تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
( فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ( 97 ) )
( قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ( 98 ) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا ( 99 ) ) .
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَنَّهُمْ مَا قَدَرُوا عَلَى أَنَّ يَصْعَدُوا فَوْقَ هَذَا السَّدِّ وَلَا قَدَرُوا عَلَى نَقْبِهِ مِنْ أَسْفَلِهِ . وَلَمَّا كَانَ الظُّهُورُ عَلَيْهِ أَسْهَلَ مِنْ نَقْبِهِ قَابَلَ كُلًّا بِمَا يُنَاسِبُهُ فَقَالَ : ( فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ) وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى نَقْبِهِ ، وَلَا عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ .
فَأُمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا رُوحٌ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو رَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ لَيَحْفِرُونَ السَّدَّ كُلَّ يَوْمٍ ، حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ : ارْجِعُوا فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا فَيَعُودُونَ إِلَيْهِ كَأَشَدِّ مَا كَانَ ، حَتَّى إِذَا بَلَّغَتْ مُدَّتُهُمْ وَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَهُمْ عَلَى النَّاسِ [ حَفَرُوا حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ ] قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ : ارْجِعُوا فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَيَسْتَثْنِي ، فَيَعُودُونَ إِلَيْهِ وَهُوَ كَهَيْئَتِهِ حِينَ تَرَكُوهُ ، فَيَحْفِرُونَهُ وَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ ، فَيُنَشِّفُونَ الْمِيَاهَ ، وَيَتَحَصَّنُ النَّاسُ مِنْهُمْ فِي حُصُونِهِمْ ، فَيَرْمُونَ بِسِهَامِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ ، [ فَتَرْجِعُ وَعَلَيْهَا هَيْئَةُ الدَّمِ ، فَيَقُولُونَ : قَهَرْنَا أَهْلَ الْأَرْضِ وَعَلَوْنَا أَهْلَ السَّمَاءِ ] . فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَغَفًا فِي أَقْفَائِهِمْ ، فَيَقْتُلُهُمْ بِهَا . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، إِنَّ دَوَابَّ الْأَرْضِ لَتَسْمَنُ ، وَتَشْكُرُ شُكْرًا مِنْ لُحُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ " .
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ حَسَنٍ - هُوَ ابْنُ مُوسَى الْأَشْيَبُ - عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، بِهِ . وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ أَزْهَرَ بْنِ مَرْوَانَ ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : حَدَّثَ رَافِعٌ . وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ . ثُمَّ قَالَ : غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . 198
وَهَذَا إِسْنَادُهُ قَوِيٌّ ، وَلَكِنْ فِي رَفْعِهِ نَكَارَةٌ ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ ارْتِقَائِهِ وَلَا مِنْ نَقْبِهِ ، لِإِحْكَامِ بِنَائِهِ وَصَلَابَتِهِ وَشِدَّتِهِ . وَلَكِنْ هَذَا قَدْ رُوِيَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ : أَنَّهُمْ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ يَأْتُونَهُ فَيَلْحَسُونَهُ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُ إِلَّا الْقَلِيلُ ، فَيَقُولُونَ : غَدًا نَفْتَحُهُ . فَيَأْتُونَ مِنَ الْغَدِ وَقَدْ عَادَ كَمَا كَانَ ، فَيَلْحَسُونَهُ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُ إِلَّا الْقَلِيلُ ، فَيَقُولُونَ كَذَلِكَ ، وَيُصْبِحُونَ وَهُوَ كَمَا كَانَ ، فَيَلْحَسُونَهُ وَيَقُولُونَ : غَدًا نَفْتَحُهُ . وَيُلْهَمُونَ أَنْ يَقُولُوا : " إِنْ شَاءَ اللَّهُ " ، فَيُصْبِحُونَ وَهُوَ كَمَا فَارَقُوهُ ، فَيَفْتَحُونَهُ . وَهَذَا مُتَّجَهٌ ، وَلَعَلَّ أَبَا هُرَيْرَةَ تَلَقَّاهُ مِنْ كَعْبٍ . فَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا كَانَ يُجَالِسُهُ وَيُحَدِّثُهُ ، فَحَدَّثَ بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ ، فَتَوَهَّمَ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْهُ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ ، فَرَفَعَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَيُؤَكِّدُ مَا قُلْنَاهُ - مِنْ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ نَقْبِهِ وَلَا نَقْبِ شَيْءٍ مِنْهُ ، وَمِنْ نَكَارَةِ هَذَا الْمَرْفُوعِ - قَوْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ :
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ [ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ أُمِّهَا أُمِّ حَبِيبَةَ ، عَنْ ] زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ سُفْيَانُ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ - قَالَتْ : اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَوْمِهِ . وَهُوَ مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ ، وَهُوَ يَقُولُ : " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ! وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ ! فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذَا " . وَحَلَّقَ . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟ قَالَ : " نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ " .
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، اتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَلَى إِخْرَاجِهِ ، مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، وَلَكِنْ سَقَطَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ذِكْرُ حَبِيبَةَ ، وَأَثْبَتَهَا مُسْلِمٌ . وَفِيهِ أَشْيَاءُ عَزِيزَةٌ نَادِرَةٌ قَلِيلَةُ الْوُقُوعِ فِي صِنَاعَةِ الْإِسْنَادِ ، مِنْهَا رِوَايَةُ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ ، وَهُمَا تَابِعِيَّانِ وَمِنْهَا اجْتِمَاعُ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ فِي سَنَدِهِ ، كُلُّهُنَّ يَرْوِي بِعَضُّهُنَّ عَنْ بَعْضٍ . ثُمَّ كَلٌّ مِنْهُنَّ صَحَابِيَّةٌ ، ثُمَّ ثَنْتَانِ رَبِيبَتَانِ وَثَنْتَانِ زَوْجَتَانِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ .
وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا ، فَقَالَ الْبَزَّارُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذَا " وَعَقَدَ التِّسْعِينَ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ وُهَيْبٍ ، بِهِ .
199 وَقَوْلُهُ : ( قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي ) أَيْ : لَمَّا بَنَاهُ ذُو الْقَرْنَيْنِ ( قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي ) أَيْ : بِالنَّاسِ حَيْثُ جَعَلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ حَائِلًا يَمْنَعُهُمْ مِنَ الْعَيْثِ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادِ . ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي ) أَيْ : إِذَا اقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ ( جَعَلَهُ دَكَّاءَ ) أَيْ : سَاوَاهُ بِالْأَرْضِ . تَقُولُ الْعَرَبُ : نَاقَةٌ دَكَّاءُ : إِذَا كَانَ ظَهْرُهَا مُسْتَوِيًا لَا سَنَامَ لَهَا . وَقَالَ تَعَالَى : ( فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا ) [ الْأَعْرَافِ : 143 ] أَيْ : مُسَاوِيًا لِلْأَرْضِ .
وَقَالَ عِكْرِمَةُ فِي قَوْلِهِ : ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ) قَالَ : طَرِيقًا كَمَا كَانَ .
( وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ) أَيْ : كَائِنًا لَا مَحَالَةَ .
وَقَوْلُهُ : ( وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ [ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ] ) أَيِ النَّاسَ يَوْمَئِذَ أَيْ يَوْمَ يُدَكُّ هَذَا السَّدُّ وَيَخْرُجُ هَؤُلَاءِ فَيَمُوجُونَ فِي النَّاسِ وَيُفْسِدُونَ عَلَى النَّاسِ أَمْوَالَهُمْ وَيُتْلِفُونَ أَشْيَاءَهُمْ ، وَهَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ فِي قَوْلِهِ : ( وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ) قَالَ : ذَاكَ حِينَ يَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ . وَهَذَا كُلُّهُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَبَعْدَ الدَّجَّالِ ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ [ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ] عِنْدَ قَوْلِهِ : ( حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 96 ، 97 ] وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا : ( وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا ) قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ) قَالَ : هَذَا أَوَّلُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ) عَلَى أَثَرِ ذَلِكَ ( فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا ) .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : ( وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ) أَيْ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَخْتَلِطُ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ .
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ يَعْقُوبَ الْقُمِّيِّ عَنْ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ فِي قَوْلِهِ : ( وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ) قَالَ : إِذَا مَاجَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ قَالَ إِبْلِيسُ : أَنَا أَعْلَمُ لَكُمْ عِلْمَ هَذَا الْأَمْرِ . فَيَظْعَنُ إِلَى الْمَشْرِقِ فَيَجِدُ الْمَلَائِكَةَ قَدْ بَطَّنُوا الْأَرْضَ ، ثُمَّ يَظْعَنُ إِلَى الْمَغْرِبِ فَيَجِدُ الْمَلَائِكَةَ بَطَّنُوا الْأَرْضَ فَيَقُولُ : " مَا مِنْ مَحِيصٍ " . ثُمَّ يَظْعَنُ يَمِينًا وَشِمَالًا إِلَى أَقْصَى الْأَرْضِ فَيَجِدُ الْمَلَائِكَةَ بَطَّنُوا الْأَرْضَ فَيَقُولُ : " مَا مِنْ مَحِيصٍ " فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ ، إِذْ عُرِضُ لَهُ طَرِيقٌ كَالشِّرَاكِ ، فَأَخَذَ عَلَيْهِ هُوَ وَذُرِّيَّتُهُ ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَيْهِ إِذْ هَجَمُوا عَلَى النَّارِ ، فَأَخْرَجَ اللَّهُ خَازِنًا مِنْ خُزَّانِ النَّارِ ، فَقَالَ : يَاإِبْلِيسُ ، أَلَمْ تَكُنْ لَكَ الْمَنْزِلَةُ عِنْدَ رَبِّكَ ؟ ! أَلَمْ تَكُنْ فِي الْجِنَانِ ؟ ! فَيَقُولُ : لَيْسَ هَذَا يَوْمَ عِتَابٍ ، لَوْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيَّ فَرِيضَةً لَعَبَدْتُهُ فِيهَا عِبَادَةً لَمْ يَعْبُدْهُ مِثْلَهَا أَحَدٌ مِنْ 200 خَلْقِهِ . فَيَقُولُ : فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْكَ فَرِيضَةً . فَيَقُولُ : مَا هِيَ ؟ فَيَقُولُ : يَأْمُرُكَ أَنْ تَدْخُلَ النَّارَ . فَيَتَلَكَّأُ عَلَيْهِ ، فَيَقُولُ بِهِ وَبِذُرِّيَّتِهِ بِجَنَاحَيْهِ فَيَقْذِفُهُمْ فِي النَّارِ . فَتَزْفِرُ النَّارُ زَفْرَةً لَا يَبْقَى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ إِلَّا جَثَا لِرُكْبَتَيْهِ
وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ يَعْقُوبَ الْقَمِّيِّ بِهِ . رَوَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يَعْقُوبَ ، عَنْ هَارُونَ عَنْ عَنْتَرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ) قَالَ : الْجِنُّ وَالْإِنْسُ ، يَمُوجُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ .
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْأَصْفَهَانِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ أَحْمَدُ بْنُ الْفُرَاتِ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ جَابِرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِنْ وَلَدِ آدَمَ ، وَلَوْ أُرْسِلُوا لَأَفْسَدُوا عَلَى النَّاسِ مَعَايِشَهُمْ ، وَلَنْ يَمُوتَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا تَرَكَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ أَلْفًا فَصَاعِدًا ، وَإِنَّ مِنْ وَرَائِهِمْ ثَلَاثَ أُمَمٍ : تَاوِيلَ ، وَتَايَسَ وَمَنْسَكَ " . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ بَلْ مُنْكَرٌ ضَعِيفٌ .
وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَوْسِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ مَرْفُوعًا : " إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ لَهُمْ نِسَاءٌ ، يُجَامِعُونَ مَا شَاءُوا ، وَشَجَرٌ يُلَقِّحُونَ مَا شَاءُوا ، وَلَا يَمُوتُ مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا تَرَكَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ أَلْفًا فَصَاعِدًا "
وَقَوْلُهُ : ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ) : وَالصُّورُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : " قَرْنٌ يُنْفَخُ " فِيهِ وَالَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ إِسْرَافِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، كَمَا قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ بِطُولِهِ ، وَالْأَحَادِيثُ فِيهِ كَثِيرَةٌ .
وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ عَطِيَّةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا : " كَيْفَ أَنْعَمُ ، وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ ، وَحَنَى جَبْهَتَهُ وَاسْتَمَعَ مَتَى يُؤْمَرُ " . قَالُوا : كَيْفَ نَقُولُ ؟ قَالَ : " قُولُوا : حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ، عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا "
وَقَوْلُهُ ) فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا ) أَيْ : أَحْضَرْنَا الْجَمِيعَ لِلْحِسَابِ ( قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ) [ الْوَاقِعَةِ : 49 ، 50 ] ، ( وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ) [ الْكَهْفِ : 47 ]
( قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ( 98 ) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا ( 99 ) ) .
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَنَّهُمْ مَا قَدَرُوا عَلَى أَنَّ يَصْعَدُوا فَوْقَ هَذَا السَّدِّ وَلَا قَدَرُوا عَلَى نَقْبِهِ مِنْ أَسْفَلِهِ . وَلَمَّا كَانَ الظُّهُورُ عَلَيْهِ أَسْهَلَ مِنْ نَقْبِهِ قَابَلَ كُلًّا بِمَا يُنَاسِبُهُ فَقَالَ : ( فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ) وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى نَقْبِهِ ، وَلَا عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ .
فَأُمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا رُوحٌ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو رَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ لَيَحْفِرُونَ السَّدَّ كُلَّ يَوْمٍ ، حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ : ارْجِعُوا فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا فَيَعُودُونَ إِلَيْهِ كَأَشَدِّ مَا كَانَ ، حَتَّى إِذَا بَلَّغَتْ مُدَّتُهُمْ وَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَهُمْ عَلَى النَّاسِ [ حَفَرُوا حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ ] قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ : ارْجِعُوا فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَيَسْتَثْنِي ، فَيَعُودُونَ إِلَيْهِ وَهُوَ كَهَيْئَتِهِ حِينَ تَرَكُوهُ ، فَيَحْفِرُونَهُ وَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ ، فَيُنَشِّفُونَ الْمِيَاهَ ، وَيَتَحَصَّنُ النَّاسُ مِنْهُمْ فِي حُصُونِهِمْ ، فَيَرْمُونَ بِسِهَامِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ ، [ فَتَرْجِعُ وَعَلَيْهَا هَيْئَةُ الدَّمِ ، فَيَقُولُونَ : قَهَرْنَا أَهْلَ الْأَرْضِ وَعَلَوْنَا أَهْلَ السَّمَاءِ ] . فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَغَفًا فِي أَقْفَائِهِمْ ، فَيَقْتُلُهُمْ بِهَا . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، إِنَّ دَوَابَّ الْأَرْضِ لَتَسْمَنُ ، وَتَشْكُرُ شُكْرًا مِنْ لُحُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ " .
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ حَسَنٍ - هُوَ ابْنُ مُوسَى الْأَشْيَبُ - عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، بِهِ . وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ أَزْهَرَ بْنِ مَرْوَانَ ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : حَدَّثَ رَافِعٌ . وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ . ثُمَّ قَالَ : غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . 198
وَهَذَا إِسْنَادُهُ قَوِيٌّ ، وَلَكِنْ فِي رَفْعِهِ نَكَارَةٌ ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ ارْتِقَائِهِ وَلَا مِنْ نَقْبِهِ ، لِإِحْكَامِ بِنَائِهِ وَصَلَابَتِهِ وَشِدَّتِهِ . وَلَكِنْ هَذَا قَدْ رُوِيَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ : أَنَّهُمْ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ يَأْتُونَهُ فَيَلْحَسُونَهُ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُ إِلَّا الْقَلِيلُ ، فَيَقُولُونَ : غَدًا نَفْتَحُهُ . فَيَأْتُونَ مِنَ الْغَدِ وَقَدْ عَادَ كَمَا كَانَ ، فَيَلْحَسُونَهُ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُ إِلَّا الْقَلِيلُ ، فَيَقُولُونَ كَذَلِكَ ، وَيُصْبِحُونَ وَهُوَ كَمَا كَانَ ، فَيَلْحَسُونَهُ وَيَقُولُونَ : غَدًا نَفْتَحُهُ . وَيُلْهَمُونَ أَنْ يَقُولُوا : " إِنْ شَاءَ اللَّهُ " ، فَيُصْبِحُونَ وَهُوَ كَمَا فَارَقُوهُ ، فَيَفْتَحُونَهُ . وَهَذَا مُتَّجَهٌ ، وَلَعَلَّ أَبَا هُرَيْرَةَ تَلَقَّاهُ مِنْ كَعْبٍ . فَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا كَانَ يُجَالِسُهُ وَيُحَدِّثُهُ ، فَحَدَّثَ بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ ، فَتَوَهَّمَ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْهُ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ ، فَرَفَعَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَيُؤَكِّدُ مَا قُلْنَاهُ - مِنْ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ نَقْبِهِ وَلَا نَقْبِ شَيْءٍ مِنْهُ ، وَمِنْ نَكَارَةِ هَذَا الْمَرْفُوعِ - قَوْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ :
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ [ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ أُمِّهَا أُمِّ حَبِيبَةَ ، عَنْ ] زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ سُفْيَانُ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ - قَالَتْ : اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَوْمِهِ . وَهُوَ مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ ، وَهُوَ يَقُولُ : " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ! وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ ! فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذَا " . وَحَلَّقَ . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟ قَالَ : " نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ " .
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، اتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَلَى إِخْرَاجِهِ ، مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، وَلَكِنْ سَقَطَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ذِكْرُ حَبِيبَةَ ، وَأَثْبَتَهَا مُسْلِمٌ . وَفِيهِ أَشْيَاءُ عَزِيزَةٌ نَادِرَةٌ قَلِيلَةُ الْوُقُوعِ فِي صِنَاعَةِ الْإِسْنَادِ ، مِنْهَا رِوَايَةُ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ ، وَهُمَا تَابِعِيَّانِ وَمِنْهَا اجْتِمَاعُ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ فِي سَنَدِهِ ، كُلُّهُنَّ يَرْوِي بِعَضُّهُنَّ عَنْ بَعْضٍ . ثُمَّ كَلٌّ مِنْهُنَّ صَحَابِيَّةٌ ، ثُمَّ ثَنْتَانِ رَبِيبَتَانِ وَثَنْتَانِ زَوْجَتَانِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ .
وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا ، فَقَالَ الْبَزَّارُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذَا " وَعَقَدَ التِّسْعِينَ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ وُهَيْبٍ ، بِهِ .
199 وَقَوْلُهُ : ( قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي ) أَيْ : لَمَّا بَنَاهُ ذُو الْقَرْنَيْنِ ( قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي ) أَيْ : بِالنَّاسِ حَيْثُ جَعَلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ حَائِلًا يَمْنَعُهُمْ مِنَ الْعَيْثِ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادِ . ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي ) أَيْ : إِذَا اقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ ( جَعَلَهُ دَكَّاءَ ) أَيْ : سَاوَاهُ بِالْأَرْضِ . تَقُولُ الْعَرَبُ : نَاقَةٌ دَكَّاءُ : إِذَا كَانَ ظَهْرُهَا مُسْتَوِيًا لَا سَنَامَ لَهَا . وَقَالَ تَعَالَى : ( فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا ) [ الْأَعْرَافِ : 143 ] أَيْ : مُسَاوِيًا لِلْأَرْضِ .
وَقَالَ عِكْرِمَةُ فِي قَوْلِهِ : ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ) قَالَ : طَرِيقًا كَمَا كَانَ .
( وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ) أَيْ : كَائِنًا لَا مَحَالَةَ .
وَقَوْلُهُ : ( وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ [ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ] ) أَيِ النَّاسَ يَوْمَئِذَ أَيْ يَوْمَ يُدَكُّ هَذَا السَّدُّ وَيَخْرُجُ هَؤُلَاءِ فَيَمُوجُونَ فِي النَّاسِ وَيُفْسِدُونَ عَلَى النَّاسِ أَمْوَالَهُمْ وَيُتْلِفُونَ أَشْيَاءَهُمْ ، وَهَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ فِي قَوْلِهِ : ( وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ) قَالَ : ذَاكَ حِينَ يَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ . وَهَذَا كُلُّهُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَبَعْدَ الدَّجَّالِ ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ [ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ] عِنْدَ قَوْلِهِ : ( حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 96 ، 97 ] وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا : ( وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا ) قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ) قَالَ : هَذَا أَوَّلُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ) عَلَى أَثَرِ ذَلِكَ ( فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا ) .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : ( وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ) أَيْ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَخْتَلِطُ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ .
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ يَعْقُوبَ الْقُمِّيِّ عَنْ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ فِي قَوْلِهِ : ( وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ) قَالَ : إِذَا مَاجَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ قَالَ إِبْلِيسُ : أَنَا أَعْلَمُ لَكُمْ عِلْمَ هَذَا الْأَمْرِ . فَيَظْعَنُ إِلَى الْمَشْرِقِ فَيَجِدُ الْمَلَائِكَةَ قَدْ بَطَّنُوا الْأَرْضَ ، ثُمَّ يَظْعَنُ إِلَى الْمَغْرِبِ فَيَجِدُ الْمَلَائِكَةَ بَطَّنُوا الْأَرْضَ فَيَقُولُ : " مَا مِنْ مَحِيصٍ " . ثُمَّ يَظْعَنُ يَمِينًا وَشِمَالًا إِلَى أَقْصَى الْأَرْضِ فَيَجِدُ الْمَلَائِكَةَ بَطَّنُوا الْأَرْضَ فَيَقُولُ : " مَا مِنْ مَحِيصٍ " فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ ، إِذْ عُرِضُ لَهُ طَرِيقٌ كَالشِّرَاكِ ، فَأَخَذَ عَلَيْهِ هُوَ وَذُرِّيَّتُهُ ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَيْهِ إِذْ هَجَمُوا عَلَى النَّارِ ، فَأَخْرَجَ اللَّهُ خَازِنًا مِنْ خُزَّانِ النَّارِ ، فَقَالَ : يَاإِبْلِيسُ ، أَلَمْ تَكُنْ لَكَ الْمَنْزِلَةُ عِنْدَ رَبِّكَ ؟ ! أَلَمْ تَكُنْ فِي الْجِنَانِ ؟ ! فَيَقُولُ : لَيْسَ هَذَا يَوْمَ عِتَابٍ ، لَوْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيَّ فَرِيضَةً لَعَبَدْتُهُ فِيهَا عِبَادَةً لَمْ يَعْبُدْهُ مِثْلَهَا أَحَدٌ مِنْ 200 خَلْقِهِ . فَيَقُولُ : فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْكَ فَرِيضَةً . فَيَقُولُ : مَا هِيَ ؟ فَيَقُولُ : يَأْمُرُكَ أَنْ تَدْخُلَ النَّارَ . فَيَتَلَكَّأُ عَلَيْهِ ، فَيَقُولُ بِهِ وَبِذُرِّيَّتِهِ بِجَنَاحَيْهِ فَيَقْذِفُهُمْ فِي النَّارِ . فَتَزْفِرُ النَّارُ زَفْرَةً لَا يَبْقَى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ إِلَّا جَثَا لِرُكْبَتَيْهِ
وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ يَعْقُوبَ الْقَمِّيِّ بِهِ . رَوَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يَعْقُوبَ ، عَنْ هَارُونَ عَنْ عَنْتَرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ) قَالَ : الْجِنُّ وَالْإِنْسُ ، يَمُوجُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ .
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْأَصْفَهَانِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ أَحْمَدُ بْنُ الْفُرَاتِ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ جَابِرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِنْ وَلَدِ آدَمَ ، وَلَوْ أُرْسِلُوا لَأَفْسَدُوا عَلَى النَّاسِ مَعَايِشَهُمْ ، وَلَنْ يَمُوتَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا تَرَكَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ أَلْفًا فَصَاعِدًا ، وَإِنَّ مِنْ وَرَائِهِمْ ثَلَاثَ أُمَمٍ : تَاوِيلَ ، وَتَايَسَ وَمَنْسَكَ " . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ بَلْ مُنْكَرٌ ضَعِيفٌ .
وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَوْسِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ مَرْفُوعًا : " إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ لَهُمْ نِسَاءٌ ، يُجَامِعُونَ مَا شَاءُوا ، وَشَجَرٌ يُلَقِّحُونَ مَا شَاءُوا ، وَلَا يَمُوتُ مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا تَرَكَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ أَلْفًا فَصَاعِدًا "
وَقَوْلُهُ : ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ) : وَالصُّورُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : " قَرْنٌ يُنْفَخُ " فِيهِ وَالَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ إِسْرَافِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، كَمَا قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ بِطُولِهِ ، وَالْأَحَادِيثُ فِيهِ كَثِيرَةٌ .
وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ عَطِيَّةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا : " كَيْفَ أَنْعَمُ ، وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ ، وَحَنَى جَبْهَتَهُ وَاسْتَمَعَ مَتَى يُؤْمَرُ " . قَالُوا : كَيْفَ نَقُولُ ؟ قَالَ : " قُولُوا : حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ، عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا "
وَقَوْلُهُ ) فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا ) أَيْ : أَحْضَرْنَا الْجَمِيعَ لِلْحِسَابِ ( قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ) [ الْوَاقِعَةِ : 49 ، 50 ] ، ( وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ) [ الْكَهْفِ : 47 ]
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith