إعلام الموقعين عن رب العالمين
إعلام الموقعين عن رب العالمين · الجزء الرابع
فَصْلٌ :
[ الْقَوْلُ فِي جَوَازِ الْفَتْوَى بِالْآثَارِ السَّلَفِيَّةِ ]
فِي جَوَازِ الْفَتْوَى بِالْآثَارِ السَّلَفِيَّةِ وَالْفَتَاوِي الصَّحَابِيَّةِ ، وَأَنَّهَا أَوْلَى بِالْأَخْذِ بِهَا مِنْ آرَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَفَتَاوِيهمْ ، وَأَنَّ قُرْبَهَا إلَى الصَّوَابِ بِحَسَبِ قُرْبِ أَهْلِهَا مِنْ عَصْرِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ ، وَأَنَّ فَتَاوَى الصَّحَابَةِ أَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِهَا مِنْ فَتَاوَى التَّابِعِينَ ، وَفَتَاوَى التَّابِعِينَ أَوْلَى مِنْ فَتَاوَى تَابِعِي التَّابِعِينَ ، وَهَلُمَّ جَرًّا وَكُلَّمَا كَانَ الْعَهْدُ بِالرَّسُولِ أَقْرَبَ كَانَ الصَّوَابُ أَغْلَبَ ، وَهَذَا حُكْمٌ بِحَسَبِ الْجِنْسِ لَا بِحَسَبِ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٌ مِنْ الْمَسَائِلِ ، كَمَا أَنَّ عَصْرَ التَّابِعِينَ ، وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ عَصْرِ تَابِعِيهِمْ فَإِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الْجِنْسِ لَا بِحَسَبِ كُلِّ شَخْصٍ شَخْصٌ ، وَلَكِنْ الْمُفَضَّلُونَ فِي الْعَصْرِ الْمُتَقَدِّمِ أَكْثَرُ مِنْ الْمُفَضَّلِينَ فِي الْعَصْرِ الْمُتَأَخِّرِ ، وَهَكَذَا الصَّوَابُ فِي أَقْوَالِهِمْ أَكْثَرُ مِنْ الصَّوَابِ فِي أَقْوَالِ مَنْ بَعْدِهِمْ ; فَإِنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَ عُلُومِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ كَالتَّفَاوُتِ الَّذِي بَيْنَهُمْ فِي الْفَضْلِ وَالدِّينِ ، وَلَعَلَّهُ لَا يَسَعَ الْمُفْتِيَ وَالْحَاكِمَ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ يُفْتِيَ وَيَحْكُمَ بِقَوْلِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ مُقَلِّدِي الْأَئِمَّةِ وَيَأْخُذَ بِرَأْيِهِ وَتَرْجِيحِهِ وَيَتْرُكَ الْفَتْوَى وَالْحُكْمَ بِقَوْلِ الْبُخَارِيِّ ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ ، وَأَمْثَالِهِمْ ، بَلْ يَتْرُكُ قَوْلَ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، وَأَمْثَالِهِمْ ، بَلْ لَا يَلْتَفِتُ إلَى قَوْلِ 91 ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَالزُّهْرِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَأَمْثَالِهِمْ ، بَلْ لَا يَعُدُّ قَوْلَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ وَالْقَاسِمِ وَسَالِمٍ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَشُرَيْحٍ ، وَأَبِي وَائِلٍ وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَأَضْرَابِهِمْ مِمَّا يَسُوغُ الْأَخْذُ بِهِ ، بَلْ يَرَى تَقْدِيمَ قَوْلِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَتْبَاعِ مَنْ قَلَّدَهُ عَلَى فَتْوَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ
[ وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ ] ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، وَأَضْرَابِهِمْ ، فَلَا يَدْرِي مَا عُذْرُهُ غَدًا عِنْدَ اللَّهِ إذَا سَوَّى بَيْنَ أَقْوَالِ أُولَئِكَ وَفَتَاوِيهِمْ ، وَأَقْوَالِ هَؤُلَاءِ وَفَتَاوِيهِمْ ، فَكَيْفَ إذَا رَجَّحَهَا عَلَيْهَا ؟ فَكَيْفَ إذَا عَيَّنَ الْأَخْذَ بِهَا حُكْمًا ، وَإِفْتَاءً ، وَمَنَعَ الْأَخْذَ بِقَوْلِ الصَّحَابَةِ ، وَاسْتَجَازَ عُقُوبَةَ مَنْ خَالَفَ الْمُتَأَخِّرِينَ لَهَا ، وَشَهِدَ عَلَيْهِ بِالْبِدْعَةِ وَالضَّلَالَةِ وَمُخَالَفَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَأَنَّهُ يَكِيدُ الْإِسْلَامَ ؟ تَاللَّهِ لَقَدْ أَخَذَ بِالْمَثَلِ الْمَشْهُورِ " رَمَتْنِي بِدَائِهَا وَانْسَلَّتْ " وَسُمِّيَ وَرَثَةُ الرَّسُولِ بِاسْمِهِ هُوَ ، وَكَسَاهُمْ أَثْوَابَهُ ، وَرَمَاهُمْ بِدَائِهِ ، وَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يَصْرُخُ وَيَصِيحُ وَيَقُولُ وَيُعْلِنُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْأُمَّةِ كُلِّهِمْ الْأَخْذُ بِقَوْلِ مَنْ قَلَّدْنَاهُ دِينَنَا ، وَلَا يَجُوزُ الْأَخْذُ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ .
وَهَذَا كَلَامُ مَنْ أَخَذَ بِهِ وَتَقَلَّدَهُ وَلَّاهُ اللَّهُ مَا تَوَلَّى ، وَيَجْزِيه عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى ، وَاَلَّذِي نَدِينُ اللَّهَ بِهِ ضِدُّ هَذَا الْقَوْلِ ، وَالرَّدِّ عَلَيْهِ فَنَقُولُ :
[ تَرْتِيبُ الْأَخْذِ بِفَتَاوَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ] إذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ قَوْلًا فَإِمَّا أَنْ يُخَالِفَهُ صَحَابِيٌّ آخَرُ أَوْ لَا يُخَالِفُهُ ، فَإِنْ خَالَفَهُ مِثْلُهُ لَمْ يَكُنْ قَوْلُ أَحَدِهِمَا حُجَّةً عَلَى الْآخَرِ ، وَإِنْ خَالَفَهُ أَعْلَمُ مِنْهُ كَمَا إذَا خَالَفَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ أَوْ بَعْضُهُمْ غَيْرَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي حُكْمٍ ، فَهَلْ يَكُونُ الشِّقُّ الَّذِي فِيهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ أَوْ بَعْضُهُمْ حُجَّةً عَلَى الْآخَرِينَ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ الْإِمَام أَحْمَدَ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الشِّقَّ الَّذِي فِيهِ الْخُلَفَاءُ أَوْ بَعْضُهُمْ أَرْجَحُ ، وَأَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ مِنْ الشِّقِّ الْآخَرِ ، فَإِنْ كَانَ الْأَرْبَعَةُ فِي شِقٍّ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ الصَّوَابُ ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُهُمْ فِي شِقٍّ فَالصَّوَابُ فِيهِ أَغْلَبُ ، وَإِنْ كَانُوا اثْنَيْنِ وَاثْنَيْنِ فَشِقُّ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ ، فَإِنْ اخْتَلَفَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَالصَّوَابُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ .
وَهَذِهِ جُمْلَةٌ لَا يَعْرِفُ تَفْصِيلَهَا إلَّا مَنْ لَهُ خِبْرَةٌ وَاطِّلَاعٌ عَلَى مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الصَّحَابَةُ وَعَلَى الرَّاجِحِ مِنْ أَقْوَالِهِمْ ، وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ مَعْرِفَةُ رُجْحَانِ قَوْلِ الصِّدِّيقِ فِي الْجَدِّ وَالْإِخْوَةِ ، وَكَوْنِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ بِفَمٍ وَاحِدٍ مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَإِنْ تَلَفَّظَ فِيهِ بِالثَّلَاثِ ، وَجَوَازِ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ ، وَإِذَا نَظَرَ الْعَالِمُ الْمُنْصِفُ فِي أَدِلَّةِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ جَانِبَ الصِّدِّيقِ أَرْجَحُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْجَدِّ وَالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ بِفَمٍ وَاحِدٍ ، 92 وَلَا يُحْفَظُ لِلصِّدِّيقِ خِلَافُ نَصٍّ وَاحِدٍ أَبَدًا ، وَلَا يُحْفَظُ لَهُ فَتْوَى وَلَا حُكْمٌ مَأْخَذُهَا ضَعِيفٌ أَبَدًا ، وَهُوَ تَحْقِيقٌ لِكَوْنِ خِلَافَتِهِ خِلَافَةَ نُبُوَّةٍ .
[ الْقَوْلُ فِي جَوَازِ الْفَتْوَى بِالْآثَارِ السَّلَفِيَّةِ ]
فِي جَوَازِ الْفَتْوَى بِالْآثَارِ السَّلَفِيَّةِ وَالْفَتَاوِي الصَّحَابِيَّةِ ، وَأَنَّهَا أَوْلَى بِالْأَخْذِ بِهَا مِنْ آرَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَفَتَاوِيهمْ ، وَأَنَّ قُرْبَهَا إلَى الصَّوَابِ بِحَسَبِ قُرْبِ أَهْلِهَا مِنْ عَصْرِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ ، وَأَنَّ فَتَاوَى الصَّحَابَةِ أَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِهَا مِنْ فَتَاوَى التَّابِعِينَ ، وَفَتَاوَى التَّابِعِينَ أَوْلَى مِنْ فَتَاوَى تَابِعِي التَّابِعِينَ ، وَهَلُمَّ جَرًّا وَكُلَّمَا كَانَ الْعَهْدُ بِالرَّسُولِ أَقْرَبَ كَانَ الصَّوَابُ أَغْلَبَ ، وَهَذَا حُكْمٌ بِحَسَبِ الْجِنْسِ لَا بِحَسَبِ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٌ مِنْ الْمَسَائِلِ ، كَمَا أَنَّ عَصْرَ التَّابِعِينَ ، وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ عَصْرِ تَابِعِيهِمْ فَإِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الْجِنْسِ لَا بِحَسَبِ كُلِّ شَخْصٍ شَخْصٌ ، وَلَكِنْ الْمُفَضَّلُونَ فِي الْعَصْرِ الْمُتَقَدِّمِ أَكْثَرُ مِنْ الْمُفَضَّلِينَ فِي الْعَصْرِ الْمُتَأَخِّرِ ، وَهَكَذَا الصَّوَابُ فِي أَقْوَالِهِمْ أَكْثَرُ مِنْ الصَّوَابِ فِي أَقْوَالِ مَنْ بَعْدِهِمْ ; فَإِنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَ عُلُومِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ كَالتَّفَاوُتِ الَّذِي بَيْنَهُمْ فِي الْفَضْلِ وَالدِّينِ ، وَلَعَلَّهُ لَا يَسَعَ الْمُفْتِيَ وَالْحَاكِمَ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ يُفْتِيَ وَيَحْكُمَ بِقَوْلِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ مُقَلِّدِي الْأَئِمَّةِ وَيَأْخُذَ بِرَأْيِهِ وَتَرْجِيحِهِ وَيَتْرُكَ الْفَتْوَى وَالْحُكْمَ بِقَوْلِ الْبُخَارِيِّ ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ ، وَأَمْثَالِهِمْ ، بَلْ يَتْرُكُ قَوْلَ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، وَأَمْثَالِهِمْ ، بَلْ لَا يَلْتَفِتُ إلَى قَوْلِ 91 ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَالزُّهْرِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَأَمْثَالِهِمْ ، بَلْ لَا يَعُدُّ قَوْلَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ وَالْقَاسِمِ وَسَالِمٍ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَشُرَيْحٍ ، وَأَبِي وَائِلٍ وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَأَضْرَابِهِمْ مِمَّا يَسُوغُ الْأَخْذُ بِهِ ، بَلْ يَرَى تَقْدِيمَ قَوْلِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَتْبَاعِ مَنْ قَلَّدَهُ عَلَى فَتْوَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ
[ وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ ] ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، وَأَضْرَابِهِمْ ، فَلَا يَدْرِي مَا عُذْرُهُ غَدًا عِنْدَ اللَّهِ إذَا سَوَّى بَيْنَ أَقْوَالِ أُولَئِكَ وَفَتَاوِيهِمْ ، وَأَقْوَالِ هَؤُلَاءِ وَفَتَاوِيهِمْ ، فَكَيْفَ إذَا رَجَّحَهَا عَلَيْهَا ؟ فَكَيْفَ إذَا عَيَّنَ الْأَخْذَ بِهَا حُكْمًا ، وَإِفْتَاءً ، وَمَنَعَ الْأَخْذَ بِقَوْلِ الصَّحَابَةِ ، وَاسْتَجَازَ عُقُوبَةَ مَنْ خَالَفَ الْمُتَأَخِّرِينَ لَهَا ، وَشَهِدَ عَلَيْهِ بِالْبِدْعَةِ وَالضَّلَالَةِ وَمُخَالَفَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَأَنَّهُ يَكِيدُ الْإِسْلَامَ ؟ تَاللَّهِ لَقَدْ أَخَذَ بِالْمَثَلِ الْمَشْهُورِ " رَمَتْنِي بِدَائِهَا وَانْسَلَّتْ " وَسُمِّيَ وَرَثَةُ الرَّسُولِ بِاسْمِهِ هُوَ ، وَكَسَاهُمْ أَثْوَابَهُ ، وَرَمَاهُمْ بِدَائِهِ ، وَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يَصْرُخُ وَيَصِيحُ وَيَقُولُ وَيُعْلِنُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْأُمَّةِ كُلِّهِمْ الْأَخْذُ بِقَوْلِ مَنْ قَلَّدْنَاهُ دِينَنَا ، وَلَا يَجُوزُ الْأَخْذُ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ .
وَهَذَا كَلَامُ مَنْ أَخَذَ بِهِ وَتَقَلَّدَهُ وَلَّاهُ اللَّهُ مَا تَوَلَّى ، وَيَجْزِيه عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى ، وَاَلَّذِي نَدِينُ اللَّهَ بِهِ ضِدُّ هَذَا الْقَوْلِ ، وَالرَّدِّ عَلَيْهِ فَنَقُولُ :
[ تَرْتِيبُ الْأَخْذِ بِفَتَاوَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ] إذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ قَوْلًا فَإِمَّا أَنْ يُخَالِفَهُ صَحَابِيٌّ آخَرُ أَوْ لَا يُخَالِفُهُ ، فَإِنْ خَالَفَهُ مِثْلُهُ لَمْ يَكُنْ قَوْلُ أَحَدِهِمَا حُجَّةً عَلَى الْآخَرِ ، وَإِنْ خَالَفَهُ أَعْلَمُ مِنْهُ كَمَا إذَا خَالَفَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ أَوْ بَعْضُهُمْ غَيْرَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي حُكْمٍ ، فَهَلْ يَكُونُ الشِّقُّ الَّذِي فِيهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ أَوْ بَعْضُهُمْ حُجَّةً عَلَى الْآخَرِينَ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ الْإِمَام أَحْمَدَ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الشِّقَّ الَّذِي فِيهِ الْخُلَفَاءُ أَوْ بَعْضُهُمْ أَرْجَحُ ، وَأَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ مِنْ الشِّقِّ الْآخَرِ ، فَإِنْ كَانَ الْأَرْبَعَةُ فِي شِقٍّ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ الصَّوَابُ ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُهُمْ فِي شِقٍّ فَالصَّوَابُ فِيهِ أَغْلَبُ ، وَإِنْ كَانُوا اثْنَيْنِ وَاثْنَيْنِ فَشِقُّ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ ، فَإِنْ اخْتَلَفَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَالصَّوَابُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ .
وَهَذِهِ جُمْلَةٌ لَا يَعْرِفُ تَفْصِيلَهَا إلَّا مَنْ لَهُ خِبْرَةٌ وَاطِّلَاعٌ عَلَى مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الصَّحَابَةُ وَعَلَى الرَّاجِحِ مِنْ أَقْوَالِهِمْ ، وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ مَعْرِفَةُ رُجْحَانِ قَوْلِ الصِّدِّيقِ فِي الْجَدِّ وَالْإِخْوَةِ ، وَكَوْنِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ بِفَمٍ وَاحِدٍ مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَإِنْ تَلَفَّظَ فِيهِ بِالثَّلَاثِ ، وَجَوَازِ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ ، وَإِذَا نَظَرَ الْعَالِمُ الْمُنْصِفُ فِي أَدِلَّةِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ جَانِبَ الصِّدِّيقِ أَرْجَحُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْجَدِّ وَالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ بِفَمٍ وَاحِدٍ ، 92 وَلَا يُحْفَظُ لِلصِّدِّيقِ خِلَافُ نَصٍّ وَاحِدٍ أَبَدًا ، وَلَا يُحْفَظُ لَهُ فَتْوَى وَلَا حُكْمٌ مَأْخَذُهَا ضَعِيفٌ أَبَدًا ، وَهُوَ تَحْقِيقٌ لِكَوْنِ خِلَافَتِهِ خِلَافَةَ نُبُوَّةٍ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith