البحر الرائق شرح كنز الدقائق
البحر الرائق شرح كنز الدقائق · الجزء السابع
الصفحة 4023 · ص. المطبوع 99 · الشرح
99 ( قَوْلُهُ أَوْ عَلَى إقْرَارِهِمْ أَنَّهُمْ شَهِدُوا بِالزُّورِ ) قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّهُمْ لَوْ شَهِدُوا عَلَى إقْرَارِ الْمُدَّعِي بِأَنَّ الشُّهُودَ كَذَلِكَ تُقْبَلُ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا ( قَوْلُهُ وَكَذَا الْإِقْرَارُ مِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحُكْمِ ) أَيْ وَلَيْسَ فِيهِ هَتْكُ السِّتْرِ بَلْ حِكَايَةُ الْهَتْكِ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ عَلَى إقْرَارِ الشُّهُودِ بِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِزُورٍ فَإِنَّهَا لَا يُقْبَلُ مَعَ أَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى الْإِقْرَارِ الدَّاخِلِ تَحْتَ الْحُكْمِ ; لِأَنَّ فِيهِ هَتْكَ السِّتْرِ وَبِهِ يَثْبُتُ الْفِسْقُ ( قَوْلُهُ عَلَى أَنِّي صَالَحْت الشُّهُودَ ) قَالَ فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ لَعَلَّ الْمُرَادَ بِصَالَحْتُ أَعْطَيْت الرِّشْوَةَ لِدَفْعِ ظُلْمِهِ وَإِلَّا فَلَا صُلْحَ بِالْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ بَيْنَهُمَا ( قَوْلُهُ إنَّمَا هُوَ بَعْدَ التَّزْكِيَةِ إلَخْ ) قَالَ الرَّمْلِيُّ يَفْهَمُ مِنْهُ قَبُولَهُ قَبْلَهَا مِنْهُ عِنْدَ الْإِمَامِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ سَمَاعِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْجَرْحِ الْمُجَرَّدِ تَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ وَلَكِنَّ عَدَمَ الْقَبُولِ إلَخْ ) أَتَى بِالِاسْتِدْرَاكِ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ السَّابِقَ مُحْتَمِلٌ لِقَبُولِ الْجَرْحِ الْمُجَرَّدِ قَبْلَ التَّعْدِيلِ كَقَبُولِ غَيْرِ الْمُجَرَّدِ وَمُحْتَمِلٌ لِعَدَمِ قَبُولِهِ تَأَمَّلْ .
( قَوْلُهُ وَفِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ إلَخْ ) هَذَا غَيْرُ مُخَالِفٍ لِمَا قَالَهُ ابْنُ الْكَمَالِ لِأَنَّ إخْبَارَ الْمُخْبِرِ لِلطَّعْنِ لَا لِإِثْبَاتِ الْفِسْقِ كَمَا قَالَهُ وَقَالَ فِي الدُّرَرِ بَعْدَ نَقْلِهِ كَلَامَ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ أَقُولُ : تَحْقِيقُهُ أَنَّ جَرْحَ الشَّاهِدِ قَبْلَ التَّعْدِيلِ دَفْعٌ لِلشَّهَادَةِ قَبْلَ ثُبُوتِهَا وَهِيَ مِنْ بَابِ الدِّيَانَاتِ وَلِهَذَا قُبِلَ فِيهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَبَعْدَ التَّعْدِيلِ دَفْعٌ لِلشَّهَادَةِ بَعْدَ ثُبُوتِهَا حَتَّى وَجَبَ عَلَى الْقَاضِي الْعَمَلُ بِهَا إنْ لَمْ يُوجَدْ الْجُرْحُ الْمُعْتَبَرُ وَمِنْ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ أَنَّ الدَّفْعَ أَسْهَلُ مِنْ الرَّفْعِ وَهُوَ السِّرُّ فِي كَوْنِ الْجَرْحِ الْمُجَرَّدِ مَقْبُولًا قَبْلَ التَّعْدِيلِ وَلَوْ مِنْ وَاحِدٍ وَغَيْرَ مَقْبُولٍ بَعْدَهُ بَلْ يَحْتَاجُ إلَى نِصَابِ الشَّهَادَةِ وَإِثْبَاتِ حَقِّ الشَّرْعِ أَوْ الْعَبْدِ فَاضْمَحَلَّ بِهَذَا التَّحْقِيقِ مَا اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْمُتَصَلَّفِينَ بِلَا شُعُورٍ عَلَى مُرَادِ الْقَائِلِ وَمَعَ ذَلِكَ ذَاهِلٌ عَنْ الْقَوَاعِدِ وَغَافِلٌ حَيْثُ قَالَ أَقُولُ : فِيهِ نَظَرٌ إذْ الْفَرْضُ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الشَّهَادَةِ لَا تُعْتَبَرُ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ تَعْدِيلِ الشُّهُودِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَا حَاجَةَ إلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ الصُّورَةِ الْمُقَيَّدَةِ ا هـ .
وَالْمُرَادُ بِالصُّورَةِ الْمُقَيَّدَةِ قَوْلُهُ إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْعَدَالَةِ وَفِي الْعَزْمِيَّةِ وَقَدْ يُقَالُ إنَّمَا لَا تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْجَرْحِ الْمُجَرَّدِ ; لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحُكْمِ وَالْبَيِّنَةُ إنَّمَا تُقْبَلُ عَلَى مَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحُكْمِ وَفِي وُسْعِ الْقَاضِي إلْزَامُهُ وَهَذَا لَا يَخْتَلِفُ بِكَوْنِهِ قَبْلَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْعَدَالَةِ وَكَوْنُهُ بَعْدَهَا وَبِالْجُمْلَةِ يَنْبَغِي أَنْ يُطَالِبَ 100 صَدْرَ الشَّرِيعَةِ فِيمَا ادَّعَاهُ بِالنَّقْلِ فَلْيُتَدَبَّرْ . ا هـ .
وَفِي شَرْحِ الْقُهُسْتَانِيِّ وَفِيهِ أَيْ فِي كَلَامِ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ أَنَّ مُرَادَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَلْتَفِتُ إلَى هَذِهِ الشَّهَادَةِ وَلَكِنْ يَسْأَلُ عَنْ شُهُودِ الْمُدَّعِي سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَإِذَا ثَبَتَ عَدَالَتُهُمْ تُقْبَلُ كَمَا فِي الْمُضْمَرَاتِ . ا هـ .
أَقُولُ : وَأَنْتَ إذَا حَقَّقْت النَّظَرَ يَظْهَرُ لَك عَدَمُ الْمُخَالَفَةِ بَيْنَ كَلَامِهِمْ جَمِيعًا فَكَلَامُ السِّرَاجِ مُحْتَمِلٌ لِقَبُولِهَا عَلَى الْمُجَرَّدِ قَبْلَ التَّعْدِيلِ نَعَمْ ظَاهِرُهُ عَدَمُ الْقَبُولِ وَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّهَا لَا تُثْبِتُ أَمْرًا يُسْقِطُهُمْ عَنْ حَيِّزِ الْقَبُولِ أَمَّا ثُبُوتُ الطَّعْنِ بِهَا وَعَدَمُ الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ الْمَجْرُوحِينَ مَا لَمْ يَعْدِلُوا فَلَا كَلَامَ فِيهِ وَهَذَا مَا قَالَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ وَهُوَ مَا حَقَّقَهُ مُلَّا خُسْرو أَيْضًا مِنْ أَنَّهَا أَفَادَتْ الدَّفْعَ أَيْ عَدَمَ الْعَمَلِ بِتِلْكَ قَبْلَ التَّعْدِيلِ وَلِذَا اسْتَوْضَحَ عَلَيْهِ بِقَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَحَاصِلُهُ تَسْلِيمُ إفَادَتِهَا مُجَرَّدِ الطَّعْنِ لَا إثْبَاتَ فِسْقِ الشَّاهِدَيْنِ الرَّافِعَ لِلْقَبُولِ مَا لَمْ تَمْضِ مُدَّةٌ يَظْهَرُ فِيهَا حُسْنُ حَالِهِمَا وَيَعْدِلُوا بَعْدَهَا وَهَذَا أَيْضًا مَعْنَى قَوْلِ الْقُهُسْتَانِيِّ لَا يَلْتَفِتُ إلَى هَذِهِ الشَّهَادَةِ أَيْ لَا يَثْبُتُ بِهَا فِسْقُهُمْ فَتَدَبَّرْهُ ( قَوْلُهُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْخَصْمَ لَا يَضُرُّهُ الْإِعْلَامُ بِالْجَرْحِ الْمُجَرَّدِ ) ; لِأَنَّ فِسْقَهُ بِإِعْلَانِ الْفَاحِشَةِ لَا يُسْقِطُ حَقَّهُ بِخِلَافِ فِسْقِ الشُّهُودِ يُسْقِطُ شَهَادَتَهُمْ كَمَا مَرَّ ( قَوْلُهُ فَيَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فَقَالَ الشَّارِحُ إلَخْ ) نُقِلَ عَنْ الْمَقْدِسِيَّ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بِمَا هُوَ أَظْهَرُ مِنْ هَذَا بِأَنَّ قَوْلَهُمْ شَرَبَةُ أَوْ زُنَاةٌ أَوْ أَكَلَةُ رِبَا اسْمُ فَاعِلٍ وَهُوَ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ فَلَا يَقْطَعُ بِوَصْفِهِمْ بِمَا ذُكِرَ بِخِلَافِ الْمَاضِي مِثْلَ قَوْلِهِمْ شَرِبُوا أَوْ زَنَوْا ا هـ .
وَهَذَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ تَخْصِيصِهِمْ فِي التَّمْثِيلِ لِلْأَوَّلِ بِاسْمِ الْفَاعِلِ وَلِلثَّانِي بِالْمَاضِي فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ هُوَ الْمُرَادُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَالْمُرَادُ بِتَقَادُمِ الْعَهْدِ بِأَنْ زَالَتْ الرِّيحُ فِي الْخَمْرِ وَمَضَى شَهْرٌ فِي الْبَاقِي وَبِعَدَمِ تَقَادُمِهِ عَدَمُ ذَلِكَ ( قَوْلُهُ وَرَدَّهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنْ تَقَدَّمَ رَدُّهُ ) لَعَلَّهُ بِأَنَّهُ فَسَقَطَ الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ مِنْ الْكَاتِبِ وَعِبَارَةِ الْفَتْحِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي هَذَا مَا يَمْنَعُهُ وَاَلَّذِي قَدَّمَهُ هُوَ قَوْلُهُ فِي جَوَابِ إيرَادٍ قَبْلَهُ حَيْثُ قَالَ وَأَوْرَدَ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ هَذِهِ الشَّهَادَةُ بِجَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ وُجُوهِ الْفِسْقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنْ يُجْعَلُوا مُزَكِّينَ لِشُهُودِ الْمُدَّعِي فَيُخْبِرُونَ بِالْوَاقِعِ مِنْ الْجَرْحِ فَيُعَارِضُ تَعْدِيلَهُمْ وَإِذَا تَعَارَضَ الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ قُدِّمَ الْجَرْحُ أُجِيبُ بِأَنَّ الْمُعَدِّلَ فِي زَمَانِنَا يُخْبِرُ الْقَاضِيَ سِرًّا تَفَادِيًا مِنْ إشَاعَةِ الْفَاحِشَةِ وَالتَّعَادِي ا هـ .
وَفِي الْحَوَاشِي الْيَعْقُوبِيَّةِ بَعْدَ نَقْلِهِ ذَلِكَ وَيُعْلَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ قَوْلَ بَعْضِ شُرَّاحِ الْوِقَايَةِ قُلْت إذَا كَانَ يُقْبَلُ جَرْحُ الْمُزَكِّي لِلشَّاهِدِ بَعْدَ تَعْدِيلِ آخَرَ إيَّاهُ فَلَيْتَ شِعْرَى لَمْ لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ 101 عَلَى الْجَرْحِ الْمُجَرَّدِ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَمَا لَا يَخْفَى فَلْيُتَأَمَّلْ ا هـ .
أَيْ ; لِأَنَّ الْمُزَكِّيَ لَمْ يَفْسُقْ بِإِظْهَارِ الْفَاحِشَةِ ; لِأَنَّهُ يُزَكِّي سِرًّا بِخِلَافِ الشَّاهِدِ فَإِنَّهُ إذَا أَظْهَرهَا فَسَقَ فَلَا يُقْبَلُ جَرْحُهُ تَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ مَحْمُولٌ عَلَى الشَّرِكَةِ عَقْدًا فَمَهْمَا حَصَلَ مِنْ هَذَا الْبَاطِلِ إلَخْ ) أَيْ مِنْ هَذَا الْمَالِ الْبَاطِلِ الْمُدَّعَى بِهِ ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ عَقْدًا يَشْمَلُ الْعَنَانَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ ثُمَّ رَأَيْت فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ قَالَ أَنَّهُ شَرِيكٌ مُفَاوِضٌ إلَى آخِرِ الْعِبَارَةِ وَهُوَ الصَّوَابُ وَقَوْلُهُ لَا أَنْ يُرَادَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ إلَّا أَنْ يُرَادَ وَهُوَ تَحْرِيفٌ .
( قَوْلُهُ رَجُلٌ يُصَلِّي وَيَضُرُّ النَّاسَ إلَخْ ) قَالَ الرَّمْلِيُّ هَذَا لَا يُفِيدُ إثْبَاتَ الْفِسْقِ الْمُجَرَّدِ عَلَى طَرِيقِ الشَّهَادَةِ الشَّرْعِيَّةِ بَلْ يُفِيدُ جَوَازَ إعْلَامِ السُّلْطَانِ بِهِ لِيَزْجُرَهُ وَيَمْنَعَهُ وَمِنْ ثَمَّ أَجَابَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو السُّعُودِ الْعِمَادِيُّ مُفْتِي الدِّيَارِ الرُّومِيَّةِ لَمَّا سُئِلَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ إذَا صَحِبَ مَنْ لَهُ أَمْرٌ وَنَهْيٌ مِنْ الْقُضَاةِ وَالْوُلَاةِ وَغَيْرِهِمْ يَتَطَاوَلُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ بِالسَّبِّ وَالشَّتْمِ وَأَخْذِ الْمَالِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَا يَزَالُ الْمُسْلِمُونَ يَتَضَرَّرُونَ بِذَلِكَ مِنْهُ فَمَاذَا يَلْزَمُهُ أَجَابَ هَذِهِ الصُّورَةُ لَيْسَتْ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَكِنْ إنْ كَانَ ذَلِكَ مُتَوَاتِرًا عِنْدَ هُمْ لَا بُدَّ مِنْ تَعْزِيرٍ بِالضَّرْبِ الْمُبَرِّحِ ثُمَّ حَبْسُهُ إلَى أَنْ تَظْهَرَ مِنْهُ التَّوْبَةُ وَصَلَاحُ الْحَالِ ا هـ . كَلَامُهُ ذَكَرَهُ الْغَزِّيِّ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث