الطرق الحكمية
الطرق الحكمية
85 - ( فَصْلٌ )
الطَّرِيقُ التَّاسِعَ عَشَرَ الْحُكْمُ بِعِلْمِهِ :
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا ، وَفِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ إحْدَاهَا : - وَهِيَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ عَنْهُ ، الْمَنْصُورَةُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ - أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِعِلْمِهِ لِأَجْلِ التُّهْمَةِ .
وَالثَّانِيَةُ : يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ مُطْلَقًا فِي الْحُدُودِ وَغَيْرِهَا .
وَالثَّالِثَةُ : يَجُوزُ إلَّا فِي الْحُدُودِ .
وَلَا خِلَافَ عَنْهُ أَنَّهُ يَبْنِي عَلَى عِلْمِهِ ، فِي عَدَالَةِ الشُّهُودِ وَجَرْحِهِمْ ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ غَيْرَهُ عَمَّا عَلِمَهُ مِنْ ذَلِكَ . وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ طَرِيقَانِ : أَحَدُهُمَا : يَقْضِي بِعِلْمِهِ قَطْعًا .
وَالثَّانِي : أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ يَقْضِي بِهِ .
قَالُوا : لِأَنَّهُ يَقْضِي بِشَاهِدَيْنِ ، وَذَلِكَ يُفِيدُ ظَنًّا ، فَالْعِلْمُ أَوْلَى بِالْجَوَازِ . وَأَجَابُوا عَمَّا احْتَجَّ بِهِ الْمَانِعُونَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ التُّهْمَةِ ; أَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ قَالَ ثَبَتَ عِنْدِي وَصَحَّ كَذَا وَكَذَا أُلْزِمَ قَبُولُهُ بِلَا خِلَافٍ . وَلَمْ يَبْحَثْ عَمَّا ثَبَتَ بِهِ وَصَحَّ وَالتُّهْمَةُ قَائِمَةٌ . وَوَجْهُ هَذَا أَنَّهُ لَمَّا مَلَكَ الْإِنْشَاءَ ، مَلَكَ الْإِخْبَارَ . ثُمَّ بَنَوْا عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَا عَلِمَهُ فِي زَمَنِ وِلَايَتِهِ وَمَكَانِهَا ، وَمَا عَلِمَهُ فِي غَيْرِهَا .
قَالُوا : فَإِنْ قُلْنَا : لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ فَذَلِكَ إذَا كَانَ مُسْتَنَدُهُ مُجَرَّدَ الْعِلْمِ ، أَمَّا إذَا شَهِدَ رَجُلَانِ يَعْرِفُ عَدَالَتَهُمَا ، فَلَهُ أَنْ يَقْضِيَ ، وَيُغْنِيهِ عِلْمُهُ بِهِمَا عَنْ تَزْكِيَتِهِمَا . وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ : لَا يُغْنِيهِ ذَلِكَ عَنْ 164 تَزْكِيَتِهِمَا لِلتُّهْمَةِ . قَالُوا : وَلَوْ أَقَرَّ بِالْمُدَّعَى بِهِ فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ قَضَى ، وَذَلِكَ قَضَاءٌ بِالْإِقْرَارِ لَا بِعِلْمِهِ ، وَإِنْ أَقَرَّ عِنْدَهُ سِرًّا فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ ، وَقِيلَ : يَقْضِي قَطْعًا .
وَلَوْ شَهِدَ عِنْدَهُ وَاحِدٌ ، فَهَلْ يُغْنِيهِ عِلْمُهُ عَنْ الشَّاهِدِ الْآخَرِ ؟ عَلَى قَوْلِ الْمَنْعِ فِيهِ وَجْهَانِ ، وَهَذَا تَحْصِيلُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ .
وَأَمَّا مَذْهَبُ مَالِكٍ : فَإِنَّهُ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي الْمُدَّعَى بِهِ بِحَالٍ ، سَوَاءٌ عَلِمَهُ قَبْلَ التَّوْلِيَةِ أَوْ بَعْدَهَا ، فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ أَوْ غَيْرِهِ ، قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْمُحَاكَمَةِ أَوْ بَعْدَ الشُّرُوعِ ، فَهُوَ أَشَدُّ الْمَذَاهِبِ فِي ذَلِكَ .
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَسَحْنُونٌ : يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ فِيمَا عَلِمَهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْمُحَاكَمَةِ . قَالُوا : فَإِنْ حُكِمَ بِعِلْمِهِ - حَيْثُ قُلْنَا لَا يَحْكُمُ - فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ اللَّخْمِيُّ : لَا يُنْقَضُ عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا ، وَعِنْدِي أَنَّهُ يُنْقَضُ . قَالُوا : وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ مَا رَآهُ الْقَاضِي ، أَوْ سَمِعَهُ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ قَضَائِهِ أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِهِ ، وَأَنَّهُ يُنْقَضُ إنْ حَكَمَ بِهِ ، وَيَنْقُضُهُ هُوَ وَغَيْرُهُ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا يَتَقَارَرُ بِهِ الْخَصْمَانِ فِي مَجْلِسِهِ ، فَإِنْ حَكَمَ بِهِ نَقَضَهُ هُوَ ، وَلَا يَنْقُضُهُ غَيْرُهُ .
قَالَ اللَّخْمِيُّ : وَقَدْ اخْتَلَفَ إذَا أَقَرَّ بَعْدَ أَنْ جَلَسَا لِلْخُصُومَةِ ، ثُمَّ أَنْكَرَا فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ : لَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ .
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَسَحْنُونٌ : يَحْكُمُ ، لِأَنَّ الْخَصْمَيْنِ إذَا جَلَسَا لِلْمُحَاكَمَةِ فَقَدْ رَضِيَا أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا بِمَا يَقُولَانِهِ ، وَلِذَلِكَ قَصَدَاهُ - هَذَا تَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ .
وَأَمَّا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، فَقَالُوا : إذَا عَلِمَ الْحَاكِمُ بِشَيْءٍ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ فِي زَمَنِ وِلَايَتِهِ وَمَحَلِّهَا ، جَازَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِهِ ، لِأَنَّ عِلْمَهُ كَشَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ ، بَلْ أَوْلَى ، لِأَنَّ الْيَقِينَ حَاصِلٌ بِمَا عَلِمَهُ بِالْمُعَايَنَةِ أَوْ السَّمَاعِ ، وَالْحَاصِلُ بِالشَّهَادَةِ غَلَبَةُ الظَّنِّ ، وَأَمَّا مَا عَلِمَهُ قَبْلَ وِلَايَتِهِ ، أَوْ فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ فَلَا يَقْضِي بِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : يَقْضِي بِهِ ، كَمَا فِي حَالِ وِلَايَتِهِ وَمَحَلِّهَا .
قَالَ الْمُنْتَصِرُونَ لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ : هُوَ فِي غَيْرِ مِصْرِهِ وَغَيْرِ وِلَايَتِهِ ، شَاهِدٌ لَا حَاكِمٌ ، وَشَهَادَةُ الْفَرْدِ لَا تُقْبَلُ ، وَصَارَ كَمَا إذَا عَلِمَ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ ، ثُمَّ وَلِيَ الْقَضَاءَ ، فَإِنَّهُ لَا يَعْمَلُ بِهَا . قَالُوا : وَأَمَّا الْحُدُودُ ، فَلَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِيهَا ; لِأَنَّهُ خَصْمٌ فِيهَا ; وَلِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهُوَ نَائِبُهُ إلَّا فِي حَدِّ الْقَذْفِ ، فَإِنَّهُ يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ ، لِمَا فِيهِ مِنْ حَقِّ الْعَبْدِ ، وَإِلَّا فِي الْمُسْكِرِ ، إذَا وُجِدَ سَكْرَانًا ، أَوْ مَنْ بِهِ أَمَارَاتُ السُّكْرِ ، فَإِنَّهُ يُعَذَّرُ . هَذَا تَحْصِيلُ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ .
أَمَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ ، فَقَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ : وَفَرْضٌ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ فِي الدِّمَاءِ ، وَالْأَمْوَالِ ، 165 وَالْقِصَاصِ ، وَالْفُرُوجِ وَالْحُدُودِ ، سَوَاءٌ أَعَلِمَ ذَلِكَ قَبْلَ وِلَايَتِهِ أَوْ بَعْدَ وِلَايَتِهِ ، قَالَ : وَأَقْوَى مَا حَكَمَ بِعِلْمِهِ ، ثُمَّ بِالْإِقْرَارِ ثُمَّ بِالْبَيِّنَةِ .
86 - ( فَصْلٌ )
وَأَمَّا الْآثَارُ عَنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَصَحَّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ : " لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا عَلَى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ آخُذْهُ حَتَّى يَكُونَ مَعِي شَاهِدٌ غَيْرِي " .
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ : " أَرَأَيْتَ لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا قَتَلَ ، أَوْ شَرِبَ ، أَوْ زَنَى ؟ قَالَ : شَهَادَتُكَ شَهَادَةُ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : صَدَقْتَ " .
وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ مُعَاوِيَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .
وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ : أَنَّ عُمَرَ اُخْتُصِمَ إلَيْهِ فِي شَيْءٍ يَعْرِفُهُ ، فَقَالَ لِلطَّالِبِ : " إنْ شِئْتَ شَهِدْتُ وَلَمْ أَقْضِ ، وَإِنْ شِئْتَ قَضَيْتُ وَلَمْ أَشْهَدْ " .
وَأَمَّا الْآثَارُ عَنْ التَّابِعِينَ ، فَصَحَّ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ اخْتَصَمَ عِنْدَهُ اثْنَانِ ، فَأَتَاهُ أَحَدُهُمَا بِشَاهِدٍ .
وَقَالَ لِشُرَيْحٍ : وَأَنْتَ شَاهِدِي أَيْضًا ، فَقَضَى لَهُ شُرَيْحٌ مَعَ شَاهِدِهِ بِيَمِينِهِ ، وَهَذَا مُحْتَمَلٌ . وَصَحَّ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ : لَا أَكُونُ شَاهِدًا وَقَاضِيًا . وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ : " يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ " بِمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ قِصَّةِ هِنْدٍ بِنْتِ عُتْبَةَ لَمَّا اشْتَكَتْ أَبَا سُفْيَانَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَكَمَ لَهَا عَلَيْهِ بِأَنْ تَأْخُذَ كِفَايَتَهَا وَكِفَايَةَ بَنِيهَا ، وَلَمْ يَسْأَلْهَا الْبَيِّنَةَ ، وَلَا أَحْضَرَ الزَّوْجَ .
وَهَذَا الِاسْتِدْلَال ضَعِيفٌ جِدًّا ، فَإِنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ فُتْيَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا حُكْمٌ ، وَلِهَذَا لَمْ يُحْضِرْ الزَّوْجَ ، وَلَمْ يَكُنْ غَائِبًا عَنْ الْبَلَدِ ، وَالْحُكْمُ عَلَى الْغَائِبِ عَنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ الْحَاضِرِ فِي الْبَلَدِ ، غَيْرُ مُمْتَنِعٍ ، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى الْحُضُورِ وَلَمْ يُوَكِّلْ وَكِيلًا لَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا . 166
وَأَيْضًا فَإِنَّهَا لَمْ تَسْأَلْهُ الْحُكْمَ ، وَإِنَّمَا سَأَلَتْهُ : " هَلْ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ مَا يَكْفِيهَا وَيَكْفِي بَنِيهَا ؟ " وَهَذَا اسْتِفْتَاءٌ مَحْضٌ ، فَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى الْحُكْمِ سَهْوٌ .
وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، { عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْأَطْوَلِ أَنَّ أَخَاهُ مَاتَ وَتَرَكَ ثَلَاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ ، وَتَرَكَ عِيَالًا ، قَالَ : فَأَرَدْتُ أَنْ أُنْفِقَهَا عَلَى عِيَالِهِ ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ أَخَاكَ مَحْبُوسٌ بِدَيْنِهِ ، فَاقْضِ عَنْهُ ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ قَضَيْتُ عَنْهُ إلَّا دِينَارَيْنِ ادَّعَتْهُمَا امْرَأَةٌ ، وَلَيْسَتْ لَهَا بَيِّنَةٌ قَالَ : أَعْطِهَا ، فَإِنَّهَا مُحِقَّةٌ وَفِي لَفْظٍ فَإِنَّهَا صَادِقَةٌ } وَهَذَا أَصْرَحُ فِي الدَّلَالَةِ مِمَّا قَبْلَهُ .
وَقَالَ حَمَّادٌ عَنْ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ الصَّحَابَةِ بِمِثْلِهِ ، وَلَكِنْ لَمْ يُسَمِّ : كَمْ تَرَكَ ؟ .
وَبَعْدُ ، فَهَذَا لَا يَدُلُّ أَيْضًا ، فَإِنَّ الْمَنْعَ مِنْ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِعِلْمِهِ إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ التُّهْمَةِ هِيَ مَعْلُومَةُ الِانْتِفَاءِ مِنْ سَيِّدِ الْحُكَّامِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَاحْتُجَّ بِمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَرْسَلَتْ إلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ ، إنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ فِي هَذَا الْمَالِ } ، وَإِنِّي وَاَللَّهِ لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إلَى فَاطِمَةَ مِنْهَا شَيْئًا . - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ سَهْوٌ أَيْضًا ; فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلِمَ مِنْ دِينِ الرَّسُولِ أَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى بَاطِلَةٌ لَا يُسَوَّغُ الْحُكْمُ بِمُوجِبِهَا ، بَلْ دَعْوَاهَا بِمَنْزِلَةِ دَعْوَى اسْتِحْقَاقِ مَا عَلِمَ وَتَحَقَّقَ دَفْعُهُ بِالضَّرُورَةِ ، بَلْ بِمَنْزِلَةِ مَا يَعْلَمُ بُطْلَانَهُ قَطْعًا مِنْ الدَّعَاوَى ، وَسَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا خَفِيَ عَلَيْهَا حُكْمُ هَذِهِ الدَّعْوَى ، وَعَلِمَهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ ، فَالصِّدِّيقُ مَعَهُ الْحُجَّةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَسْمَعْ هَذِهِ الدَّعْوَى ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِمُوجِبِهَا ، لِلْحُجَّةِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي عَلِمَهَا مَعَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ 167 وَالصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ ، فَأَيْنَ هَذَا مِنْ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِعِلْمِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ بِهِ حُجَّةٌ عَلَى الْخَصْمِ ؟ .
وَاحْتَجَّ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ لِهَذَا الْقَوْلِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { بَيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ } قَالَ : وَمِنْ الْبَيِّنَةِ الَّتِي لَا بَيِّنَةَ أَبْيَنُ مِنْهَا : عِلْمُ الْحَاكِمِ بِالْمُحِقِّ مِنْ الْمُبْطِلِ ، وَهَذَا إلَى أَنْ يَكُونَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ أَقْرَبَ مِنْ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً لَهُمْ ; فَإِنَّهُ قَالَ : " بَيِّنَتُكَ " " وَالْبَيِّنَةُ " اسْمٌ لِمَا يُبَيِّنُ الْحَقَّ ، بِحَيْثُ يَظْهَرُ الْمُحِقُّ مِنْ الْمُبْطِلِ ، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ لِلنَّاسِ ، وَعِلْمُ الْحَاكِمِ لَيْسَ بِبَيِّنَةٍ .
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ } وَلَيْسَ مِنْ الْقِسْطِ : أَنْ يَعْلَمَ الْحَاكِمُ أَنَّ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ مَظْلُومٌ وَالْآخَرَ ظَالِمٌ ، وَيَتْرُكَ كُلًّا مِنْهُمَا عَلَى حَالِهِ .
قَالَ الْآخَرُونَ : لَيْسَ فِي هَذَا مَحْذُورٌ ، حَيْثُ لَمْ يَأْتِ الْمَظْلُومُ بِحُجَّةٍ يَحْكُمُ لَهُ بِهَا ، فَالْحَاكِمُ مَعْذُورٌ ، إذْ لَا حُجَّةَ مَعَهُ يُوصَلُ بِهَا صَاحِبُ الْحَقِّ إلَى حَقِّهِ ، وَقَدْ قَالَ سَيِّدُ الْحُكَّامِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ : { إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ يَكُونُ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ ، فَأَقْضِيَ لَهُ ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْهُ ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ } ( 119 ) . وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ } وَإِذَا رَأَى الْحَاكِمُ وَحْدَهُ عُدْوَانَ رَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ وَغَصْبَهُ مَالَهُ ، أَوْ سَمِعَ طَلَاقَهُ لِامْرَأَتِهِ ، وَعِتْقَهُ لِعَبْدِهِ ، ثُمَّ رَأَى الرَّجُلَ مُسْتَمِرًّا فِي إمْسَاكِ الزَّوْجَةِ ، أَوْ بَيْعِ مَنْ صَرَّحَ بِعِتْقِهِ ، فَقَدْ أَقَرَّ عَلَى الْمُنْكَرِ الَّذِي أُمِرَ بِتَغْيِيرِهِ .
قَالَ الْآخَرُونَ : هُوَ مَأْمُورٌ بِتَغْيِيرِ مَا يَعْلَمُ النَّاسُ أَنَّهُ مُنْكَرٌ ، بِحَيْثُ لَا تَتَطَرَّقُ إلَيْهِ تُهْمَةٌ فِي تَغْيِيرِهِ ، وَأَمَّا إذَا عَمَدَ إلَى رَجُلٍ مَعَ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ وَلَمْ يَشْهَدْ أَحَدٌ أَنَّهُ طَلَّقَهَا وَلَا أَعْتَقَهَا أَلْبَتَّةَ ، وَلَا سَمِعَ بِذَلِكَ أَحَدٌ قَطُّ ، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، وَزَعَمَ أَنَّهُ طَلَّقَ وَأَعْتَقَ : فَإِنَّهُ يُنْسَبُ ظَاهِرًا إلَى تَغْيِيرِ الْمَعْرُوفِ بِالْمُنْكَرِ ، وَتَطَرَّقَ النَّاسُ إلَى اتِّهَامِهِ وَالْوُقُوعِ فِي عِرْضِهِ ، وَهَلْ يُسَوَّغُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَأْتِيَ إلَى رَجُلٍ مَسْتُورٍ بَيْنَ النَّاسِ ، غَيْرِ مَشْهُورٍ بِفَاحِشَةٍ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ بِهَا ، فَيَرْجُمُهُ ، وَيَقُولُ : رَأَيْتُهُ يَزْنِي ؟ أَوْ يَقْتُلُهُ وَيَقُولُ : سَمِعْتُهُ يَسُبُّ ؟ أَوْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ، وَيَقُولُ : سَمِعْتُهُ يُطَلِّقُ ؟ وَهَلْ هَذَا إلَّا مَحْضُ التُّهْمَةِ ؟ . 168 وَلَوْ فُتِحَ هَذَا الْبَابُ - وَلَا سِيَّمَا لِقُضَاةِ الزَّمَانِ - لَوَجَدَ كُلُّ قَاضٍ لَهُ عَدُوٌّ السَّبِيلَ إلَى قَتْلِ عَدُوِّهِ ، وَرَجْمِهِ وَتَفْسِيقِهِ ، وَالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ ، وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَتْ الْعَدَاوَةُ خَفِيَّةً ، لَا يُمْكِنُ لِعَدُوِّهِ إثْبَاتُهَا ، وَحَتَّى لَوْ كَانَ الْحَقُّ هُوَ حُكْمُ الْحَاكِمِ بِعِلْمِهِ لَوَجَبَ مَنْعُ قُضَاةِ الزَّمَانِ مِنْ ذَلِكَ ، وَهَذَا إذَا قِيلَ فِي شُرَيْحٍ وَكَعْبِ بْنِ سَوَّارٍ ، وَإِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَعِمْرَانَ الطَّلْحِيُّ ، وَحَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ وَأَضْرَابِهِمْ . كَانَ فِيهِ مَا فِيهِ .
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ .
فَذَكَرَ الْبَيْهَقِيّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ : " لَوْ وَجَدْتُ رَجُلًا عَلَى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ لَمْ أَحُدَّهُ حَتَّى يَكُونَ مَعِي غَيْرِي " .
وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ : أَرَأَيْتَ لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَقْتُلُ أَوْ يَسْرِقُ أَوْ يَزْنِي ؟ قَالَ : أَرَى شَهَادَتَكَ شَهَادَةَ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، قَالَ : أَصَبْتَ ، وَعَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ .
وَهَذَا مِنْ كَمَالِ فِقْهِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَإِنَّهُمْ أَفْقَهُ الْأُمَّةِ وَأَعْلَمُهُمْ بِمَقَاصِدِ الشَّرْعِ وَحُكْمِهِ ، فَإِنَّ التُّهْمَةَ مُؤَثِّرَةٌ فِي بَابِ الشَّهَادَاتِ وَالْأَقْضِيَةِ ، وَطَلَاقِ الْمَرِيضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ ، وَلَا الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ ، وَلَا شَهَادَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ ، وَبِالْعَكْسِ وَلَا شَهَادَةُ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ ، وَلَا يُقْبَلُ حُكْمُ الْحَاكِمِ لِنَفْسِهِ ، وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ عَلَى عَدُوِّهِ ، وَلَا يَصِحُّ إقْرَارُ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ لِوَارِثِهِ وَلَا لِأَجْنَبِيٍّ ، عِنْدَ مَالِكٍ ، إذَا قَامَتْ شَوَاهِدُ التُّهْمَةِ ، وَلَا تُمْنَعُ الْمَرْأَةُ الْمِيرَاثَ بِطَلَاقِهِ لَهَا لِأَجْلِ التُّهْمَةِ ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ عَلَى ضَرَّتِهَا أَنَّهَا أَرْضَعَتْهَا - أَضْعَافُ ذَلِكَ مِمَّا يُرَدُّ وَلَا يُقْبَلُ لِلتُّهْمَةِ .
وَلِذَلِكَ مَنَعْنَا فِي مَسْأَلَةِ الظَّفْرِ أَنْ يَأْخُذَ الْمَظْلُومُ مِنْ مَالِ ظَالِمِهِ نَظِيرَ مَا خَانَهُ فِيهِ لِأَجْلِ التُّهْمَةِ ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا يَسْتَوْفِي حَقَّهُ .
وَلَقَدْ كَانَ سَيِّدُ الْحُكَّامِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ يَعْلَمُ مِنْ الْمُنَافِقِينَ مَا يُبِيحُ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ، وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ ، وَلَا يَحْكُمُ فِيهِمْ بِعِلْمِهِ ، مَعَ بَرَاءَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ كُلِّ تُهْمَةٍ ، لِئَلَّا يَقُولَ النَّاسُ : إنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ ، وَلَمَّا { رَآهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ مَعَ زَوْجَتِهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ قَالَ : رُوَيْدَكُمَا ، إنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ } لِئَلَّا تَقَعَ فِي نُفُوسِهِمَا تُهْمَةٌ لَهُ . 169
وَمَنْ تَدَبَّرَ الشَّرِيعَةَ وَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْمَصَالِحِ وَسَدِّ الذَّرَائِعِ تَبَيَّنَ لَهُ الصَّوَابُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
الطَّرِيقُ التَّاسِعَ عَشَرَ الْحُكْمُ بِعِلْمِهِ :
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا ، وَفِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ إحْدَاهَا : - وَهِيَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ عَنْهُ ، الْمَنْصُورَةُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ - أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِعِلْمِهِ لِأَجْلِ التُّهْمَةِ .
وَالثَّانِيَةُ : يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ مُطْلَقًا فِي الْحُدُودِ وَغَيْرِهَا .
وَالثَّالِثَةُ : يَجُوزُ إلَّا فِي الْحُدُودِ .
وَلَا خِلَافَ عَنْهُ أَنَّهُ يَبْنِي عَلَى عِلْمِهِ ، فِي عَدَالَةِ الشُّهُودِ وَجَرْحِهِمْ ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ غَيْرَهُ عَمَّا عَلِمَهُ مِنْ ذَلِكَ . وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ طَرِيقَانِ : أَحَدُهُمَا : يَقْضِي بِعِلْمِهِ قَطْعًا .
وَالثَّانِي : أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ يَقْضِي بِهِ .
قَالُوا : لِأَنَّهُ يَقْضِي بِشَاهِدَيْنِ ، وَذَلِكَ يُفِيدُ ظَنًّا ، فَالْعِلْمُ أَوْلَى بِالْجَوَازِ . وَأَجَابُوا عَمَّا احْتَجَّ بِهِ الْمَانِعُونَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ التُّهْمَةِ ; أَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ قَالَ ثَبَتَ عِنْدِي وَصَحَّ كَذَا وَكَذَا أُلْزِمَ قَبُولُهُ بِلَا خِلَافٍ . وَلَمْ يَبْحَثْ عَمَّا ثَبَتَ بِهِ وَصَحَّ وَالتُّهْمَةُ قَائِمَةٌ . وَوَجْهُ هَذَا أَنَّهُ لَمَّا مَلَكَ الْإِنْشَاءَ ، مَلَكَ الْإِخْبَارَ . ثُمَّ بَنَوْا عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَا عَلِمَهُ فِي زَمَنِ وِلَايَتِهِ وَمَكَانِهَا ، وَمَا عَلِمَهُ فِي غَيْرِهَا .
قَالُوا : فَإِنْ قُلْنَا : لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ فَذَلِكَ إذَا كَانَ مُسْتَنَدُهُ مُجَرَّدَ الْعِلْمِ ، أَمَّا إذَا شَهِدَ رَجُلَانِ يَعْرِفُ عَدَالَتَهُمَا ، فَلَهُ أَنْ يَقْضِيَ ، وَيُغْنِيهِ عِلْمُهُ بِهِمَا عَنْ تَزْكِيَتِهِمَا . وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ : لَا يُغْنِيهِ ذَلِكَ عَنْ 164 تَزْكِيَتِهِمَا لِلتُّهْمَةِ . قَالُوا : وَلَوْ أَقَرَّ بِالْمُدَّعَى بِهِ فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ قَضَى ، وَذَلِكَ قَضَاءٌ بِالْإِقْرَارِ لَا بِعِلْمِهِ ، وَإِنْ أَقَرَّ عِنْدَهُ سِرًّا فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ ، وَقِيلَ : يَقْضِي قَطْعًا .
وَلَوْ شَهِدَ عِنْدَهُ وَاحِدٌ ، فَهَلْ يُغْنِيهِ عِلْمُهُ عَنْ الشَّاهِدِ الْآخَرِ ؟ عَلَى قَوْلِ الْمَنْعِ فِيهِ وَجْهَانِ ، وَهَذَا تَحْصِيلُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ .
وَأَمَّا مَذْهَبُ مَالِكٍ : فَإِنَّهُ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي الْمُدَّعَى بِهِ بِحَالٍ ، سَوَاءٌ عَلِمَهُ قَبْلَ التَّوْلِيَةِ أَوْ بَعْدَهَا ، فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ أَوْ غَيْرِهِ ، قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْمُحَاكَمَةِ أَوْ بَعْدَ الشُّرُوعِ ، فَهُوَ أَشَدُّ الْمَذَاهِبِ فِي ذَلِكَ .
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَسَحْنُونٌ : يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ فِيمَا عَلِمَهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْمُحَاكَمَةِ . قَالُوا : فَإِنْ حُكِمَ بِعِلْمِهِ - حَيْثُ قُلْنَا لَا يَحْكُمُ - فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ اللَّخْمِيُّ : لَا يُنْقَضُ عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا ، وَعِنْدِي أَنَّهُ يُنْقَضُ . قَالُوا : وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ مَا رَآهُ الْقَاضِي ، أَوْ سَمِعَهُ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ قَضَائِهِ أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِهِ ، وَأَنَّهُ يُنْقَضُ إنْ حَكَمَ بِهِ ، وَيَنْقُضُهُ هُوَ وَغَيْرُهُ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا يَتَقَارَرُ بِهِ الْخَصْمَانِ فِي مَجْلِسِهِ ، فَإِنْ حَكَمَ بِهِ نَقَضَهُ هُوَ ، وَلَا يَنْقُضُهُ غَيْرُهُ .
قَالَ اللَّخْمِيُّ : وَقَدْ اخْتَلَفَ إذَا أَقَرَّ بَعْدَ أَنْ جَلَسَا لِلْخُصُومَةِ ، ثُمَّ أَنْكَرَا فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ : لَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ .
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَسَحْنُونٌ : يَحْكُمُ ، لِأَنَّ الْخَصْمَيْنِ إذَا جَلَسَا لِلْمُحَاكَمَةِ فَقَدْ رَضِيَا أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا بِمَا يَقُولَانِهِ ، وَلِذَلِكَ قَصَدَاهُ - هَذَا تَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ .
وَأَمَّا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، فَقَالُوا : إذَا عَلِمَ الْحَاكِمُ بِشَيْءٍ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ فِي زَمَنِ وِلَايَتِهِ وَمَحَلِّهَا ، جَازَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِهِ ، لِأَنَّ عِلْمَهُ كَشَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ ، بَلْ أَوْلَى ، لِأَنَّ الْيَقِينَ حَاصِلٌ بِمَا عَلِمَهُ بِالْمُعَايَنَةِ أَوْ السَّمَاعِ ، وَالْحَاصِلُ بِالشَّهَادَةِ غَلَبَةُ الظَّنِّ ، وَأَمَّا مَا عَلِمَهُ قَبْلَ وِلَايَتِهِ ، أَوْ فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ فَلَا يَقْضِي بِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : يَقْضِي بِهِ ، كَمَا فِي حَالِ وِلَايَتِهِ وَمَحَلِّهَا .
قَالَ الْمُنْتَصِرُونَ لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ : هُوَ فِي غَيْرِ مِصْرِهِ وَغَيْرِ وِلَايَتِهِ ، شَاهِدٌ لَا حَاكِمٌ ، وَشَهَادَةُ الْفَرْدِ لَا تُقْبَلُ ، وَصَارَ كَمَا إذَا عَلِمَ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ ، ثُمَّ وَلِيَ الْقَضَاءَ ، فَإِنَّهُ لَا يَعْمَلُ بِهَا . قَالُوا : وَأَمَّا الْحُدُودُ ، فَلَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِيهَا ; لِأَنَّهُ خَصْمٌ فِيهَا ; وَلِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهُوَ نَائِبُهُ إلَّا فِي حَدِّ الْقَذْفِ ، فَإِنَّهُ يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ ، لِمَا فِيهِ مِنْ حَقِّ الْعَبْدِ ، وَإِلَّا فِي الْمُسْكِرِ ، إذَا وُجِدَ سَكْرَانًا ، أَوْ مَنْ بِهِ أَمَارَاتُ السُّكْرِ ، فَإِنَّهُ يُعَذَّرُ . هَذَا تَحْصِيلُ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ .
أَمَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ ، فَقَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ : وَفَرْضٌ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ فِي الدِّمَاءِ ، وَالْأَمْوَالِ ، 165 وَالْقِصَاصِ ، وَالْفُرُوجِ وَالْحُدُودِ ، سَوَاءٌ أَعَلِمَ ذَلِكَ قَبْلَ وِلَايَتِهِ أَوْ بَعْدَ وِلَايَتِهِ ، قَالَ : وَأَقْوَى مَا حَكَمَ بِعِلْمِهِ ، ثُمَّ بِالْإِقْرَارِ ثُمَّ بِالْبَيِّنَةِ .
86 - ( فَصْلٌ )
وَأَمَّا الْآثَارُ عَنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَصَحَّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ : " لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا عَلَى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ آخُذْهُ حَتَّى يَكُونَ مَعِي شَاهِدٌ غَيْرِي " .
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ : " أَرَأَيْتَ لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا قَتَلَ ، أَوْ شَرِبَ ، أَوْ زَنَى ؟ قَالَ : شَهَادَتُكَ شَهَادَةُ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : صَدَقْتَ " .
وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ مُعَاوِيَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .
وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ : أَنَّ عُمَرَ اُخْتُصِمَ إلَيْهِ فِي شَيْءٍ يَعْرِفُهُ ، فَقَالَ لِلطَّالِبِ : " إنْ شِئْتَ شَهِدْتُ وَلَمْ أَقْضِ ، وَإِنْ شِئْتَ قَضَيْتُ وَلَمْ أَشْهَدْ " .
وَأَمَّا الْآثَارُ عَنْ التَّابِعِينَ ، فَصَحَّ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ اخْتَصَمَ عِنْدَهُ اثْنَانِ ، فَأَتَاهُ أَحَدُهُمَا بِشَاهِدٍ .
وَقَالَ لِشُرَيْحٍ : وَأَنْتَ شَاهِدِي أَيْضًا ، فَقَضَى لَهُ شُرَيْحٌ مَعَ شَاهِدِهِ بِيَمِينِهِ ، وَهَذَا مُحْتَمَلٌ . وَصَحَّ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ : لَا أَكُونُ شَاهِدًا وَقَاضِيًا . وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ : " يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ " بِمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ قِصَّةِ هِنْدٍ بِنْتِ عُتْبَةَ لَمَّا اشْتَكَتْ أَبَا سُفْيَانَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَكَمَ لَهَا عَلَيْهِ بِأَنْ تَأْخُذَ كِفَايَتَهَا وَكِفَايَةَ بَنِيهَا ، وَلَمْ يَسْأَلْهَا الْبَيِّنَةَ ، وَلَا أَحْضَرَ الزَّوْجَ .
وَهَذَا الِاسْتِدْلَال ضَعِيفٌ جِدًّا ، فَإِنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ فُتْيَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا حُكْمٌ ، وَلِهَذَا لَمْ يُحْضِرْ الزَّوْجَ ، وَلَمْ يَكُنْ غَائِبًا عَنْ الْبَلَدِ ، وَالْحُكْمُ عَلَى الْغَائِبِ عَنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ الْحَاضِرِ فِي الْبَلَدِ ، غَيْرُ مُمْتَنِعٍ ، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى الْحُضُورِ وَلَمْ يُوَكِّلْ وَكِيلًا لَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا . 166
وَأَيْضًا فَإِنَّهَا لَمْ تَسْأَلْهُ الْحُكْمَ ، وَإِنَّمَا سَأَلَتْهُ : " هَلْ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ مَا يَكْفِيهَا وَيَكْفِي بَنِيهَا ؟ " وَهَذَا اسْتِفْتَاءٌ مَحْضٌ ، فَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى الْحُكْمِ سَهْوٌ .
وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، { عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْأَطْوَلِ أَنَّ أَخَاهُ مَاتَ وَتَرَكَ ثَلَاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ ، وَتَرَكَ عِيَالًا ، قَالَ : فَأَرَدْتُ أَنْ أُنْفِقَهَا عَلَى عِيَالِهِ ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ أَخَاكَ مَحْبُوسٌ بِدَيْنِهِ ، فَاقْضِ عَنْهُ ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ قَضَيْتُ عَنْهُ إلَّا دِينَارَيْنِ ادَّعَتْهُمَا امْرَأَةٌ ، وَلَيْسَتْ لَهَا بَيِّنَةٌ قَالَ : أَعْطِهَا ، فَإِنَّهَا مُحِقَّةٌ وَفِي لَفْظٍ فَإِنَّهَا صَادِقَةٌ } وَهَذَا أَصْرَحُ فِي الدَّلَالَةِ مِمَّا قَبْلَهُ .
وَقَالَ حَمَّادٌ عَنْ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ الصَّحَابَةِ بِمِثْلِهِ ، وَلَكِنْ لَمْ يُسَمِّ : كَمْ تَرَكَ ؟ .
وَبَعْدُ ، فَهَذَا لَا يَدُلُّ أَيْضًا ، فَإِنَّ الْمَنْعَ مِنْ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِعِلْمِهِ إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ التُّهْمَةِ هِيَ مَعْلُومَةُ الِانْتِفَاءِ مِنْ سَيِّدِ الْحُكَّامِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَاحْتُجَّ بِمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَرْسَلَتْ إلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ ، إنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ فِي هَذَا الْمَالِ } ، وَإِنِّي وَاَللَّهِ لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إلَى فَاطِمَةَ مِنْهَا شَيْئًا . - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ سَهْوٌ أَيْضًا ; فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلِمَ مِنْ دِينِ الرَّسُولِ أَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى بَاطِلَةٌ لَا يُسَوَّغُ الْحُكْمُ بِمُوجِبِهَا ، بَلْ دَعْوَاهَا بِمَنْزِلَةِ دَعْوَى اسْتِحْقَاقِ مَا عَلِمَ وَتَحَقَّقَ دَفْعُهُ بِالضَّرُورَةِ ، بَلْ بِمَنْزِلَةِ مَا يَعْلَمُ بُطْلَانَهُ قَطْعًا مِنْ الدَّعَاوَى ، وَسَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا خَفِيَ عَلَيْهَا حُكْمُ هَذِهِ الدَّعْوَى ، وَعَلِمَهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ ، فَالصِّدِّيقُ مَعَهُ الْحُجَّةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَسْمَعْ هَذِهِ الدَّعْوَى ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِمُوجِبِهَا ، لِلْحُجَّةِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي عَلِمَهَا مَعَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ 167 وَالصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ ، فَأَيْنَ هَذَا مِنْ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِعِلْمِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ بِهِ حُجَّةٌ عَلَى الْخَصْمِ ؟ .
وَاحْتَجَّ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ لِهَذَا الْقَوْلِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { بَيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ } قَالَ : وَمِنْ الْبَيِّنَةِ الَّتِي لَا بَيِّنَةَ أَبْيَنُ مِنْهَا : عِلْمُ الْحَاكِمِ بِالْمُحِقِّ مِنْ الْمُبْطِلِ ، وَهَذَا إلَى أَنْ يَكُونَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ أَقْرَبَ مِنْ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً لَهُمْ ; فَإِنَّهُ قَالَ : " بَيِّنَتُكَ " " وَالْبَيِّنَةُ " اسْمٌ لِمَا يُبَيِّنُ الْحَقَّ ، بِحَيْثُ يَظْهَرُ الْمُحِقُّ مِنْ الْمُبْطِلِ ، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ لِلنَّاسِ ، وَعِلْمُ الْحَاكِمِ لَيْسَ بِبَيِّنَةٍ .
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ } وَلَيْسَ مِنْ الْقِسْطِ : أَنْ يَعْلَمَ الْحَاكِمُ أَنَّ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ مَظْلُومٌ وَالْآخَرَ ظَالِمٌ ، وَيَتْرُكَ كُلًّا مِنْهُمَا عَلَى حَالِهِ .
قَالَ الْآخَرُونَ : لَيْسَ فِي هَذَا مَحْذُورٌ ، حَيْثُ لَمْ يَأْتِ الْمَظْلُومُ بِحُجَّةٍ يَحْكُمُ لَهُ بِهَا ، فَالْحَاكِمُ مَعْذُورٌ ، إذْ لَا حُجَّةَ مَعَهُ يُوصَلُ بِهَا صَاحِبُ الْحَقِّ إلَى حَقِّهِ ، وَقَدْ قَالَ سَيِّدُ الْحُكَّامِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ : { إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ يَكُونُ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ ، فَأَقْضِيَ لَهُ ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْهُ ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ } ( 119 ) . وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ } وَإِذَا رَأَى الْحَاكِمُ وَحْدَهُ عُدْوَانَ رَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ وَغَصْبَهُ مَالَهُ ، أَوْ سَمِعَ طَلَاقَهُ لِامْرَأَتِهِ ، وَعِتْقَهُ لِعَبْدِهِ ، ثُمَّ رَأَى الرَّجُلَ مُسْتَمِرًّا فِي إمْسَاكِ الزَّوْجَةِ ، أَوْ بَيْعِ مَنْ صَرَّحَ بِعِتْقِهِ ، فَقَدْ أَقَرَّ عَلَى الْمُنْكَرِ الَّذِي أُمِرَ بِتَغْيِيرِهِ .
قَالَ الْآخَرُونَ : هُوَ مَأْمُورٌ بِتَغْيِيرِ مَا يَعْلَمُ النَّاسُ أَنَّهُ مُنْكَرٌ ، بِحَيْثُ لَا تَتَطَرَّقُ إلَيْهِ تُهْمَةٌ فِي تَغْيِيرِهِ ، وَأَمَّا إذَا عَمَدَ إلَى رَجُلٍ مَعَ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ وَلَمْ يَشْهَدْ أَحَدٌ أَنَّهُ طَلَّقَهَا وَلَا أَعْتَقَهَا أَلْبَتَّةَ ، وَلَا سَمِعَ بِذَلِكَ أَحَدٌ قَطُّ ، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، وَزَعَمَ أَنَّهُ طَلَّقَ وَأَعْتَقَ : فَإِنَّهُ يُنْسَبُ ظَاهِرًا إلَى تَغْيِيرِ الْمَعْرُوفِ بِالْمُنْكَرِ ، وَتَطَرَّقَ النَّاسُ إلَى اتِّهَامِهِ وَالْوُقُوعِ فِي عِرْضِهِ ، وَهَلْ يُسَوَّغُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَأْتِيَ إلَى رَجُلٍ مَسْتُورٍ بَيْنَ النَّاسِ ، غَيْرِ مَشْهُورٍ بِفَاحِشَةٍ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ بِهَا ، فَيَرْجُمُهُ ، وَيَقُولُ : رَأَيْتُهُ يَزْنِي ؟ أَوْ يَقْتُلُهُ وَيَقُولُ : سَمِعْتُهُ يَسُبُّ ؟ أَوْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ، وَيَقُولُ : سَمِعْتُهُ يُطَلِّقُ ؟ وَهَلْ هَذَا إلَّا مَحْضُ التُّهْمَةِ ؟ . 168 وَلَوْ فُتِحَ هَذَا الْبَابُ - وَلَا سِيَّمَا لِقُضَاةِ الزَّمَانِ - لَوَجَدَ كُلُّ قَاضٍ لَهُ عَدُوٌّ السَّبِيلَ إلَى قَتْلِ عَدُوِّهِ ، وَرَجْمِهِ وَتَفْسِيقِهِ ، وَالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ ، وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَتْ الْعَدَاوَةُ خَفِيَّةً ، لَا يُمْكِنُ لِعَدُوِّهِ إثْبَاتُهَا ، وَحَتَّى لَوْ كَانَ الْحَقُّ هُوَ حُكْمُ الْحَاكِمِ بِعِلْمِهِ لَوَجَبَ مَنْعُ قُضَاةِ الزَّمَانِ مِنْ ذَلِكَ ، وَهَذَا إذَا قِيلَ فِي شُرَيْحٍ وَكَعْبِ بْنِ سَوَّارٍ ، وَإِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَعِمْرَانَ الطَّلْحِيُّ ، وَحَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ وَأَضْرَابِهِمْ . كَانَ فِيهِ مَا فِيهِ .
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ .
فَذَكَرَ الْبَيْهَقِيّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ : " لَوْ وَجَدْتُ رَجُلًا عَلَى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ لَمْ أَحُدَّهُ حَتَّى يَكُونَ مَعِي غَيْرِي " .
وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ : أَرَأَيْتَ لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَقْتُلُ أَوْ يَسْرِقُ أَوْ يَزْنِي ؟ قَالَ : أَرَى شَهَادَتَكَ شَهَادَةَ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، قَالَ : أَصَبْتَ ، وَعَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ .
وَهَذَا مِنْ كَمَالِ فِقْهِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَإِنَّهُمْ أَفْقَهُ الْأُمَّةِ وَأَعْلَمُهُمْ بِمَقَاصِدِ الشَّرْعِ وَحُكْمِهِ ، فَإِنَّ التُّهْمَةَ مُؤَثِّرَةٌ فِي بَابِ الشَّهَادَاتِ وَالْأَقْضِيَةِ ، وَطَلَاقِ الْمَرِيضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ ، وَلَا الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ ، وَلَا شَهَادَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ ، وَبِالْعَكْسِ وَلَا شَهَادَةُ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ ، وَلَا يُقْبَلُ حُكْمُ الْحَاكِمِ لِنَفْسِهِ ، وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ عَلَى عَدُوِّهِ ، وَلَا يَصِحُّ إقْرَارُ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ لِوَارِثِهِ وَلَا لِأَجْنَبِيٍّ ، عِنْدَ مَالِكٍ ، إذَا قَامَتْ شَوَاهِدُ التُّهْمَةِ ، وَلَا تُمْنَعُ الْمَرْأَةُ الْمِيرَاثَ بِطَلَاقِهِ لَهَا لِأَجْلِ التُّهْمَةِ ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ عَلَى ضَرَّتِهَا أَنَّهَا أَرْضَعَتْهَا - أَضْعَافُ ذَلِكَ مِمَّا يُرَدُّ وَلَا يُقْبَلُ لِلتُّهْمَةِ .
وَلِذَلِكَ مَنَعْنَا فِي مَسْأَلَةِ الظَّفْرِ أَنْ يَأْخُذَ الْمَظْلُومُ مِنْ مَالِ ظَالِمِهِ نَظِيرَ مَا خَانَهُ فِيهِ لِأَجْلِ التُّهْمَةِ ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا يَسْتَوْفِي حَقَّهُ .
وَلَقَدْ كَانَ سَيِّدُ الْحُكَّامِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ يَعْلَمُ مِنْ الْمُنَافِقِينَ مَا يُبِيحُ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ، وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ ، وَلَا يَحْكُمُ فِيهِمْ بِعِلْمِهِ ، مَعَ بَرَاءَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ كُلِّ تُهْمَةٍ ، لِئَلَّا يَقُولَ النَّاسُ : إنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ ، وَلَمَّا { رَآهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ مَعَ زَوْجَتِهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ قَالَ : رُوَيْدَكُمَا ، إنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ } لِئَلَّا تَقَعَ فِي نُفُوسِهِمَا تُهْمَةٌ لَهُ . 169
وَمَنْ تَدَبَّرَ الشَّرِيعَةَ وَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْمَصَالِحِ وَسَدِّ الذَّرَائِعِ تَبَيَّنَ لَهُ الصَّوَابُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith