البحر الرائق شرح كنز الدقائق
البحر الرائق شرح كنز الدقائق · الجزء السابع
page 3909 · printed p. 40 · commentary
( قَوْلُهُ وَمَنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ مَالًا فَقَالَ مَا كَانَ لَك عَلَيَّ شَيْءٌ قَطُّ فَبَرْهَنَ الْمُدَّعِي عَلَى أَلْفٍ وَهُوَ بَرْهَنَ عَلَى الْقَضَاءِ أَوْ الْإِبْرَاءِ قُبِلَ ) لِإِمْكَانِ التَّوْفِيقِ ; لِأَنَّ غَيْرَ الْحَقِّ قَدْ يُقْضَى وَيَبْرَأُ مِنْهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُؤَكِّدَ النَّفْيَ بِكَلِمَةِ قَطُّ أَوْ لَا وَأَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا قَضَى بِالْمَالِ ثُمَّ ادَّعَى الْإِيفَاءَ كَمَا فِي الْمُلْتَقَطِ فَالدَّفْعُ بَعْدَ الْقَضَاءِ صَحِيحٌ إلَّا فِي مَسْأَلَةِ الْمُخَمَّسَةِ كَمَا سَيَأْتِي وَأَشَارَ الْمُؤَلِّفُ إلَى أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى الْقِصَاصَ عَلَى آخَرَ فَأَنْكَرَ فَبَرْهَنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْعَفْوِ أَوْ عَلَى الصُّلْحِ عَنْهُ عَلَى مَالٍ تُقْبَلُ وَكَذَا فِي دَعْوَى الرِّقِّ وَقَيَّدَ بِكَوْنِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَمْ يُصَالِحُ لِسُكُوتِهِ 40 عَنْهُ وَالْأَصْلُ الْعَدَمُ أَمَّا إذَا أَنْكَرَ فَصَالَحَهُ عَلَى شَيْءٍ ثُمَّ بَرْهَنَ عَلَى الْإِيفَاءِ أَوْ الْإِبْرَاءِ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا ادَّعَى الْإِيفَاءَ ثُمَّ صَالَحَهُ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ بُرْهَانُهُ عَلَى الْإِيفَاءِ كَمَا فِي الْخِزَانَةِ وَإِلَى أَنَّهُ مَتَى أَمْكَنَ التَّوْفِيقُ فَلَا تَنَاقُضَ فَمِنْ ذَلِكَ ادَّعَى مَالًا بِالشَّرِكَةِ ثُمَّ ادَّعَاهُ دَيْنًا عَلَيْهِ تُسْمَعُ وَعَلَى الْقَلْبِ لَا ; لِأَنَّ مَالَ الشَّرِكَةِ يَنْقَلِبُ دَيْنًا بِالْجُحُودِ وَالدَّيْنُ لَا يَنْقَلِبُ أَمَانَةً وَلَا شَرِكَةً كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ .
وَفِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ ادَّعَى عَلَيْهِ شَيْئًا فَأَجَابَ قَائِلًا إنِّي آتِي بِالدَّفْعِ فَقِيلَ أَعْلَى الْإِيفَاءِ أَوْ الْإِبْرَاءِ فَقَالَ عَلَى كِلَيْهِمَا يُسْمَعُ قَوْلُهُ إنْ وَفَّقَ بِأَنْ قَالَ أَوْفَيْت الْبَعْضَ وَأَبْرَأَنِي عَنْ الْبَعْضِ أَوْ قَالَ أَبْرَأَنِي عَنْ الْكُلِّ لَكِنْ لَمَّا أَنْكَرَ الْإِبْرَاءَ أَوْفَيْت ا هـ .
وَلَا يَخْفَى أَنَّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْإِمْكَانَ كَافٍ يُسْمَعُ مُطْلَقًا وَمِنْ مَسَائِلِ دَعْوَى الْإِيفَاءِ مَا فِي الْمُحِيطِ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الْمُخَمَّسَةِ ادَّعَى عَلَى الْآخَرِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَأَنَّهُ اسْتَوْفَى مِائَةً وَخَمْسِينَ وَبَقِيَ عَلَيْهِ خَمْسُونَ وَأَثْبَتَهَا بِالْبَيِّنَةِ ثُمَّ بَرْهَنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ أَوْفَاهُ الْخَمْسِينَ لَا تُسْمَعُ حَتَّى يَقُولَا هَذِهِ الْخَمْسُونَ الَّتِي تَدَّعِي ; لِأَنَّ فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ خَمْسِينَ ا هـ .
وَفِي دَعْوَى الْمُلْتَقَطِ لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ لَهُ عَلَى فُلَانٍ أَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ ثُمَّ أَقَرَّ الْمُدَّعِي أَنَّ لِلْمُنْكِرِ عَلَيْهِ ثَلَثَمِائَةٍ سَقَطَ عَنْ الْمُنْكِرِ ثَلَاثُمِائَةٍ عِنْدَ أَبِي الْقَاسِمِ الصَّفَّارِ وَعِنْدَ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى بْنِ النَّضْرِ أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى ا هـ .
وَلْيُتَأَمَّلْ فِي وَجْهِ عَدَمِ السُّقُوطِ وَقَيَّدَ بِدَعْوَى الْإِيفَاءِ بَعْدَ الْإِنْكَارِ إذْ لَوْ ادَّعَاهُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ فَإِنْ كَانَ كِلَا الْقَوْلَيْنِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ لَمْ يُقْبَلْ لِلتَّنَاقُصِ وَإِنْ تَفَرَّقَا عَنْ الْمَجْلِسِ ثُمَّ ادَّعَاهُ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْإِيفَاءِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ تُقْبَلُ لِعَدَمِ التَّنَاقُضِ وَإِنْ ادَّعَى الْإِيفَاءَ قَبْلَ الْإِقْرَارِ لَا تُقْبَلُ كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ .
( قَوْلُهُ وَإِنْ زَادَ وَلَا أَعْرِفُك لَا ) أَيْ زَادَ قَوْلَهُ وَلَا أَعْرِفُك عَلَى قَوْلِهِ مَا كَانَ لَك عَلَيَّ شَيْءٌ قَطُّ لَمْ يُقْبَلْ بُرْهَانُهُ وَالْمُرَادُ هَذِهِ الْكَلِمَةُ وَمَا كَانَ مَعْنَاهَا نَحْوَ وَلَا رَأَيْتُك أَوْ وَلَا جَرَى بَيْنِي وَبَيْنَك مُعَامَلَةٌ أَوْ مُخَالَطَةٌ أَوْ خُلْطَةٌ أَوْ وَلَا أَخْذٌ وَلَا إعْطَاءٌ أَوْ مَا اجْتَمَعْت مَعَك فِي مَكَان كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَإِنَّمَا لَمْ تُقْبَلْ لِتَعَذُّرِ التَّوْفِيقِ بَيْنَ كَلَامَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ مُعَامَلَةٌ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ وَذَكَرَ عَنْ أَصْحَابِنَا الْقُدُورِيِّ أَنَّهُ يُقْبَلُ لِإِمْكَانِ التَّوْفِيقِ ; لِأَنَّ الْمُحْتَجِبَ مِنْ الرِّجَالِ وَالْمُخَدَّرَةَ قَدْ يُؤْذَى بِالشَّغَبِ عَلَى بَابِهِ فَيَأْمُرُ بَعْضَ وُكَلَائِهِ بِإِرْضَاءِ الْخَصْمِ وَلَا يَعْرِفُهُ ثُمَّ يَعْرِفُهُ وَفَرَّعَ عَلَيْهِ فِي النِّهَايَةِ تَبَعًا لِقَاضِي خَانْ بِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَوْ كَانَ مِمَّنْ يَتَوَلَّى الْأَعْمَالَ بِنَفْسِهِ لَا يُقْبَلُ ا هـ .
فَالْمُحْتَجِبُ مَنْ لَا يَتَوَلَّى الْأَعْمَالَ بِنَفْسِهِ وَقِيلَ مَنْ لَا يَرَاهُ كُلُّ أَحَدٍ لِعَظَمَتِهِ وَفِي الْقَامُوسِ الشَّغْبُ وَيُحَرَّكُ وَقِيلَ لَا تَهْيِيجُ الشَّرِّ وَفِي إصْلَاحِ الْإِيضَاحِ وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ مَبْنَى إمْكَانِ التَّوْفِيقِ عَلَى أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مِمَّنْ لَا يَتَوَلَّى الْأَعْمَالَ بِنَفْسِهِ لَا عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ وَتَصْوِيرُ الْقُدُورِيِّ إمْكَانَ التَّوْفِيقِ فِيهِ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ . ا هـ .
وَدَفْعُهُ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ كُلَّهُ فِي تَنَاقُضِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا الْمُدَّعِي وَأَشَارَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ إلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يُمْكِنْ التَّوْفِيقُ لَمْ يَنْدَفِعْ التَّنَاقُضُ فَمِنْ ذَلِكَ مَا فِي الْمِعْرَاجِ مَعْزِيًّا إلَى الشَّافِي لَوْ قَالَ لَمْ أَدْفَعْ إلَيْهِ شَيْئًا ثُمَّ ادَّعَى الدَّفْعَ لَمْ يُسْمَعْ ; لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَقُولَ لَمْ أَدْفَعْ إلَيْهِ شَيْئًا وَقَدْ دَفَعْت أَمَّا لَوْ ادَّعَى إقْرَارَهُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ أَوْ الْقَضَاءِ يَنْبَغِي أَنْ يُسْمَعَ ; لِأَنَّ الْمُتَنَاقِضَ هُوَ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ كَلَامَيْنِ وَهَاهُنَا لَمْ يَجْمَعْ وَلِهَذَا لَوْ صَدَّقَهُ الْمُدَّعِي عِيَانًا لَمْ يَكُنْ مُنَاقِضًا ذَكَرَهُ التُّمُرْتَاشِيُّ وَمِنْ هُنَا أَجَبْت عَنْ حَادِثَةٍ : أَذِنَ لَهُ فِي دَفْعِ الْمَالِ لِأَخِيهِ ثُمَّ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ مَا دَفَعَ فَقَالَ دَفَعْت ثُمَّ قَالَ لَمْ أَدْفَعْ فَحَكَمَ عَلَيْهِ فَجَاءَ الْأَخُ فَأَقَرَّ أَنَّهُ دَفَعَ لَهُ فَإِنَّهُ يَبْرَأُ ; لِأَنَّ تَصْدِيقَ الْأَخِ الْمَأْذُونِ فِي الدَّفْعِ إلَيْهِ كَتَصْدِيقِ الْمُدَّعِي وَقَدْ عَلِمْت مَا إذَا صَدَّقَ الْمُدَّعِيَ وَقِيلَ تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْإِبْرَاءِ فِي هَذَا الْفَصْلِ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ ; لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ يَتَحَقَّقُ بِلَا مَعْرِفَةٍ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ ادَّعَى عَلَيْهِ مِلْكًا مُطْلَقًا ثُمَّ ادَّعَى عَلَيْهِ عِنْدَ ذَلِكَ الْحَاكِمِ بِسَبَبٍ يُقْبَلُ وَيُسْمَعُ بُرْهَانُهُ بِخِلَافِ الْعَكْسِ إلَّا أَنْ يَقُولَ الْعَاكِسُ أَرَدْت بِالْمُطْلَقِ الثَّانِي الْمُقَيَّدَ الْأَوَّلَ لِكَوْنِ الْمُطْلَقِ أَزْيَدَ مِنْ الْمُقَيَّدِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى نَصَّ عَلَيْهِ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ادَّعَى النِّتَاجَ أَوَّلًا ثُمَّ الْمِلْكَ الْمُقَيَّدَ فَقِيَاسُ مَا ذَكَرُوهُ أَنَّهُ إذَا ادَّعَى النِّتَاجَ وَشَهِدَ بِالْمُقَيَّدِ لَا يُقْبَلُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ . ا هـ .
وَفِي إقْرَارِ الْبَزَّازِيَّةِ أَقَرَّ بِبَيْعِ عَبْدِهِ مِنْ فُلَانٍ ثُمَّ جَحَدَهُ صَحَّ ; لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْبَيْعِ بِلَا ثَمَنٍ إقْرَارٌ بَاطِلٌ ا هـ .
41 وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ كَفَلَ بِثَمَنٍ أَوْ مَهْرٍ ثُمَّ الْكَفِيلُ بَرْهَنَ عَلَى فَسَادِ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ لَا تُقْبَلُ ; لِأَنَّ إقْدَامَهُ عَلَى الْتِزَامِ الْمَالِ إقْرَارٌ مِنْهُ بِصِحَّةِ سَبَبِ وُجُوبِ الْمَالِ فَلَا تُسْمَعُ مِنْهُ بَعْدَهُ دَعْوَى الْفَسَادِ وَلَوْ بَرْهَنَ عَلَى إيفَاءِ الْأَصِيلِ أَوْ عَلَى إبْرَائِهِ تُقْبَلُ ; لِأَنَّهُ تَقْرِيرٌ لِلْوُجُوبِ السَّابِقِ كَفَلَ عَنْهُ بِأَلْفٍ لِرَجُلٍ يَدَّعِيهِ فَبَرْهَنَ الْكَفِيلُ أَنَّ الْأَلْفَ الْمُدَّعَاةَ ثَمَنُ خَمْرٍ لَا تُقْبَلُ وَلَوْ قَالَ الْكَفِيلُ الْأَلْفُ الْمُدَّعَاةُ قِمَارٌ أَوْ ثَمَنُ خَمْرٍ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا لَا يَجِبُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَلَوْ بَرْهَنَ عَلَى إقْرَارِ الْمَكْفُولِ لَهُ وَهُوَ يَجْحَدُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَلِّفَ الطَّالِبَ وَلَوْ أَقَرَّ بِهِ الطَّالِبُ عِنْدَ الْقَاضِي بَرِئَ الْأَصِيلُ وَالْكَفِيلُ جَمِيعًا ا هـ .
أَقُولُ : لَا يُقَالُ لَمَّا بَرِئَا بِإِقْرَارِهِ يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ بَيِّنَةُ إقْرَارِهِ ; لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تُسْمَعُ عِنْدَ صِحَّةِ الدَّعْوَى وَقَدْ بَطَلَتْ هُنَا لِلتَّنَاقُضِ ; لِأَنَّ كَفَالَتَهُ إقْرَارٌ بِصِحَّتِهَا ا هـ .
وَفِي الِاخْتِيَارِ كُلُّ قَوْلَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ صَدَرَا مِنْ الْمُدَّعِي عِنْدَ الْحَاكِمِ فَإِنْ أَمْكَنَ التَّوْفِيقُ قُبِلَ وَإِلَّا لَمْ يُقْبَلْ كَمَا إذَا صَدَرَ مِنْ الشُّهُودِ وَكُلُّ مَا أَثَّرَ فِي قَدْحِ الشَّهَادَةِ أَثَّرَ فِي مَنْعِ اسْتِمَاعِ الدَّعْوَى ا هـ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith