تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا ( 50 ) )
يَقُولُ تَعَالَى مُنَبِّهًا بَنِي آدَمَ عَلَى عَدَاوَةِ إِبْلِيسَ لَهُمْ وَلِأَبِيهِمْ مِنْ قَبْلِهِمْ ، وَمُقَرِّعًا لِمَنِ اتَّبَعَهُ مِنْهُمْ وَخَالَفَ خَالِقَهُ وَمَوْلَاهُ ، الَّذِي أَنْشَأَهُ وَابْتَدَاهُ ، وَبِأَلْطَافٍ رَزَقَهُ وَغَذَّاهُ ، ثُمَّ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ وَالَى إِبْلِيسَ وَعَادَى اللَّهَ ، فَقَالَ تَعَالَى : ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ ) أَيْ : لِجَمِيعِ الْمَلَائِكَةِ ، كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ " الْبَقَرَةِ " .
( اسْجُدُوا لِآدَمَ ) أَيْ : سُجُودَ تَشْرِيفٍ وَتَكْرِيمٍ وَتَعْظِيمٍ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ) [ الْحِجْرِ : 29 ، 28 ]
وَقَوْلِهِ ( فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ ) أَيْ : خَانَهُ أَصْلُهُ ؛ فَإِنَّهُ خُلِقَ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ، وَأَصْلُ خَلْقِ الْمَلَائِكَةِ مِنْ نُورٍ ، كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : " خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ ، وَخُلِقَ إِبْلِيسُ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ " . فَعِنْدَ الْحَاجَةِ نَضَحَ كُلُّ وِعَاءٍ بِمَا فِيهِ ، وَخَانَهُ الطَّبْعُ عِنْدَ الْحَاجَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ تَوَسَّمَ بِأَفْعَالِ الْمَلَائِكَةِ وَتَشَبَّهَ بِهِمْ ، وَتَعَبَّدَ وَتَنَسَّكَ ، فَلِهَذَا دَخَلَ فِي خِطَابِهِمْ ، وَعَصَى بِالْمُخَالَفَةِ .
وَنَبَّهَ تَعَالَى هَاهُنَا عَلَى أَنَّهُ ( مِنَ الْجِنِّ ) أَيْ : إِنَّهُ خُلِقَ مِنْ نَارٍ ، كَمَا قَالَ : ( أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) [ الْأَعْرَافِ : 12 ، وَص : 76 ]
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : مَا كَانَ إِبْلِيسُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ طَرْفَةَ عَيْنٍ قَطُّ ، وَإِنَّهُ لَأَصْلُ الْجِنِّ ، كَمَا أَنَّ آدَمَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَصْلُ الْبَشَرِ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ [ عَنْهُ ] . 168
وَقَالَ الضَّحَّاكُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : كَانَ إِبْلِيسُ مِنْ حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْمَلَائِكَةِ ، يُقَالُ لَهُمُ : الْجِنُّ ، خُلِقُوا مِنْ نَارِ السَّمُومِ مِنْ بَيْنِ الْمَلَائِكَةِ - قَالَ : وَكَانَ اسْمُهُ الْحَارِثَ ، وَكَانَ خَازِنًا مِنْ خُزَّانِ الْجَنَّةِ ، وَخُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ غَيْرَ هَذَا الْحَيِّ - قَالَ : وَخُلِقَتِ الْجِنُّ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي الْقُرْآنِ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ . وَهُوَ لِسَانُ النَّارِ الَّذِي يَكُونُ فِي طَرَفِهَا إِذَا الْتَهَبَتْ .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ أَيْضًا ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : كَانَ إِبْلِيسُ مِنْ أَشْرَفِ الْمَلَائِكَةِ وَأَكْرَمِهِمْ قَبِيلَةً ، وَكَانَ خَازِنًا عَلَى الْجِنَانِ ، وَكَانَ لَهُ سُلْطَانُ [ السَّمَاءِ ] الدُّنْيَا وَسُلْطَانُ الْأَرْضِ ، وَكَانَ مِمَّا سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ ، مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ أَنَّهُ رَأَى أَنَّ لَهُ بِذَلِكَ شَرَفًا عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ ، فَوَقَعَ مِنْ ذَلِكَ فِي قَلْبِهِ كِبْرٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ . فَاسْتَخْرَجَ اللَّهُ ذَلِكَ الْكِبْرَ مِنْهُ حِينَ أَمَرَهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ " فَاسْتَكْبَرَ ، وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَقَوْلُهُ : ( كَانَ مِنَ الْجِنِّ ) أَيْ : مِنْ خُزَّانِ [ الْجِنَانِ ، كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ : مَكِّيٌّ ، وَمَدَنِيٌّ ، وَبَصْرِيٌّ ، وَكُوفِيٌّ . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، نَحْوَ ذَلِكَ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : هُوَ مِنْ خُزَّانِ ] الْجَنَّةِ ، وَكَانَ يُدَبِّرُ أَمْرَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، بِهِ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : كَانَ رَئِيسَ مَلَائِكَةِ سَمَاءِ الدُّنْيَا .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ خَلَّادِ بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ إِبْلِيسُ - قَبْلَ أَنْ يَرْكَبَ الْمَعْصِيَةَ - مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، اسْمُهُ عَزَازِيلُ ، وَكَانَ مِنْ سُكَّانِ الْأَرْضِ . وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ الْمَلَائِكَةِ اجْتِهَادًا وَأَكْثَرِهِمْ عِلْمًا . فَذَلِكَ دَعَاهُ إِلَى الْكِبْرِ ، وَكَانَ مِنْ حَيٍّ يُسَمَّوْنَ جِنًّا .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ وَشَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ ؛ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِنَّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ قَبِيلَةً مِنَ الْجِنِّ ، وَكَانَ إِبْلِيسُ مِنْهَا ، وَكَانَ يَسُوسُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ . فَعَصَى ، فَسَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَمَسَخَهُ شَيْطَانًا رَجِيمًا - لَعَنَهُ اللَّهُ - مَمْسُوخًا ، قَالَ : وَإِذَا كَانَتْ خَطِيئَةُ الرَّجُلِ فِي كِبْرٍ فَلَا تَرْجُهُ ، وَإِذَا كَانَتْ فِي مَعْصِيَةٍ فَارْجُهُ .
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ مِنَ الْجَنَّانِينَ ، الَّذِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْجَنَّةِ .
وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا آثَارٌ كَثِيرَةٌ عَنِ السَّلَفِ ، وَغَالِبُهَا مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ الَّتِي تُنْقَلُ لِيُنْظَرَ فِيهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَالِ كَثِيرٍ مِنْهَا . وَمِنْهَا مَا قَدْ يُقْطَعُ بِكَذِبِهِ لِمُخَالَفَتِهِ لِلْحَقِّ الَّذِي بِأَيْدِينَا ، وَفِي الْقُرْآنِ غُنْيَةٌ عَنْ كُلِّ مَا عَدَاهُ مِنَ الْأَخْبَارِ الْمُتَقَدِّمَةِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكَادُ تَخْلُو مِنْ تَبْدِيلٍ وَزِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ ، وَقَدْ وُضِعَ فِيهَا أَشْيَاءٌ كَثِيرَةٌ ، وَلَيْسَ لَهُمْ مِنَ الْحُفَّاظِ الْمُتْقِنِينَ الَّذِينَ يَنْفُونَ عَنْهَا تَحْرِيفَ الْغَالِينَ وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ ، كَمَا لِهَذِهِ [ الْأُمَّةِ مِنْ ] الْأَئِمَّةِ وَالْعُلَمَاءِ ، وَالسَّادَةِ الْأَتْقِيَاءِ وَالْأَبْرَارِ وَالنُّجَبَاءِ مِنَ الْجَهَابِذَةِ النُّقَّادِ ، وَالْحُفَّاظِ 169 الْجِيَادِ ، الَّذِينَ دَوَّنُوا الْحَدِيثَ وَحَرَّرُوهُ ، وَبَيَّنُوا صَحِيحَهُ مَنْ حَسَنِهِ ، مِنْ ضَعِيفِهِ ، مِنْ مُنْكَرِهِ وَمَوْضُوعِهِ ، وَمَتْرُوكِهِ وَمَكْذُوبِهِ ، وَعَرَفُوا الْوَضَّاعِينَ وَالْكَذَّابِينَ وَالْمَجْهُولِينَ ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَصْنَافِ الرِّجَالِ ، كُلُّ ذَلِكَ صِيَانَةً لِلْجَنَابِ النَّبَوِيِّ وَالْمَقَامِ الْمُحَمَّدِيِّ ، خَاتَمِ الرُّسُلِ ، وَسَيِّدِ الْبَشَرِ [ عَلَيْهِ أَفْضَلُ التَّحِيَّاتُ وَالصَّلَوَاتُ وَالتَّسْلِيمَاتُ ] ، أَنْ يُنْسَبَ إِلَيْهِ كَذِبٌ ، أَوْ يُحَدَّثَ عَنْهُ بِمَا لَيْسَ [ مِنْهُ ] ، فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ ، وَجَعَلَ جَنَّاتِ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُمْ ، وَقَدْ فَعَلَ .
وَقَوْلُهُ : ( فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ) أَيْ : فَخَرَجَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ ؛ فَإِنَّ الْفِسْقَ هُوَ الْخُرُوجُ ، يُقَالُ فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ : إِذَا خَرَجَتْ مِنْ أَكْمَامِهَا وَفَسَقَتِ الْفَأْرَةُ مِنْ جُحْرِهَا : إِذَا خَرَجَتْ مِنْهُ لِلْعَيْثِ وَالْفَسَادِ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُقَرِّعًا وَمُوَبِّخًا لِمَنِ اتَّبَعَهُ وَأَطَاعَهُ : ( أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي ) أَيْ : بَدَلًا عَنِّي ؛ وَلِهَذَا قَالَ : ( بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا )
وَهَذَا الْمَقَامُ كَقَوْلِهِ بَعْدَ ذِكْرِ الْقِيَامَةِ وَأَهْوَالِهَا وَمَصِيرِ كُلٍّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ السُّعَدَاءِ وَالْأَشْقِيَاءِ فِي سُورَةِ " يس " : ( وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ) [ يس : 59 - 62 ] .
يَقُولُ تَعَالَى مُنَبِّهًا بَنِي آدَمَ عَلَى عَدَاوَةِ إِبْلِيسَ لَهُمْ وَلِأَبِيهِمْ مِنْ قَبْلِهِمْ ، وَمُقَرِّعًا لِمَنِ اتَّبَعَهُ مِنْهُمْ وَخَالَفَ خَالِقَهُ وَمَوْلَاهُ ، الَّذِي أَنْشَأَهُ وَابْتَدَاهُ ، وَبِأَلْطَافٍ رَزَقَهُ وَغَذَّاهُ ، ثُمَّ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ وَالَى إِبْلِيسَ وَعَادَى اللَّهَ ، فَقَالَ تَعَالَى : ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ ) أَيْ : لِجَمِيعِ الْمَلَائِكَةِ ، كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ " الْبَقَرَةِ " .
( اسْجُدُوا لِآدَمَ ) أَيْ : سُجُودَ تَشْرِيفٍ وَتَكْرِيمٍ وَتَعْظِيمٍ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ) [ الْحِجْرِ : 29 ، 28 ]
وَقَوْلِهِ ( فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ ) أَيْ : خَانَهُ أَصْلُهُ ؛ فَإِنَّهُ خُلِقَ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ، وَأَصْلُ خَلْقِ الْمَلَائِكَةِ مِنْ نُورٍ ، كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : " خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ ، وَخُلِقَ إِبْلِيسُ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ " . فَعِنْدَ الْحَاجَةِ نَضَحَ كُلُّ وِعَاءٍ بِمَا فِيهِ ، وَخَانَهُ الطَّبْعُ عِنْدَ الْحَاجَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ تَوَسَّمَ بِأَفْعَالِ الْمَلَائِكَةِ وَتَشَبَّهَ بِهِمْ ، وَتَعَبَّدَ وَتَنَسَّكَ ، فَلِهَذَا دَخَلَ فِي خِطَابِهِمْ ، وَعَصَى بِالْمُخَالَفَةِ .
وَنَبَّهَ تَعَالَى هَاهُنَا عَلَى أَنَّهُ ( مِنَ الْجِنِّ ) أَيْ : إِنَّهُ خُلِقَ مِنْ نَارٍ ، كَمَا قَالَ : ( أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) [ الْأَعْرَافِ : 12 ، وَص : 76 ]
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : مَا كَانَ إِبْلِيسُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ طَرْفَةَ عَيْنٍ قَطُّ ، وَإِنَّهُ لَأَصْلُ الْجِنِّ ، كَمَا أَنَّ آدَمَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَصْلُ الْبَشَرِ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ [ عَنْهُ ] . 168
وَقَالَ الضَّحَّاكُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : كَانَ إِبْلِيسُ مِنْ حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْمَلَائِكَةِ ، يُقَالُ لَهُمُ : الْجِنُّ ، خُلِقُوا مِنْ نَارِ السَّمُومِ مِنْ بَيْنِ الْمَلَائِكَةِ - قَالَ : وَكَانَ اسْمُهُ الْحَارِثَ ، وَكَانَ خَازِنًا مِنْ خُزَّانِ الْجَنَّةِ ، وَخُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ غَيْرَ هَذَا الْحَيِّ - قَالَ : وَخُلِقَتِ الْجِنُّ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي الْقُرْآنِ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ . وَهُوَ لِسَانُ النَّارِ الَّذِي يَكُونُ فِي طَرَفِهَا إِذَا الْتَهَبَتْ .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ أَيْضًا ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : كَانَ إِبْلِيسُ مِنْ أَشْرَفِ الْمَلَائِكَةِ وَأَكْرَمِهِمْ قَبِيلَةً ، وَكَانَ خَازِنًا عَلَى الْجِنَانِ ، وَكَانَ لَهُ سُلْطَانُ [ السَّمَاءِ ] الدُّنْيَا وَسُلْطَانُ الْأَرْضِ ، وَكَانَ مِمَّا سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ ، مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ أَنَّهُ رَأَى أَنَّ لَهُ بِذَلِكَ شَرَفًا عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ ، فَوَقَعَ مِنْ ذَلِكَ فِي قَلْبِهِ كِبْرٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ . فَاسْتَخْرَجَ اللَّهُ ذَلِكَ الْكِبْرَ مِنْهُ حِينَ أَمَرَهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ " فَاسْتَكْبَرَ ، وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَقَوْلُهُ : ( كَانَ مِنَ الْجِنِّ ) أَيْ : مِنْ خُزَّانِ [ الْجِنَانِ ، كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ : مَكِّيٌّ ، وَمَدَنِيٌّ ، وَبَصْرِيٌّ ، وَكُوفِيٌّ . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، نَحْوَ ذَلِكَ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : هُوَ مِنْ خُزَّانِ ] الْجَنَّةِ ، وَكَانَ يُدَبِّرُ أَمْرَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، بِهِ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : كَانَ رَئِيسَ مَلَائِكَةِ سَمَاءِ الدُّنْيَا .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ خَلَّادِ بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ إِبْلِيسُ - قَبْلَ أَنْ يَرْكَبَ الْمَعْصِيَةَ - مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، اسْمُهُ عَزَازِيلُ ، وَكَانَ مِنْ سُكَّانِ الْأَرْضِ . وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ الْمَلَائِكَةِ اجْتِهَادًا وَأَكْثَرِهِمْ عِلْمًا . فَذَلِكَ دَعَاهُ إِلَى الْكِبْرِ ، وَكَانَ مِنْ حَيٍّ يُسَمَّوْنَ جِنًّا .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ وَشَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ ؛ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِنَّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ قَبِيلَةً مِنَ الْجِنِّ ، وَكَانَ إِبْلِيسُ مِنْهَا ، وَكَانَ يَسُوسُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ . فَعَصَى ، فَسَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَمَسَخَهُ شَيْطَانًا رَجِيمًا - لَعَنَهُ اللَّهُ - مَمْسُوخًا ، قَالَ : وَإِذَا كَانَتْ خَطِيئَةُ الرَّجُلِ فِي كِبْرٍ فَلَا تَرْجُهُ ، وَإِذَا كَانَتْ فِي مَعْصِيَةٍ فَارْجُهُ .
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ مِنَ الْجَنَّانِينَ ، الَّذِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْجَنَّةِ .
وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا آثَارٌ كَثِيرَةٌ عَنِ السَّلَفِ ، وَغَالِبُهَا مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ الَّتِي تُنْقَلُ لِيُنْظَرَ فِيهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَالِ كَثِيرٍ مِنْهَا . وَمِنْهَا مَا قَدْ يُقْطَعُ بِكَذِبِهِ لِمُخَالَفَتِهِ لِلْحَقِّ الَّذِي بِأَيْدِينَا ، وَفِي الْقُرْآنِ غُنْيَةٌ عَنْ كُلِّ مَا عَدَاهُ مِنَ الْأَخْبَارِ الْمُتَقَدِّمَةِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكَادُ تَخْلُو مِنْ تَبْدِيلٍ وَزِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ ، وَقَدْ وُضِعَ فِيهَا أَشْيَاءٌ كَثِيرَةٌ ، وَلَيْسَ لَهُمْ مِنَ الْحُفَّاظِ الْمُتْقِنِينَ الَّذِينَ يَنْفُونَ عَنْهَا تَحْرِيفَ الْغَالِينَ وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ ، كَمَا لِهَذِهِ [ الْأُمَّةِ مِنْ ] الْأَئِمَّةِ وَالْعُلَمَاءِ ، وَالسَّادَةِ الْأَتْقِيَاءِ وَالْأَبْرَارِ وَالنُّجَبَاءِ مِنَ الْجَهَابِذَةِ النُّقَّادِ ، وَالْحُفَّاظِ 169 الْجِيَادِ ، الَّذِينَ دَوَّنُوا الْحَدِيثَ وَحَرَّرُوهُ ، وَبَيَّنُوا صَحِيحَهُ مَنْ حَسَنِهِ ، مِنْ ضَعِيفِهِ ، مِنْ مُنْكَرِهِ وَمَوْضُوعِهِ ، وَمَتْرُوكِهِ وَمَكْذُوبِهِ ، وَعَرَفُوا الْوَضَّاعِينَ وَالْكَذَّابِينَ وَالْمَجْهُولِينَ ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَصْنَافِ الرِّجَالِ ، كُلُّ ذَلِكَ صِيَانَةً لِلْجَنَابِ النَّبَوِيِّ وَالْمَقَامِ الْمُحَمَّدِيِّ ، خَاتَمِ الرُّسُلِ ، وَسَيِّدِ الْبَشَرِ [ عَلَيْهِ أَفْضَلُ التَّحِيَّاتُ وَالصَّلَوَاتُ وَالتَّسْلِيمَاتُ ] ، أَنْ يُنْسَبَ إِلَيْهِ كَذِبٌ ، أَوْ يُحَدَّثَ عَنْهُ بِمَا لَيْسَ [ مِنْهُ ] ، فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ ، وَجَعَلَ جَنَّاتِ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُمْ ، وَقَدْ فَعَلَ .
وَقَوْلُهُ : ( فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ) أَيْ : فَخَرَجَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ ؛ فَإِنَّ الْفِسْقَ هُوَ الْخُرُوجُ ، يُقَالُ فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ : إِذَا خَرَجَتْ مِنْ أَكْمَامِهَا وَفَسَقَتِ الْفَأْرَةُ مِنْ جُحْرِهَا : إِذَا خَرَجَتْ مِنْهُ لِلْعَيْثِ وَالْفَسَادِ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُقَرِّعًا وَمُوَبِّخًا لِمَنِ اتَّبَعَهُ وَأَطَاعَهُ : ( أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي ) أَيْ : بَدَلًا عَنِّي ؛ وَلِهَذَا قَالَ : ( بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا )
وَهَذَا الْمَقَامُ كَقَوْلِهِ بَعْدَ ذِكْرِ الْقِيَامَةِ وَأَهْوَالِهَا وَمَصِيرِ كُلٍّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ السُّعَدَاءِ وَالْأَشْقِيَاءِ فِي سُورَةِ " يس " : ( وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ) [ يس : 59 - 62 ] .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith