تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
الصفحة 1160 · ص. المطبوع 327
( وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ( 131 ) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ( 132 ) )
يَقُولُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ : لَا تَنْظُرْ إِلَى هَؤُلَاءِ الْمُتْرَفِينَ وَأَشْبَاهِهِمْ وَنُظَرَائِهِمْ ، وَمَا فِيهِ مِنَ النِّعَمِ فَإِنَّمَا هُوَ زَهْرَةٌ زَائِلَةٌ ، وَنِعْمَةٌ حَائِلَةٌ ، لِنَخْتَبِرَهُمْ بِذَلِكَ ، وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( أَزْوَاجًا مِنْهُمْ ) يَعْنِي : الْأَغْنِيَاءَ فَقَدْ آتَاكَ [ اللَّهُ ] خَيْرًا مِمَّا آتَاهُمْ ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ ) [ الْحِجْرِ : 87 ، 88 ] ، وَكَذَلِكَ مَا ادَّخَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ أَمْرٌ عَظِيمٌ لَا يُحَدُّ وَلَا يُوصَفُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ) [ الضُّحَى : 5 ] وَلِهَذَا قَالَ : ( وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) .
وَفِي الصَّحِيحِ : ۝ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تِلْكَ الْمَشْرُبَةِ الَّتِي كَانَ قَدِ اعْتَزَلَ فِيهَا نِسَاءَهُ ، حِينَ آلَى مِنْهُمْ فَرَآهُ مُتَوَسِّدًا مُضْطَجِعًا عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ وَلَيْسَ فِي الْبَيْتِ إِلَّا صُبْرَةٌ مِنْ قَرَظٍ ، وَأُهُبٌ مُعَلَّقَةٌ ، فَابْتَدَرَتْ عَيْنَا عُمَرَ بِالْبُكَاءِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " مَا يُبْكِيكَ ؟ " . 327 فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ ، وَأَنْتَ صَفْوَةُ اللَّهِ مِنْ خَلْقِهِ؟ فَقَالَ : " أَوَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ؟ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا " .
فَكَانَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ أَزْهَدَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا ، إِذَا حَصَلَتْ لَهُ يُنْفِقُهَا هَكَذَا وَهَكَذَا ، فِي عِبَادِ اللَّهِ ، وَلَمْ يَدَّخِرْ لِنَفْسِهِ شَيْئًا لِغَدٍ .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : أَنْبَأَنَا يُونُسُ ، أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنِ أَبِي سَعِيدٍ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ " إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يَفْتَحُ اللَّهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا " . قَالُوا : وَمَا زَهْرَةُ الدُّنْيَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ : " بَرَكَاتُ الْأَرْضِ " .
وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ : زَهْرَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، يَعْنِي : زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا .
وَقَالَ قَتَادَةُ ( لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ) لِنَبْتَلِيَهُمْ .
وَقَوْلُهُ : ( وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ) أَيِ : اسْتَنْقِذْهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ ، وَاصْطَبِرْ أَنْتَ عَلَى فِعْلِهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( يَا أَيْهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ) [ التَّحْرِيمِ : 6 ] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنِ أَبِيهِ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَبِيتُ عِنْدَهُ أَنَا وَيَرْفَأُ ، وَكَانَ لَهُ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ يُصَلِّي فِيهَا ، فَرُبَّمَا لَمْ يَقُمْ فَنَقُولُ : لَا يَقُومُ اللَّيْلَةَ كَمَا كَانَ يَقُومُ ، وَكَانَ إِذَا [ اسْتَيْقَظَ أَقَامَ ] - يَعْنِي أَهْلَهُ - وَقَالَ : ( وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ) .
وَقَوْلُهُ : ( لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ ) يَعْنِي إِذَا أَقَمْتَ الصَّلَاةَ أَتَاكَ الرِّزْقُ مِنْ حَيْثُ لَا تَحْتَسِبُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ) [ الطَّلَاقِ : 2 ، 3 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) [ الذَّارِيَاتِ : 56 - 58 ] وَلِهَذَا قَالَ : ( لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ ) وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : ( لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ) أَيْ : لَا نُكَلِّفُكَ الطَّلَبَ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ [ أَيْضًا ] حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنِ أَبِيهِ; أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا ، فَرَأَى مِنْ دُنْيَاهُمْ طَرَفًا فَإِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ ، فَدَخَلَ الدَّارَ 328 قَرَأَ : ( وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( نَحْنُ نَرْزُقُكَ ) ثُمَّ يَقُولُ : الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ ، رَحِمَكُمُ اللَّهُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ الْقَطَوَانِيُّ ، حَدَّثَنَا سَيَّارٌ ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ ، عَنْ ثَابِتٍ قَالَ : ۝ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَصَابَهُ خَصَاصَةٌ نَادَى أَهْلَهُ : " يَا أَهْلَاهُ ، صَلُّوا ، صَلُّوا " . قَالَ ثَابِتٌ : وَكَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ إِذَا نَزَلَ بِهِمْ أَمْرٌ فَزِعُوا إِلَى الصَّلَاةِ .
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ زَائِدَةَ ، عَنِ أَبِيهِ ، عَنِ أَبِي خَالِدٍ الْوَالِبِيِّ ، عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : يَا ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى ، وَأَسُدَّ فَقْرَكَ ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ مَلَأْتُ صَدْرَكَ شُغْلًا وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ " .
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ الْأَسْوَدِ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ۝ " مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ الْمَعَادِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ . وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهِ هَلَكَ " .
وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبَانٍ ، عَنِ أَبِيهِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ۝ " مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ . وَمَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ ، جَمَعَ لَهُ أَمْرَهُ ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ " .
( وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ) أَيْ : وَحُسْنُ الْعَاقِبَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَهِيَ الْجَنَّةُ ، لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ .
وَفِي الصَّحِيحِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ " رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ كَأَنَّا فِي دَارِ عُقْبَةَ بْنِ رَافِعٍ وَأَنَّا أُتِينَا بِرُطَبٍ [ مِنْ رُطَبِ ] ابْنِ طَابَ ، فَأَوَّلْتُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَاقِبَةَ لَنَا فِي الدُّنْيَا وَالرِّفْعَةَ وَأَنَّ دِينَنَا قَدْ طَابَ " .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث