الْكِبَرُ أَوْ عَدَمُ الْحَيْضِ رَأْسًا وَالثَّانِي الدُّخُولُ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا ، وَأَمَّا عِدَّةُ الْحَمْلِ فَسَبَبُهَا الْفُرْقَةُ أَوْ الْوَفَاةُ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ مُخْتَصَرًا وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِهَا عَقْدُ النِّكَاحِ الْمُتَأَكِّدُ بِالتَّسْلِيمِ أَوْ مَا يَجْرِي مَجْرَاهُ مِنْ الْخَلْوَةِ وَالْمَوْتِ ، وَلَوْ فَاسِدًا ، وَأَمَّا الْفُرْقَةُ فَشَرْطُهَا ، فَالْإِضَافَةُ فِي قَوْلِهِمْ عِدَّةُ الطَّلَاقِ إلَى الشَّرْطِ ا هـ .
وَالظَّاهِرُ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ لِعَدَمِ صَلَاحِيَةِ الطَّلَاقِ وَالْمَوْتِ لِلسَّبَبِيَّةِ لِمَا فِي الْمُصَفَّى كَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا تَجِبَ الْعِدَّةُ بِالطَّلَاقِ وَالْمَوْتِ ; لِأَنَّهُمَا مُزِيلَانِ لِلنِّكَاحِ وَالشَّيْءُ إذَا زَالَ يَزُولُ بِجَمِيعِ آثَارِهِ وَإِنَّمَا وَجَبَتْ بِالنَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ ا هـ .
وَحُكْمُهَا حُرْمَةُ نِكَاحِهَا عَلَى غَيْرِهِ وَحُرْمَةُ نِكَاحِ أُخْتِهَا وَأَرْبَعٍ سِوَاهَا كَذَا قَالُوا : وَيَنْبَغِي الِاقْتِصَارُ عَلَى الثَّانِي ; لِأَنَّ حُرْمَةَ نِكَاحِهَا عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي قَدَّمْنَا أَنَّهَا الرَّكْنُ وَمَحْظُورَاتُهَا حُرْمَةُ التَّزَيُّنِ وَالتَّطَيُّبِ خُصُوصًا فِي الْمُبَانَةِ وَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَنْزِلِ عُمُومًا كَمَا سَيَأْتِي فِي الْحِدَادِ وَأَنْوَاعُهَا حَيْضٌ وَأَشْهُرٌ وَوَضْعُ حَمْلٍ لَتُعْرَفَ بَرَاءَةُ رَحِمٍ وَلِلتَّعَبُّدِ وَلِإِظْهَارِ حُزْنٍ عَلَى زَوْجٍ وَإِلَى هُنَا ظَهَرَ أَنَّ الْكَلَامَ فِيهَا فِي عَشَرَةِ مَوَاضِعَ مَعْنَاهَا لُغَةً وَشَرْعًا وَاصْطِلَاحًا وَرُكْنُهَا وَشَرْطُهَا وَسَبَبُهَا وَحُكْمُهَا وَمَحْظُورَاتُهَا وَأَنْوَاعُهَا وَدَلِيلُهَا .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith