البحر الرائق شرح كنز الدقائق
البحر الرائق شرح كنز الدقائق · الجزء الخامس
الصفحة 2739 · ص. المطبوع 59 · الشرح
( قَوْلُهُ وَمُصْحَفٍ وَلَوْ مُحَلًّى ) أَيْ لَا قَطْعَ فِي سَرِقَةِ مُصْحَفٍ وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ حِلْيَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ; لِأَنَّ الْآخِذَ يَتَأَوَّلُ فِي أَخْذِهِ الْقِرَاءَةَ وَلَا نَظَرَ فِيهِ وَلِأَنَّهُ لَا مَالِيَّةَ لَهُ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَكْتُوبِ وَإِحْرَازُهُ لِأَجْلِهِ لَا لِلْجِلْدِ ، وَالْأَوْرَاقِ ، وَالْحِلْيَةِ ، وَإِنَّمَا هِيَ تَوَابِعُ وَلَا مُعْتَبَرَ بِالتَّبَعِ كَمَنْ سَرَقَ آنِيَةً فِيهَا خَمْرٌ وَقِيمَةُ الْآنِيَةِ تَرْبُو عَلَى النِّصَابِ وَكَمَنْ سَرَقَ صَبِيًّا حُرًّا وَعَلَيْهِ حُلِيٌّ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ سَرَقَ ثَوْبًا لَا يُسَاوِي عَشَرَةً وَوَجَدَ فِي جَيْبِهِ عَشَرَةً مَصْرُورَةً لَمْ يَعْلَمْ بِهَا لَمْ أَقْطَعْهُ ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ بِهَا فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ وَسَيَأْتِي أَنَّهُ لَا قَطْعَ فِي الدَّفَاتِرِ وَهِيَ الْكُتُبُ شَرْعِيَّةً كَانَتْ أَوْ لَا ( قَوْلُهُ وَبَابِ مَسْجِدٍ ) 59 لِعَدَمِ الْإِحْرَازِ فَصَارَ كَبَابِ الدَّارِ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ يُحْرَزُ بِبَابِ الدَّارِ مَا فِيهَا وَلَا يُحْرَزُ بِبَابِ الْمَسْجِدِ مَا فِيهِ حَتَّى لَا يَجِبَ الْقَطْعُ بِسَرِقَةِ مَتَاعِهِ قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ ، فَإِنْ اعْتَادَ سَرِقَةَ أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ فَيَجِبُ أَنْ يُعَزَّرَ وَيُبَالَغَ فِيهِ وَيُحْبَسَ حَتَّى يَتُوبَ . ا هـ .
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ سَارِقُ الْبَزَابِيزِ مِنْ الْمِيَضِ أَوْ أَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا قَطْعَ فِي سَرِقَةِ حُصُرِهِ وَقَنَادِيلِهِ وَكَذَا أَسْتَارُ الْكَعْبَةِ ، وَإِنْ كَانَتْ مُحْرَزَةً لِعَدَمِ الْمَالِكِ ( قَوْلُهُ وَصَلِيبِ ذَهَبٍ وَشِطْرَنْجٍ وَنَرْدٍ ) ; لِأَنَّهُ يَتَأَوَّلُ مِنْ أَخْذِهَا الْكَسْرَ نَهْيًا عَنْ الْمُنْكَرِ بِخِلَافِ الدِّرْهَمِ الَّذِي عَلَيْهِ التِّمْثَالُ ; لِأَنَّهُ مَا أُعِدَّ لِلْعِبَادَةِ فَلَا يُثْبِتُ شُبْهَةَ إبَاحَةِ الْكَسْرِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ فِي حِرْزٍ أَوْ لَا ، وَالشِّطْرَنْجُ بِكَسْرِ الشِّينِ وَفِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ النَّرْدُ الَّذِي يُلْعَبُ بِهِ وَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ وَقَلَّ مَا يَأْتَلِفُ النُّونُ ، وَالرَّاءُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ إلَّا بِدَخْلٍ بَيْنَهُمَا . ا هـ .
وَسَيَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ أَنَّهُ كُلُّ لَعِبٍ لَا يَحْتَاجُ لَاعِبُهُ إلَى فِكْرٍ وَحِسَابٍ
( قَوْلُهُ وَصَبِيٍّ حُرٍّ وَلَوْ مَعَهُ حُلِيٌّ ) ; لِأَنَّ الْحُرَّ لَيْسَ بِمَالٍ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ الْحُلِيِّ تَبَعٌ لَهُ وَلِأَنَّهُ يَتَأَوَّلُ فِي أَخْذِ الصَّبِيِّ إسْكَاتَهُ أَوْ حَمْلَهُ إلَى مُرْضِعَتِهِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الصَّبِيَّ الَّذِي لَا يَمْشِي وَلَا يَتَكَلَّمُ ، وَالْحُلِيُّ بِضَمِّ الْحَاءِ جَمْعُ حَلْيٍ بِفَتْحِهَا مَا يُلْبَسُ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ جَوَاهِرَ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَوْ سَرَقَ إنَاءَ ذَهَبٍ فِيهِ نَبِيذٌ أَوْ ثَرِيدٌ أَوْ كَلْبًا عَلَيْهِ قِلَادَةُ فِضَّةٍ فَلَا يُقْطَعُ عَلَى الْمَذْهَبِ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَرَجَّحَهَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَصْلٌ مَقْصُودٌ بِالْأَخْذِ بَلْ الْقَصْدُ إلَى الْإِنَاءِ الذَّهَبُ أَظْهَرُ مِنْهُ إلَى مَا فِيهِ وَمَا يُوَافِقُ مَا ذَكَرْنَا مَا فِي التَّجْنِيسِ سَرَقَ كُوزًا فِيهِ عَسَلٌ وَقِيمَةُ الْكُوزِ تِسْعَةٌ وَقِيمَةُ الْعَسَلِ دِرْهَمٌ يُقْطَعُ وَكَذَا إذَا سَرَقَ حِمَارًا يُسَاوِي تِسْعَةً وَعَلَيْهِ إكَافٌ يُسَاوِي دِرْهَمًا بِخِلَافِ مَا إذَا سَرَقَ قُمْقُمَةً فِيهَا مَا يُسَاوِي عَشَرَةً ; لِأَنَّهُ سَرَقَ مَاءً مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَبْسُوطِ فِيمَنْ سَرَقَ ثَوْبًا لَا يُسَاوِي عَشَرَةً مَصْرُورَةً عَلَيْهِ عَشَرَةٌ قَالَ يُقْطَعُ إذَا عَلِمَ أَنَّ عَلَيْهِ مَالًا بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ ( قَوْلُهُ وَعَبْدٍ كَبِيرٍ وَدَفَاتِرَ بِخِلَافِ الصَّغِيرِ وَدَفَاتِرِ الْحِسَابِ ) ; لِأَنَّهُ فِي الْكَبِيرِ غَصْبٌ أَوْ خِدَاعٌ وَهِيَ مُتَحَقِّقَةٌ فِي الصَّغِيرِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يُقْطَعُ ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا لَا يَعْقِلُ وَلَا يَتَكَلَّمُ اسْتِحْسَانًا ; لِأَنَّهُ آدَمِيٌّ مِنْ وَجْهٍ مَالٌ مِنْ وَجْهٍ وَلَهُمَا أَنَّهُ مَالٌ مُطْلَقٌ لِكَوْنِهِ مُنْتَفَعًا بِهِ أَوْ بِعَرْضٍ أَنْ يَصِيرَ مُنْتَفَعًا بِهِ إلَّا أَنَّهُ انْضَمَّ إلَيْهِ مَعْنَى الْآدَمِيَّةِ وَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ النِّصَابِ وَفِي أُذُنِهِ شَيْءٌ يُكْمِلُ النِّصَابَ يُقْطَعُ بِاعْتِبَارِ الضَّمِّ أَرَادَ بِالْكَبِيرِ الْمُمَيِّزَ الْمُعَبِّرَ عَنْ نَفْسِهِ بَالِغًا كَانَ أَوْ صَبِيًّا وَبِالصَّغِيرِ الَّذِي لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ وَأَطْلَقَ فِي الْكَبِيرِ فَشَمِلَ النَّائِمَ ، وَالْمَجْنُونَ ، وَالْأَعْمَى ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ الدَّفَاتِرِ مَا فِيهَا ، وَذَلِكَ لَيْسَ بِمَالٍ إلَّا دَفْتَرَ الْحِسَابِ ; لِأَنَّ مَا فِيهِ لَا يُقْصَدُ بِالْأَخْذِ فَكَانَ الْمَقْصُودُ هُوَ الْكَاغَدَ ، وَالْمُرَادُ بِالدَّفَاتِرِ صَحَائِفُ فِيهَا كِتَابَةٌ مِنْ عَرَبِيَّةٍ أَوْ شَعْرٍ أَوْ حَدِيثٍ أَوْ تَفْسِيرٍ أَوْ فِقْهٍ مِمَّا هُوَ مِنْ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ .
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي غَيْرِهَا فَقِيلَ مُلْحَقَةٌ بِدَفَاتِرِ الْحِسَابِ فَيُقْطَعُ فِيهَا وَقِيلَ بِكُتُبِ الشَّرِيعَةِ ; لِأَنَّ مَعْرِفَتَهَا قَدْ تَتَوَقَّفُ عَلَى اللُّغَةِ ، وَالشِّعْرِ ، وَالْحَاجَةُ ، وَإِنْ قَلَّتْ كَفَتْ فِي إيرَاثِ الشُّبْهَةِ ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنْ لَا يَخْتَلِفَ فِي الْقَطْعِ بِسَرِقَةِ كُتُبِ السِّحْرِ ، وَالْفَلْسَفَةِ ; لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ مَا فِيهَا لِأَهْلِ الدِّيَانَةِ فَكَانَتْ سَرِقَةً صِرْفًا ، وَالْمُرَادُ بِدَفَاتِرِ الْحِسَابِ دَفَاتِرُ أَهْلِ الدُّيُونِ وَقَوْلُهُمْ : لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْكَاغَدُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الَّذِي مَضَى حِسَابُهُ ، وَقَدْ قِيلَ بِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الشُّمُنِّيُّ ، وَأَمَّا الدَّفَاتِرُ الَّتِي فِي الدِّيوَانِ الْمَعْمُولُ بِهَا فَالْمَقْصُودُ عِلْمُ مَا فِيهَا فَلَا قَطْعَ ، وَأَمَّا دَفَاتِرُ مِثْلِ عِلْمِ الْحِسَابِ ، وَالْهَنْدَسَةِ فَهُوَ كَغَيْرِهِ فَلَا قَطْعَ بِسَرِقَتِهِ ; لِأَنَّهُ كَكُتُبِ الْأَدَبِ ، وَالشِّعْرِ وَقَيَّدَ بِالدَّفَاتِرِ ; لِأَنَّهُ لَوْ سَرَقَ الْوَرَقَ ، وَالْجِلْدَ قَبْلَ الْكِتَابَةِ قُطِعَ ذَكَرَهُ الشُّمُنِّيُّ ( قَوْلُهُ وَكَلْبٍ وَفَهْدٍ ) ; لِأَنَّ مِنْ جِنْسِهَا يُوجَدُ مُبَاحُ الْأَصْلِ غَيْرُ مَرْغُوبٍ فِيهِ وَلِأَنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ظَاهِرٌ فِي مَالِيَّةِ الْكَلْبِ فَأَوْرَثَ شُبْهَةً أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ عَلَيْهِ طَوْقُ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ عَلِمَ بِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ ; لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُ كَالصَّبِيِّ الْحُرِّ إذَا كَانَ عَلَيْهِ حُلِيٌّ .
( قَوْلُهُ وَدُفٍّ وَطَبْلٍ وَبَرْبَطٍ وَمِزْمَارٍ ) ; لِأَنَّهُمَا عِنْدَهُمَا 60 لَا قِيمَةَ لَهَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى فَلَا ضَمَانَ عَلَى مَنْ كَسَرَهَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ آخِذُهَا يَتَأَوَّلُ الْكَسْرَ فِيهَا ، وَالدُّفُّ بِالضَّمِّ ، وَالْفَتْحِ الَّذِي يُلْعَبُ بِهِ وَهُوَ نَوْعَانِ مُدَوَّرٌ وَمُرَبَّعٌ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ ، وَالْبَرْبَطُ بِفَتْحِ الْبَاءَيْنِ الْمُوَحَّدَتَيْنِ وَهُوَ الْعُودُ كَذَا فِي التَّرْغِيبِ ، وَالتَّرْهِيبِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الدُّفَّ ، وَالطَّبْلَ لِلْغُزَاةِ وَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ ، وَالْأَصَحُّ عَدَمُ الْقَطْعِ ; لِأَنَّ صَلَاحِيَّتَهُ لِلَّهْوِ صَارَتْ شُبْهَةً كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ ( قَوْلُهُ وَبِخِيَانَةٍ وَنَهْبٍ وَاخْتِلَاسٍ ) لِانْتِفَاءِ رُكْنِ السَّرِقَةِ وَهِيَ الْأَخْذُ خُفْيَةً الْخِيَانَةُ هِيَ الْأَخْذُ مِمَّا فِي يَدِهِ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ ، وَالنَّهْبُ هُوَ الْأَخْذُ عَلَى وَجْهِ الْعَلَانِيَةِ ، وَالْقَهْرِ فِي بَلَدٍ أَوْ قَرْيَةٍ ، وَالِاخْتِلَاسُ الِاخْتِطَافُ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ الشَّيْءَ بِسُرْعَةٍ ، وَالِاسْمُ الْخِلْسَةُ وَفِي السُّنَنِ ، وَالْجَامِعِ لِلتِّرْمِذِيِّ مَرْفُوعًا { ۝ لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلَا مُنْتَهِبٍ وَلَا مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ } ، وَأَمَّا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { ۝ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَطْعِهَا } فَأَجَابَ عَنْهُ الْجَمَاهِيرُ بِأَنَّ الْقَطْعَ كَانَ لِسَرِقَةٍ صَدَرَتْ مِنْهَا وَتَمَامُهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث