تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
page 1057 · printed p. 138
138 ( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا ( 9 ) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ( 10 ) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ( 11 ) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا ( 12 ) )
هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ [ وَالرَّقِيمِ ] عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ وَالِاخْتِصَارِ ، ثُمَّ بَسَطَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ : ( أَمْ حَسِبْتَ ) يَعْنِي : يَا مُحَمَّدُ ( أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا ) أَيْ : لَيْسَ أَمْرُهُمْ عَجِيبًا فِي قُدْرَتِنَا وَسُلْطَانِنَا ، فَإِنَّ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَاخْتِلَافَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَتَسْخِيرَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْكَوَاكِبِ ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الْعَظِيمَةِ الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَأَنَّهُ عَلَى مَا يَشَاءُ قَادِرٌ وَلَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ أَعْجَبُ مِنْ أَخْبَارِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ [ وَالرَّقِيمِ ] كَمَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : ( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا ) يَقُولُ : قَدْ كَانَ مِنْ آيَاتِنَا مَا هُوَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ!
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا ) يَقُولُ : الَّذِي آتَيْتُكَ مِنَ الْعِلْمِ وَالسُّنَّةِ وَالْكِتَابِ ، أَفْضَلُ مِنْ شَأْنِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : مَا أَظْهَرْتُ مِنْ حُجَجِي عَلَى الْعِبَادِ ، أَعْجَبَ مِنْ شَأْنِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ .
[ وَأَمَّا " الْكَهْفُ " فَهُوَ : الْغَارُ فِي الْجَبَلِ ، وَهُوَ الَّذِي لَجَأَ إِلَيْهِ هَؤُلَاءِ الْفِتْيَةُ الْمَذْكُورُونَ . وَأَمَّا " الرَّقِيمُ " ] فَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : هُوَ وَادٍ قَرِيبٌ مِنْ أَيْلَةَ . وَكَذَا قَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ ، وَقَتَادَةُ .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ : أَمَّا " الْكَهْفُ " فَهُوَ : غَارُ الْوَادِي ، وَ " الرَّقِيمُ " : اسْمُ الْوَادِي .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : " الرَّقِيمُ " : كَانَ بُنْيَانَهُمْ وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ : هُوَ الْوَادِي الَّذِي فِيهِ كَهْفُهُمْ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : " الرَّقِيمُ " ، قَالَ : يَزْعُمُ كَعْبٌ أَنَّهَا الْقَرْيَةُ .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " الرَّقِيمُ " الْجَبَلُ الَّذِي فِيهِ الْكَهْفُ .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ [ مُجَاهِدٍ عَنِ ] ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : اسْمُ ذَلِكَ الْجَبَلِ بَنْجَلُوسُ .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ شُعَيْبٍ الْجَبَّائِيِّ : أَنَّ اسْمَ جَبَلِ الْكَهْفِ بَنْجَلُوسُ ، وَاسْمَ الْكَهْفِ حَيْزَمُ ، وَالْكَلْبِ حِمْرَانُ . 139
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَنْبَأَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الْقُرْآنُ أَعْلَمُهُ إِلَّا حَنَانًا ، وَالْأَوَّاهَ ، وَالرَّقِيمَ .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ يَقُولُ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَا أَدْرِي مَا الرَّقِيمُ ؟ أَكِتَابٌ أَمْ بُنْيَانٌ ؟
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الرَّقِيمُ : الْكِتَابُ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : [ الرَّقِيمُ ] لَوْحٌ مِنْ حِجَارَةٍ ، كَتَبُوا فِيهِ قِصَصَ أَصْحَابِ الْكَهْفِ ثُمَّ وَضَعُوهُ عَلَى بَابِ الْكَهْفِ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : الرَّقِيمُ : الْكِتَابُ . ثُمَّ قَرَأَ : ( كِتَابٌ مَرْقُومٌ ) [ الْمُطَفِّفِينَ : 9 ]
وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْآيَةِ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ قَالَ : " الرَّقِيمُ " فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَرْقُومٍ ، كَمَا يَقُولُ لِلْمَقْتُولِ : قَتِيلٌ ، وَلِلْمَجْرُوحِ : جَرِيحٌ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ) يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ أُولَئِكَ الْفِتْيَةِ ، الَّذِينَ فَرُّوا بِدِينِهِمْ مِنْ قَوْمِهِمْ لِئَلَّا يَفْتِنُوهُمْ عَنْهُ ، فَهَرَبُوا مِنْهُ فَلَجَئُوا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ لِيَخْتَفُوا عَنْ قَوْمِهِمْ ، فَقَالُوا حِينَ دَخَلُوا سَائِلِينَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى رَحْمَتَهُ وَلُطْفَهُ بِهِمْ : ( رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ) أَيْ : هَبْ لَنَا مِنْ عِنْدِكَ رَحْمَةً تَرْحَمُنَا بِهَا وَتَسْتُرُنَا عَنْ قَوْمِنَا ( وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ) أَيْ : وَقَدِّرْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا هَذَا رَشَدًا ، أَيْ : اجْعَلْ عَاقِبَتَنَا رَشَدًا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : ۝ " وَمَا قَضَيْتَ لَنَا مِنْ قَضَاءٍ ، فَاجْعَلْ عَاقِبَتَهُ رَشَدًا " ، وَفِي الْمُسْنَدِ مِنْ حَدِيثِ بُسْرِ بْنِ أَبِي أَرْطَاةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو : ۝ " اللَّهُمَّ ، أَحْسِنْ عَاقِبَتَنَا فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا ، وَأَجِرْنَا مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْآخِرَةِ " .
وَقَوْلُهُ : ( فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ) أَيْ : أَلْقَيْنَا عَلَيْهِمُ النَّوْمَ حِينَ دَخَلُوا إِلَى الْكَهْفِ ، فَنَامُوا سِنِينَ كَثِيرَةً ) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ ) أَيْ : مِنْ رَقْدَتِهِمْ تِلْكَ ، وَخَرَجَ أَحَدُهُمْ بِدَرَاهِمَ مَعَهُ لِيَشْتَرِيَ لَهُمْ بِهَا طَعَامًا يَأْكُلُونَهُ ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَتَفْصِيلُهُ ؛ وَلِهَذَا قَالَ : ( ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ ) أَيِ الْمُخْتَلِفَيْنِ فِيهِمْ ( أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا ) قِيلَ : عَدَدًا وَقِيلَ : غَايَةً فَإِنَّ الْأَمَدَ الْغَايَةُ كَقَوْلِهِ
سَبَقَ الْجَوَادُ إِذَا اسْتَوْلَى عَلَى الْأَمَدِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith