تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
( وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ( 62 ) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ ( 63 ) حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْئَرُونَ ( 64 ) لَا تَجْئَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ ( 65 ) قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ ( 66 ) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ ( 67 ) ) .
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ عَدْلِهِ فِي شَرْعِهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الدُّنْيَا : أَنَّهُ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ، أَيْ : إِلَّا مَا تُطِيقُ حَمْلَهُ وَالْقِيَامَ بِهِ ، وَأَنَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُحَاسِبُهُمْ بِأَعْمَالِهِمُ الَّتِي كَتَبَهَا عَلَيْهِمْ فِي كِتَابٍ مَسْطُورٍ لَا يَضِيعُ مِنْهُ شَيْءٌ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ ) يَعْنِي : كِتَابَ الْأَعْمَالِ ، ( وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ) أَيْ : لَا يُبْخَسُونَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا ، وَأَمَّا السَّيِّئَاتُ فَيَعْفُو وَيَصْفَحُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْهَا لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ . 482
ثُمَّ قَالَ مُنْكِرًا عَلَى الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ : ( بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ ) أَيْ : غَفْلَةٍ وَضَلَالَةٍ ) مِنْ هَذَا ) أَيِ : الْقُرْآنُ الَّذِي أَنْزَلَهُ [ اللَّهُ تَعَالَى ] عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ ) : قَالَ الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَلَهُمْ أَعْمَالٌ ) أَيْ : سَيِّئَةٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ ، يَعْنِي : الشِّرْكَ ، ( هُمْ لَهَا عَامِلُونَ ) قَالَ : لَا بُدَّ أَنْ يَعْمَلُوهَا . كَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ .
وَقَالَ آخَرُونَ : ( وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ ) أَيْ : قَدْ كُتِبَ عَلَيْهِمْ أَعْمَالٌ سَيِّئَةٌ لَا بُدَّ أَنْ يَعْمَلُوهَا قَبْلَ مَوْتِهِمْ لَا مَحَالَةَ ، لِتَحِقَّ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ . وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ والسُّدِّيِّ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ . وَهُوَ ظَاهِرٌ قَوِيٌّ حَسَنٌ . وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ : " فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ ، إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ ، فَيَدْخُلُهَا " .
وَقَوْلُهُ : ( حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْئَرُونَ ) يَعْنِي : حَتَّى إِذَا جَاءَ مُتْرَفِيهِمْ وَهُمُ السُّعَدَاءُ الْمُنَعَّمُونَ فِي الدُّنْيَا عَذَابَ اللَّهِ وَبَأْسَهُ وَنِقْمَتَهُ بِهِمْ ( إِذَا هُمْ يَجْئَرُونَ ) أَيْ : يَصْرُخُونَ وَيَسْتَغِيثُونَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا . إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا . وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا ) [ الْمُزَّمِّلِ : 11 13 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ ) [ ص : 3 ] .
وَقَوْلُهُ : ( لَا تَجْئرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ ) أَيْ : لَا نُجِيرُكُمْ مِمَّا حَلَّ بِكُمْ ، سَوَاءٌ جَأَرْتُمْ أَوْ سَكَتُّمْ ، لَا مَحِيدَ وَلَا مَنَاصَ وَلَا وَزَرَ لَزِمَ الْأَمْرُ وَوَجَبَ الْعَذَابُ .
ثُمَّ ذَكَرَ أَكْبَرَ ذُنُوبِهِمْ فَقَالَ : ( قَدْ كَانتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ ) أَيْ : إِذَا دُعِيتُمْ أَبَيْتُمْ ، وَإِنْ طُلِبْتُمُ امْتَنَعْتُمْ; ( ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ) [ غَافِرٍ : 12 ] .
وَقَوْلُهُ : ( مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ ) : فِي تَفْسِيرِهِ قَوْلَانِ ، أَحَدُهُمَا : أَنَّ مُسْتَكْبِرِينَ حَالٌ مِنْهُمْ حِينَ نُكُوصِهِمْ عَنِ الْحَقِّ وَإِبَائِهِمْ إِيَّاهُ ، اسْتِكْبَارًا عَلَيْهِ وَاحْتِقَارًا لَهُ وَلِأَهْلِهِ ، فَعَلَى هَذَا ؛ الضَّمِيرُ فِي ) بِهِ ) فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ الْحَرَمُ بِمَكَّةَ ، ذُمُّوا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْمُرُونَ بِالْهَجْرِ مِنَ الْكَلَامِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ ضَمِيرُ الْقُرْآنِ ، كَانُوا يَسْمُرُونَ وَيَذْكُرُونَ الْقُرْآنَ بِالْهَجْرِ مِنَ الْكَلَامِ : " إِنَّهُ سِحْرٌ ، إِنَّهُ شِعْرٌ ، إِنَّهُ كَهَانَةٌ " إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ الْبَاطِلَةِ . 483
وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَانُوا يَذْكُرُونَهُ فِي سَمَرِهِمْ بِالْأَقْوَالِ الْفَاسِدَةِ ، وَيَضْرِبُونَ لَهُ الْأَمْثَالَ الْبَاطِلَةَ ، مِنْ أَنَّهُ شَاعِرٌ ، أَوْ كَاهِنٌ ، أَوْ سَاحِرٌ ، أَوْ كَذَّابٌ ، أَوْ مَجْنُونٌ . وَكُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ ، بَلْ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ، الَّذِي أَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، وَأَخْرَجَهُمْ مِنَ الْحَرَمِ صَاغِرِينَ أَذِلَّاءَ .
وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِقَوْلُهُ : ( مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ ) أَيْ : بِالْبَيْتِ ، يَفْتَخِرُونَ بِهِ وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ أَوْلِيَاؤُهُ ، وَلَيْسُوا بِهِمْ ، كَمَا قَالَ النَّسَائِيُّ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ سُنَنِهِ :
أَخْبَرْنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا كُرِهَ السَّمَرُ حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ ) ، فَقَالَ : مُسْتَكْبِرِينَ بِالْبَيْتِ ، يَقُولُونَ : نَحْنُ أَهْلُهُ ، ( سَامِرًا ) قَالَ : يَتَكَبَّرُونَ [ وَيَسْمُرُونَ فِيهِ ، وَلَا ] يُعَمِّرُونَهُ ، وَيَهْجُرُونَهُ .
وَقَدْ أَطْنَبَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هَاهُنَا بِمَا ذَا حَاصِلُهُ .
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ عَدْلِهِ فِي شَرْعِهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الدُّنْيَا : أَنَّهُ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ، أَيْ : إِلَّا مَا تُطِيقُ حَمْلَهُ وَالْقِيَامَ بِهِ ، وَأَنَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُحَاسِبُهُمْ بِأَعْمَالِهِمُ الَّتِي كَتَبَهَا عَلَيْهِمْ فِي كِتَابٍ مَسْطُورٍ لَا يَضِيعُ مِنْهُ شَيْءٌ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ ) يَعْنِي : كِتَابَ الْأَعْمَالِ ، ( وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ) أَيْ : لَا يُبْخَسُونَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا ، وَأَمَّا السَّيِّئَاتُ فَيَعْفُو وَيَصْفَحُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْهَا لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ . 482
ثُمَّ قَالَ مُنْكِرًا عَلَى الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ : ( بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ ) أَيْ : غَفْلَةٍ وَضَلَالَةٍ ) مِنْ هَذَا ) أَيِ : الْقُرْآنُ الَّذِي أَنْزَلَهُ [ اللَّهُ تَعَالَى ] عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ ) : قَالَ الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَلَهُمْ أَعْمَالٌ ) أَيْ : سَيِّئَةٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ ، يَعْنِي : الشِّرْكَ ، ( هُمْ لَهَا عَامِلُونَ ) قَالَ : لَا بُدَّ أَنْ يَعْمَلُوهَا . كَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ .
وَقَالَ آخَرُونَ : ( وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ ) أَيْ : قَدْ كُتِبَ عَلَيْهِمْ أَعْمَالٌ سَيِّئَةٌ لَا بُدَّ أَنْ يَعْمَلُوهَا قَبْلَ مَوْتِهِمْ لَا مَحَالَةَ ، لِتَحِقَّ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ . وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ والسُّدِّيِّ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ . وَهُوَ ظَاهِرٌ قَوِيٌّ حَسَنٌ . وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ : " فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ ، إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ ، فَيَدْخُلُهَا " .
وَقَوْلُهُ : ( حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْئَرُونَ ) يَعْنِي : حَتَّى إِذَا جَاءَ مُتْرَفِيهِمْ وَهُمُ السُّعَدَاءُ الْمُنَعَّمُونَ فِي الدُّنْيَا عَذَابَ اللَّهِ وَبَأْسَهُ وَنِقْمَتَهُ بِهِمْ ( إِذَا هُمْ يَجْئَرُونَ ) أَيْ : يَصْرُخُونَ وَيَسْتَغِيثُونَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا . إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا . وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا ) [ الْمُزَّمِّلِ : 11 13 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ ) [ ص : 3 ] .
وَقَوْلُهُ : ( لَا تَجْئرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ ) أَيْ : لَا نُجِيرُكُمْ مِمَّا حَلَّ بِكُمْ ، سَوَاءٌ جَأَرْتُمْ أَوْ سَكَتُّمْ ، لَا مَحِيدَ وَلَا مَنَاصَ وَلَا وَزَرَ لَزِمَ الْأَمْرُ وَوَجَبَ الْعَذَابُ .
ثُمَّ ذَكَرَ أَكْبَرَ ذُنُوبِهِمْ فَقَالَ : ( قَدْ كَانتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ ) أَيْ : إِذَا دُعِيتُمْ أَبَيْتُمْ ، وَإِنْ طُلِبْتُمُ امْتَنَعْتُمْ; ( ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ) [ غَافِرٍ : 12 ] .
وَقَوْلُهُ : ( مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ ) : فِي تَفْسِيرِهِ قَوْلَانِ ، أَحَدُهُمَا : أَنَّ مُسْتَكْبِرِينَ حَالٌ مِنْهُمْ حِينَ نُكُوصِهِمْ عَنِ الْحَقِّ وَإِبَائِهِمْ إِيَّاهُ ، اسْتِكْبَارًا عَلَيْهِ وَاحْتِقَارًا لَهُ وَلِأَهْلِهِ ، فَعَلَى هَذَا ؛ الضَّمِيرُ فِي ) بِهِ ) فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ الْحَرَمُ بِمَكَّةَ ، ذُمُّوا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْمُرُونَ بِالْهَجْرِ مِنَ الْكَلَامِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ ضَمِيرُ الْقُرْآنِ ، كَانُوا يَسْمُرُونَ وَيَذْكُرُونَ الْقُرْآنَ بِالْهَجْرِ مِنَ الْكَلَامِ : " إِنَّهُ سِحْرٌ ، إِنَّهُ شِعْرٌ ، إِنَّهُ كَهَانَةٌ " إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ الْبَاطِلَةِ . 483
وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَانُوا يَذْكُرُونَهُ فِي سَمَرِهِمْ بِالْأَقْوَالِ الْفَاسِدَةِ ، وَيَضْرِبُونَ لَهُ الْأَمْثَالَ الْبَاطِلَةَ ، مِنْ أَنَّهُ شَاعِرٌ ، أَوْ كَاهِنٌ ، أَوْ سَاحِرٌ ، أَوْ كَذَّابٌ ، أَوْ مَجْنُونٌ . وَكُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ ، بَلْ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ، الَّذِي أَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، وَأَخْرَجَهُمْ مِنَ الْحَرَمِ صَاغِرِينَ أَذِلَّاءَ .
وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِقَوْلُهُ : ( مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ ) أَيْ : بِالْبَيْتِ ، يَفْتَخِرُونَ بِهِ وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ أَوْلِيَاؤُهُ ، وَلَيْسُوا بِهِمْ ، كَمَا قَالَ النَّسَائِيُّ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ سُنَنِهِ :
أَخْبَرْنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا كُرِهَ السَّمَرُ حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ ) ، فَقَالَ : مُسْتَكْبِرِينَ بِالْبَيْتِ ، يَقُولُونَ : نَحْنُ أَهْلُهُ ، ( سَامِرًا ) قَالَ : يَتَكَبَّرُونَ [ وَيَسْمُرُونَ فِيهِ ، وَلَا ] يُعَمِّرُونَهُ ، وَيَهْجُرُونَهُ .
وَقَدْ أَطْنَبَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هَاهُنَا بِمَا ذَا حَاصِلُهُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith