تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
page 1144 · printed p. 306
( إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا ( 74 ) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا ( 75 ) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى ( 76 ) ) .
الظَّاهِرُ مِنَ السِّيَاقِ أَنَّ هَذَا مِنْ تَمَامِ مَا وَعَظَ بِهِ السَّحَرَةُ لِفِرْعَوْنَ ، يُحَذِّرُونَهُ مِنْ نِقْمَةِ اللَّهِ وَعَذَابِهِ الدَّائِمِ السَّرْمَدِيِّ ، وَيُرَغِّبُونَهُ فِي ثَوَابِهِ الْأَبَدِيِّ الْمُخَلَّدِ ، فَقَالُوا : ( إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا ) أَيْ : يَلْقَى اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ مُجْرِمٌ ( فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا ) كَقَوْلِهِ : ( لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ) [ فَاطِرٍ : 36 ] ، وَقَالَ : ( وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا ) [ الْأَعْلَى : 11 - 13 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ ) [ الزُّخْرُفِ : 77 ] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا ، فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ وَلَكِنَّ [ النَّاسَ ] تُصِيبُهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ ، فَتُمِيتُهُمْ إِمَاتَةً ، حَتَّى إِذَا صَارُوا فَحْمًا ، أُذِنَ فِي الشَّفَاعَةِ ، جِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ ، فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ ، فَيُقَالُ : يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ ، أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحَبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ " 306 فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ : كَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ بِالْبَادِيَةِ .
وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِهِ الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ وَبِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ بِهِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : ذُكِرَ عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا حَيَّانُ ، سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيَّ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ فَأَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ : ( إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا ) ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " أَمَّا أَهْلُهَا الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا ، فَلَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ ، وَأَمَّا الَّذِينَ لَيْسُوا مَنْ أَهْلِهَا ، فَإِنَّ النَّارَ تَمَسُّهُمْ ، ثُمَّ يَقُومُ الشُّفَعَاءُ فَيَشْفَعُونَ ، فَتُجْعَلُ الضَّبَائِرُ ، فَيُؤْتَى بِهِمْ نَهْرًا يُقَالُ لَهُ : الْحَيَاةُ - أَوِ : الْحَيَوَانُ - فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْقِثَّاءُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ " .
وَقَوْلُهُ : ( وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ ) أَيْ : وَمَنْ لَقِيَ رَبَّهُ يَوْمَ الْمَعَادِ مُؤْمِنَ الْقَلْبِ ، قَدْ صَدَقَ ضَمِيرَهُ بِقَوْلِهِ وَعَمَلِهِ ، ( فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا ) أَيِ : الْجَنَّةُ ذَاتُ الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَاتِ ، وَالْغُرَفِ الْآمِنَاتِ ، وَالْمَسَاكِنِ الطَّيِّبَاتِ .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، أَنْبَأَنَا هَمَّامٌ ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ " الْجَنَّةُ مِائَةُ دَرَجَةٍ ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، وَالْفِرْدَوْسُ أَعْلَاهَا دَرَجَةً وَمِنْهَا تَخْرُجُ الْأَنْهَارُ الْأَرْبَعَةُ ، وَالْعَرْشُ فَوْقَهَا ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ " .
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ ، عَنْ هَمَّامٍ ، بِهِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِيُّ ، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ يُقَالُ : الْجَنَّةُ مِائَةُ دَرَجَةٍ ، فِي كُلِّ دَرَجَةٍ مِائَةُ دَرَجَةٍ ، بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، فِيهِنَّ الْيَاقُوتُ وَالْحُلِيُّ ، فِي كُلِّ دَرَجَةٍ أَمِيرٌ ، يَرَوْنَ لَهُ الْفَضْلَ وَالسُّؤْدُدَ .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ : ۝ " أَنَّ أَهْلَ عِلِّيِّينَ لَيَرَوْنَ مَنْ فَوْقَهُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْكَوْكَبَ الْغَابِرَ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ ، لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ " . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ؟ قَالَ : " بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ " . 307
وَفِي السُّنَنِ : " وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَمِنْهُمْ وَأَنْعَمَا " .

وَقَوْلُهُ : ( جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي ) أَيْ : إِقَامَةٌ وَهُوَ بَدَلٌ مِنَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى ، ( [ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ] خَالِدِينَ فِيهَا ) أَيْ : مَاكِثِينَ أَبَدًا ، ( وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى ) أَيْ : طَهَّرَ نَفْسَهُ مِنَ الدَّنَسِ وَالْخَبَثِ وَالشِّرْكِ ، وَعَبَدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ فِيمَا جَاءُوا بِهِ مِنْ خَبَرٍ وَطَلَبٍ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith