البحر الرائق شرح كنز الدقائق
البحر الرائق شرح كنز الدقائق · الجزء الثامن
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( إلَّا أَنْ يَعْفُونَ ) يَعْنِي يَجِبُ الْقِصَاصُ إلَّا أَنْ يَعْفُوَ الْأَوْلِيَاءُ فَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ بِعَفْوِهِمْ وَلَا يَجِبُ شَيْءٌ هَذَا إذَا كَانَ الْعَفْوُ بِغَيْرِ بَدَلٍ ، وَإِنْ كَانَ بِبَدَلٍ يَجِبُ الْمَشْرُوطُ وَيَتَعَيَّنُ بِالصُّلْحِ لَا بِالْقَتْلِ قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْوَاجِبُ أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ وَيَتَعَيَّنُ بِاخْتِيَارِ الْوَلِيِّ وَلَنَا مَا تَلَوْنَا وَرَوَيْنَا مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الْعَمْدُ قَوَدٌ } فَيَقْتَضِي أَنَّ جِنْسَ الْعَمْدِ وُجُودُ الْقَوَدِ لَا لِلْمَالِ وَمَنْ جَعَلَهُ مُوجِبًا لِلْمَالِ فَقَدْ زَادَ عَلَيْهِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِقَوْلِهِ الْعَمْدُ قَوَدٌ لَا مَالَ فِيهِ وَلِأَنَّ الْمَالَ لَا يَصْلُحُ مُوجِبًا لِعَدَمِ الْمُمَاثَلَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآدَمِيِّ صُورَةً وَمَعْنًى إذْ الْآدَمِيُّ خُلِقَ مُكَرَّمًا لِيَتَحَمَّلَ التَّكْلِيفَ وَيَشْتَغِلَ بِالطَّاعَةِ وَلِيَكُونَ خَلِيفَةَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْأَرْضِ وَالْمَالُ خُلِقَ لِإِقَامَةِ مَصَالِحِهِ وَمُبْتَذَلًا لَهُ فِي حَوَائِجِهِ فَلَا يَصْلُحُ جَابِرًا وَقَائِمًا مَقَامَهُ وَالْقِصَاصُ يَصْلُحُ لِلْمُمَاثَلَةِ صُورَةً ; لِأَنَّهُ قَتْلٌ بِقَوَدٍ ، وَكَذَا مَعْنًى ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْقَتْلِ الِانْتِقَامُ . وَالثَّانِي 331 فِيهِ كَالْأَوَّلِ وَلِهَذَا سُمِّيَ قِصَاصًا وَبِهِ تَحْصُلُ مَنْفَعَةُ الْأَحْيَاءِ بِكَوْنِهِ زَاجِرًا فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلْمَالِ وَلِهَذَا يُضَافُ مَا يُوجِبُ مِنْ الْمَالِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ إلَى الصُّلْحِ ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا وَلَا صُلْحًا } ، وَلَوْ كَانَ عَمْدًا مُوجِبًا لِلْمَالِ لَمَا أَضَافَهُ إلَى الصُّلْحِ وَالْمُرَادُ بِمَا رُوِيَ ثُبُوتُ الْخِيَارِ لِلْمَوْلَى عِنْدَ إعْطَاءِ الْقَاتِلِ الدِّيَةَ وَتَخْيِيرُهُ لَا يُنَافِي رِضَا الْآخَرِ فِي غَيْرِ الْوَاجِبِ ، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ لِلدَّائِنِ خُذْ بِدَيْنِك إنْ شِئْت دَرَاهِمَ ، وَإِنْ شِئْت دَنَانِيرَ ، وَإِنْ شِئْت عُرُوضًا وَمَعْنَاهُ أَنْ لَا يَأْخُذَ غَيْرَ حَقِّهِ إلَّا بِرِضَا الْمَدِينِ ، وَهَذَا شَائِعٌ فِي الْكَلَامِ .
أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا تَأْخُذْ إلَّا سَلَمَك أَوْ رَأْسَ مَالِك } أَيْ لَا تَأْخُذْ إلَّا سَلَمَك عِنْدَ الْمُضِيِّ فِي الْعَقْدِ وَلَا تَأْخُذْ إلَّا رَأْسَ مَالِك عِنْدَ التَّفَاسُخِ فَخَيَّرَهُ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ رَأْسَ مَالِهِ إلَّا بِرِضَا الْآخَرِ ; لِأَنَّ الْفَسْخَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِاتِّفَاقِهِمْ ، فَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ ذَلِكَ أَوْ احْتَمَلَهُ لَا يَبْقَى حُجَّةٌ ، وَاَلَّذِي يَدُلُّك عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ كَانَ الْقِصَاصُ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ ، وَلَمْ تَكُنْ الدِّيَةُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ } إلَى قَوْلِهِ { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ } وَالْعَفْوُ فِي أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ { ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ } فِيمَا كَانَ كُتِبَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَأَخْبَرَ أَنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ لَمْ تَكُنْ فِيهِمْ دِيَةٌ أَيْ كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا عَلَيْهِمْ أَخْذُهُ عِوَضًا عَنْ الْآدَمِيِّ وَيَتْرُكُوهُ فَخَفَّفَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَنَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ } الْآيَةَ وَنَبَّهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الْجِهَةِ بَلْ بَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ وَيَأْخُذَ الدِّيَةَ الَّتِي أُبِيحَتْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَجَعَلَ لَهُمْ أَخْذَهَا إذَا أَعْطَوْهَا وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ { أَنَّ عَمَّةَ الرُّبَيِّعِ لَطَمَتْ جَارِيَةً فَكَسَرَتْ ثَنِيَّتَهَا ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِينَ اخْتَصَمُوا إلَيْهِ كَتَبَ اللَّهُ الْقِصَاصَ } ، وَلَمْ يُخَيِّرْ ، وَلَوْ كَانَ الْمَالُ وَاجِبًا بِهِ لَخَيَّرَ إذْ مَنْ وَجَبَ لَهُ أَخْذُ شَيْئَيْنِ عَلَى الْخِيَارِ لَا يُحْكَمُ لَهُ بِأَحَدِهِمَا مُعَيَّنًا وَإِنَّمَا يُحْكَمُ بِأَنْ يَخْتَارَ أَيَّهُمَا شَاءَ وَاَلَّذِي يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْوَلِيَّ إنْ عَفَا عَنْ الْقِصَاصِ قَبْلَ اخْتِيَارِ الْقِصَاصِ صَحَّ عَفْوُهُ .
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْوَاجِبَ بِالْقَتْلِ لَمَا صَحَّ عَفْوُهُ قَبْلَ تَعَيُّنِهِ وَاخْتِيَارُهُ إذْ الْعَفْوُ عَنْ الشَّيْءِ قَبْلَ وُجُوبِهِ بَاطِلٌ ، فَإِنْ كَانَ الْقِصَاصُ هُوَ الْوَاجِبُ الْأَصْلِيُّ لَا يَنْفَرِدُ الْوَلِيُّ بِالْعُدُولِ عَنْهُ إلَى الْمَالِ بَدَلًا عَنْهُ ; لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ وَلَا يُجْبَرُ أَحَدٌ عَلَى الْمُعَاوَضَةِ كَمَا فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ وَلِهَذَا لَوْ تَرَكَ الْمَوْلَى الْقِصَاصَ بِمَالٍ آخَرَ غَيْرِ الدِّيَةِ كَالدَّارِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْأَعْيَانِ لَا يُجْبَرُ الْقَاتِلُ عَلَى الدَّفْعِ وَأَنَّ فِيهِ إحْيَاءَ نَفْسِهِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُضْطَرَّ الَّذِي ذَكَرَهُ يُجْبَرُ عَلَى الشِّرَاءِ بِحَيْثُ يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ وَإِنَّمَا نَقُولُ يَأْثَمُ إذَا تَرَكَ الشِّرَاءَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَمَاتَ ، وَكَذَا نَقُولُ هُنَا أَيْضًا يَأْثَمُ ، ثُمَّ إذَا لَمْ يُخَلِّصْ نَفْسَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ . وَقَوْلُهُ وَالْآدَمِيُّ قَدْ يَضْمَنُ بِالْمَالِ كَمَا فِي الْخَطَإِ قُلْنَا وُجُوبُ الضَّمَانِ فِي الْخَطَإِ ضَرُورَةَ صَوْنِ الدَّمِ عَنْ الْإِهْدَارِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مِثْلٌ لَهُ ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ الْعُقُوبَةُ وَهُوَ الْقِصَاصُ لِعَدَمِ الْجِنَايَةِ صِيرَ إلَيْهِ لِصَوْنِ الدَّمِ عَنْ الْإِهْدَارِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَتَخَلَّطَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ وَأَدَّى إلَى الْتَفَانِي وَلِأَنَّ النَّفْسَ مُحْتَرَمَةٌ فَلَا تَسْقُطُ حُرْمَتُهَا بِعُذْرِ الْخَاطِئِ كَمَا فِي الْمَالِ فَيَجِبُ الْمَالُ صِيَانَةً لَهَا عَنْ الْإِهْدَارِ وَلَا يُقَالُ وُجُوبُ الْقِصَاصِ لَا يُنَافِي وُجُوبَ الْمَالِ وَلَا الْعُدُولَ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْجَانِي ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ وَهِيَ صَحِيحَةٌ وَيَدُ الْقَاطِعِ شَلَّاءُ فَالْمَقْطُوعُ يَدُهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ الْأَرْشَ ، وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ يَدَهُ الشَّلَّاءَ .
وَكَذَا لَوْ عَفَا أَحَدُ الْأَوْلِيَاءِ بَطَلَ حَقُّ الْبَاقِينَ فِي الْقِصَاصِ وَوَجَبَ لَهُمْ الدِّيَةُ ، وَلَوْ أَنَّهُ وَجَبَ بِالْجِنَايَةِ لَمَا وَجَبَ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ ; لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِمْ كَامِلًا .
أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا تَأْخُذْ إلَّا سَلَمَك أَوْ رَأْسَ مَالِك } أَيْ لَا تَأْخُذْ إلَّا سَلَمَك عِنْدَ الْمُضِيِّ فِي الْعَقْدِ وَلَا تَأْخُذْ إلَّا رَأْسَ مَالِك عِنْدَ التَّفَاسُخِ فَخَيَّرَهُ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ رَأْسَ مَالِهِ إلَّا بِرِضَا الْآخَرِ ; لِأَنَّ الْفَسْخَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِاتِّفَاقِهِمْ ، فَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ ذَلِكَ أَوْ احْتَمَلَهُ لَا يَبْقَى حُجَّةٌ ، وَاَلَّذِي يَدُلُّك عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ كَانَ الْقِصَاصُ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ ، وَلَمْ تَكُنْ الدِّيَةُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ } إلَى قَوْلِهِ { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ } وَالْعَفْوُ فِي أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ { ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ } فِيمَا كَانَ كُتِبَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَأَخْبَرَ أَنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ لَمْ تَكُنْ فِيهِمْ دِيَةٌ أَيْ كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا عَلَيْهِمْ أَخْذُهُ عِوَضًا عَنْ الْآدَمِيِّ وَيَتْرُكُوهُ فَخَفَّفَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَنَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ } الْآيَةَ وَنَبَّهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الْجِهَةِ بَلْ بَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ وَيَأْخُذَ الدِّيَةَ الَّتِي أُبِيحَتْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَجَعَلَ لَهُمْ أَخْذَهَا إذَا أَعْطَوْهَا وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ { أَنَّ عَمَّةَ الرُّبَيِّعِ لَطَمَتْ جَارِيَةً فَكَسَرَتْ ثَنِيَّتَهَا ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِينَ اخْتَصَمُوا إلَيْهِ كَتَبَ اللَّهُ الْقِصَاصَ } ، وَلَمْ يُخَيِّرْ ، وَلَوْ كَانَ الْمَالُ وَاجِبًا بِهِ لَخَيَّرَ إذْ مَنْ وَجَبَ لَهُ أَخْذُ شَيْئَيْنِ عَلَى الْخِيَارِ لَا يُحْكَمُ لَهُ بِأَحَدِهِمَا مُعَيَّنًا وَإِنَّمَا يُحْكَمُ بِأَنْ يَخْتَارَ أَيَّهُمَا شَاءَ وَاَلَّذِي يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْوَلِيَّ إنْ عَفَا عَنْ الْقِصَاصِ قَبْلَ اخْتِيَارِ الْقِصَاصِ صَحَّ عَفْوُهُ .
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْوَاجِبَ بِالْقَتْلِ لَمَا صَحَّ عَفْوُهُ قَبْلَ تَعَيُّنِهِ وَاخْتِيَارُهُ إذْ الْعَفْوُ عَنْ الشَّيْءِ قَبْلَ وُجُوبِهِ بَاطِلٌ ، فَإِنْ كَانَ الْقِصَاصُ هُوَ الْوَاجِبُ الْأَصْلِيُّ لَا يَنْفَرِدُ الْوَلِيُّ بِالْعُدُولِ عَنْهُ إلَى الْمَالِ بَدَلًا عَنْهُ ; لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ وَلَا يُجْبَرُ أَحَدٌ عَلَى الْمُعَاوَضَةِ كَمَا فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ وَلِهَذَا لَوْ تَرَكَ الْمَوْلَى الْقِصَاصَ بِمَالٍ آخَرَ غَيْرِ الدِّيَةِ كَالدَّارِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْأَعْيَانِ لَا يُجْبَرُ الْقَاتِلُ عَلَى الدَّفْعِ وَأَنَّ فِيهِ إحْيَاءَ نَفْسِهِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُضْطَرَّ الَّذِي ذَكَرَهُ يُجْبَرُ عَلَى الشِّرَاءِ بِحَيْثُ يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ وَإِنَّمَا نَقُولُ يَأْثَمُ إذَا تَرَكَ الشِّرَاءَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَمَاتَ ، وَكَذَا نَقُولُ هُنَا أَيْضًا يَأْثَمُ ، ثُمَّ إذَا لَمْ يُخَلِّصْ نَفْسَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ . وَقَوْلُهُ وَالْآدَمِيُّ قَدْ يَضْمَنُ بِالْمَالِ كَمَا فِي الْخَطَإِ قُلْنَا وُجُوبُ الضَّمَانِ فِي الْخَطَإِ ضَرُورَةَ صَوْنِ الدَّمِ عَنْ الْإِهْدَارِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مِثْلٌ لَهُ ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ الْعُقُوبَةُ وَهُوَ الْقِصَاصُ لِعَدَمِ الْجِنَايَةِ صِيرَ إلَيْهِ لِصَوْنِ الدَّمِ عَنْ الْإِهْدَارِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَتَخَلَّطَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ وَأَدَّى إلَى الْتَفَانِي وَلِأَنَّ النَّفْسَ مُحْتَرَمَةٌ فَلَا تَسْقُطُ حُرْمَتُهَا بِعُذْرِ الْخَاطِئِ كَمَا فِي الْمَالِ فَيَجِبُ الْمَالُ صِيَانَةً لَهَا عَنْ الْإِهْدَارِ وَلَا يُقَالُ وُجُوبُ الْقِصَاصِ لَا يُنَافِي وُجُوبَ الْمَالِ وَلَا الْعُدُولَ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْجَانِي ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ وَهِيَ صَحِيحَةٌ وَيَدُ الْقَاطِعِ شَلَّاءُ فَالْمَقْطُوعُ يَدُهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ الْأَرْشَ ، وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ يَدَهُ الشَّلَّاءَ .
وَكَذَا لَوْ عَفَا أَحَدُ الْأَوْلِيَاءِ بَطَلَ حَقُّ الْبَاقِينَ فِي الْقِصَاصِ وَوَجَبَ لَهُمْ الدِّيَةُ ، وَلَوْ أَنَّهُ وَجَبَ بِالْجِنَايَةِ لَمَا وَجَبَ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ ; لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِمْ كَامِلًا .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith