تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
page 1056 · printed p. 137
137 ( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ( 6 ) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ( 7 ) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا ( 8 ) ) .
يَقُولُ تَعَالَى مُسَلِّيًا رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حُزْنِهِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ، لِتَرْكِهِمُ الْإِيمَانَ وَبُعْدِهِمْ عَنْهُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ) [ فَاطِرٍ : 8 ] ، وَقَالَ ) وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ) [ النَّحْلِ : 127 ] ، وَقَالَ ( لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) [ الشُّعَرَاءِ : 3 ]
بَاخِعٌ : أَيْ مَهْلِكٌ نَفْسَكَ بِحُزْنِكَ عَلَيْهِمْ ؛ وَلِهَذَا قَالَ ( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ ) يَعْنِي الْقُرْآنَ ) أَسَفًا ) يَقُولُ : لَا تُهْلِكْ نَفْسَكَ أَسَفًا .
قَالَ قَتَادَةُ : قَاتِلٌ نَفْسَكَ غَضَبًا وَحُزْنًا عَلَيْهِمْ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : جَزَعًا . وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ ، أَيْ : لَا تَأْسَفْ عَلَيْهِمْ ، بَلْ أَبْلِغْهُمْ رِسَالَةَ اللَّهِ ، فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ ، وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ، فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ .
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ جَعَلَ الدُّنْيَا دَارًا فَانِيَةً مُزَيَّنَةً بِزِينَةٍ زَائِلَةٍ . وَإِنَّمَا جَعَلَهَا دَارَ اخْتِبَارٍ لَا دَارَ قَرَارٍ ، فَقَالَ : ( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) .
قَالَ قَتَادَةُ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ۝ " إِنَّ الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفَكُمْ فِيهَا فَنَاظِرٌ مَاذَا تَعْمَلُونَ ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا ، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ "
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى بِزَوَالِهَا وَفَنَائِهَا ، وَفَرَاغِهَا وَانْقِضَائِهَا ، وَذَهَابِهَا وَخَرَابِهَا ، فَقَالَ : ( وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا ) أَيْ : وَإِنَّا لَمُصَيِّرُوهَا بَعْدَ الزِّينَةِ إِلَى الْخَرَابِ وَالدَّمَارِ ، فَنَجْعَلُ كُلَّ شَيْءٍ عَلَيْهَا هَالِكًا ) صَعِيدًا جُرُزًا ) : لَا يُنْبَتُ وَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ ، كَمَا قَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ( وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا ) يَقُولُ : يَهْلَكُ كُلُّ شَيْءٍ عَلَيْهَا وَيَبِيدُ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( صَعِيدًا جُرُزًا ) بَلْقَعًا .
وَقَالَ قَتَادَةُ : الصَّعِيدُ : الْأَرْضُ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَجَرٌ وَلَا نَبَاتٌ .
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : الصَّعِيدُ : الْأَرْضُ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ ) [ السَّجْدَةِ : 27 ] .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : ( وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا ) يَعْنِي الْأَرْضَ ، إِنَّ مَا عَلَيْهَا لِفَانٍ وَبَائِدٌ ، وَإِنَّ الْمَرْجِعَ لَإِلَى اللَّهِ فَلَا تَأْسَ وَلَا يُحْزِنْكَ مَا تَسْمَعُ وَتَرَى .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith