المدونة
المدونة · الجزء الثالث
الصفحة 4285 · ص. المطبوع 569
قُلْتُ : أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذْت نَخْلًا مُعَامَلَةً ، عَلَى أَنْ أَبْنِيَ حَوْلَ النَّخْلِ حَائِطًا ، أَوْ أَزْرُبَ حَوْلَ النَّخْلِ زَرْبًا ، أَوْ أَخْرِقَ فِي النَّخْلِ مَجْرًى لِلْعَيْنِ ، أَوْ أَحْفِرَ فِي النَّخْلِ بِئْرًا ؟ قَالَ : لَا تَجُوزُ هَذِهِ الْمُسَاقَاةُ عِنْدَ مَالِكٍ .
قُلْتُ : فَإِنْ وَقَعَتْ الْمُسَاقَاةُ عَلَى مِثْلِ هَذَا ، أَتَجْعَلُ الْعَامِلَ أَجِيرًا ، أَمْ تَرُدَّهُ إلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ ؟ قَالَ : أَنْظُرُ فِي ذَلِكَ ، فَإِنْ كَانَ إنَّمَا اشْتَرَطَ رَبُّ الْمَالِ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ازْدَادَهُ بِالْكِفَايَةِ حَطَّ عَنْهُ بِهِ مُؤْنَتَهُ ، وَلَمْ يَكُنْ الَّذِي اشْتَرَطَ رَبُّ الْمَالِ قَدْرُهُ يَسِيرًا ، مِثْلُ : خَمِّ الْعَيْنِ ، وَسَرْوِ الشِّرْبِ ، وَسَدِّ الْخِطَارِ ، 569 جَعَلْتُهُ أَجِيرًا وَإِنْ كَانَ قَدْرُ ذَلِكَ شَيْئًا مُؤْنَتُهُ مِثْلُ مُؤْنَتِهِ . هَذَا الَّذِي وَصَفْتُ لَكَ أَجَزْتُ الْمُسَاقَاةَ فِيهِ ; لِأَنَّ مَالِكًا أَجَازَ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُ لَكَ مِنْ خَمِّ الْعَيْنِ وَنَحْوِهِ ، أَنْ يَشْتَرِطَهُ رَبُّ النَّخْلِ عَلَى الْعَامِلِ . فَرَأَيْتُ أَنَا الَّذِي أَخْبَرْتُكَ بِهِ وَأَجَزْتُهُ لَكَ مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ فِي خَمِّ الْعَيْنِ وَسَرْوِ الشِّرْبِ . قَالَ : وَقَدْ أَجَازَ مَالِكٌ الدَّابَّةَ وَالْغُلَامَ يَشْتَرِطُهُ الْعَامِلُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ ، فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى مَا أَخْبَرْتُكَ . قُلْتُ : وَمَا سَرْوُ الشِّرْبِ ؟ قَالَ : تَنْقِيَةُ مَا حَوْلَ النَّخْلِ ، الَّذِي يُجْعَلُ حَوْلَ النَّخْلَةِ لِيَسْتَنْقِعَ الْمَاءُ فِيهَا .
قُلْتُ : وَمَا خَمُّ الْعَيْنِ ؟ قَالَ : كَنْسُهَا . قُلْتُ : وَكَذَلِكَ أَخْبَرَكُمْ مَالِكٌ أَنَّ خَمَّ الْعَيْنِ وَسَرْوَ الشِّرْبَ مَا ذَكَرْتَ لِي ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ مِنْ تَفْسِيرِهِ . قَالَ : وَلَقَدْ سَأَلْنَا مَالِكًا غَيْرَ مَرَّةٍ ، عَنْ الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الْحَائِطُ ، فَيُهَوَّرُ بِئْرُهَا ، وَلَهُ جَارٌ لَهُ بِئْرٌ . فَيَقُولُ لَهُ : أَنَا آخُذُ مِنْكَ نَخْلَك مُسَاقَاةً ، عَلَى أَنْ أَسُوقَ مَاءٍ إلَيْهَا أَسْقِيَهَا بِهِ . فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ . سَأَلْتُهُ عَنْهَا غَيْرَ مَرَّةٍ ، فَأَجَازَ هَذِهِ عَلَى وَجْهِ الضَّرُورَةِ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَلَوْلَا أَنَّ مَالِكًا أَجَازَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَكَرِهْتُهَا .
قُلْتُ : وَلِمَ تَكْرَهُهَا ، قَالَ ; لِأَنَّ الرَّجُلَ لَوْ كَانَتْ فِي أَرْضِهِ عَيْنٌ لَهُ يَشْرَبُ مِنْهَا ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ : أَنَا آخُذُ مِنْكَ نَخْلَكَ هَذِهِ مُسَاقَاةً ، عَلَى أَنْ أَسْقِيَهَا بِمَائِي ، وَاصْرِفْ أَنْتَ مَاءَكَ حَيْثُ شِئْتَ ، وَاسْقِ بِهِ مَا شِئْتَ مِنْ مَالِكَ سِوَى هَذَا ، لَمْ تَجُزْ عِنْدِي . فَاَلَّذِي أَجَازَهُ مَالِكٌ إنَّمَا أَجَازَهُ عَلَى وَجْهِ الضَّرُورَةِ . قُلْتُ : وَلِمَ كَرِهْتَ مَا ذَكَرْتَ أَنَّهُ إذَا قَالَ لَهُ جَارُهُ : أَنَا آخُذُ مِنْكَ نَخْلَكَ مُعَامَلَةً ، عَلَى أَنْ أَسْقِيَهَا بِمَائِي ، وَسَقِّ أَنْتَ مَاءَكَ حَيْثُ شِئْتَ ، لِمَ كَرِهْتَ هَذَا ؟ قَالَ ; لِأَنَّ لِرَبِّ النَّخْلِ فِيهِ مَنْفَعَةً فِي النَّخْلِ وَالْأَرْضِ مِنْ الْمَاءِ ; لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ ، ازْدَادَهَا رَبُّ النَّخْلِ عَلَى الْعَامِلِ ، حِين اشْتَرَطَ الْمَاءَ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَطَ عَلَى الْعَامِلِ دِينَارًا وَاحِدًا زِيَادَةً يَزْدَادُهَا عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ . فَالْمَاءُ قَدْ يَكُونُ ثَمَنُهُ مَالًا عَظِيمًا ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَهُ رَبُّ النَّخْلِ عَلَى الْعَامِلِ ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ فَضْلَ دِينَارٍ . قُلْتُ : أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعَ إلَيَّ نَخْلَهُ مُسَاقَاةً ، أَوْ زَرْعَهُ مُسَاقَاةً ، عَلَى أَنْ أَحْفِرَ فِي أَرْضِهِ بِئْرًا أَسْقِي بِهَا النَّخْلَ أَوْ الزَّرْعَ ، أَوْ أَبْنِيَ حَوْلَهَا حَائِطًا ، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ سَحْنُونٌ : وَفِيمَا كَتَبْتُ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ دَلِيلٌ عَلَى هَذَا .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث